مفارقة “الصين الحصينة”

تقرير
الصين تسعى إلى تقليل تعرضها لعدم الاستقرار الخارجي بينما تواصل بناء نموها (أ ف ب)
الصين تسعى إلى تقليل تعرضها لعدم الاستقرار الخارجي بينما تواصل بناء نموها (أ ف ب)
ﺷﺎرك

لم تُنشئ أزمة مضيق هرمز ما يمكن وصفه بـ“الصين الحصينة”، بل أكدت هذا التوجه، فالتعليقات والتحليلات الغربية تصوّر بشكل متزايد توجه بكين نحو بناء اقتصاد أكثر تحصيناً باعتباره رد فعل على الصدمات الجيوسياسية المتصاعدة، بدءاً من الحرب في أوكرانيا والمواجهة التجارية المستمرة بين الولايات المتحدة والصين، وصولاً إلى أزمة مضيق هرمز.

لكن هذا التصور يخلط بين السياق والسبب، فرغم الضغوط التي تفرضها الزيادة في أسعار الطاقة والسلع، لا تتصرف الصين ببساطة كرد فعل على الأزمات المتلاحقة، بل تنفذ رؤية استراتيجية تشكلت على مدى أكثر من عقد.

وقبل جائحة “كوفيد-19”، والحرب في أوكرانيا، وأزمة هرمز الحالية، كانت بكين تستعد صراحةً لبيئة دولية تتسم باضطرابات مستمرة، وتفتت متزايد، وتنافس بين القوى الكبرى، وفي هذا الإطار، لا تُعد أزمات مثل أزمة هرمز صدمات تستدعي تعديل الاستراتيجية، بل تمثل دليلاً على صحة التوجه، فهي تعزز تقييم الصين المستمر بأن عدم الاستقرار المنهجي يتحول إلى وضع طبيعي ومستمر في السياسة الدولية.

لذلك، فإن مفهوم “الصين الحصينة” لا يعني الانسحاب من العولمة، بل يمثل محاولة لإعادة صياغة طريقة مشاركة الصين فيها، فمن خلال مبادرة الحزام والطريق، تسعى بكين إلى تقليل تعرضها للاضطرابات الخارجية في أوقات السلم، عبر إنشاء ممرات تجارية بديلة وبنية تحتية استراتيجية، غير أن هذه الشبكات نفسها تفتح مسارات جديدة يمكن أن تنتقل عبرها الاضطرابات الخارجية لتنعكس على الاقتصاد الصيني المحلي في حال اندلاع صراع شامل، وعليه، لا يتمثل السؤال فقط فيما إذا كانت “الصين الحصينة” تقلل من مواطن الضعف، بل أيضاً في كيفية إعادة توزيع هذه الهشاشة وأين تنتقل.

بُني صعود الصين وفق منطق مختلف تماماً، حيث استندت معادلة تطورها السريع ونفوذها الجيو-اقتصادي الحالي تحديداً إلى بقائها مغلقة سياسياً ومنفتحة اقتصادياً، وتكاملت السياسة الصناعية الموجهة من الدولة وهيمنة الشركات المملوكة للدولة على القطاعات الاستراتيجية مع ترابط اقتصادي عالمي عميق، قائم على الطلب الغربي والاستثمار الأجنبي المباشر وتبادل التكنولوجيا، ومن هنا، تكمن في صميم توجه بكين المتزايد نحو “الصين الحصينة” مفارقة واضحة: فهي تسعى في الوقت نفسه إلى تقليل تعرضها لعدم الاستقرار الخارجي، بينما تواصل بناء نموها على الطلب الخارجي والتكنولوجيا والتجارة.

تكمن مفارقة واضحة في توجه بكين المتزايد نحو “الصين الحصينة” فهي تسعى إلى تقليل تعرضها لعدم الاستقرار الخارجي بينما تواصل بناء نموها على الطلب الخارجي والتكنولوجيا والتجارة

تظهر هذه المعضلة بأوضح صورها في مبادرة الحزام والطريق، التي تشكل مظلة لمجموعة واسعة من مشروعات البنية التحتية الاستراتيجية الممتدة من آسيا الوسطى إلى أمريكا الجنوبية، حيث تعمل المبادرة على إنشاء وتحديث ممرات تجارية برية وبحرية تقلل الاعتماد على نقاط الاختناق المعرضة للخطر، والتي تسيطر على كثير منها دول غربية، مع الحفاظ في الوقت ذاته على وصول السلع الصينية إلى الأسواق، وبذلك، تمثل مبادرة الحزام والطريق التعبير الدولي عن مفهوم “الصين الحصينة”.

لكن مشروعات الحزام والطريق ليست بمنأى عن عدم الاستقرار والاضطرابات، بل على العكس، يولي المخططون الدفاعيون الأمريكيون اهتماماً متزايداً بالبنية التحتية الاستراتيجية المهمة المرتبطة بالمبادرة، نظراً إلى إمكان استخدامها لأغراض عسكرية، ما يجعل هذه الأصول عرضة للاستهداف في حال اندلاع نزاع مستقبلي.

نجحت الصين في التكيف مع عالم يتسم بعولمة اقتصادية واستقرار نسبي من خلال سياسة “الإصلاح والانفتاح” التي بدأت بعد عام 1978، وفي الآونة الأخيرة، عززت موقعها عبر توظيف الترابط الاقتصادي، ولا سيما في سلاسل الإمداد الحيوية، واليوم، تحاول بكين إعادة تصور الانفتاح في ظل التفتت الجيو-اقتصادي وعدم الاستقرار العالمي.

  الأمن والسياسة الاقتصادية   

لا تمثل “الصين الحصينة” عقيدة رسمية، بل توجهاً استراتيجياً أوسع يدمج مفاهيم الحزب الشيوعي الصيني بشأن التنمية والأمن ضمن إطار حاكم واحد، يُترجم عادةً إلى “مفهوم الأمن القومي الشامل”، حيث يوسع هذا الإطار نطاق الأمن ليتجاوز المجال العسكري ليشمل التمويل والطاقة والغذاء والبيانات والتكنولوجيا وسلاسل الإمداد، وهو نتاج تحول طويل الأمد نحو التخطيط على أساس أسوأ السيناريوهات المحتملة.

لكن هذه الاستراتيجية تنطوي على توتر هيكلي؛ فمعاملة الصين جميع مجالات التنمية تقريباً باعتبارها قضايا تتعلق بالأمن القومي قد تقيد الظروف الاقتصادية العالمية التي مكّنتها من تحقيق صعودها، والتي لا تزال تدعم مكانتها كقوة عالمية، والنتيجة هي نظام صُمم لتعزيز القدرة على الصمود خلال الأزمات، لكنه يخاطر في الوقت نفسه بتضييق نطاق البنى الاقتصادية التي لا يزال نمو الصين على المدى الطويل يعتمد عليها.

الرئيس الصيني شي جين بينغ في محطة حاويات بيرايوس (أ ف ب)
الرئيس الصيني شي جين بينغ في محطة حاويات بيرايوس (أ ف ب)

وُضعت أسس “الصين الحصينة” في أعقاب أزمة عام 2008، عندما دفعت المخاوف بشأن هشاشة الطلب والانكشاف المفرط على الأسواق العالمية إلى إعادة تموضع استراتيجي، وتمكنت الصين فعلياً من تجاوز الأزمة الاقتصادية لعام 2008 من خلال الإنفاق المكثف؛ إذ استثمرت بشكل هائل في البنية التحتية والتنمية الحضرية الممولة بالديون، واستخدمت خلال عامين كمية من الخرسانة تفوق ما استخدمته الولايات المتحدة طوال القرن العشرين بأكمله.

وساعد ذلك على تفادي تسريح العمال وحالة عدم الاستقرار الاجتماعي التي كان من المرجح أن ترافق انهيار الطلب الخارجي، وفي هذه العملية، أعادت الصين توجيه قدر كبير من طاقتها العمالية، ووسعت بصورة مفرطة قطاع شركات البناء المملوكة للدولة، ودَفعت نحو توسع هائل في الائتمان من خلال البنوك المملوكة للدولة.

أفرز النموذج الجديد اختلالات هيكلية طويلة الأمد، إذ استبدلت الصين تمويل التنمية عبر الديون بالتعويل على وعود بتحقيق نمو اقتصادي مستقبلي قائم على أسس مادية جديدة، حيث استفادت من معدلات الادخار المحلية المرتفعة جداً لتمويل توسع هائل في البنية التحتية والقدرات الصناعية، كما ساعد ذلك على عزل الصين عن أسوأ تداعيات الركود، وشهدت شبكة السكك الحديدية فائقة السرعة توسعاً من أقل من 700 كيلومتر إلى 30 ألف كيلومتر خلال عقد واحد.

وشهدت هذه الفترة أيضاً ترسيخ سلطة شي جين بينغ وظهور “مفهوم الأمن القومي الشامل”، الذي أخذ ينظر بصورة متزايدة إلى التنمية الاقتصادية والأمن القومي باعتبارهما عاملين يعزز كل منهما الآخر.

ولم تؤدِ المواجهة التجارية بين الولايات المتحدة والصين، والنزاعات المتعلقة بالملكية الفكرية، واتساع نطاق القيود على الصادرات بعد انتخاب دونالد ترامب عام 2016، إلا إلى ترسيخ قناعة الحزب الشيوعي الصيني بأن العولمة باتت تتشكل بصورة متزايدة بفعل التنافس على الأمن القومي، وأنها بالتالي مشروطة وليست محايدة، وبناءً على ذلك، دمجت بكين التنمية القائمة على الاعتماد على الذات، وآليات مواجهة العقوبات، وإجراءات تأمين نقاط الاختناق ضمن منطق التخطيط المركزي المعتاد.

لكن هذا التوجه الاستراتيجي لم يُرسخ مؤسسياً بصورة كاملة إلا بعد أن اختبرت صدمة جائحة كوفيد-19 سلاسل الإمداد الصينية وكشفت حدود الاستهلاك المحلي، وفي أعقاب الجائحة، أصبح نهج “الصين الحصينة” جزءاً راسخاً من التخطيط الاقتصادي الكلي والعقيدة الأمنية، واليوم، وفي ظل الأزمات المتعاقبة في أوكرانيا والشرق الأوسط، يجري تفعيل هذا النهج من خلال إعادة تخصيص واسعة للميزانية، وسياسة صناعية تقودها الدولة، وإعادة هيكلة الاقتصاد بدافع اعتبارات الأمن القومي.

التوجه الاستراتيجي للصين لم يُرسخ مؤسسياً بصورة كاملة إلا بعد أن اختبرت صدمة كوفيد-19 سلاسل الإمداد لها وكشفت حدود الاستهلاك المحلي

 التداول المزدوج والحزام والطريق  

يُعدّ مفهوم التداول المزدوج إجابة الصين عن المشكلة الأساسية التي تطرحها استراتيجية “الصين الحصينة”: كيف تحافظ على اندماجها في الاقتصاد العالمي، بالتوازي مع تعزيز قدراتها الداخلية للحد من مواطن الضعف؟، حيث تمثل هذه الاستراتيجية نهجاً لإدارة التوترات الاستراتيجية التي تفرضها استراتيجية التحصين الاقتصادي، كما تهدف إلى تعزيز الإنتاج والاستهلاك المحليين، مع الحفاظ بشكل انتقائي على فوائد الترابط مع الأسواق العالمية.

كما تسعى إلى جعل الاقتصاد المحلي الصيني المحرك الرئيسي للنمو، من خلال استخدام البنوك المملوكة للدولة لتوسيع الصناعات المحلية وزيادة حصة استهلاك الأسر من الناتج المحلي الإجمالي، ويتمثل الهدف في تطوير التداول الداخلي بدرجة كافية تتيح للصين الحفاظ على استمرارية اقتصادها في حال حدوث اضطراب في التداول الخارجي نتيجة نزاع واسع النطاق.

على الصعيد الخارجي، تعمل الاستراتيجية على تحسين آليات الرقابة على الصادرات وتعزيز الضمانات الأمنية لمشروعات مبادرة الحزام والطريق، من دون التخلي عن الهيكل الاقتصادي المفتوح الذي أسهم في دعم النمو الصيني خلال العقود الماضية، كما تدعو صراحة إلى تحسين آليات الوقاية من مخاطر التجارة من خلال تجنب الاستثمار في المناطق غير المستقرة، بما يمثل إعادة معايرة لتقييم مخاطر الاستثمار الذي كانت الصين تتبعه سابقاً.

وتُعد مبادرة الحزام والطريق المجال الذي يتجسد فيه منطق “الصين الحصينة” بصورة ملموسة، من خلال الدمج بين الأمن والتنمية الاقتصادية، إذ يشكل كل مشروع من مشروعات المبادرة نموذجاً مصغراً لمفهوم التحصين الاقتصادي ذاته، وتعكس التناقضات التي تنطوي عليها هذه المشروعات التناقضات التي تواجهها الصين نفسها.

“الحزام والطريق” تُجسّد منطق “الصين الحصينة” بالدمج بين الأمن والتنمية الاقتصادية فكل مشروع فيها يُمثّل نموذجاً مصغراً لمفهوم التحصين الاقتصادي ذاته وتناقضات بكين

كما تعتمد الصين على الأسواق الخارجية لتصريف إنتاجها الصناعي، حيث توفر مشروعات مبادرة الحزام والطريق عقوداً خارجية وإيرادات مالية مستمرة تعزز الناتج المحلي الإجمالي، وهي تمثل أدوات تحوط في مواجهة عدم الاستقرار، وتسهم عموماً في الحد من تعرض الصين لأزمات من قبيل أزمة مضيق هرمز.

نشأت مبادرة الحزام والطريق من تطور الصين الصناعي المحلي، ومن هذا المنظور، تؤدي المبادرة دور صمام لتخفيف الضغط الناجم عن فائض القدرات الصناعية الذي تراكم خلال حزمة التحفيز الصينية التي أعقبت أزمة عام 2008، فهي توجّه كميات ضخمة من رأس المال والعمالة إلى بناء مشروعات بنية تحتية واسعة النطاق في الخارج، بما يتيح إنشاء ممرات بديلة للخدمات اللوجستية والتجارة، يتمتع بعضها بإمكانات للاستخدام المزدوج، إلا أن مشروعات الحزام والطريق تخلق أيضاً معضلات استراتيجية جديدة؛ فهي لا تزيد فقط من تعرض البنية التحتية الاستراتيجية لتهديدات أمنية خارجية، بل تعرّض كذلك كميات كبيرة من رأس المال والقدرات الصناعية والعمالة لمخاطر الاضطرابات المحتملة.

بدأت الطموحات الدولية لمبادرة الحزام والطريق في آسيا الوسطى عام 2013، من خلال مبادرة “طريق الحرير”، التي كانت أول مبادرة دولية كبرى للرئيس شي جين بينغ بعد توليه منصبي الأمين العام للحزب الشيوعي الصيني ورئيس جمهورية الصين الشعبية، وأصبحت إحدى أبرز سياسات المرحلة الأولى من قيادته، وأُعيد تطوير البنية التحتية القائمة، والتي كانت تعاني ضعفاً على طول الطريق الرابط بين الصين وأوروبا، وإعادة تقديمها تحت مظلة “قطارات الشحن السريع بين الصين وأوروبا”، وبعد عام 2016، تحولت المبادرة تدريجياً من تطوير ودمج الممرات القائمة إلى إنشاء مشروعات جديدة بالكامل، وفق إطار جيوسياسي استراتيجي أكثر وضوحاً مع مرور كل عام.

ولكن سرعان ما توسع البرنامج المحوري ليشمل مناطق أخرى، بما فيها المشروعات البحرية، مع طرحه نموذجاً للتعاون الاقتصادي الإقليمي من خلال سلاسل إمداد عالمية ومترابطة، وإلى جانب تعزيز التعاون السياسي وإنشاء آليات لتسوية النزاعات بين الدول المشاركة، سعت المبادرة أيضاً إلى وضع معايير مشتركة للنقل والخدمات اللوجستية للشحن والأطر التنظيمية. وفي المقابل، قدمت الصين التمويل وتوسيع التجارة ودمج سلاسل الإمداد، وهي جميعها عوامل أساسية للنمو في الاقتصادات النامية.

ازدواجية المبادرة ومخاطر الانكشاف

 المنطق الاستراتيجي لمبادرة الحزام والطريق واضح: تقليل اعتماد الصين على طرق التجارة المعرضة للخطر، بالتوازي مع زيادة سيطرتها على البنية التحتية للتجارة العالمية، ويتم ذلك من خلال استخدام الشركات المملوكة للدولة لتمويل وبناء مسارات بديلة، مع الحصول على حقوق تشغيلها وخلق اعتماد تقني وتشغيلي طويل الأمد على بكين.

بهذه الطريقة، يمكن للتجارة الصينية، حيثما أمكن، تجاوز نقاط الاختناق البحرية المعرضة للتدخل الغربي، كما تتيح تنويع مسارات الخدمات اللوجستية عبر استخدام موانئ ومحطات شحن حديثة تمولها وتبنيها وتشغلها البنوك الصينية المعنية بالسياسات وشركات الإنشاءات التابعة للدولة.

وفي حين جاء تمويل المسار الأول بين الصين وأوروبا إلى حد كبير من خزائن الحكومتين المركزية والمحلية، أصبحت مشروعات الحزام والطريق منذ ذلك الحين تُنفذ في معظمها من خلال قروض تُقدم إلى الحكومات أو الشركات في الدول المضيفة، إلى جانب استثمارات مباشرة في رأس المال تتيح للشركات المملوكة للدولة امتلاك الأصول وتشغيلها.

وأصبح نموذج التمويل هذا هو القاعدة مع توسع الشبكة على المستوى العالمي، ففي جنوب شرق آسيا، حصل مشروع السكك الحديدية بين لاوس والصين على دعم بقيمة 6 مليارات دولار، جرى تمويل ثلثيه من خلال الديون، وتمتلك الصين حالياً حصة تبلغ 70% في شركة السكك الحديدية بين لاوس والصين، كما تمثل مشروعات في ماليزيا وإندونيسيا 13 مليار دولار أخرى من القروض، قدم بنك التنمية الصيني المملوك للدولة الغالبية العظمى منها.

وفي جنوب آسيا، تم تخصيص أكثر من 50 مليار دولار للممر الاقتصادي بين الصين وباكستان، يأتي نحو نصفها في صورة قروض، فيما يمثل النصف الآخر استثمارات مباشرة في رأس المال، أما خط السكك الحديدية بين مومباسا ونيروبي في أفريقيا، وهو المشروع الأبرز لمبادرة الحزام والطريق في القارة، فقد بلغت تكلفته أكثر من 3.5 مليارات دولار، جرى تمويل 90% منها من خلال الديون.

وحتى في أوروبا، استقطب ممر اليونان-صربيا-المجر حتى الآن 5 مليارات دولار من التمويل الصيني، منها 3 مليارات دولار في شكل قروض، فيما تمتلك شركة “كوسكو” الصينية العملاقة المملوكة للدولة حصة مسيطرة تبلغ 67% في ميناء بيريوس اليوناني.

تمثل مشروعات مبادرة الحزام والطريق مجتمعةً استثمارات متعاقداً عليها تتجاوز قيمتها تريليون دولار، موزعة بين آسيا وأوروبا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، حيث يُقال إن “ما يصل إلى نصف هذا المبلغ يأتي في صورة استثمارات مباشرة في رأس المال وعمليات التشغيل، أو قروض مرتبطة بمبادرة الحزام والطريق، سواء كانت مقدمة إلى حكومات أو شركات”.

وبينما نادراً ما تقدم الحكومة الصينية قروضاً مباشرة، فإن قروض الشركات المملوكة للدولة، التي تمر عبر كيانات ذات أغراض خاصة، وهي شركات منفصلة قانونياً تُنشأ حصراً لتنفيذ مشروعات محددة ضمن مبادرة الحزام والطريق، تخضع لسيطرة الحزب الشيوعي الصيني وتوجيهه الاستراتيجي.

وفي حين أن الممر الاقتصادي بين الصين وباكستان، الذي ربما يُعد أهم مشروعات المبادرة من الناحية الجيوستراتيجية، لم يكتمل سوى بنحو 50%، فإن مشروعات في جنوب شرق آسيا وأفريقيا وأوروبا اكتملت أو شارفت على الاكتمال، ومع ذلك، لا يزال عبء الديون قائماً، وبحلول عام 2026، بلغت قيمة القروض المستحقة المرتبطة بمبادرة الحزام والطريق لدى بنك التصدير والاستيراد الصيني وحده نحو 300 مليار دولار، ولا تزال أعباء مالية كبيرة قائمة في مختلف هذه المشروعات، إذ تشير تقديرات إلى أن الديون المستحقة تتراوح بين 75% و95% من أصل القروض.

ولا يُعرف الحجم الإجمالي الدقيق للديون التي تحتفظ بها البنوك الصينية، سواء بنوك السياسات أو البنوك التجارية، لصالح مشروعات مبادرة الحزام والطريق، لأن ميزانياتها ليست متاحة للعامة، إلا أن التقديرات تتراوح بين 500 مليار دولار وأكثر من 1.2 تريليون دولار.

وقد أتاح هذا الاستثمار الضخم لبكين محفظة واسعة من البنية التحتية الاستراتيجية في الخارج، وحصصاً في شركات، وحقوق تشغيل استراتيجية تتجاوز حدودها. إلا أن النموذج نفسه يخلق أيضاً انكشافاً مالياً كبيراً.

مفارقة القلعة المفتوحة

تبقى “القلعة” الصينية مفتوحة، على الأقل ما دام النظام الدولي الأوسع نطاقاً يواصل عمله، فلدى مبادرة الحزام والطريق مشروعات متعاقد عليها أو قيد التنفيذ أو مكتملة في نحو 150 دولة، ما يجعلها مندمجة بعمق في الاقتصاد العالمي الذي تسعى الصين إلى التحوط من مخاطره، ومن شأن صراع طويل الأمد أن يقلص بدرجة كبيرة قدرة المبادرة على استيعاب العمالة ورأس المال، مع امتداد تداعيات ذلك إلى الأسواق داخل الصين، ومن المرجح أن يتباطأ النمو بشكل كبير، كما أن تراجع الطلب سيكشف اعتماد الصين المفرط على مشروعات الصناعات الثقيلة في الخارج، في وقت ستصبح فيه البنوك المملوكة للدولة أكثر تعرضاً لخسائر الاستثمارات الخارجية.

ولا تقتصر المخاطر على احتمال أن تؤدي أزمة جيوسياسية كبرى إلى توليد ديون متعثرة ضخمة بين ليلة وضحاها؛ إذ يمكن أيضاً أن تصبح كميات كبيرة من رأس المال عالقة وغير قابلة للوصول إليها، ما يؤدي إلى تداعيات عميقة في الأسواق، وقد تصبح الأصول المادية غير قابلة للاسترداد بمجرد تحول النزاع إلى صراع شامل، سواء كانت شركات للسكك الحديدية أو موانئ أو محطات شحن.

علاوة على ذلك، فإن مشروعات الحزام والطريق ذات الاستخدام المزدوج لن تكون عرضة للاستهداف المحتمل في زمن الحرب فحسب، بل يمكن أيضاً لدول معادية للصين إعادة توظيفها من خلال تعديلات محدودة نسبياً لتحقيق قابلية للتشغيل البيني العسكري.

كما ستؤدي الحرب إلى سلسلة من التداعيات الثانوية المتتالية، إذ سيتعين إجلاء العمال، فيما ستحتاج البنية التحتية الرقمية المترابطة إلى تحصينها ضد الهجمات الهجينة، وبينما سيؤدي النزاع إلى تغيير جذري في حركة التجارة الصينية، فمن غير المرجح أن تتوقف آليات التأمين التجاري على الشحن عن العمل، ما يعني ارتفاع الأسعار بالتوازي مع زيادة المخاطر الجيوسياسية، وإلى جانب ارتفاع أسعار النفط، ستؤدي هذه التكاليف إلى تقويض المزايا التجارية التي صُممت مبادرة الحزام والطريق لتأمينها.

وفي نهاية المطاف، لا تلغي مبادرة الحزام والطريق مواطن الضعف، بل تعيد توزيعها على نطاق جغرافي وسياسي أوسع بكثير، فبدلاً من تركيز التجارة الصينية حول عدد محدود من نقاط الاختناق التقليدية، تعمل المبادرة على توزيعها وبناء بدائل استراتيجية عبر نحو 150 دولة، لكن كل مشروع ينطوي على مخاطر سياسية وعسكرية ومالية واقتصادية منفصلة، وجميعها قادرة فعلياً على الارتداد والتأثير في الاقتصاد الصيني المحلي.

لا تلغي مبادرة الحزام والطريق مواطن الضعف بل تعيد توزيعها على نطاق جغرافي وسياسي أوسع بكثير وبناء بدائل استراتيجية عبر نحو 150 دولة

حدود التداول المزدوج

في سيناريو نشوب نزاع واسع النطاق، من المرجح أن يُجبر مئات الآلاف من العمال الصينيين في الخارج، من المهرة وغير المهرة، على العودة إلى سوق العمل المحلية، حيث سيحتاج هؤلاء إلى إعادة الاندماج ليس فقط في قطاعات مثل الهندسة والبناء، بل أيضاً في وظائف عالية المهارة مرتبطة بالبنية التحتية الرقمية، في إطار مبادرة “طريق الحرير الرقمي”، وهي المكوّن التكنولوجي المتقدم لمشروعات مبادرة الحزام والطريق في الخارج، وسيحدث ذلك في وقت تواجه فيه الصين بالفعل معدل بطالة عام يبلغ 5%، وبطالة بين الشباب تبلغ 17%.

قطار متجه من الصين إلى أوروبا يغادر قاعدة ليانيونغانغ اللوجستية بين الصين وكازاخستان (أ ف ب)
قطار متجه من الصين إلى أوروبا يغادر قاعدة ليانيونغانغ اللوجستية بين الصين وكازاخستان (أ ف ب)

علاوة على ذلك، لا بد أن تمتد التداعيات إلى الجبهة الاجتماعية الداخلية أيضاً، وتعترف الخطة الخمسية الجديدة “2026-2030” صراحة بالكيفية التي “يؤثر بها الوضع الدولي المتزايد عدم الاستقرار تأثيراً عميقاً في التنمية الداخلية”، حيث لا يزال من غير الواضح ما إذا كانت استراتيجية “التداول المزدوج” قادرة على الجمع بين الحفاظ على النمو واستمرار ارتفاع مستويات المعيشة، وهو الأساس الذي تستند إليه شرعية الحزب الشيوعي الصيني السياسية منذ عام 1989، ولا سيما إذا تدهورت الأوضاع في الخارج.

قد توفر مبادرة الحزام والطريق طرقاً آمنة للخدمات اللوجستية والتجارة في أوقات السلم، لكنها تغير أيضاً منطق الصين في تحديد الأولويات خلال الحرب، حيث تهدف استراتيجية “التداول المزدوج” إلى إعادة تهيئة الصين لعالم تسوده الفوضى وعدم الاستقرار، من خلال إخضاع تعظيم الكفاءة لمتطلبات تعزيز القدرة على الصمود داخلياً، وتقدّر قيادة الحزب الشيوعي الصيني أنه، نظراً لهيمنتها على قطاعات مختلفة عبر سلسلة القيمة، يمكن توسيع سوق داخلية قوية خلال حرب طويلة الأمد بما يكفي لاستيعاب الخسائر الناجمة عن تراجع الطلب.

ومع ذلك، ستظل هناك تبعيات خارجية مهمة. فلا تزال الصين تستورد نحو 70% من النفط الذي تستهلكه، إلى جانب كميات كبيرة من المدخلات الصناعية الأولية، كما تعتمد على موردين أجانب في الحصول على مدخلات صناعية متقدمة، ولا سيما معدات تصنيع أشباه الموصلات وتقنيات الرقائق الإلكترونية المتطورة.

وبينما سيساعد التوسع الهائل للصين في مجال الطاقة المتجددة والابتكار في البطاريات وتصنيعها على امتصاص صدمة ارتفاع أسعار النفط، فإنها ستظل بحاجة إلى المخزونات الاستراتيجية والواردات لتلبية احتياجات الشحن والبتروكيماويات والعمليات العسكرية، كما سيتعين عليها إيجاد حلول ابتكارية للتغلب على القيود المفروضة على الوصول إلى الواردات التكنولوجية المتقدمة.

ولا تقتصر المشكلة على الواردات، حيث أصبحت مبادرة الحزام والطريق منفذاً مهماً للقدرات الصناعية الصينية، إذ تدعم قطاعات قد تواجه، لولا ذلك، تراجعاً في الربحية داخل الصين، كما تحافظ على منظومات صناعية لم تعد الصين بحاجة إليها بالدرجة نفسها داخلياً، ما يخفف من تأثير ضعف طلب الأسر وتباطؤ قطاع العقارات، وبالتالي، فإن أي اضطراب طويل الأمد سيتغلغل بعمق في بنية الاقتصاد المحلي نفسه.

اختبار “الصين الحصينة”

يبقى السؤال الأهم: هل يستطيع الاقتصاد الصيني المحلي أن يتحمل صدمة انهيار العولمة، وأن يؤدي دور البديل عن النظام الاقتصادي الدولي؟، لا يمكن اختبار قدرة “الصين الحصينة” على الصمود بصورة حقيقية إلا في ظروف نزاع جيوسياسي شامل، تتحول فيها شبكات مبادرة الحزام والطريق في الخارج من أصول استراتيجية إلى أعباء.

قد تثبت الاستراتيجية قدرتها على الصمود فقط طالما بقيت الشبكات العالمية التي لا تزال الصين تعتمد عليها إلى حد كبير قائمة وتعمل بصورة طبيعية، وقد تتمكن استراتيجية “التداول المزدوج” من تقليص اعتماد الصين على الأسواق الخارجية، من دون أن تضع حداً لاعتمادها على النظام الاقتصادي الدولي نفسه، وقد تجد بكين أن نشاط مبادرة الحزام والطريق في الخارج أصبح جزءاً هيكلياً من استقرار اقتصادها المحلي، وليس مجرد أداة للسياسة الخارجية.

من منظور بكين، تؤكد أزمة مضيق هرمز صحة استراتيجية “الصين الحصينة”، لكن تأكيد صحة الاستراتيجية لا يعني إثبات قدرتها على الصمود، ولن تخضع هذه الاستراتيجية للاختبار الفعلي إلا في حال تعرض النظام الدولي لاضطراب طويل الأمد، وإذا لم تتمكن الآليات الاقتصادية الداخلية في الصين من امتصاص الصدمة، فقد يتحول عدم الاستقرار الاجتماعي، الذي دأب محللون غربيون على التنبؤ به لعقود، إلى احتمال حقيقي.

وعليه، لم يعد السؤال الأساسي في المنافسة بين الولايات المتحدة والصين يقتصر على مدى اعتماد الصين على النظام الدولي، بل أصبح يتعلق بمكان تمركز هذا الاعتماد حالياً، وما إذا كانت “الصين الحصينة” قادرة على تجاوز الأزمة التي صُممت أصلاً لمواجهتها.

من منظور بكين تؤكد أزمة هرمز صحة استراتيجية “الصين الحصينة” لكن تأكيد ذلك لا يعني إثبات قدرتها على الصمود ولن تخضع للاختبار إلا في حال الاضطراب طويل الأمد

JonathanSherry-professor-
جوناثان شيري

الدكتور جوناثان شيري، متخصص في التاريخ السياسي الأوروبي الحديث، وقد شغل مناصب أكاديمية وبحثية في جامعات ومعاهد في إسبانيا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة، وصدر له حديثاً كتاب حول الحرب الأهلية الإسبانية والحرب الباردة.

اشترك مجاناً في تقارير إيغل إنتيلجنس

رؤى وتقارير حصرية

تمتّع بإمكانية الوصول إلى تحليلات متعمّقة، ومعلومات استخباراتية حصرية، وتقارير خبراء مُصمّمة خصيصاً لتبقى على اطلاع دائم، وفي صدارة المتابعين لأهم التطورات العالمية.

بالاشتراك، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا.

موضوعات أخرى
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير

اشترك مجاناً في تقارير إيغل إنتيلجنس

رؤى وتقارير حصرية

تمتّع بإمكانية الوصول إلى تحليلات متعمّقة، ومعلومات استخباراتية حصرية، وتقارير خبراء مُصمّمة خصيصاً لتبقى على اطلاع دائم، وفي صدارة المتابعين لأهم التطورات العالمية.

بالاشتراك، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا.

ايغل انتيلجنس ريبورتس
Privacy Overview

This website uses cookies so that we can provide you with the best user experience possible. Cookie information is stored in your browser and performs functions such as recognising you when you return to our website and helping our team to understand which sections of the website you find most interesting and useful.