دخل سباق التسلح بين الصين والولايات المتحدة مرحلة مفصلية، فعلى مدى عقود، اعتمدت بكين في ردعها النووي بشكل شبه كامل على الصواريخ البرية، وهي منصات ثابتة يمكن أن تكون عرضة لضربة استباقية أولى، أما اليوم، فهي تسارع إلى بناء قوة نووية بحرية أكثر قدرة على البقاء والصمود.
في 6 يوليو، أطلقت غواصة صينية، خلال اختبار، صاروخاً باليستياً حلق لأكثر من سبعة آلاف كيلومتر قبل أن يسقط في جنوب المحيط الهادئ، حيث يُعد هذا الإطلاق أول مؤشر على أن الصين قد تصبح قادرة على استهداف البر الرئيسي للولايات المتحدة من غواصة تعمل داخل مياهها الإقليمية المحمية، ونظراً إلى صعوبة اكتشاف الغواصات وتعقبها وإغراقها، فإن هذا الاختبار يقرب بكين من امتلاك ثالوث نووي متكامل، أي قدرة على إطلاق الأسلحة النووية من البر والبحر والجو، مع الحفاظ على قدرة الردع حتى بعد التعرض لضربة أولى.
اليوم، لا تزال القوة الاستراتيجية للغواصات الصينية حديثة نسبياً، وتحيط بها شكوك بشأن مدى موثوقيتها، لكنها مع ذلك بدأت بالفعل تثير قلق الولايات المتحدة وحلفائها الذين يعتمدون على الحماية الأمريكية، حيث يبدو هذا القلق أكثر إلحاحاً بالنسبة إلى طوكيو ومانيلا، لكنه يمتد أيضاً إلى أوروبا، في ظل ضغط واشنطن على شركائها لبذل المزيد من الجهود في مجال الدفاع والأمن.
لا تزال القوة الاستراتيجية للغواصات الصينية حديثة نسبياً وتحيط بها شكوك بشأن مدى موثوقيتها لكنها مع ذلك بدأت بالفعل تثير قلق الولايات المتحدة وحلفائها
الردع البحري
لم يكن هذا الاختبار سوى أحدث دليل على التقدم الذي تحرزه الصين نحو استكمال ثالوثها النووي، الذي يضم الصواريخ الباليستية المطلقة من الغواصات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات البرية، إضافة إلى القاذفات الاستراتيجية الجديدة التي استعرضتها بكين خلال العرض العسكري الذي أُقيم في سبتمبر الماضي، حيث أكد اختبار يوليو جاهزية وكفاءة مكوّن الردع النووي الاستراتيجي البحري الصيني، فقبل عامين، أطلق جيش التحرير الشعبي أيضاً صاروخاً باليستياً عابراً للقارات باتجاه جنوب المحيط الهادئ.
وشكل هذان الإطلاقان أول عمليات معلنة لصواريخ استراتيجية خارج الأراضي الصينية منذ أربعة عقود، فمنذ أوائل ثمانينيات القرن الماضي، اقتصرت الاختبارات العلنية للصواريخ الاستراتيجية الصينية على المناطق الصحراوية في غرب البلاد، إذ تسعى بكين اليوم إلى تعزيز قدراتها النووية لتحقيق الردع في زمن السلم، وإدارة التصعيد في أوقات الحرب، فضلاً عن ترسيخ مكانتها كقوة عالمية، وهي أهداف تتقاسمها أيضاً الدول الأخرى المالكة للأسلحة النووية.
وسخّرت الصين موارد هائلة لبناء ترسانة تضم مئات الصواريخ الباليستية العابرة للقارات، فيما يشير تشييد مئات الصوامع الجديدة إلى أن هذا التوسع سيستمر، حيث يُعد تطوير وتشغيل الصواريخ البرية العابرة للقارات أقل تعقيداً من تطوير الصواريخ المطلقة من الغواصات، كما تتميز هذه الصواريخ بسرعة أكبر في الإطلاق ودقة أعلى في الإصابة، إلا أنها تبقى أكثر عرضة للضربات الاستباقية بسبب معرفة مواقعها بصورة عامة.

وتُعد الغواصات الحاملة للصواريخ أكثر تعقيداً وكلفة من منصات الإطلاق البرية، لكنها تصبح، بعد غوصها، أكثر صعوبة في الاكتشاف حتى من منصات الصواريخ البرية المتحركة، ورغم أن الغواصات الصينية كانت تقليدياً أكثر ضجيجاً من نظيراتها الروسية أو الغربية، إلا أن جيش التحرير الشعبي يستطيع تعزيز حمايتها عبر تشغيلها داخل المياه الصينية، فعندما تتمركز هذه الغواصات في مناطق بحرية محصنة، يصبح من الأسهل حمايتها من طائرات وسفن الخصوم، وإخفاء تحركاتها باستخدام وسائل التمويه والضوضاء المضللة.
وأكد الاختبار الأخير أن جيش التحرير الشعبي بات يمتلك صاروخاً باليستياً يُطلق من الغواصات يُرجح أنه قادر على بلوغ أمريكا الشمالية حتى إذا كانت الغواصات تقوم بدوريات بالقرب من السواحل الصينية، كما أن وصف بكين عملية الإطلاق بأنها “جزء روتيني من التدريبات العسكرية السنوية للصين” يشير إلى أن الجيش الصيني سيجري مزيداً من هذه الاختبارات، ومن شأن استمرارها أن يطور التكنولوجيا والمفاهيم العملياتية، وأن يبدد الشكوك المستمرة بشأن الكفاءة القتالية لقوة الغواصات في مجال عسكري لا يزال حديث العهد بالنسبة للصين.
وخلال السنوات القليلة المقبلة، يُرجح أن تطور الصين وتنشر غواصات استراتيجية وصواريخ أكثر تطوراً، ويُعد الأثر التراكمي لهذه التطورات بالغ الأهمية، إذ لم يعد بإمكان الولايات المتحدة وحلفائها الافتراض أن واشنطن تستطيع خوض حرب مع الصين من دون تعريض أراضيها لخطر أضرار مدمرة.
لم يعد بإمكان الولايات المتحدة وحلفائها الافتراض أن واشنطن تستطيع خوض حرب مع الصين دون تعريض أراضيها لخطر أضرار مدمرة
جنوب الهادئ ورسائل إلى واشنطن
كانت أستراليا صاحبة أشد ردود الفعل على الاختبار، مقارنة بأي دولة أخرى، فقد وصفت وزيرة الخارجية الأسترالية، بيني وونغ، إطلاق الصاروخ بأنه “استفزازي ومزعزع للاستقرار”، منتقدةً افتقار الصين إلى الشفافية، وإخطارها المتأخر بشأن العملية، فضلاً عن تسارع وتيرة تعزيز قدراتها العسكرية، كما أشار عدد من المحللين الأستراليين إلى أن الاختبار تزامن مع توقيع أستراليا وفيجي معاهدة دفاع مشترك غير مسبوقة تحمل اسم “تحالف محيط السلام”، والتي تهدف إلى تعزيز قدرة كانبيرا على منافسة بكين على النفوذ في جنوب المحيط الهادئ، وهي منطقة تشهد تصاعداً في التنافس الاستراتيجي بين الصين والغرب.
وفي المقابل، انتقد مسؤولون ووسائل إعلام صينية الاتفاق، معتبرين أنه يستهدف تقويض النفوذ الصيني في المنطقة، وذهب بعض المراقبين إلى تفسير الاختبار الصاروخي على أنه رسالة ردع موجهة إلى دول المنطقة، لتحذيرها من تبعات الاصطفاف في مواجهة الصين.
علاوة على ذلك، انضمت دول أخرى في المنطقة إلى أستراليا في انتقاد سقوط الصاروخ داخل منطقة جنوب المحيط الهادئ الخالية من الأسلحة النووية، التي أُنشئت قبل أربعة عقود بموجب معاهدة راروتونغا، وكانت الصين قد وقّعت وصدّقت على البروتوكولات ذات الصلة بالمعاهدة، التي تحظر على الدول الأطراف إجراء تجارب للأسلحة النووية داخل هذه المنطقة، كما تمنع التهديد باستخدامها ضد الدول التي تقع أراضيها ضمن نطاقها.
ومع ذلك، فمن غير المرجح أن يكون إطلاق الصاروخ مرتبطاً بصورة مباشرة بسياسة الصين الرامية إلى ترهيب دول المنطقة، فاختبار صاروخ باليستي يُطلق من غواصة يتطلب أشهراً من الإعداد والتخطيط، ومن المرجح أن تكون الاعتبارات العملياتية هي التي حددت موعده، بما في ذلك نشر سفن التتبع بعيدة المدى على امتداد مسار الصاروخ، والظروف الجوية، وجاهزية الطواقم، وعوامل أخرى لا صلة لها بتوقيع المعاهدة الدفاعية، كما أن توجيه الصاروخ نحو جنوب المحيط الهادئ أتاح للصين اختبار مداه البعيد من دون الاضطرار إلى تمريره فوق اليابان أو كوريا الجنوبية، وما قد يرافق ذلك من تعقيدات سياسية وعسكرية.
كذلك، فإن استخدام صاروخ استراتيجي لترهيب دول صغيرة في جنوب المحيط الهادئ، بينما تعمل بكين في الوقت نفسه على توسيع نفوذها الدبلوماسي فيها، يبدو خياراً مبالغاً فيه وغير مجد، بل إن الصين خاطرت بإثارة استياء هذه الدول عبر إسقاط الصاروخ في محيطها، وحتى جزر سليمان، التي تُعد من أقرب شركاء بكين في المنطقة، أعربت عن انزعاجها من الاختبار. ويشير ذلك إلى أن القيادة الصينية تمنح أولوية لتعزيز قدراتها النووية الرادعة واستكمال تطويرها، حتى وإن جاء ذلك على حساب صورتها ونفوذها الإقليميين.
الشكوك تحت المظلة الأمريكية
يبدو احتمال لجوء الصين إلى استخدام القوة التقليدية ضد أستراليا في المستقبل القريب ضئيلاً للغاية، إلا أن تنامي قدرة بكين على استهداف الأراضي الأمريكية مباشرة يثير قلق الدول التي تواجه تهديدات صينية أكثر إلحاحاً، مثل الفلبين وكوريا الجنوبية، ولا سيما اليابان، حيث تعتمد هذه الدول على التدخل العسكري الأمريكي للدفاع عنها، وكذلك لحماية محيطها الاستراتيجي، غير أنها باتت تتساءل عن مدى استعداد واشنطن للوفاء بالتزاماتها إذا أصبحت الصين قادرة على الرد بضرب الأراضي الأمريكية في حال تدخلت الولايات المتحدة عسكرياً.
وفي المدى القريب، تهدف تجربة الصاروخ الباليستي الذي أُطلق من غواصة، إلى جانب استعراض الصين لقدراتها الاستراتيجية وإجراءاتها العسكرية الأخرى، إلى توجيه رسالة مفادها بأن جيش التحرير الشعبي بات يمتلك هذه القدرة بالفعل، وتبقى هذه الرسالة قائمة رغم الشكوك المتعلقة بعمليات إقصاء القيادات العسكرية، ومحدودية الخبرة العملياتية، وعوامل أخرى تؤثر في تقييم هذه القدرات.
ويُحدث التعزيز العسكري الصيني آثاراً معقدة على مظلة الردع والضمانات الأمنية التي توفرها الولايات المتحدة لحلفائها في آسيا، فمن جهة، دفع هذا التطور الحلفاء إلى المطالبة بتعزيز الالتزامات العسكرية الأمريكية، خشية أن تعتبر بكين ترسانتها النووية المتنامية درعاً يحميها، بما يسمح لها بزيادة الضغوط على حلفاء واشنطن وشركائها في آسيا، وهي تراهن على أن التلويح بقواتها النووية سيمنع الولايات المتحدة من التدخل العسكري دفاعاً عنهم، وقد يأمل صناع القرار في الصين أن يؤدي ذلك إلى تقويض ثقة الدول الآسيوية بالضمانات الأمنية الأمريكية، ودفعها إلى التكيف مع الهيمنة الإقليمية لبكين.
في المقابل، دفعت هذه التطورات الدول نفسها إلى زيادة إنفاقها على الدفاع وتعزيز قدراتها العسكرية الوطنية، حيث تنسجم هذه القدرات الجديدة مع الأهداف الأمريكية، كما أنها عوّضت جزئياً الزيادة المحدودة في حجم القوات الأمريكية المنتشرة في المنطقة، غير أن تنامي قدرة هذه الدول على استهداف العمق الصيني يزيد أيضاً من احتمال نشوء دوامات تصعيد قد تفضي في نهاية المطاف إلى هجوم صيني على الأراضي الأمريكية، كما قد يقرر حلفاء الولايات المتحدة أنهم بحاجة إلى أسلحة نووية خاصة بهم، أو على العكس، ربما يسعون إلى تضييق الفجوة بين أهدافهم وقدراتهم المحدودة من خلال استرضاء الصين.
حلفاء واشنطن قد يقررون أنهم بحاجة إلى أسلحة نووية خاصة بهم أو على العكس ربما يسعون إلى تضييق الفجوة بين أهدافهم وقدراتهم المحدودة من خلال استرضاء الصين
التأثير غير المباشر على أوروبا
غالباً ما يُغفل أثر التعزيز النووي الصيني على أوروبا، فرغم أن أجزاءً واسعة من الصين تقع جغرافياً على مسافة أقرب إلى برلين منها إلى سيدني، إلا أن أوروبا لا تُعد هدفاً مرجحاً للصواريخ الصينية، حيث يتمثل التهديد الحقيقي في تداعيات غير مباشرة، فمن بين أسباب مطالبة واشنطن حلفاءها في حلف شمال الأطلسي “الناتو” بتحمل حصة أكبر من أعباء الدفاع، حاجة وزارة الدفاع الأمريكية “البنتاغون” إلى ردع قوتين نوويتين كبيرتين في آن واحد، لذلك، تتعرض الدول الأوروبية لضغوط متزايدة لتعزيز قدراتها الدفاعية دعماً للولايات المتحدة التي تواجه استنزافاً متزايداً في التزاماتها الأمنية.
إضافة إلى ذلك، يقوض التوسع غير المقيد في الترسانة النووية الصينية منظومة الحد من التسلح التي شكّلت لعقود إحدى ركائز الأمن الأوروبي، ويبدو مستقبل اتفاقيات الحد من الأسلحة النووية قاتماً ما دامت بكين ترفض الانخراط في ترتيبات قانونية ملزمة لضبط التسلح، وقد دعت قمم حلف “الناتو” الأخيرة الصين إلى تعزيز الشفافية بشأن قدراتها العسكرية، كما حاولت كل من بريطانيا وفرنسا، من دون نجاح، إقناع بكين بالانضمام إلى مدونة لاهاي لقواعد السلوك، التي تنص على الإخطار المسبق بإطلاق الصواريخ وإجراءات أخرى لتعزيز الشفافية في المجال الصاروخي.
ومع ذلك، أحجمت بعض الحكومات الأوروبية عن مواجهة الصين في القضايا الأمنية، حفاظاً على مصالحها الاقتصادية، وسعياً إلى تجنب تداعيات التوترات عبر الأطلسي والغموض الذي يحيط بالالتزامات الدفاعية الأمريكية، لكن، بغض النظر عن هوية الرئيس الأمريكي، يُرجح أن تواصل واشنطن الضغط على العواصم الأوروبية لتبني موقف أكثر توحيداً وفاعلية تجاه السياسة النووية الصينية، ولا سيما في ما يتعلق بالشفافية والحد من التسلح.
السيناريوهات
تواصل الصين توسيع ترسانتها النووية وتنويعها بوتيرة أسرع من أي دولة أخرى في العالم، ومع ذلك، لا تزال بكين تتمسك بسياسة الغموض، وترفض الخضوع لأي قيود قانونية ملزمة على برنامجها النووي، ومن شأن استمرار هذا النهج أن يقوض الاستقرار الدولي، ويدفع دولاً أخرى إلى إعادة النظر بصورة جذرية في سياساتها الدفاعية، وفي هذا السياق، يمكن استشراف ثلاثة سيناريوهات رئيسية قد تحدد شكل التوازنات الأمنية في السنوات المقبلة.
الأول: الموازنة
رغم خلافاتها مع إدارة ترامب، يُرجح أن تواصل أستراليا واليابان والفلبين وكوريا الجنوبية التعامل مع تنامي القدرات العسكرية الصينية بالنهج ذاته الذي اتبعته في السنوات الأخيرة، من خلال تعزيز قدراتها الدفاعية الوطنية، مع الاستمرار في الاعتماد على الضمانات الأمنية الأمريكية.
غير أن الجغرافيا ستحد من دور كل من أستراليا وكوريا الجنوبية في مواجهة الصين، فأستراليا بعيدة جغرافياً عن مسرح المواجهة، ما يحد من قدرتها على إسقاط القوة العسكرية ضد بكين، بينما تقع كوريا الجنوبية على مقربة مباشرة من الصين، الأمر الذي يجعلها أكثر حذراً من الانخراط في أي مواجهة عسكرية مباشرة معها.
في المقابل، تبرز اليابان والفلبين بوصفهما نواة محور متقدم لموازنة النفوذ الصيني في غرب المحيط الهادئ، أما أوروبا، المنخرطة أساساً في مواجهة التهديد الروسي، فمن غير المتوقع أن تعارض بقوة استمرار تحويل جزء أكبر من القدرات العسكرية الأمريكية نحو آسيا، كما أنها لن تقف في وجه الضغوط الأمريكية المتعلقة بالحد من التسلح النووي لكل من الصين وروسيا.

الثاني: إعادة التحالف
أما السيناريو الأقل احتمالاً، لكنه الأكثر تأثيراً، فيتمثل في أن تعيد دولة أو أكثر من حلفاء الولايات المتحدة صياغة استراتيجيتها الأمنية بصورة جوهرية، استجابة لصعود القوة الصينية وتزايد الشكوك بشأن الالتزام الأمريكي بالدفاع عنها.
وقد يتخذ هذا التحول أحد مسارين؛ فإما أن تسعى بعض الدول إلى استرضاء بكين، عبر التعهد بعدم المشاركة في أي نزاع عسكري بشأن تايوان، أو تقليص تعاونها الأمني مع الولايات المتحدة، بما في ذلك الحد من استخدام القوات الأمريكية لقواعدها العسكرية، وإما أن تختار انتهاج سياسة دفاعية أكثر استقلالاً، قد تصل إلى تطوير قدرات ردع نووي وطنية خاصة بها.
الثالث: القيود والضبط
على المدى الأبعد، قد يؤدي اتساع القدرات النووية الصينية إلى نتيجة معاكسة، تتمثل في منح بكين الثقة الكافية للانضمام إلى الولايات المتحدة وروسيا في مفاوضات جادة للحد من الأسلحة النووية.
حتى الآن، رفضت القيادة الصينية المشاركة في مفاوضات خفض الأسلحة الاستراتيجية أو حتى في إجراءات أقل رسمية لبناء الثقة وتعزيز الشفافية، إلا أن هذا الموقف قد يتغير مع تزايد موثوقية قدرة الصين على تنفيذ ضربة نووية ثانية، واتساع نطاق دورياتها الجوية والبحرية حول العالم، وعندئذ، قد تصبح بكين أكثر اهتماماً بإبرام اتفاقيات تعترف بمكانتها النووية الجديدة، وتحد في الوقت نفسه من مخاطر الاحتكاك العسكري غير المقصود.
تداعيات مشتركة
رغم اختلاف هذه السيناريوهات، إلا أن جميعها تنطلق من حقيقة واحدة، وهي أن التوسع النووي الصيني يعيد تشكيل النظام الدولي، فهو يجعل البيئة الاستراتيجية أكثر غموضاً، ويعقد التخطيط العسكري، ويضعف منظومات الحد من التسلح ومنع الانتشار النووي التي بُنيت على مدى عقود، حيث لن تقتصر تداعيات هذا التحول على الولايات المتحدة وحلفائها، بل ستمتد أيضاً إلى قوى نووية أخرى، مثل الهند وكوريا الشمالية، التي ستعيد بدورها حساباتها الاستراتيجية في ضوء الصعود النووي الصيني.
وفي نهاية المطاف، سيعتمد ما إذا كان النظام النووي الثلاثي الناشئ بين الولايات المتحدة وروسيا والصين سيؤدي إلى ردع مستقر أم إلى دوامة متصاعدة من عدم الاستقرار، على قدرة صناع القرار في هذه القوى النووية الكبرى على إدارة هذا التحول العميق في بنية النظام الدولي.
يعتمد ما إذا كان النظام النووي الثلاثي الناشئ سيُنتج ردعاً أم إلى دوامة متصاعدة على مدى قدرة صناع القرار في القوى النووية الكبرى في إدارة التحول العميق في بنية النظام الدولية



