الجبهة الخفية لأوروبا تحت البحر

تقرير
صقلية، مركز بحري استراتيجي في البحر الأبيض المتوسط (أ ف ب)
صقلية، مركز بحري استراتيجي في البحر الأبيض المتوسط (أ ف ب)
ﺷﺎرك

ربما تواجه أوروبا اختبارها المقبل في مجال حماية بنيتها التحتية الحيوية تحت البحر، فالكابلات الممتدة على قاعه تحمل البيانات التي تعتمد عليها اقتصادات القارة وأنظمتها الأمنية، ومع ذلك تظل عرضة للأضرار ويصعب تأمينها وحمايتها، حيث تكشف هذه الهشاشة عن تحدٍّ يتجاوز قدرة الأساليب التقليدية المتبعة في حماية البنية التحتية على معالجته.

لا تستطيع أوروبا منع كل هجوم، لكن السؤال الأهم هو: هل يمكنها أن تحرم خصمها من المكاسب الاستراتيجية التي يسعى إلى تحقيقها من خلال تعطيل هذه البنية التحتية، وذلك عبر اكتشاف الأضرار في وقت مبكر، واحتواء آثارها، وإعادة الاتصال بسرعة؟، حيث تبدأ سياسة الاتحاد الأوروبي بشأن الكابلات في التحرك في هذا الاتجاه، مع إيلاء اهتمام أكبر بمرونة الشبكات وقدرتها على الصمود، والمراقبة، وتوفير البدائل، وتعزيز قدرات الإصلاح.

يُظهر البحر المتوسط مدى نجاح هذا النهج عملياً، إذ تتقاطع فيه مسارات الكابلات الرئيسية التي تربط أوروبا بأفريقيا والشرق الأوسط وآسيا، حيث يؤدي هذا التقارب إلى تركيز البنية التحتية الحيوية في نطاق بحري محدود ومجزأ سياسياً، ويحوّل المنطقة إلى واحدة من نقاط الاختناق الرقمية الرئيسية في أوروبا، حيث تقع صقلية في قلب هذه الشبكة، ما يجعل وسط البحر المتوسط مركزاً للاتصال الأوروبي ونقطة تتركز فيها المخاطر.

يؤدي تقارب مسارات الكابلات الرئيسية إلى تركيز البنية التحتية في نطاق بحري محدود ومجزأ سياسياً ويحوّل المنطقة إلى واحدة من أبرز نقاط الاختناق الرقمية في أوروبا

تمتلك أوروبا بالفعل العديد من القدرات اللازمة للاستجابة، بدءاً من الانتشار البحري ومشغلي الكابلات الراسخين، وصولاً إلى الآليات المتنامية للتنسيق عبر الحدود، وإذا عجزت هذه القدرات عن احتواء الاضطرابات في البحر المتوسط، فسيكون القيام بذلك في بيئات أكثر تشتتاً أو عدائية من الناحية السياسية أصعب بكثير، حيث تبدأ المزايا والمخاطر على حد سواء بالجغرافيا.

 الجبهة الهشة في البحر المتوسط

يمتد تحت البحر المتوسط نظام كثيف من الكابلات البحرية التي تربط أكثر من 20 دولة ساحلية، حيث تتقاطع العديد من مسارات الكابلات الدولية الرئيسية في أوروبا ضمن هذا النطاق البحري المحدود نسبياً، وتنقل بيانات تدعم المعاملات المالية، والخدمات السحابية، والتجارة، والاتصالات الحكومية.

توازي أهميتها الاستراتيجية درجة تعرضها للمخاطر على أرض الواقع، فالكابلات تمتد عبر مساحات شاسعة من قاع البحر لا يمكن حمايتها بشكل مستمر، بينما يؤدي ضيق الممرات البحرية ومحدودية عدد نقاط إنزال الكابلات إلى تركّز المخاطر، وبالتالي، يمكن أن يؤدي حدوث عطل في إحدى العقد الحيوية إلى التأثير في الاتصالات على نطاق يتجاوز بكثير موقع الضرر المباشر.

مسارات الكابلات التي تربط جنوب أوروبا بشمال أفريقيا وشرق البحر المتوسط تتجاوز الحدود الوطنية، ما يجعل حمايتها معتمدة على التعاون بين مختلف الدول والسلطات، وفي شرق البحر المتوسط، قد تؤدي المطالبات البحرية المتنافسة بين اليونان وتركيا إلى مزيد من التعقيد في تحديد أماكن مسح البنية التحتية ومدّها، فعلى سبيل المثال، يجري تنفيذ نظام “ميدوسا” لربط جنوب أوروبا بشمال أفريقيا، في حين يربط نظام “بلو ميد” إيطاليا واليونان عبر مسار يمتد شرقاً عبر المنطقة.

هذا يخلق مشكلة أمنية أساسية، إذ تعمل شبكة الكابلات عبر الحدود، في حين تظل مسؤولية حمايتها موزعة بين جهات مختلفة، وبالتالي، قد يتطلب تعطّل الشبكة تنسيقاً سريعاً بين حكومات عدة ومشغّلين وسلطات، ما يجعل تنظيم استجابة فعّالة عابرة للحدود أكثر صعوبة.

لا يقتصر التحدي الاستراتيجي على حماية الكابلات بشكل فردي، بل يتمثل في منع تركزها من التحول إلى مصدر نفوذ أو وسيلة ضغط، فكلما تمكنت أوروبا بسرعة أكبر من إعادة توجيه حركة البيانات، وتنسيق استجابتها، وإصلاح البنية التحتية المتضررة، أصبح من الأصعب على أي خصم تحويل التعطيل المادي إلى مكسب استراتيجي طويل الأمد.

 التنافس الاستراتيجي تحت البحر

يتخذ التنافس حول البنية التحتية للكابلات في البحر المتوسط أشكال عدة، حيث تختبر كل من روسيا والصين وتركيا بُعداً مختلفاً من أبعاد قدرة أوروبا على الصمود: الرصد، والملكية، والوصول إلى قاع البحر نفسه.

يتمثل التحدي الروسي بصورة أساسية في الجانب المادي، حيث أفادت تقارير بأن سفناً روسية وأصولاً بحرية روسية عملت بالقرب من مسارات الكابلات الحساسة، ما أثار مخاوف بشأن جمع المعلومات الاستخباراتية من قاع البحر واحتمال التدخل في هذه البنية التحتية، حيث استجاب حلف شمال الأطلسي “الناتو” من خلال تعزيز الوعي بالوضع والتنسيق بين الجهات المعنية، ففي فبراير 2023، أنشأ الناتو خلية تنسيق للبنية التحتية الحيوية تحت سطح البحر، أعقبها إنشاء مركز بحري لأمن البنية التحتية الحيوية تحت سطح البحر، والذي وصل إلى القدرة التشغيلية الأولية في مايو 2024.

في أعقاب الحوادث المتكررة في بحر البلطيق، أطلق حلف “الناتو” مبادرة حارس البلطيق في يناير 2025، ونشر فرقاطات وطائرات دورية بحرية وأنظمة غير مأهولة، مع دمج قدرات المراقبة الوطنية، وفي إطار “قوة المهام X-البلطيق” المرتبطة بهذه المبادرة، نشر الحلفاء أكثر من 70 نظاماً غير مأهول جوياً وسَطحياً وتحت سطحي خلال استعراض أُجري في يونيو 2025، إذ يكتسب هذا التحول أهمية كبيرة لأنه ينقل الاستجابة من مجرد التحقيق بعد وقوع الأضرار إلى الاقتراب من المراقبة المستمرة والكشف المبكر.

تمثل الصين تحدياً من نوع مختلف، لأن مواطن الضعف المحتملة قد تكون متأصلة في سلسلة التوريد نفسها، حيث بيعت شركة اتش ام ان تكنولوجي، التي كانت تُعرف سابقاً باسم شبكة هواوي البحرية، إلى شركة هينغوتنغ للبصريات الكهربائية الصينية، وأُعيدت تسميتها في عام 2020، حيث وجدت دراسة أُعدّت للبرلمان الأوروبي عام 2022 أن الشركة كانت قد أنشأت أو أصلحت نحو 100 كابل من أصل نحو 400 كابل بحري حول العالم.

وحذرت الدراسة نفسها من أن مالكي الكابلات يمكنهم إدخال أبواب خلفية أو مراقبة الكابلات ومحطات الإنزال، إذ من جانبهم، يمكن للشركات التي تتولى بناء الكابلات أن تُعرّض البنية التحتية الموجودة في قاع البحر للخطر، ولذلك، يتعين على أوروبا أن تأخذ في الحسبان الجهات التي تبني هذه البنية التحتية وتصونها، والجهات التي قد تتمكن من الوصول إليها.

تُدخل تركيا أمن الكابلات بشكل مباشر في صميم النزاعات البحرية غير المحسومة في منطقة البحر المتوسط، ففي أغسطس 2025، أصدرت أنقرة تحذيراً بحرياً رسمياً أعلنت فيه أن قاع البحر يقع ضمن جرفها القاري، وعلى إثر ذلك، انسحبت سفينة المسح فورغو غوس، التي كانت تعمل على ممر البيانات من الشرق إلى البحر الأبيض المتوسط، بعد انتشار وحدات بحرية وجوية تركية في المنطقة.

وفي 13 مايو 2026، اعترضت سفينة حربية تركية سفينة الكابلات اوشن لينك بالقرب من جزيرة أستيباليا، حيث كانت تعمل على مدّ وصلة ممولة من الاتحاد الأوروبي لربط جزر بحر إيجة، وردّت الفرقاطة اليونانية ادريسا عبر اللاسلكي بأن المنطقة تقع خارج نطاق الولاية القضائية التركية، واستمر العمل بعد ذلك.

يُظهر كلا الحادثين أن أمن الكابلات قد يتحول إلى مشكلة حتى قبل أن تبدأ عملية الحماية المادية لها، إذ يمكن للنزاعات المتعلقة بالولاية القضائية البحرية أن تحدد الأماكن التي يمكن فيها مسح البنية التحتية، ومدّها، وصيانتها، وحمايتها.

كما تزيد تركيا من تعقيد الاستجابة الإقليمية، لأنها في الوقت نفسه حليف في “الناتو” وقوة رئيسية في منطقة البحر المتوسط، وتتعارض مطالباتها البحرية بصورة دورية مع المصالح المتعلقة بالولاية القضائية والبنية التحتية لدول أعضاء في الاتحاد الأوروبي، مثل اليونان وقبرص، وبالتالي، لا تواجه أوروبا خطر التدخل في الكابلات فحسب، بل تواجه أيضاً خلافات حول الجهة التي تملك أصلاً سلطة مدّ هذه البنية التحتية وحمايتها.

جنود أتراك يقفون على متن غواصة خلال مناورات عسكرية في البحر الأبيض المتوسط (أ ف ب)
جنود أتراك يقفون على متن غواصة خلال مناورات عسكرية في البحر الأبيض المتوسط (أ ف ب)

استراتيجية أوروبا لأمن الكابلات

لا يمكن القضاء على أيٍّ من هذه المخاطر من خلال إجراءات الوقاية وحدها، فعلى أوروبا ألا تكتفي بحماية الكابلات، بل يجب أن تكون قادرة أيضاً على استيعاب آثار التعطّل واستعادة الاتصال عند فشل تدابير الحماية، حيث تُترجم هذه المقاربة عملياً من خلال خطة عمل الاتحاد الأوروبي بشأن أمن الكابلات، التي نُشرت في فبراير2025، وتتمحور إجراءاتها حول أربع أولويات رئيسية: الوقاية، والكشف، والاستجابة والإصلاح، والردع.

لا يمكن القضاء على المخاطر من خلال الوقاية وحدها بل يجب أن تكون أوروبا قادرة على حماية الكابلات واستيعاب آثار التعطّل واستعادة الاتصال عندما تفشل تدابير الحماية

تجمع الخطة بين تعزيز المراقبة والكشف عن التهديدات من جهة، وزيادة بدائل الاتصال وتكرار مسارات البنية التحتية، وتسريع قدرات الإصلاح، وتعزيز التنسيق بين السلطات الوطنية ومشغّلي الكابلات من جهة أخرى، فبعد عام، أُتبعت الخطة بمجموعة أدوات لأمن الكابلات، التي تحدد مجموعة من التدابير التخفيفية التي يُشجَّع الدول الأعضاء على اعتمادها.

تصبح قدرة إصلاح الكابلات أمراً بالغ الأهمية بمجرد وقوع التعطّل، إذ يمكن للمراقبة أن تحدد مكان الضرر، كما يمكن للبدائل الاحتياطية أن تعيد توجيه حركة البيانات، لكن أياً منهما لا يستطيع إعادة تشغيل كابل مقطوع أو إصلاحه، إذ تمتلك أوروبا حالياً قدرة محدودة على تنفيذ عمليات الإصلاح بسرعة.

أحصت دراسة أُعدّت عام 2022 لصالح اللجنة الفرعية للأمن والدفاع في البرلمان الأوروبي ثلاث سفن فقط لإصلاح الكابلات متمركزة بشكل دائم داخل الاتحاد الأوروبي، وفي يونيو 2026، فتحت المفوضية الأوروبية باب التقدم للحصول على تمويل بقيمة 40  مليون يورو لتطوير وحدات إصلاح قابلة للنقل داخل حاويات، يمكن تركيبها على متن السفن التجارية، حيث يهدف هذا الإجراء إلى تقليص فجوة القدرة على الإصلاح دون الحاجة إلى انتظار سنوات لبناء سفن جديدة.

تتعامل المراكز الإقليمية للكابلات مع البعد العابر للحدود لهذه المشكلة من خلال تحسين تبادل المعلومات، وتعزيز قدرات الكشف عن التهديدات، وتنسيق الجهود بين الدول المشاركة، كما تحدد مشروعات الكابلات ذات الأهمية الأوروبية المسارات ذات الأهمية الاستراتيجية، حيث يمكن للوصلات الجديدة أو المُحدَّثة أن تعزز مرونة الشبكة الأوسع وقدرتها على توفير مسارات بديلة.

تُظهر هذه التدابير كيف تنتقل سياسة الاتحاد الأوروبي من التركيز على حماية الكابلات الفردية إلى الحفاظ على استمرارية الاتصال عند وقوع التعطّل، ففي منطقة البحر المتوسط، تجعل الطبيعة الجغرافية للشبكة إيطاليا عنصراً محورياً في مدى نجاح هذه المقاربة.

 إيطاليا: مركز الثقل الرقمي لأوروبا

تُعد إيطاليا مركز الثقل الرقمي لأوروبا، ومن المنظور البحري، يتركز هذا الدور إلى حد كبير حول جزيرة صقلية، إذ تتقاطع هناك عدة مسارات دولية للكابلات، ما يضع الجزيرة ضمن شبكة من الوصلات التي تربط أوروبا بأفريقيا والشرق الأوسط وآسيا، حيث يخدم مركز صقلية التابع لشركة سباركل في باليرمو 18 كابلاً دولياً، كما يرتبط بمحطات إنزال الكابلات الموجودة في الجزيرة، إذ أضاف نظام بلو ميد مزيداً من قدرات الاتصال عبر باليرمو.

أما نظام غرين ميد الجديد، الذي أُبرم عقده في فبراير 2026 على أن يبدأ تقديم خدماته اعتباراً من أواخر عام 2028، فيجري تطويره لتعزيز مسارات الاتصال عبر منطقتي وسط وشرق البحر المتوسط، حيث يخلق هذا التركز مفاضلة عملية، فوجود مسارات متعددة يمنح مشغّلي الشبكات خيارات أكثر لإعادة توجيه حركة البيانات عند وقوع أي تعطّل، إلا أن الاعتماد على المنطقة الجغرافية نفسها يؤدي في الوقت ذاته إلى تركّز المخاطر فيها.

كما تؤدي روتردام دوراً محورياً بوصفها عقدة رئيسية للخدمات اللوجستية البحرية في أوروبا، تؤدي صقلية دوراً مماثلاً في مجال الاتصال الرقمي، وبالتالي، فإن حدوث تعطّل في محيط الجزيرة قد يؤثر في حركة البيانات عبر مسارات تخدم منطقة أوسع بكثير.

يعكس تولّي إيطاليا قيادة مركز الكابلات الإقليمي للبحر المتوسط  هذا الدور المحوري الذي تؤديه في شبكة الاتصالات، حيث أُعلن عن إنشاء المركز في يونيو 2026 بتكلفة تبلغ 3.3  مليون يورو، بالتعاون مع اليونان وقبرص ومالطا، ويهدف المركز إلى تسريع تبادل المعلومات بين الدول الأربع، ورصد أي أنشطة أو مؤشرات غير اعتيادية، وتنسيق الاستجابات عبر الحدود، وبالنسبة إلى صقلية، يتمثل السؤال في مدى قدرة تحسين المراقبة والتنسيق على موازنة المخاطر الناجمة عن تركز هذا الكم الكبير من البنية التحتية في منطقة جغرافية واحدة.

مركز الكابلات الإقليمي للبحر المتوسط صُمم لتسريع تبادل المعلومات بين الدول الأربع ورصد أي مؤشرات غير اعتيادية وتنسيق الاستجابات عبر الحدود

 المنطقة الرمادية والفجوة القانونية

يمكن لتحسين المراقبة والتنسيق أن يقللا من المخاطر الناجمة عن تركز البنية التحتية، لكنهما لا يستطيعان حل مشكلة أخرى، حيث تعلم أوروبا أن كابلاً ما قد تعرض للتخريب أو الضرر قبل وقت طويل من تمكنها من تحديد الجهة المسؤولة عن ذلك، حيث يمكن أن يحدث الضرر في لحظة، في حين قد تستغرق عملية تحديد المسؤولية وقتاً أطول بكثير، ما يتيح مجالاً لممارسة أنشطة المنطقة الرمادية.

يوفّر القانون الدولي قواعد لحماية الكابلات البحرية، لكنه لا يزيل الصعوبات المرتبطة بإثبات المسؤولية، إذ تحمي اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار حرية مدّ الكابلات البحرية، وبموجب المادة 113 منها، يتعين على الدول تجريم إتلاف أو قطع الكابلات في أعالي البحار عمداً أو نتيجة إهمال جسيم يُنسب إلى السفن التي ترفع علمها.

ومع ذلك، تظل مسألة تحديد المسؤولية صعبة عندما تخدم البنية التحتية عدة دول، وتكون السفينة المشتبه بها رافعة لعلم دولة أخرى، وتكون ملكية الكابلات موزعة بين جهات تجارية متعددة، لذا إن التوصل إلى تحديد مرجّح للجهة المسؤولة لا يحل بالضرورة مشكلة إسناد المسؤولية، فقد تتوصل الحكومات إلى تقييم استخباراتي بشأن الجهة المسؤولة قبل أن تمتلك أدلة يمكنها الكشف عنها علناً أو استخدامها لتبرير اتخاذ إجراءات قانونية أو قسرية، وبالتالي، قد تبدأ الآثار الاقتصادية والأمنية بالظهور قبل أن تصبح الحكومات في وضع يمكّنها من الاستجابة سياسياً.

خلال سحب كابل بحري بطول 516 كيلومترًا تابع لخط نقل الطاقة الأوروبي "نوردلينك" (أ ف ب)
خلال سحب كابل بحري بطول 516 كيلومترًا تابع لخط نقل الطاقة الأوروبي “نوردلينك” (أ ف ب)

أما مشروع خط أنابيب نورد ستريم ومدى تحوله إلى قضية سياسية، ففي يونيو، وبعد نحو أربع سنوات على وقوع الانفجارات، وجّه الادعاء العام الألماني اتهامات إلى مجموعة من المواطنين الأوكرانيين، قال إنهم تصرفوا بأوامر من جهات حكومية في أوكرانيا، بهدف حرمان روسيا من عائدات الغاز التي تُستخدم في تمويل حربها.

وفي أغسطس، ألقت كرواتيا القبض على أحد المشتبه بهم، بينما عادت كييف إلى نفي أي تورط رسمي لها، أما بولندا، فقد رفضت بشكل صريح تسليم المشتبه به، وقال رئيس الوزراء دونالد توسك: إن الذين أنشأوا خطوط الأنابيب، وليس الذين عطّلوها، هم من ينبغي أن يشعروا بالعار.

تتيح المرونة لأوروبا الاستجابة دون انتظار اكتمال تلك العملية، إذ يمكن لتبادل المعلومات، وتوفير مسارات بديلة، وإعادة توجيه حركة البيانات، والإصلاح السريع أن تحدّ من آثار التعطّل في الوقت الذي تستمر فيه عملية تحديد الجهة المسؤولة، إذ لا تزال أوروبا بحاجة إلى تحديد المسؤولين عن هذه الأفعال وفرض تكاليف عليهم، لكنها لا تحتاج إلى انتظار تحديد المسؤولية بشكل نهائي قبل اتخاذ إجراءات للحد من الأضرار.

 أدوات تعزيز المرونة

يتطلب الحد من آثار التعطّل تعاون جهات مختلفة معاً، فمعظم الكابلات البحرية مملوكة لجهات تجارية، ما يمنح المشغّلين من القطاع الخاص السيطرة على جزء كبير من البنية التحتية، إلى جانب امتلاكهم الخبرات التقنية والبيانات التشغيلية وقدرات الإصلاح، حيث يوفّر الاتحاد الأوروبي أدوات تنظيمية ومالية وأخرى متعلقة بسياسات البنية التحتية، بينما يسهم “الناتو” بقدرات المراقبة العسكرية، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، والقدرات البحرية، والردع.

تصبح هذه القدرات ذات أهمية في مراحل مختلفة من وقوع الحادث، إذ يؤدي مشغّلو الكابلات دوراً محورياً في اكتشاف انقطاعات الاتصال وإعادة توجيه حركة البيانات، كما يتعين على الحكومات والسلطات الأمنية تقييم نطاق التهديد الأوسع، وتبادل المعلومات عبر الحدود، وتنسيق الاستجابة، وبعد ذلك، تكون هناك حاجة إلى سفن متخصصة في إصلاح الكابلات لإعادة البنية التحتية المتضررة إلى الخدمة، حيث يمكن أن تدعم مراقبة قاع البحر، والأنظمة ذاتية التشغيل تحت الماء، والذكاء الاصطناعي عمليات الكشف والمراقبة طوال هذه المراحل.

يجعل البحر المتوسط هذا التنسيق أكثر صعوبة على نحو خاص، إذ تمتد شبكة الكابلات فيه عبر ولايات قضائية متعددة، وتضم بنية تحتية مملوكة لجهات تجارية، في منطقة تشمل دولاً أعضاء في الاتحاد الأوروبي و”الناتو”، ودولاً من خارج الاتحاد الأوروبي، فضلاً عن وجود نزاعات بحرية لم تُحسم بعد، حيث يتمثل السؤال الرئيسي في مدى قدرة هذه الجهات على الانتقال، بالسرعة الكافية، من اكتشاف الحادث إلى إعادة توجيه حركة البيانات، وتقييم التهديد، والبدء في عمليات الإصلاح، بما يضمن احتواء آثاره والحد من تداعياته.

انقطاع الكابلات

إن حدوث تعطّل متزامن في مسارات رئيسية عدة للكابلات في البحر المتوسط سيكشف مدى فعالية إجراءات تعزيز المرونة التي اتخذتها أوروبا على أرض الواقع، وقد تمتد آثار هذا التعطّل إلى ما هو أبعد من قطاع الاتصالات، لتشمل المعاملات المالية، والخدمات السحابية، والاتصالات الحكومية، والنشاط التجاري، وبعض عناصر الاستجابة للأزمات.

قد تساعد البدائل الاحتياطية على امتصاص جزء من الصدمة من خلال إعادة توجيه حركة البيانات عبر مسارات بديلة، إلا أن حدوث أعطال متزامنة حول نقاط الاختناق المشتركة سيختبر حدود هذه القدرة، إذ ستكشف الساعات الأولى ما إذا كان بإمكان مشغّلي الشبكات إعادة توجيه قدر كافٍ من حركة البيانات، وما إذا كانت الحكومات قادرة على تكوين صورة مشتركة وواضحة عن نطاق التعطّل، وما إذا كانت سفن إصلاح الكابلات المتخصصة قادرة على الاستجابة بالسرعة الكافية.

قد تكون القرارات السياسية بالقدر نفسه من الأهمية الذي تتمتع به القدرات التقنية، حيث تحتاج السلطات إلى تنسيق استجابة قبل أن تتمكن من تحديد المسؤولية أو النوايا بدرجة كافية من اليقين، ولن يحتاج الخصم إلى إبقاء أوروبا معزولة عن الاتصالات لأسابيع؛ إذ يمكن حتى لتعطّل قصير الأمد أن يحقق قيمة استراتيجية إذا أدى إلى إثارة حالة من عدم اليقين الاقتصادي، أو إضعاف قدرة الحكومات على التنسيق، أو كشف نقاط الضعف في البنية التحتية الحيوية.

التعطّل سيكون له قيمة استراتيجية إذا أدى إلى حالة من عدم اليقين الاقتصادي أو أضعف قدرة الحكومات على التنسيق أو كشف مواطن ضعف البنية التحتية

يؤدي احتواء التعطّل بسرعة إلى تغيير المعادلة، فإذا أُعيد توجيه حركة البيانات وأُصلحت البنية التحتية المتضررة قبل أن تمتد آثار التعطّل إلى نطاق أوسع، فإن العائد الاستراتيجي من الهجوم ينخفض بشكل حاد، ولذلك، لا يتعين على أوروبا أن تجعل استهداف كابلاتها أمراً مستحيلاً، بل أن تجعل استهدافها غير مجدٍ بما يكفي لتحقيق مكاسب استراتيجية.

اختبار أوروبا على الجبهة الخفية

إن قدرة أوروبا على احتواء التعطّل في منطقة البحر المتوسط تتجاوز آثارها مسألة أمن الكابلات بكثير، فالمنطقة تجمع العديد من القدرات اللازمة للاستجابة؛ إذ تسيطر الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي على سواحل ونقاط إنزال رئيسية، ويمتلك “الناتو” قدرات بحرية كبيرة، بينما يوفر المشغّلون من القطاع الخاص الخبرات التقنية، وتسهم المسارات الجديدة في تعزيز تعدد المسارات والمرونة.

في الوقت نفسه، تؤدي نقاط اختناق الكابلات، وتعدد الولايات القضائية، والملكية التجارية، والنزاعات البحرية، والصعوبات المرتبطة بإسناد المسؤولية إلى تعقيد عملية الاستجابة، إذا لم تتمكن أوروبا من جعل المرونة تعمل بفاعلية في بحر شبه مغلق إلى حد كبير، حيث تمتلك بالفعل حضوراً قوياً، فسيكون من الأصعب عليها حماية البنية التحتية في مناطق أخرى، لذلك، يمثل البحر المتوسط اختباراً مهماً.

يتمثل السؤال في مدى قدرة أوروبا على جمع الحكومات، ومؤسسات الاتحاد الأوروبي، و “الناتو”، والمشغّلين من القطاع الخاص، والعمل معاً بالسرعة الكافية لحماية البنية التحتية التي تعتمد عليها طموحاتها الأمنية الأوسع.

في المحصلة، إن تحقيق الحصانة الكاملة ليس هدفاً واقعياً، إذ لا يمكن لأي مزيج من السفن وأجهزة الاستشعار وسفن الإصلاح والمؤسسات والقواعد القانونية أن يحمي كل كابل في جميع الأوقات، حيث يتمثل الهدف في تقليص المكاسب التي يمكن أن يحققها الخصم من خلال التعطّل، وذلك عبر اكتشاف الأضرار في وقت مبكر، وامتصاص قدر أكبر من آثارها، واستعادة الاتصال بسرعة أكبر، ومن شأن النجاح في ذلك أن يجعل المرونة أداة ردع موثوقة من خلال حرمان الخصم من تحقيق المكاسب، أما الفشل، فسوف يكشف عن مشكلة أوسع نطاقاً، وهي أن طموحات أوروبا الأمنية قد تتقدم بوتيرة أسرع من قدرتها على حماية البنية التحتية التي تعتمد عليها.

الفشل في بناء القدرة على الصمود سيكشف عن مشكلة أوسع وهي أن طموحات أوروبا الأمنية قد تتقدم بوتيرة أسرع من قدرتها على حماية البنية التحتية

نيكوليتا كوروشي، محللة سياسية قبرصية، عملت مع عدد من مراكز الأبحاث الأجنبية، أبرزها منتدى الشرق الأوسط، كما نشرت مقالات في وسائل إعلام دولية مثل ذا يوروبين كونسرفاتيف، مستعرضة التطورات في منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط، وعملت كمحللة سياسية في "فيللفيثيروس"، الصحيفة الرائدة في قبرص، وكصحفية في مجال الإعلام الرقمي لأكثر من ثماني سنوات. نيكوليتا، تحمل درجة الماجستير في الدراسات الدولية والأوروبية مع تخصّص في العلاقات الدولية.
نيكوليتا كوروشي

نيكوليتا كوروشي، صحفية ومحللة سياسية قبرصية، عملت مع عدد من مراكز الأبحاث، أبرزها منتدى الشرق الأوسط، كما نشرت مقالات في وسائل إعلام دولية، وتركز على التطورات في منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط.

اشترك مجاناً في تقارير إيغل إنتيلجنس

رؤى وتقارير حصرية

تمتّع بإمكانية الوصول إلى تحليلات متعمّقة، ومعلومات استخباراتية حصرية، وتقارير خبراء مُصمّمة خصيصاً لتبقى على اطلاع دائم، وفي صدارة المتابعين لأهم التطورات العالمية.

بالاشتراك، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا.

موضوعات أخرى
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير

اشترك مجاناً في تقارير إيغل إنتيلجنس

رؤى وتقارير حصرية

تمتّع بإمكانية الوصول إلى تحليلات متعمّقة، ومعلومات استخباراتية حصرية، وتقارير خبراء مُصمّمة خصيصاً لتبقى على اطلاع دائم، وفي صدارة المتابعين لأهم التطورات العالمية.

بالاشتراك، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا.

ايغل انتيلجنس ريبورتس
Privacy Overview

This website uses cookies so that we can provide you with the best user experience possible. Cookie information is stored in your browser and performs functions such as recognising you when you return to our website and helping our team to understand which sections of the website you find most interesting and useful.