قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، أمام القوات المسلحة الفرنسية يوم الإثنين، إن أوروبا تتمسك بالحرية وسيادة القانون، وهي مستعدة للدفاع عنهما “ولو كان الثمن إراقة الدماء”. وعلى مدى سبعة عقود، شكّل هذا الخطاب الركيزة الأساسية للسياسة الخارجية الأمريكية. فمنذ إعلان “مبدأ ترومان”، استخدمت واشنطن هذا المنطق لتبرير دفاعها عن الديمقراطية الليبرالية. لكن هذا النهج يبدو اليوم في طريقه إلى التغيير في ظل إدارة الرئيس دونالد ترامب.
وقاد يوم الثلاثاء، 500 جندي من “تحالف الراغبين” العرض العسكري بمناسبة العيد الوطني الفرنسي “يوم الباستيل” في جادة الشانزليزيه. وينتمي هؤلاء الجنود إلى ألمانيا، والمملكة المتحدة، وبولندا، ورومانيا، والسويد، وسلوفاكيا، والنمسا، وأستراليا، وكندا، فيما تختتم وحدة أوكرانية العرض. ولا ترد الولايات المتحدة ضمن قائمة الدول المشاركة. ويصف قصر الإليزيه هذه المشاركة بأنها “رسالة استراتيجية” تؤكد قدرة فرنسا على قيادة عمليات عسكرية متعددة الجنسيات.
وتراهن فرنسا على قدرتها على ملء الفراغ الذي تستعد الولايات المتحدة لتركه. فهي الدولة الأوروبية الوحيدة التي تجمع بين عضويتها في الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي “الناتو”، وامتلاكها مقعداً دائماً في مجلس الأمن الدولي، إلى جانب قوة ردع نووية مستقلة. أما المملكة المتحدة فهي خارج الاتحاد الأوروبي، بينما تفتقر ألمانيا إلى المقعد الدائم في مجلس الأمن وإلى السلاح النووي. وقد شكّلت “الاستقلالية الاستراتيجية” محور رؤية ماكرون طوال العقد الماضي، إلا أن المتغير الأبرز هذا العام هو بدء واشنطن الانسحاب من هذا الدور.
شكّلت “الاستقلالية الاستراتيجية” محور رؤية ماكرون طوال العقد الماضي إلا أن المتغير الأبرز هذا العام هو بدء واشنطن الانسحاب من هذا الدور
ويتمثل جوهر هذه الاستراتيجية في الترسانة النووية الفرنسية. ففي قاعدة الغواصات في إيل لونغ، أعلن ماكرون، في الثاني من مارس، تبني مفهوم “الردع المتقدم” وبموجب هذا التوجه، سترفع فرنسا مخزونها من الرؤوس النووية للمرة الأولى منذ انتهاء الحرب الباردة، كما ستتيح للدول الشريكة الراغبة استضافة طائراتها الاستراتيجية لفترات محددة. ولم يسبق لأي دولة أوروبية تمتلك سلاحاً نووياً أن عرضت مظلتها الردعية على بقية دول القارة وفق مثل هذه الصيغة.
انضمت النرويج إلى مبادرة الرئيس الفرنسي في 27 مايو، لتصبح الدولة التاسعة التي تؤيدها. ولا تكمن أهمية هذه الخطوة في عدد الدول المنضمة، بل في هوية النرويج نفسها. فهي من الدول المؤسسة لحلف “الناتو”، وتشترك في حدود قطبية مع روسيا، واعتمدت طوال تاريخ الحلف على المظلة الأمنية الأمريكية. أما اليوم، فهي تسعى إلى تنويع خياراتها الأمنية عبر التقارب مع باريس. وتضم قائمة الدول الأخرى المنضمة إلى المبادرة كلاً من بلجيكا، والدنمارك، وألمانيا، واليونان، وهولندا، وبولندا، والسويد، والمملكة المتحدة. كما أنشأت فرنسا وألمانيا مجموعة توجيه مشتركة منحت برلين أول دور رسمي لها في التنسيق النووي خارج الإطار الأمريكي.
ومع ذلك، تبدو المبادرة أقل شمولاً مما توحي به. ففرنسا لا تقدم أي التزام تعاقدي بالدفاع، وتحتفظ بالقرار الحصري بشأن استخدام أسلحتها النووية، كما أن أي انتشار للقوات أو الوسائل النووية سيجري بطواقم فرنسية فقط. وتمتلك باريس نحو 290 رأساً نووياً، مقارنة بأكثر من 4300 رأس نووي لدى روسيا. ورغم محدودية حجم الترسانة الفرنسية، فإن النفوذ السياسي الذي توفره كبير، إذ باتت تسع عواصم أوروبية تعتمد على باريس في الردع النووي، وهو دور لا تستطيع برلين القيام به.
باتت تسع عواصم أوروبية تعتمد على باريس في الردع النووي وهو دور لا تستطيع برلين القيام به
وينطبق الأمر نفسه على القدرات العسكرية التقليدية. إذ تتولى فرنسا قيادة المجموعة القتالية التابعة لحلف الناتو في تشينكو برومانيا، والتي توسعت إلى مستوى لواء عام 2025. وخلال قمة أنقرة في الثامن من يوليو، تعهد ماكرون بإرسال قوات فرنسية إلى فنلندا. وجاء ذلك بعد خمسة أسابيع من تقليص الولايات المتحدة وضعها العسكري الطارئ في أوروبا، عبر سحب حاملة طائرات، وطائرات للتزود بالوقود جواً، وعشرات المقاتلات، إضافة إلى بدء انسحاب نحو خمسة آلاف جندي أمريكي من ألمانيا.
وقال ماكرون إن فرنسا عوضت بمفردها 80% من النقص في القدرات البحرية، وعرضت نشر حاملة طائرات فرنسية. وبذلك، تمثل كل عملية انتشار فرنسية محاولة لشغل المواقع التي بدأت الولايات المتحدة الانسحاب منها.
تأسس “تحالف الراغبين”، الذي أُطلق بالشراكة مع المملكة المتحدة في مارس 2025، ويضم اليوم أكثر من 30 دولة. واجتمع قادة التحالف في باريس، يوم الإثنين، وأعلنوا أن القوة متعددة الجنسيات الخاصة بأوكرانيا أصبحت جاهزة للانتشار فور التوصل إلى أي اتفاق لوقف إطلاق النار. وقد أنشأت فرنسا هيكل هذه القوة، وتتولى رئاستها، كما ستقودها ميدانياً. ولا يضم تسلسل قيادتها أي ضابط أمريكي.
وتبقى الأسلحة الحلقة الأضعف في هذه الاستراتيجية. فباريس تدفع باتجاه اعتماد منظومة الدفاع الجوي الفرنسية-الإيطالية ” SAMP/T ” بدلاً من منظومة باتريوت الأمريكية، كما تروج لتطوير قدرة أوروبية للدفاع ضد الصواريخ الباليستية بالتعاون مع قطاع الصناعات الدفاعية الأوكراني. لكن مشروع المقاتلة الفرنسية-الألمانية المشتركة انهار الشهر الماضي، فيما أبلغ ماكرون شركات الصناعات الدفاعية الفرنسية، يوم الإثنين، بأنها لا تنتج بالوتيرة المطلوبة.
تدفع باريس بنظام SAMP-T الفرنسي الإيطالي على حساب نظام باتريوت الأمريكي وتروج لقدرة أوروبية مضادة للصواريخ الباليستية مبنية بإنتاج أوكراني
وفي السابع من يوليو، أصبح ماكرون أول رئيس دولة غربي يزور دمشق منذ سقوط نظام بشار الأسد. وقال خلال الزيارة إن سيادة القانون وحدها قادرة على بناء سوريا جديدة. وكان قد استخدم العبارة نفسها في منتدى دافوس خلال يناير، عندما أكد أن أوروبا تفضل “سيادة القانون على منطق القوة”.
وعلى مدى سبعة عقود، بررت الولايات المتحدة دورها القيادي في أوروبا بالدفاع عن الديمقراطية والحرية وسيادة القانون. أما اليوم، فقد أصبحت واشنطن تركز على المفاوضات الثنائية بشأن الرسوم الجمركية وتقاسم الأعباء، تاركةً موقع المتحدث باسم الغرب شاغراً، وهو الدور الذي يسعى ماكرون إلى شغله.
أصبحت واشنطن تركز على المفاوضات الثنائية بشأن الرسوم الجمركية وتقاسم الأعباء تاركةً موقع المتحدث باسم الغرب شاغراً وهو الدور الذي يسعى إليه ماكرون
غير أن الطموحات الفرنسية تتجاوز الإمكانات المالية المتاحة. فمن المتوقع أن تنفق فرنسا نحو 2.2% من ناتجها المحلي الإجمالي على الدفاع هذا العام، مع خطة لرفع الإنفاق إلى أكثر من 2.5% بحلول عام 2030، وهو مستوى لا يزال دون هدف “الناتو” البالغ 3.5% بحلول عام 2035. وفي المقابل، يُتوقع أن يبلغ الإنفاق الدفاعي الألماني 109.7 مليارات يورو العام المقبل، مقارنة بـ63.3 مليار يورو لفرنسا. ولا تستطيع باريس مجاراة القوة العسكرية الأمريكية، كما لا تستطيع برلين ذلك، ولا حتى الدولتان معاً.
ويشكل عرض العيد الوطني الفرنسي “يوم الباستيل” لهذا العام العاشر والأخير لماكرون بصفته رئيساً للجمهورية. وفي الوقت الذي تتصدر فيه مارين لوبان استطلاعات الرأي قبيل الانتخابات المقررة في الربيع المقبل، تعلن نيتها سحب فرنسا من القيادة العسكرية المتكاملة لحلف الناتو، كما تعارض توسيع المظلة النووية الفرنسية لتشمل الحلفاء الأوروبيين. ويثير ذلك تساؤلات حول ما إذا كانت الترتيبات الجديدة التي أرساها ماكرون ستصمد بعد مغادرته السلطة.
وتسعى باريس إلى ترسيخ مكانتها بوصفها القائد الاستراتيجي الأول لأوروبا، استعداداً لتراجع الدور الأمريكي في القارة. ويتطلب هذا الطموح امتلاك مقعد دائم في مجلس الأمن الدولي، وترسانة نووية، وخبرة في التحرك بصورة مستقلة، إضافة إلى الإرادة السياسية لقيادة المواقف. وتبقى فرنسا الدولة الأوروبية الوحيدة التي تجمع بين هذه المقومات الأربع. إلا أن نجاح الرهان الاستراتيجي لماكرون في ترسيخ قيادة فرنسية مستدامة لأوروبا سيظل رهناً بقدرة المؤسسات والترتيبات التي أنشأها على الاستمرار بعد انتهاء ولايته الرئاسية.



