أثارت نتائج الانتخابات المحلية في المملكة المتحدة حالة من القلق داخل حزب العمّال، وفقاً لمصدر مطلع في البرلمان البريطاني فضّل عدم الكشف عن هويته.
وأوضح المصدر، الذي عمل لسنوات مع الجهاز الحزبي لعدد من النواب، لـ “إيغل إنتيلجنس ريبورتس” أنَّ النقاشات تجري خلف الأبواب المغلقة حول ما إذا كان كير ستارمر لا يزال الشخص المناسب لقيادة الحزب، وذلك بعدَ نكسة انتخابية وصفت بأنها قاسية.
وقال المصدر: إنََّ المداولات بشأن الإطاحة بستارمر لصالح سياسيٍّ أقل التزاماً بالأطر التقليدية وأكثر ميلاً إلى النهج الشعبوي مستمرة، مضيفاً: إنه “في إطار هذه النقاشات، يُشاع أن أندي برنهام يخطط لقيادة تحدٍّ على زعامة الحزب”.
نقاشات واسعة تدور خلف الأبواب المغلقة بشأن الإطاحة بستارمر لصالح سياسيّ التزاماً بالأطر التقليدية وأكثر ميلاً إلى النهج الشعبوي
وأشار المصدر إلى برنهام، عمدة مانشستر الكبرى، يتبنّى توجّهاً شعبوياً يسارياً نسبياً، مع برنامجٍ أكثر مرونة وتركيزاً على الطبقة العاملة، مؤكداً أنَّ أحد الاعتبارات الأساسية هو أن برنهام قد يتمكّن من كسب دعم الشمال، ما من شأنه تعزيز مواقع حزب العمّال في المناطق التي خسر فيها مؤخراً.
وهنا تزداد الرهانات السياسية حدة، فقد ألغى آندي بورنهام خطاباً كان مقرراً بعد الانتخابات، بعد صدور النتائج الأولية، حيث تشير تقارير إلى أنه سيعود إلى وستمنستر، وقد يسعى إلى الترشح لمقعد نيابي، وهو شرط داخل حزب العمال لخوض تحدٍّ على القيادة، سيما وأن النائب العمالي كلايف لويس، كان قد صرّح سابقاً بأنه مستعد للتنحي عن مقعده لإفساح المجال أمام بورنهام.
اليوم لا تعد التكهنات حول تحدّيات القيادة جديدة، خصوصاً داخل جهاز حزبيّ قديم ومتشعّب البنية مثل حزب العمّال، لكن هناك فرق بين ما يُتداول علناً بشأن مستقبل برنهام، وبين النقاشات الداخلية التي أعقبت الانتخابات المحلية، وهذا الفرق مهم، فإذا كانت تلك النقاشات تتسع، فإن مشاكل حزب العمّال في الانتخابات المحلية لم تعد مجرد نكسة انتخابية، بل بدأت تتحول إلى سؤال يتعلق بالقيادة نفسها.

وقال المصدر: إنه “على الرغم من تجدّد الانتقادات الموجَّهة إلى قيادات حزبي الإصلاح والخضر، إلا أن كلا الحزبين يواصلان الصعود، متجاوزَين التغطية الإعلامية والفهم السياسي التقليدي، كما أن الجدل الأخير داخل الحزبين لم يؤثّر بشكل ملموس على نتائج التصويت”.
وقد قلّل زعيم حزب الإصلاح البريطاني نايجل فاراج من أهمية هدية مالية بقيمة 5 ملايين جنيه إسترليني تلقاها من أحد كبار داعميه الأثرياء، فيما يواجه زاك بولانسكي، من الحزب الأخضر، تدقيقاً بشأن ممارسات مثيرة للجدل تتعلق بضريبة المجلس المحلي، إلى جانب مزاعم بأنه قدّم نفسه متحدثاً باسم الصليب الأحمر، ولكن، ووفقاً للمصدر، فإن هذه الفضائح المحتملة لم تلقَ صدى واسعاً لدى الرأي العام.
وبالنسبة إلى حزب العمال، فإن الخطر السياسي واضح؛ إذ إن القضايا التي كان من شأنها في السابق أن تُضعف الأحزاب الصاعدة، تبدو اليوم عاجزة عن كبح زخمها، حيث تشير نتائج الانتخابات المحلية إلى أن المزاج المناهض للمؤسسة التقليدية بات أكثر صعوبة على الاحتواء من قبل الأحزاب التقليدية، حتى عندما يواجه قادة الأحزاب المنافسة تدقيقاً وانتقادات قد تكون مؤثرة.
كما، حذّر المصدر من أنه إذا تكررت هذه النتائج على المستوى الوطني، فقد تجد إنجلترا نفسها أمام مشهد سياسي أكثر تعددية، وأقرب إلى النموذج الأوروبي، لكن ضمن نظام انتخابي يقوم على مبدأ “الفائز الأول”، وهو نظام غير مصمم للتعامل مع هذا النوع من التعددية الحزبية، ما قد يضع بريطانيا أمام تفاوتاً كبيراً بين نسب التصويت الوطنية وبين حجم التمثيل البرلماني الفعلي.
قد تجد إنجلترا نفسها أمام مشهد سياسي أكثر تعددية وأقرب إلى النموذج الأوروبي لكن ضمن نظام انتخابي يقوم على مبدأ “الفائز الأول”غير مصمم لذلك
غير أن التداعيات الأوسع هي ذات طابع هيكلي، فقد تتجه بريطانيا نحو مشهدٍ سياسيٍّ أكثر انقساماً دون امتلاك الآليات الانتخابية التي تُستخدم عادة لإدارة مثل هذا الانقسام، ففي ظل نظام “الفائز الأول”، قد لا تنعكس الحصة الوطنية من الأصوات بصورة عادلة في عدد المقاعد البرلمانية، في حين يمكن للدعم الجغرافي المركّز أن يمنح بعض الأحزاب نفوذاً برلمانياً يفوق حجمها الحقيقي على المستوى الوطني.
وأشار المصدر كذلك إلى أن نتائج الانتخابات تعني دخول مئات السياسيين المحليين الجدد إلى الحكومات المحلية، موضحاً أن معظم هؤلاء لم يخضعوا إلا لقدر محدود جداً من التدقيق، وقد يكون بعضهم بعيداً تماماً عن الأعراف والسلوكيات المعتادة المرتبطة بهذه المناصب، ما قد يفضي إلى حالة من الفوضى على المستوى المحلي، مع وصول شخصيات سياسية غير معروفة إلى مواقع السلطة.
وبالتالي، قد تمثل الانتخابات المحلية أكثر من مجرد دورة انتخابية سيئة لحزب العمال؛ إذ تكشف عن ثلاثة ضغوط متداخلة: أحزاب صاعدة تتجاوز تأثير الفضائح وتواصل تحقيق المكاسب، ونظام حزبي بريطاني يتجه نحو مزيد من الانقسام في ظل نموذج انتخابي غير مهيأ للتعامل مع هذا الانقسام، إلى جانب تجدّد الشكوك داخل حزب العمال بشأن قدرة كير ستارمر على الحفاظ على التماسك السياسي اللازم للفوز على المستوى الوطني.
المسألة لا تتعلق فقط بما إذا كان حزب العمّال قد فقد بعض النفوذ، بل إنَّ النتائج تبدو وكأنها عمّقت سؤالاً أوسع يتعلق بالهوية السياسية، والقيادة، وما إذا كان الحزب بحاجة إلى شخصية مختلفة للتعامل مع ناخبين أكثر تقلباً.
وفي هذا السياق، لم يعد اسم أندي برنهام مجرد شائعة عابرة، بل بدأ يتحول إلى رمز للمشكلات التي تواجه حزب العمّال، والسؤال المطروح الآن هو ما إذا كان كير ستارمر قادراً على الصمود أمام إعادة تشكيل المشهد السياسي التي تتبلور من حوله؟.



