عادت الصواريخ لتخترق سماء الشرق الأوسط، بينما يواجه وقف إطلاق النار الهشّ في الحرب مع إيران أقوى اختبار له منذ أبريل الماضي، حيث جاء هذا التصعيد بعدما أثارت العمليات الإسرائيلية ضد أهداف مرتبطة بحزب الله في جنوب لبنان والضاحية الجنوبية لبيروت ردّاً إيرانياً تمثّل في هجمات صاروخية على إسرائيل.
في الوقت الحالي، يزيد التصعيد الأخير من تعقيد محادثات السلام المتعثرة أصلاً بين واشنطن وطهران، ولكن في محاولة سريعة لاحتواء التوتر، وجه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رسائل مباشرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مطالباً إيران وإسرائيل بـ”وقف فوري لإطلاق النار”.
ويأتي استئناف الأعمال العدائية على نطاق واسع بعد سلسلة من الانتهاكات الإسرائيلية المتكررة لوقف إطلاق النار في لبنان، أعقبها استهداف إيراني لمطار الكويت الدولي في 3 يونيو، ما أسفر عن مقتل شخص وإصابة العشرات.
كما يشير تجدد التوتر إلى أن التحالف الأمريكي-الإسرائيلي قد أصبح يعمل بصورة متزايدة وفق أجندات وأهداف غير متطابقة.
وفي صباح الاثنين، صرّح رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام بأن إسرائيل نفّذت 3,491 غارة جوية، و407 عمليات هدم، و6 عمليات تجريف واسعة، ما أدى إلى تدمير قرى لبنانية في جنوب البلاد وتسويتها بالأرض، وقد أثارت العمليات الإسرائيلية في لبنان، التي استهدفت مناطق تضم مجتمعات مسلمة ومسيحية على حد سواء، موجة من الإدانات من شخصيات دينية مختلفة، حيث وجّه البابا لاون الرابع عشر انتقادات صريحة لهذه الهجمات، واصفاً إياها بأنها غير أخلاقية وغير مقبولة، فيما أدان البطريرك الماروني الأنطاكي أعمال العنف ودعا إلى وقف إطلاق النار.
من جانب أخر، تشير التقديرات إلى أن ما بين 10 و30 صاروخاً باليستياً إيرانياً استهدفت مواقع داخل إسرائيل، ما شكّل ضغطاً على منظومات الاعتراض والدفاع الجوي الإسرائيلية والأمريكية، فيما تمكن عدد من هذه الصواريخ من الوصول إلى أهدافه.
وفي خضم هذا التصعيد، أفادت إذاعة الجيش الإسرائيلي بأن ميليشيا الحوثي في اليمن أطلقت مقذوفين صاروخيين باتجاه إسرائيل، سقط أحدهما قبل بلوغ هدفه، بينما جرى اعتراض الآخر، حيث يعكس هذا التطور احتمالاً متزايداً لتفعيل وكلاء إيران في المنطقة إذا استمر التصعيد الحالي واتسع نطاقه.
كما يهدد هذا التصعيد بإفشال محاولات ترامب، التي تزداد صعوبة وإحباطاً، للتوصل إلى تسوية للنزاع، أو على الأقل إلى مذكرة تفاهم تسمح بإعادة فتح مضيق هرمز أمام حركة الملاحة.
وكان ترامب قد صرّح للصحافة الأسبوع الماضي بأنه ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قد “يختلفان في الصباح، لكنهما يتفقان بحلول فترة ما بعد الظهر”.
وجاءت هذه التصريحات بعدما أفادت وسائل إعلام أمريكية، بأن ترامب وصف نتنياهو بأنه “مجنون تماماً” خلال حديث تناول التصعيد الإسرائيلي في لبنان، وهو التصعيد الذي دفع مسؤولين إيرانيين إلى التهديد بالانسحاب من المفاوضات.

في الواقع، لا يزال شبح اندلاع صراع إقليمي واسع النطاق يخيم على هذه التطورات، وحتى نحو الساعة الحادية عشرة صباحاً بتوقيت غرينتش يوم الإثنين، أعلنت إيران وقف أي هجمات إضافية ما لم تُقدِم إسرائيل مجدداً على استهداف لبنان، في حين أصدرت حركة حماس بيانات أشادت فيها بالردود الإيرانية واليمنية على العمليات الإسرائيلية.
من جانبه، جدّد ترامب دعوته إلى وقف الأعمال القتالية في منشور عبر حسابه في منصة “سوشال تروث”، مؤكداً أن إسرائيل وإيران “تتطلعان إلى وقف فوري لإطلاق النار”، ما لم يقف “الجهل أو الحماقة” حائلاً دون ذلك.
وفي هذا الإطار زعمت مصادر تابعة للحوثيين أنها فرضت “حظراً كاملاً” على السفن الإسرائيلية التي تحاول عبور مضيق باب المندب في جنوب البحر الأحمر، إذ أن من شأن هذه الخطوة أن تزيد من حدة أزمة الطاقة العالمية المستمرة، والتي تفاقمت بسبب الهجوم الأمريكي-الإسرائيلي على إيران وإغلاق مضيق هرمز.
وتثير هذه التطورات الأخيرة تساؤلات جدية حول قدرة ترامب على التوسط لإنهاء الأعمال العدائية بصورة فعّالة ومستدامة، فعلى الرغم من التوافق الاستراتيجي طويل الأمد بين الولايات المتحدة وإسرائيل، لا تزال عمليات الجيش الإسرائيلي تتواصل بما يتعارض مع مطالب ترامب، وهو ما قد يشير إلى وجود تباين أو تضارب في المصالح داخل هذا التحالف.
علاوة على ذلك، يهدد هذا التصعيد بتعميق الانقسامات داخل تحالف “لنجعل أمريكا عظيمة مجدداً”، في الولايات المتحدة، وذلك قبيل انتخابات التجديد النصفي المقررة في نوفمبر، حيث يعاني هذا التحالف بالفعل من توترات متزايدة نتيجة انتقال عدد متنام من أنصار ترامب إلى صفوف المعارضين بسبب الحرب مع إيران والدعم الأمريكي للعمليات الإسرائيلية في الشرق الأوسط.
ومع ذلك، صوّت الكونغرس الأمريكي الأسبوع الماضي لصالح توسيع وتعميق العلاقات العسكرية مع إسرائيل من خلال تعزيز التعاون العسكري والصناعي الدفاعي، وذلك رغم أن مستويات التأييد الشعبي لإسرائيل بين الأمريكيين تُعد من الأدنى تاريخياً وفقاً لعدد من استطلاعات الرأي.
دأب ترامب في تصريحاته الصحفية الأخيرة على طمأنة الرأي العام الأمريكي بأن إيران ترغب في التوصل إلى اتفاق، وأن نهاية الأعمال القتالية باتت قريبة، ومع ذلك، يبدو أن الولايات المتحدة، من بين الأطراف الثلاثة، هي الأكثر حرصاً على إنهاء الصراع بشكل فوري.
ولكن مع استمرار هذا النزاع في دفع معدلات التضخم وأسعار الطاقة إلى الارتفاع على مستوى العالم، تتزايد المؤشرات على وجود فجوة محتملة بين الأهداف الإسرائيلية والأمريكية في المنطقة، وعلى النقيض من ذلك ترى إيران، التي تعيش منذ فترة طويلة في حالة حصار وتخضع بالفعل لعقوبات شديدة، أن عامل الوقت قد يكون في صالحها.



