راهنت كندا بنحو 70 مليار دولار على أن حلف الناتو لا يزال يشكّل ركيزة أساسية لأمنها الاستراتيجي، ففي 6 يوليو 2026، اختار رئيس الوزراء الكندي مارك كارني، ألمانيا لتصنيع 12 غواصة لصالح البحرية الملكية الكندية.
وفي هذا القرار، استبعدت أوتاوا عرضاً أقل تكلفة من كوريا الجنوبية، رغم أن الغواصة الكورية كانت قد دخلت بالفعل مرحلة الإنتاج، وكان من الممكن تسليمها في وقت أقصر، إذ أن كلا الطرازين كان قادراً على تلبية المتطلبات التشغيلية لكندا، إلا أن أوتاوا رجّحت في النهاية كفة حليفها الأوروبي.
يكمن وراء هذا القرار معضلة استراتيجية تواجهها قوى متوسطة في الغرب، فمع تزايد الضغوط الأمريكية عليها لإعادة التسلّح، تجد نفسها أمام خيارين؛ إما شراء الأسلحة من مُصدّرين آسيويين من خارج منظومة التحالف بأسعار أقل وتسليم أسرع، أو دفع كلفة أعلى مقابل البقاء ضمن المنظومة الدفاعية للحلف.
ربطت كندا، عن قصد، مستقبل أسطولها من الغواصات بالقاعدة الصناعية لحلف الناتو، حيث يعكس اختيارها شركة تيسن كروب للأنظمة البحرية (TKMS) الألمانية مزيجاً من الالتزام بالتحالف والمنطق العملي في عمليات التعاقد والتسليح، وفي الوقت نفسه، أبقت أوتاوا على شركة هانوا أوشن الكورية الجنوبية كخيار احتياطي وورقة تفاوضية، تحسباً لتعثر الصفقة الألمانية قبل عام 2027.
وبذلك، تحاول الحكومة الكندية التحوّط في رهان يمتد لخمسين عاماً، مع استمرارها في ترجيح كفة التحالف عندما يتعلق الأمر بالقرارات المصيرية، حيث يشكّل هذا القرار اختباراً مبكراً لما إذا كان الاندماج داخل منظومة التحالف لا يزال قادراً على التفوق على اعتبارات السعر وسرعة التسليم.
تحاول الحكومة الكندية التحوّط في رهان يمتد لخمسين عاماً مع استمرارها في ترجيح كفة التحالف عندما يتعلق الأمر بالقرارات المصيرية
ما الذي رجّح كفة ألمانيا؟
أطلقت كندا طلب المعلومات الخاص بمشروع الغواصات الدورية الكندية (CPSP) خلال الفترة الممتدة من سبتمبر 2024 إلى فبراير 2025، وفي أغسطس 2025، أدرجت السلطات الكندية شركتي تيسن كروب للأنظمة البحرية (TKMS) وهانوا أوشن الكورية الجنوبية ضمن القائمة المختصرة، ثم تلقت العروض النهائية في مارس 2026، وأغلقت مرحلة الاستفسارات والتوضيحات في أواخر أبريل، قبل أن تعلن اختيار TKMS في يوليو، وهذا يعني أن عملية الاختيار استغرقت أقل من عام منذ إعداد القائمة المختصرة وحتى اتخاذ القرار النهائي.
تصف السلطات الكندية هذه الصفقة بأنها أكبر عملية شراء دفاعية في تاريخ البلاد؛ إذ تُقدَّر قيمة الشراء الأولي بنحو 17 مليار دولار كندي، فيما قد ترتفع التكلفة الإجمالية إلى نحو 70 مليار دولار على مدى العمر التشغيلي للأسطول.
تنبع أهمية الصفقة من حجم الأسطول الذي ستُستبدل غواصاته، فالغواصات الكندية الأربع من طراز فيكتوريا، التي اشترتها كندا مستعملةً من المملكة المتحدة بين عامي 1998 و2000، من المقرر أن تخرج من الخدمة تدريجياً في منتصف إلى أواخر ثلاثينيات القرن الحالي.
أما إدخال نحو 12 غواصة جديدة، فمن شأنه أن يرفع حجم أسطول البحرية الملكية الكندية من الغواصات إلى نحو ثلاثة أضعاف حجمه الحالي، وقال نائب الأدميرال أنغوس توبشي، الذي كان يشغل آنذاك منصب قائد البحرية الملكية الكندية: إن كلا الغواصتين قادرتان على تلبية احتياجات كندا.
من جانبه، وصف رئيس الوزراء مارك كارني القرار بأنه كان متقارباً للغاية بين موردين مؤهلين، وهذا يستبعد الرواية المبسطة التي تفيد بأن الغواصة الكورية الجنوبية KSS-III استُبعدت لأسباب فنية، بل إن التصريحات الصادرة عن الجانب الكندي تشير إلى أن عوامل أخرى، مثل مخاطر الجدول الزمني، والتكامل الصناعي، واستدامة الشراكة على المدى الطويل، هي التي حسمت في نهاية المطاف المنافسة بين منصتين أثبتتا كفايتهما لتلبية المتطلبات الكندية.
كان موعد التسليم أوضح نقاط المفاضلة العملية بين العرضين، فغواصات (KSS III ) من الدفعة الثانية (Batch II) التي تنتجها شركة هانوا أوشن دخلت بالفعل مرحلة التصنيع في حوضها لبناء السفن في جيوجي، حيث أُطلقت أول غواصة من هذه الدفعة في أكتوبر 2025، كما زارها كارني واطّلع عليها خلال جولته في كوريا الجنوبية.
عرضت هانوا تسليم الغواصة الأولى بحلول عام 2032، وأربع غواصات بحلول عام 2035، وهو جدول زمني وصفه محللون بأنه يمنح العرض الكوري أفضلية هيكلية، لأنه لا يعتمد على تصميم لا يزال في مرحلة ما قبل الإنتاج.
أما شركة تيسن كروب للأنظمة البحرية، فكان عليها، في المقابل، إقناع أوتاوا بأن غواصتها 212CD قادرة رغم ذلك على الالتزام بالجدول الزمني الكندي، علماً بأن أول غواصة ألمانية من هذا الطراز لن تدخل الخدمة أو التسليم قبل نحو 2031 أو 2032.
ورأى مراقبون أن العرض الأولي لشركة TKMSالذي تضمن تسليم أربع غواصات بحلول عام 2036، كان يمثل القيد الزمني الأكثر تشدداً، ولتقليص الفجوة، أعادت الشركة تخصيص مواعيد إنتاج كانت قد حُجزت في الأصل لصالح ألمانيا والنرويج.
كما أشارت TKMS إلى توسعة بقيمة 290 مليون دولار في حوض بناء السفن التابع لها بمدينة كيل، تشمل إنشاء قاعة تضم ثماني وحدات إنتاج مخصصة لخط تصنيع غواصات CD212.
وتتوقع أوتاوا الآن بدء تسليم الغواصات في عام 2034، أي قبل الموعد الذي تضمنه العرض الأولي للشركة، حيث توقعت TKMS أن يضيف البرنامج ما يصل إلى 61 مليار دولار إلى الناتج المحلي الإجمالي الكندي، وهو ما أتاح لأوتاوا تقديم التأخير النسبي في التسليم باعتباره ثمناً مقابل عوائد صناعية واقتصادية أكبر وأكثر استدامة على المدى الطويل.
إن قبول كندا بمسار أبطأ للتسليم هو ما يجعل هذه الصفقة تتجاوز مجرد كونها تعبيراً عن التزام بالتحالف، فشركات بناء السفن الأوروبية تعمل ضمن قاعدة صناعية دفاعية لا تزال تستوعب الصدمة الكبيرة في الطلب التي أحدثتها الحرب في أوكرانيا، وقد أدى ذلك إلى توجيه رؤوس الأموال والمواد والعمالة الماهرة نحو إنتاج الذخائر وأنظمة الدفاع الجوي.
في محاولة لتوسيع هذه القدرات، أطلق الاتحاد الأوروبي آليات تمويل جديدة، من بينها تسهيل SAFE بقيمة 173 مليار دولار، الذي يشترط أن يأتي 65 % من محتوى البرامج الممولة من داخل أوروبا، حيث بلغت إيرادات قطاعي الطيران والدفاع الأوروبيين نحو 210 مليارات دولار في عام 2024، بزيادة تقارب 48 % منذ عام 2021، حتى مع تحذير مسؤولين من أن الطلب لا يزال يفوق ما تستطيع المصانع إنتاجه.
من ثم، فإن المقاول الذي يتعهد بإعادة تخصيص مواعيد الإنتاج وتوسعة أحواض بناء السفن يطلب من العميل تحمّل مخاطر على المدى القريب، مقابل ضمان الوصول طويل الأمد إلى قاعدة صناعية آخذة في التوسع.
أما عرض هانوا، فكان يقوم على المعادلة المعاكسة: تصميم موجود بالفعل وبدأت غواصاته بالنزول إلى المياه، في دولة تواجه قيوداً أقل على الطاقة الإنتاجية، لكن من دون الخبرة الممتدة لعقود في العمليات والتشغيل البيني التي تجمع ألمانيا والنرويج.
وازنت كندا بين هذه الضغوط، وخلصت في نهاية المطاف إلى أن تقليص المخاطر على المدى الطويل أهم من تجنّب مخاطر التأخير على المدى القريب، حيث كانت المخاطر بعيدة المدى التي أولتها الأولوية تتعلق بـاستمرارية الإمدادات، ودعم الأسطول وصيانته، وقابلية التشغيل البيني مع الحلفاء.
وازنت كندا بين الضغوط وخلصت إلى أن تقليص المخاطر على المدى الطويل أهم من تجنّب مخاطر التأخير على المدى القريب
وهذا ليس مجرد استنتاج عام، بل حكم محدد يستند إلى معطيات وأدلة واضحة، إذ لا يمكن فهم هذا الخيار إلا في ضوء المكانة التي تريد كندا أن تحتلها صناعياً ودبلوماسياً على مدى برنامج يمتد إلى النصف الثاني من هذا القرن.
التشغيل الهيكلي وسرعة التسليم
كان أقوى مبرر عملي ملموس لاختيار TKMS هو قابلية التشغيل الهيكلي، حيث صُممت غواصات 212CD بصورة مشتركة لصالح ألمانيا والنرويج، وهما حليفان في “الناتو” تتعاون معهما كندا بالفعل في التدريب والمناورات وتبادل المعلومات الاستخباراتية.
وتزوّد TKMS نحو 70 % من أسطول الغواصات التقليدية لدى دول الناتو، كما ركزت أوتاوا في تصريحاتها عقب الإعلان عن الصفقة على الحلفاء الموثوقين وسلاسل الإمداد الأوروبية بقدر تركيزها على قدرات الغواصة نفسها.
وتكمن الأفضلية هنا في الجانب العملي؛ إذ إن بروتوكولات الصيانة المشتركة، ومسارات التدريب الموحدة، والعقيدة العملياتية القائمة من شأنها خفض تكلفة دمج منصة جديدة في أسطول البحرية الكندية، كما أن هذه الوفورات لا تقتصر على مرحلة إدخال الغواصات إلى الخدمة، بل تتراكم على مدى عمرها التشغيلي.

قدّمت غواصة KSS-III الكورية الجنوبية طرحاً مختلفاً وأكثر حداثة، ففي مايو 2026، أرسلت البحرية الكورية الغواصة دوسان آن تشانغ-هو (Dosan Ahn Chang-ho) إلى الساحل الكندي على المحيط الهادئ للمشاركة في مناورة مشتركة مع البحرية الملكية الكندية.
وكانت هذه خطوة غير مألوفة هدفت إلى إثبات أن غواصة لا تمتلك سجلاً سابقاً في الخدمة لدى دول الناتو يمكنها مع ذلك العمل بكفاءة إلى جانب القوات الحليفة، كما ركزت هانوا في عرضها على نظام الإطلاق العمودي للغواصة وعلى إزاحتها الأكبر، مقدمةً إياها باعتبارها غواصة قادرة على تنفيذ عمليات بعيدة المدى في المياه المفتوحة، في مقابل الغواصة 212CD المدمجة ذات الهيكل الماسي، والمصممة بصورة أكبر للعمليات الساحلية والدوريات في المناطق الشمالية.
وكان لكل من الطرحين وجاهته، لكن قرار كندا يشير إلى أنه عندما تكون المنصتان متقاربتين في القدرات، فإن علاقة التحالف القائمة والمجربة تتفوق على شراكة جديدة، مهما كانت قدراتها مثبتة وواعدة، ومع ذلك، أبقت أوتاوا العرض الكوري مطروحاً، محتفظةً به كخيار احتياطي في حال تعثرت المفاوضات مع TKMS قبل انتهاء المهلة المحددة في نهاية عام 2027.
تكشف آلية الإبقاء على العرض الكوري كخيار احتياطي الكثير عن طبيعة القرار، فاحتفاظ أوتاوا بعرض هانوا كورقة ضغط وخيار للتحوّط يشير إلى أن المسؤولين رأوا قيمة حقيقية في العرض الكوري، وليس مجرد وسيلة لمنافسة TKMS وتحسين السعر أو شروط التعاقد، حيث تفيد وسائل إعلام كندية بأن المنافسة قد تُستأنف رسمياً إذا تعثرت المفاوضات مع ألمانيا بسبب شروط العقد أو التمويل أو الترتيبات الصناعية.
لو كان الهدف من القرار مجرد تأكيد الولاء للتحالف، لما احتاجت الحكومة إلى بناء مثل هذا الخيار الاحتياطي، بل إن الإبقاء على العرض الكوري حياً يعكس حرص أوتاوا على الاحتفاظ ببديل حقيقي، حتى بعد ترجيحها كفة الشريك الألماني.
بالنسبة إلى قوة متوسطة مثل كندا، تكشف هذه القضية عن مشكلة تموضع استراتيجي ازدادت تعقيداً في ظل التحولات التي يشهدها النظام عبر الأطلسي، فأوتاوا تحاول تحقيق ثلاثة أهداف في آن واحد:
أولاً، يتعين عليها الاستجابة لضغوط واشنطن لزيادة الإنفاق الدفاعي وتقليل الاعتماد على الأنظمة الأمريكية، حيث جاء توقيت الصفقة ليؤكد ذلك بوضوح؛ ففي قمة الناتو التي عُقدت في أنقرة بعد أيام، قال كارني: إن إدارة ترامب كسبت الجدل بشأن تقاسم أعباء الدفاع، كما أدرجت أوتاوا صفقة الغواصات ضمن حزمة من الاتفاقات التي تعكس توجهاً أكثر ارتباطاً بالتحالف، من بينها ترتيب مع شركة تلسات للأقمار الصناعية وشراء صواريخ من شركة كونغسبرغ، بما يعكس تعامل الحكومة مع المشتريات الدفاعية باعتبارها أداة لإدارة التحالفات وتعزيزها.
ثانياً، تسعى كندا إلى تعميق علاقاتها مع الحلفاء الأوروبيين، الذين تتوسع قاعدتهم الصناعية الدفاعية، وإن كانت لا تزال تواجه قيوداً في الطاقة الإنتاجية بسبب تداعيات الحرب في أوكرانيا.
ثالثاً، تريد أوتاوا الإبقاء على خياراتها مفتوحة أمام مُصدّر آسيوي سريع النمو في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، قادر على تقديم غواصات بوتيرة أسرع.
يخدم اختيار TKMS الهدفين الأول والثاني؛ فهو يقلل اعتماد كندا على الولايات المتحدة في مجال قدرة استراتيجية حيوية، وفي الوقت نفسه يربطها بمنظومة صناعية وتدريبية أوروبية في وقت تعمل فيه أوروبا على توسيع قدراتها الإنتاجية، لكن ثمن هذا الخيار يتمثل في مخاطر الجدول الزمني ومخاطر التصميم المرتبطة بغواصة لا تزال في بدايات أول دورة إنتاج لها.
التكاليف والمخاطر هنا محددة وواضحة، فأسطول غواصات فيكتوريا سيكون قد تجاوز عمره التشغيلي المقرر بفترة طويلة بحلول موعد وصول الغواصات البديلة؛ كما أن العقد لا يزال خاضعاً لمفاوضات بشأن السعر وشروط العوائد والمنافع الصناعية لكندا؛ فضلاً عن أن الشركة المصنّعة سبق أن اضطرت إلى تعديل جدولها الزمني مرة واحدة خلال مراحل المنافسة.
ومع ذلك، رأت كندا أن هذه التكاليف والمخاطر تستحق التحمل مقابل تحقيق اندماج أعمق في منظومة التحالف، أما نجاح الصفقة في نهاية المطاف، فسيتوقف على حسن التنفيذ، فكلا الطرازين قادر على أداء المهام المطلوبة، لكن TKMS وحدها مطالبة الآن بالالتزام بجدول زمني سبق أن اضطرت إلى تعديله تحت ضغط المنافسة.
الدرس القاسي من سيؤول
بالنسبة إلى هانوا وقطاع الصناعات الدفاعية الكوري، تبدو نتيجة المنافسة أقرب إلى كونها رفضاً لعرض يفتقر إلى شبكة تحالفات راسخة، وليس رفضاً للتكنولوجيا الكورية بحد ذاتها، حيث تراجعت أسهم شركة هانوا أوشن بنحو 23 % عقب الإعلان، وأقرّ مسؤولون كوريون بمرارة النتيجة، حتى وهم يؤكدون ما أثبتته المنافسة من قدرات العرض الكوري.
وقال الرئيس لي جاي ميونغ: إن الغواصة KSS-III أثبتت قدرتها التنافسية في مواجهة أبرز شركات بناء الغواصات في العالم، كما تعهد بمواصلة دعم صادرات الصناعات الدفاعية، في إطار طموح كوريا الجنوبية لأن تصبح واحدة من أكبر أربعة مُصدّرين للأسلحة في العالم.
كانت الغواصة الكورية قادرة على المنافسة من الناحية التقنية؛ لكن ما رجّح كفتها المنافسة في النهاية هو أهمية البنية التحتية المشتركة للتحالفات التي راكمتها كندا على مدى سنوات، وهي ميزة لم يكن بوسع أي تفوق تقني أن يعوّضها في هذه الصفقة.
الغواصة الكورية كانت قادرة على المنافسة من الناحية التقنية لكن ما رجّح كفتها في النهاية هو أهمية البنية التحتية المشتركة للتحالفات التي راكمتها منذ سنوات
أوضح درس يمكن استخلاصه هو أن التموضع داخل العلاقات الأمنية القائمة، قبل فتح باب المناقصة، أصبح في أسواق الدفاع الغربية، ولا سيما المرتبطة بحلف الناتو، أكثر أهمية من العرض الذي يُقدَّم عند فتح المناقصة نفسها.
وحذّر محللون في منتدى كوريا للدفاع والأمن من أن صادرات الغواصات الكورية قد تواجه صعوبات لسنوات، بصرف النظر عن قدرتها التنافسية، لأن معايير التحالفات والشراكات الأمنية أصبحت أكثر حضوراً ووضوحاً في صفقات التسليح الكبرى التي تبرمها دول الناتو.
وهذه خلاصة أضيق وأكثر قابلية للاختبار من مجرد القول: إن الجغرافيا السياسية مهمة، لأنها تكشف عن فجوة محددة، حيث بنت كوريا الجنوبية قدرات صناعية هائلة وسجلاً موثوقاً في مجال التصدير، لكنها لا تمتلك البنية المؤسسية للعلاقات الحكومية التي يحصل عليها الموردون الأوروبيون بحكم عضويتهم في الناتو.
تشمل هذه البنية اتفاقيات التعاون الرسمية، والمناورات والتدريبات المشتركة التي تسبق طرح المناقصة، وعلاقات قائمة في مجالي الصيانة والتدريب، وهي عناصر تمنح الموردين المنتمين إلى منظومة التحالف أفضلية لا يمكن بالضرورة تعويضها بمجرد تقديم عرض تقني أو مالي أكثر جاذبية.
تقدم التجربة الكورية الحديثة نفسها نموذجاً يمكن البناء عليه، حيث أشار مسؤولون كوريون إلى ذلك بالفعل، إذ صدّرت كوريا الجنوبية دبابة K2 إلى بولندا للمرة الأولى بموجب عقد أُبرم عام 2022، بلغت قيمته نحو 3.4 مليارات دولار مقابل 180 دبابة، ثم أعقبته صفقة ثانية بقيمة 6.5 مليارات دولار لشراء 180 دبابة إضافية في عام 2025.
نجحت الصفقة، جزئياً، لأن الدبابة دخلت سوقاً كانت مهيأة أصلاً لإعادة التسلح بفعل الجهود البولندية التي أعقبت عام 2022، والتي دفعت الإنفاق الدفاعي إلى نحو 4 % من الناتج المحلي الإجمالي، كما أن وارسو اتخذت قرار الشراء بعد أن أتيحت لها فرصة الاحتكاك المباشر بالمنصة وتقييم أدائها، من دون وجود مورد تقليدي راسخ يتمتع بعلاقات تحالفية متجذرة كان عليها التغلب عليها.
يأمل المسؤولون الكوريون أن تحقق صفقة مشروع الغواصات الدورية الكندية (CPSP) تأثيراً مشابهاً، وأن تساعد الغواصات الكورية على اكتساب موطئ قدم في أسواق أخرى، وتقول هانوا: إنها ستدرس أسباب خسارتها للاستفادة منها في المنافسات المقبلة، بما في ذلك صفقات يُقال إن بولندا وأستراليا تدرسانها.
الفارق بين التجربتين واضح ومهم، حيث اشترت بولندا دبابة سبق أن أتيحت لها فرصة رؤية أدائها في ظروف ذات صلة باحتياجاتها، أما كندا، فكانت تختار شريكاً يمتد التعاون معه لنحو نصف قرن؛ وهي مدة تصبح فيها علاقات التحالف أكثر قيمة بمرور الوقت وتتراكم فوائدها على مدى العقود.
الطرح الأكثر قابلية للتنفيذ الذي بدأ يتبلور في سيؤول يركز الآن على البنية المؤسسية، لا على الجانب التقني، ويتمثل في إبرام إطار دفاعي رسمي بين كوريا الجنوبية وحلف الناتو، يشمل الإنتاج المحلي، والتطوير المشترك، ودمج سلاسل الإمداد، وتمويل الصادرات، على أن يجري التفاوض عليه قبل طرح المناقصات، لا أثناء المنافسة عليها.
يبدو أن فرصة من هذا النوع بدأت تتشكل بالفعل، ففي قمة أنقرة، اتفقت كوريا الجنوبية وحلف الناتو على بدء محادثات بشأن اتفاقية للمشتريات الدفاعية تستهدف سوقًا تُقدَّر قيمتها بنحو 9.9 مليارات دولار، عبر قنوات المشتريات التابعة للناتو نفسه، بدلاً من خوض منافسات مباشرة مع الشركات الأخرى في مناقصات تطرحها الدول الأعضاء كل على حدة، فالدرس الذي خرجت به سيؤول واضح وصريح: السعر، وسرعة التسليم، والقدرات التقنية عوامل ضرورية، لكنها لم تعد كافية عندما تتحول التزامات المشتري تجاه تحالفاته إلى معيار غير معلن للتأهل.
الدرس الذي خرجت به سيؤول واضح: السعر وسرعة التسليم والقدرات عوامل ضرورية لكنها لم تعد كافية عندما تتحول التزامات المشتري تجاه تحالفاته إلى معيار
قدمت هانوا العناصر الثلاثة جميعها، بل إنها كانت، من حيث سرعة التسليم، في موقع أفضل على الأرجح من TKMS لكن إدراك أن مثل هذه القرارات تعكس الاصطفاف الجيوسياسي بقدر ما تعكس الجدارة التجارية أصبح اليوم شرطاً أساسياً لتحقيق كوريا الجنوبية فوزها التالي.

السيناريو الأول: تعثّر برلين وعودة سيؤول
يبدأ هذا السيناريو إذا أخفقت شروط TKMS المتعلقة بالسعر، وضمانات التسليم، أو المنافع الصناعية لكندا في الحصول على الموافقة النهائية، وقد يتعزز هذا الاحتمال إذا ظهرت تقارير جديدة تفيد بأن برنامج الغواصات 212CD الألماني نفسه قد تأخر عن الموعد المحدد لتسليم أولى الغواصات، والمقرر حالياً في الفترة بين 2031 و2032.
ويصل الأمر إلى نقطة الحسم إذا امتدت المفاوضات إلى ما بعد الموعد النهائي في نهاية عام 2027، أو إذا خلص مسؤولو المشتريات إلى أن الالتزامات المعدلة التي قدمتها TKMS، بما في ذلك إعادة تخصيص مواعيد الإنتاج في حوض كيل، لم تعد قابلة للتحقق ومطابقتها مع معدلات الإنتاج الفعلية.
تتمثل الآلية هنا في أن تقوم أوتاوا بتفعيل صفة “المورد الاحتياطي” رسمياً، وهي الصفة التي أُشير إليها في إعلان يوليو 2026، ثم تعيد فتح مفاوضات منظمة مع هانوا، وتُسقط المتطلبات الكندية وشروط المنافع الصناعية على غواصة KSS-III التي دخلت بالفعل مرحلة الإنتاج المتسلسل في حوض جيوجي.
وبما أن المنصة الكورية خضعت سابقاً للتقييم وفق المتطلبات الكندية نفسها، فمن المرجح أن تسير إجراءات التحقق والتدقيق بوتيرة أسرع من خوض منافسة جديدة من الصفر.
هذا السيناريو يواجه قيود عدة، أولها الكلفة الدبلوماسية للتراجع عن قرار صُوّر على أنه خطوة لتعميق العلاقات مع ألمانيا والنرويج، وثانيها الكلفة التشغيلية لإعادة التخطيط لعمليات التموضع والتدريب والصيانة بما يتناسب مع غواصة أكبر مزودة بنظام إطلاق عمودي (VLS) بدلاً من الغواصة 212CD الأصغر والمصممة بما يلائم العمليات في المناطق القطبية، وثالثها المخاطر المترتبة على التراجع عن أكبر صفقة تسليح في تاريخ كندا.
من المؤشرات التي تستحق المتابعة: أي تجاوزات معلنة في تكاليف أو جداول TKMS، وتجدد الاتصالات بين أوتاوا وسيؤول، والأسئلة البرلمانية بشأن العقد الألماني، وأي تقارير عن اختناقات في أحواض بناء السفن في كيل أو فيسمار، وهذا الاحتمال: منخفض إلى متوسط.
السيناريو الثاني: قواعد التحالف
يتمثل هذا السيناريو في اجتماع ثلاثة عوامل: استمرار الضغوط الأميركية لتقاسم أعباء الدفاع بصورة أكبر، وتوسّع متطلبات المحتوى الأوروبي في الاتحاد الأوروبي، مثل قاعدة SAFE التي تشترط أن يأتي 65% من محتوى البرامج من داخل أوروبا، واستشهاد دول أعضاء أخرى بقرار كندا باعتباره نموذجاً يمكن الاقتداء به.
تصل الأمور إلى نقطة التحول عندما تبدأ عدة دول أعضاء في حلف الناتو بإدراج معايير الانتماء إلى التحالف أو قابلية التشغيل البيني رسمياً ضمن آليات تقييم العروض في صفقات التسليح الكبرى، بدلاً من التعامل مع عضوية الحلف باعتبارها مجرد عامل واحد من بين عوامل متعددة، وعندها، لن يعود الانتماء إلى منظومة التحالف ميزة سياسية غير معلنة فحسب، بل سيصبح معياراً مؤسسياً واضحاً ومؤثراً في نتيجة المناقصات الدفاعية الكبرى.
تتمثل الآلية في أن تقوم هيئات المشتريات الدفاعية الوطنية بإدراج معايير صريحة للمحتوى القادم من دول الحلف أو للمنصات المشتركة ضمن آليات تقييم العروض، ومع ارتباط قدر متزايد من تمويل برنامج الصناعات الدفاعية الأوروبي بشراء المنتجات من داخل منظومة الحلف، ستجد الدول حافزاً مالياً لاختيار الموردين من الدول الحليفة، حتى عندما يكون عرض من دولة غير حليفة أسرع أو أقل تكلفة، ومع مرور الوقت، قد يؤدي ذلك إلى تحويل ما كان بالنسبة إلى كندا قراراً تقديرياً إلى سمة هيكلية راسخة في منظومة المشتريات الدفاعية الغربية.
لكن هذا السيناريو يواجه قيود عدة، من بينها محدودية الطاقة الإنتاجية لأحواض بناء السفن الأوروبية، التي تتعرض أصلاً لضغوط بسبب الطلب الناجم عن الحرب؛ فضلاً عن قواعد الشفافية في المشتريات وقوانين التجارة التي قد تجعل منح الأفضلية السياسية الصريحة أمراً معقداً، كما يظل لدى المشترين حافز دائم للتحوّط من خلال اللجوء إلى مُصدّرين أسرع من خارج الناتو، كما فعلت كندا مع هانوا.
ومن المؤشرات التي ينبغي مراقبتها: إدراج معايير صريحة لـ”المحتوى القادم من الحلفاء” في المناقصات الأوروبية والكندية اللاحقة، وظهور شروط جديدة تربط التمويل الأوروبي بمصادر محددة، وانتشار هياكل الشراء ثنائية المسار أو ترتيبات المورد الاحتياطي، وسعي مُصدّرين من خارج الناتو، مثل كوريا الجنوبية، إلى إقامة أطر تعاون رسمية مع الحلف، وهذا الاحتمال: متوسط إلى مرتفع.
دليل القوى المتوسطة
أياً كانت النتيجة النهائية للعقد، فإن الدرس أصبح واضحاً بالفعل، بالنسبة إلى قوة متوسطة، فإن صفقة بهذا الحجم هي عمل استراتيجي أولاً، واقتصادي ثانياً، حيث التزمت أوتاوا بتحالفها من دون أن تتخلى عن زمام قرارها، حيث دعمت TKMS، لكنها أبقت هانوا كخيار احتياطي، رافضةً أن تمنح ألمانيا شيكاً على بياض، مع التأكيد في الوقت نفسه على أن مستقبل كندا يمر عبر القاعدة الصناعية لحلف الناتو، إذ كان بند المورد الاحتياطي هو ما أتاح لها الحفاظ على هذه الاستقلالية.
بالنسبة إلى قوة متوسطة فإن صفقة بهذا الحجم هي عمل استراتيجي أولاً واقتصادي ثانياً
الإشارة الأوسع تتعلق بحلف الناتو نفسه، الذي لا يزال يؤثر في المكان الذي يبني فيه الغرب أسلحته، فعندما تحصل قوة متوسطة على قدرة تمتد لخمسين عاماً من داخل التحالف، فإنها تعزز القدرات الصناعية الغربية في وقت تتوسع فيه خطوط الإنتاج الأوروبية لتلبية طلب تاريخي على إعادة التسلح.
في المحصلة، يوجه تحوّط كندا رسالة واضحة إلى الموردين الأوروبيين: تضامن التحالف يفتح الباب، لكن الجداول الزمنية القابلة للتنفيذ، والمنافع الصناعية، وضبط التكاليف هي التي تحسم الصفقة، ومع مواجهة القوى المتوسطة في مختلف أنحاء التحالف الخيارات نفسها على مدى عقود، يقدم مشروع الغواصات الدورية الكندية نموذجاً يمكن الاقتداء به: استخدام علاقات التحالف لتعزيز الردع الجماعي، مع الحفاظ في الوقت نفسه على الانضباط في المشتريات الدفاعية.


