تدير الولايات المتحدة وروسيا اثنتين من أكثر المؤسسات الاستخباراتية خبرةً في العالم، ومع ذلك، تجد القوتان نفسيهما الآن عالقتين في حربين توقّع قادتهما أن تكونا قصيرتين، فيما تخسر كلتاهما أرضاً أمام دول لم تخض الحرب أصلاً، إذ لا يكمن التفسير في جودة المعلومات الاستخباراتية، ولا بالضرورة في طبيعة النظام السياسي، بل فيما يحدث عندما يصل التقييم الاستخباراتي إلى قائدٍ اتخذ قرار الحرب مسبقاً، وهنا تحديداً خسر الطرفان هاتين الحربين، وهنا أيضاً يُعاد اليوم رسم موازين القوى بين الدول الكبرى.
بدأت عملية “الغضب الملحمي” في 28 فبراير، بهدف معلن هو إسقاط النظام الإيراني، وبعد مرور نصف عام، لا يزال النظام قائماً، بل أصبح أكثر تشدداً من النظام الذي سعت واشنطن إلى إسقاطه، حيث أصبح مضيق هرمز مغلقاً إلى حد كبير، في سيناريو سبق أن تدربت عليه المناورات الحربية الأمريكية لسنوات، ومع ذلك مضت الحملة قدماً.
أما فشل موسكو، فقد حدث في مرحلة أسبق من العملية، ففي واشنطن، كان هناك تقييم استخباراتي جرى تجاهله، بينما يبدو أنه لم يُعد في موسكو أي تقييم من هذا القبيل، حيث كان لدى الأجهزة الروسية عناصر داخل أوكرانيا، كما أظهرت استطلاعات الرأي وجود شعب مستعد للقتال، لكن أياً من ذلك لم يصل إلى بوتين في صورة تقييم صريح.
وفي نظام يكافئ إرضاء القائد أكثر من إطلاعه على الحقائق، يُنظر إلى إبلاغ السلطة بما لا تريد سماعه باعتباره عدم ولاء، حيث يعتمد الجيش الروسي الآن على قوات مشاة كورية شمالية وطائرات مسيّرة إيرانية، ما يدفع المكانة التي تسعى موسكو إلى ترسيخها كقوة عظمى منذ عام 1991 إلى مزيد من البعد.
اندلعت الحربان لتحقيق الهدف السياسي نفسه، وهو تغيير النظام في طهران وكييف، ولم تحقق أي منهما هذا الهدف، فإحدى الحكومتين تخضع للناخبين والمحاكم، فيما تخضع الأخرى لدائرة ضيقة من المسؤولين الأمنيين، وفي كلتا الحالتين، حدث الخلل في النقطة نفسها، عندما يتحول التقييم إلى قرار.
بين القوى الكبرى، لا يقتصر أثر هذا الخلل على إحراج جهاز استخباراتي، بل يؤدي إلى تغيير موازين القوى، فالإخفاقات الاستراتيجية تدفع الخصوم والشركاء على حد سواء إلى إعادة تقييم افتراضاتهم القديمة، وتتبع ذلك إعادة اصطفاف، وهذا ما يُظهره اتفاق مكة لعام 2026، فقد وقعت السعودية وتركيا، اللتان طالما اختلفتا، اتفاقاً دفاعياً ثلاثياً مع باكستان، من دون وساطة من واشنطن.
حروب بلا انتصارات
تُخاض الحروب لتحقيق غايات سياسية، فالهدف السياسي هو الذي يحكم كل ما عداه، وعندما يكون هذا الهدف غامضاً، يصبح القتال بلا غاية واضحة، حيث لم توائم أي من الحكومتين هدفها المعلن مع نوع الحرب التي كانت مستعدة لخوضها، فقد استندت كلتا الحربين إلى ضربة أولى، من دون تحديد تصور لنهايتهما قبل البدء، وهكذا تتحول حرب الاختيار تدريجياً إلى حرب أبدية.
الحربان في إيران وأوكرانيا استندتا إلى ضربة أولى من دون تحديد تصور لنهايتهما قبل البدء وهكذا تتحول حرب الاختيار تدريجياً إلى أبدية
كانت أهداف موسكو المعلنة واسعة النطاق، من إقامة حكومة صديقة في كييف، والحد من توسع حلف الناتو، وإعادة أوكرانيا إلى دائرة النفوذ الروسي، وبالنظر إلى هذه الأهداف، سارت الحرب في اتجاه معاكس تقريباً، فأوكرانيا أصبحت أكثر عداءً لروسيا من أي وقت مضى منذ استقلالها، وارتبطت بأوروبا، وحصلت على تسليح لم يسبق له مثيل، حيث تخلت فنلندا والسويد عن عقود من الحياد، وسعتا إلى الانضمام إلى حلف الناتو خلال أشهر من الغزو.
كما تعيد أوروبا تسليح نفسها على نطاق لم تشهده منذ الحرب الباردة، مع قيام مرفق” SAFE” التابع للاتحاد الأوروبي بتمويل عمليات شراء مشتركة للمعدات الدفاعية، حيث أصبح الحلف الذي سعت موسكو إلى الحد من توسعه أكبر حجماً، وأطول حدوداً مع روسيا، فيما تحول ميزان القوى في أوروبا ضدها.
وكانت أهداف واشنطن المعلنة واضحة بالقدر نفسه، لكنها هي الأخرى لم تتحقق، حيث حددت الإدارة أهدافها بإسقاط النظام الإيراني، وإنهاء برنامجه النووي، وتدمير قدراته الصاروخية وشبكة وكلائه، والإبقاء على الخليج مفتوحاً، لكن الضربة التي قتلت المرشد الأعلى يبدو أنها مهدت الطريق أمام فصيل أكثر تشدداً.
ولا يزال الملف النووي مفتوحاً، وحولت إيران مضيق هرمز إلى ورقة ضغط استراتيجية، مع طرح فرض رسوم على حركة الملاحة التي تسمح بمرورها، كما استهدفت صواريخها وطائراتها المسيّرة شركاء الولايات المتحدة، من البحرين والكويت إلى قطر والأردن، وهي الدول التي تعهدت واشنطن بالدفاع عنها.
وفي أعقاب ذلك، دخلت واشنطن في دوامة التصعيد من دون تصور واضح لكيفية إنهائها، وانتقلت الأهداف الأمريكية من تغيير النظام إلى المطالبة باستسلامه، ثم إلى حملة قصف، ثم إلى مذكرة انهارت خلال أسابيع، وأصبحت قوة عظمى بدأت الحرب بهدف فرض شروطها، تتفاوض الآن بشأن نقطة اختناق استراتيجية لم تكن تمثل لها مشكلة في فبراير.
وتهدف الاختبارات الأمريكية لاستخدام القوة، المستمدة من مبدأ باول، إلى دفع القادة إلى مواجهة الأسئلة الأساسية قبل بدء الحرب، فهي تتناول ما إذا كان الهدف قابلاً للتحقيق، وما إذا كانت القوة تمثل فعلاً الخيار الأخير، وكيف يُفترض أن تنتهي الحرب، حيث لم تجب عملية “الغضب الملحمي” عن أي من هذه الأسئلة.

الاستخبارات تُطلع والقادة يقررون
يتمثل رد الفعل التلقائي بعد وقوع إخفاق كبير في إلقاء اللوم على أجهزة الاستخبارات، لكن محللين أمريكيين، استندوا في تحليلاتهم إلى حالات تراوحت بين بيرل هاربر وحرب فيتنام، رأى أن الأخطاء الحاسمة تقع في مستويات أعلى من سلسلة صنع القرار.
ووفقاً للأدلة التي عرضها، فغالباً ما يقع الفشل على عاتق المسؤولين الذين يتلقون التقديرات أكثر من أولئك الذين يكتبونها، فالفشل الاستخباراتي والفشل السياسي متلازمان، وهما الحدث نفسه يُنظر إليه من زاويتين مختلفتين، فالتحليل وصنع القرار يشكلان حلقة واحدة، وليس مرحلتين منفصلتين ومنظمتين، وقد يتلقى القائد تقييماً صحيحاً، لكنه يقرر رغم ذلك تجاهله.
الفشل غالباً ما يقع على عاتق المسؤولين الذين يتلقون التقديرات أكثر ممن يكتبونها فالفشل الاستخباراتي والسياسي متلازمان ويُنظر إليهما من زاويتين مختلفتين
لهذا السبب، قد لا يُحدث التقييم الدقيق فرقاً كبيراً، فالقادة السياسيون يقرؤون المعلومات الاستخباراتية من خلال طموحاتهم والتزاماتهم المعلنة، والقائد الذي تعهد بتحقيق انتصار سريع، سيكون أمامه الكثير ليخسره إذا أقر بأن الحرب تتجه نحو الفشل، إذ ينعكس هذا النمط أيضاً بعد بدء القتال، عندما تبدأ الأخبار الإيجابية المتفرقة في التغلب على التقييم الحذر وتهميشه.
بعد ذلك، يتولى الجمود الاستراتيجي بقية الأمر، فالتراجع عن المسار بعد تحرك القوات يصبح أكثر كلفة من الناحية السياسية من مواصلة الحرب، ولذلك تستمر الخطة رغم الأدلة التي تثبت خطأها، كما تضيق فرصة التوصل إلى تسوية للحرب مع استمرارها.
قدرت دراسة تناولت نزاعات دارت بين عامي 1945 و1989 تكلفة التأخير، وخلصت إلى أن الوساطة التي بدأت خلال الأشهر الثلاثة الأولى من اندلاع القتال نجحت في 37 % من تلك الحروب، مقابل 19 % عندما بدأت في وقت لاحق.
وكان روبرت ماكنمارا، وزير الدفاع الأمريكي الذي أشرف على المجهود الحربي في فيتنام، قد خلص سراً بحلول عام 1967 إلى أن الحرب لا يمكن الانتصار فيها، وقدم هذا الاستنتاج إلى الرئيس خطياً، لكن الحرب استمرت ثماني سنوات أخرى، وهكذا تُبنى الحروب التي لا نهاية لها؛ من خلال تأجيل لحظة الحساب إلى العام التالي، ثم إلى الذي يليه، حيث يمكن للاستخبارات الاستراتيجية أن تحدد تكلفة الحرب مسبقاً، لكنها لا تستطيع إجبار القائد على تقبل هذه التكاليف، وغالباً ما تصل الفاتورة لاحقاً في صورة تراجع في المصداقية والنفوذ الاستراتيجي.
المفاجأة الاستراتيجية
كان سجل التقييمات الاستخباراتية قبل الحرب بشأن إيران واضحاً ومتسقاً، حيث أفادت تقارير بأن أجهزة الاستخبارات في واشنطن والعواصم الحليفة خلصت إلى أن إيران قادرة على إغلاق مضيق هرمز، وكانت تتوقع أن يزداد تشدد الحكومة الإيرانية تحت وطأة القصف، وأن ترد طهران باستهداف دول الخليج التي تستضيف قوات أمريكية، كما قدرت الاستخبارات الدفاعية، وفقاً لتقارير، أن إيران ستحتاج إلى عقد من الزمن لتطوير صاروخ قادر على الوصول إلى الأراضي الأمريكية، إذ لم يكن أي من هذه التقديرات جديداً أو موضع خلاف.
ثم استهدفت الطائرات المسيّرة والصواريخ الإيرانية القواعد الأمريكية، وقتلت جنوداً أمريكيين، فيما وصفت الإدارة الأمريكية نفسها بأنها فوجئت بما حدث، والمفاجأة الاستراتيجية هي أمر لم يتوقعه أحد، لكن ما حدث يبدو أقرب إلى أمر أُبلغت به القيادة، لكنها اختارت التعامل معه باعتباره أمراً غير قابل للتصور.
المفاجأة الاستراتيجية هي أمر لم يتوقعه أحد لكن ما حدث يبدو أقرب إلى أمر أُبلغت به القيادة لكنها اختارت التعامل معه باعتباره أمراً لا يمكن تصوره
لم تكن المشكلة في المعلومات التي رفعتها الأجهزة، ولا في عدم استعدادها لإبداء اعتراضاتها، فعندما أطلع مدير وكالة الاستخبارات المركزية، جون راتكليف، الرئيس على تقييم الأجهزة، وصف سيناريوهات تغيير النظام بأنها “سخيفة”، ووافقه وزير الخارجية ماركو روبيو على ذلك.
وأضاف راتكليف: إن الحرب لا يمكن التنبؤ بمسارها، ولذلك قد يسقط النظام في نهاية المطاف، لكن ذلك لم يكن أمراً يمكن التخطيط لتحقيقه. كما استقال جو كينت، مرشح الرئيس لقيادة المركز الوطني لمكافحة الإرهاب، بدلاً من المشاركة في الأمر، وكتب أن إيران “لا تشكل تهديداً وشيكاً”، ووصف مسؤولون مقربون من عملية التخطيط لاحقاً تحذيرات متكررة من وزارة الدفاع الأميركية من أن إيران قد تغلق المضيق.
ومع ذلك، مضى القرار قدماً متجاوزاً كل هذه التقييمات، حيث شُنت الحرب على أساس التعهد بتنفيذ عملية قصيرة ونظيفة، وجرت تنحية التقديرات غير المريحة جانباً، وإدارة انتُخبت على أساس التعهد بعدم خوض حروب جديدة، وجدت نفسها تنفق الأرواح والأموال في حرب اختارتها بنفسها.
أما الحصيلة حتى الآن، فهي نقطة اختناق تسيطر عليها طهران، وخليج لم يعد ينظر إلى الحماية الأمريكية باعتبارها أمراً يستحق كلفتها، ومن منظور الاستراتيجية الكبرى، تتمثل الكلفة التي تتحملها واشنطن في النظام الإقليمي الذي ظلت تدعمه منذ عام 1991.
أسفر إغلاق المضيق عن أزمة أصغر مما أشارت إليه التوقعات، وإن لم تكن أزمة هينة، حيث كانت أكثر من 130 سفينة تعبر المضيق يومياً قبل الحرب، بينما تضع التقديرات الأخيرة العدد عند نحو 14 سفينة، ومع ذلك، بلغ متوسط سعر خام برنت نحو 100 دولار للبرميل، بدلاً من 200 دولار كما توقع بعض المحللين، وساعدت خطوط الأنابيب السعودية والإماراتية، التي بُنيت قبل سنوات، على نقل النفط عبر مسارات تتجاوز نقطة الاختناق.
كما لجأت الدول المستهلكة إلى الإفراج عن مخزوناتها الطارئة، حيث خفضت الصين مشترياتها، بالتزامن مع اعتمادها على مخزوناتها الخاصة، ووجدت هذه الهوامش الاحتياطية لأن الحكومات تعاملت مع التحذيرات نفسها بجدية واتخذت الاستعدادات اللازمة، ما جنب واشنطن التداعيات الكاملة للمخاطر التي اختارت تجاهلها.
أوكرانيا: التحذير الذي لم يُكتب
بالنظر إلى السجل الروسي فهو أقل وضوحاً، لأن الأنظمة المغلقة تميل إلى طمس أخطائها، حيث تشير الأدلة المتاحة إلى تحذير لم يُكتب بصراحة، بل إنه، وفق بعض الروايات، لم يُطلب أصلاً، حيث تربط أبحاث حديثة حول الاستخبارات الروسية ذلك بثقافة تعود إلى الحقبة السوفيتية وحافظ عليها بوتين، ففي ثقافة الاستخبارات الروسية، يُعتبر الولاء أهم من الصراحة، وعقلية الحصار دائمة، والتقييم النزيه دائماً من مسؤولية جهة أخرى.
يُعتبر الولاء في ثقافة الاستخبارات الروسية أهم من الصراحة وعقلية الحصار دائمة والتقييم النزيه دائماً من مسؤولية جهة أخرى
لا تعاني الأجهزة الروسية نفسها من الضعف، فقد كان لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي داخل أوكرانيا شبكات ومعلومات من استطلاعات الرأي تتيح له معرفة الصورة على نحو أفضل، حيث تقوم الاستخبارات الروسية على العمل التجسسي، فيما يترقى الضباط من خلال الحصول على الأسرار، وليس من خلال تفسير دلالاتها.
يبدو أن القليل مما كان بحوزتهم وصل إلى القيادة العليا في صورة تقييم صريح، ومن المفترض أن تتعامل الأجهزة الغربية مع ذلك باعتباره من صميم عمل المحللين، رغم أن تسييس الاستخبارات أضعف هذا المبدأ هناك أيضاً، أما في موسكو، فيُنظر إلى الأمر باعتباره عدم ولاء صريحاً، ويصبح الصمت الخيار الأكثر أماناً للمسار المهني.

قبل أيام من الغزو، تعثر مدير الاستخبارات الروسية الخارجية، سيرغي ناريشكين، في كلماته خلال اجتماع متلفز لمجلس الأمن القومي، وصحح بوتين علناً رئيس جهاز الاستخبارات الخارجية، حيث فهم كل مسؤول تابع المشهد الرسالة التي كان يفترض أن يوصلها: في موسكو، تتمثل مهمة الأجهزة في تأكيد تقدير القائد، وليس تحذيره، وكان تعطل الرتل المدرع الذي امتد 40 ميلاً على الطريق المؤدي إلى كييف، النتيجة المرئية لفشل غير مرئي في التقدير.
تعمل الاستخبارات الاستراتيجية الجيدة على إدخال عنصر من التريث في أي خطة، من خلال التأكيد على أن للخصم أيضاً قدرة على التأثير في مسار الأحداث، أما في موسكو، فقد جرى التخلص من هذا العامل، ولم يصل التقييم الذي كان يمكن أن يدفع بوتين إلى التريث إلى مكتبه، ووفقاً لتقديرات غربية، تقترب الخسائر الروسية الآن من مليون شخص، فيما تُقاس الأراضي التي دُفعت هذه الكلفة للسيطرة عليها بالقرى.
الاستخبارات الاستراتيجية
من السهل النظر إلى الحالتين باعتبارهما نموذجين متناقضين، فالنظام المغلق لا يستطيع سماع الحقيقة، بينما يسمعها النظام المفتوح، ثم يمضي قدماً رغم ذلك، حيث أنشأ الغرب ما لم تنشئه روسيا: محللين مستقلين، وأجهزة استخبارات متنافسة، وآليات للرقابة، وقاعدة تقضي بإبلاغ القادة بما قد لا يرغبون في سماعه.
وتتيح هذه المنظومة للنظام المفتوح تصحيح خطأ من هذا النوع، لكنها لم تمنع وقوعه، ففي يونيو، صوّت كل من مجلس النواب ومجلس الشيوخ على إنهاء الحرب، في أول مرة يحدث فيها ذلك منذ عام 1973، ومع ذلك استمر القتال.
قد يفسر الاختلاف بين النظامين أقل مما يبدو، فكلاهما دولتان حديثتان تمتلكان أجهزة واسعة وذات طابع قسري، وتختلفان في مستوى الثروة وفي التكتل الذي تتموضع كل منهما في قيادته، والضمانات التي تفصل بينهما أشبه بمنحدر منها بجدار، إذ يمكن لقائد مصمم على المضي قدماً أن ينحدر على هذا المنحدر.
يكمن الاختلاف بين حالتي الإخفاق في النقطة التي توقف عندها التحذير، وتشبه إيران العراق عام 2003 في جانب واحد لم يكن المسؤولون مستعدين للإقرار به، فقد تجاوز مستوى اليقين الذي عُرض علناً التقديرات التي استند إليه، حيث تختلف أصول الحالتين، لكن الكلفة الاستراتيجية حتى الآن كانت متشابهة إلى حد كبير.
ولا يفسر وصف النظام الكثير بقدر ما تفسره المسافة بين ما تعرفه الحكومة وما يكون قائدها مستعداً لسماعه، وفي حقبة أكثر هدوءاً، ربما لم يكن لمثل هذا الانقسام تأثير كبير، أما في عالم يشهد تنافساً بين القوى الكبرى، فإنه يسهم في تحديد الكثير من الأمور.
ولم يسبق أن كانت الاستخبارات سلاحاً أكثر فاعلية، لكن قيمتها تعتمد بالكامل على ما إذا كان صانعو القرار سيستخدمونها، وكيف سيستخدمونها، حيث استخلصت القوى المتوسطة الاستنتاج الواضح: فهي تتعامل الآن مع الاعتماد على واشنطن أو موسكو باعتباره خطراً ينبغي التحوط منه.
الصين تحصد ما ينفقه الآخرون
لا شيء من ذلك جديد في السجل الحديث لأي من الحكومتين، حيث كانت حرب العراق مثالاً على نوعي الإخفاق في الوقت نفسه، وبعد الحرب، خلص المفتشون إلى عدم وجود مخزونات، كما أن القضية التي بُنيت على التقييم الاستخباراتي صيغت لتنسجم مع قرار كان قد اتُّخذ بالفعل.
ويعود هذا النمط إلى الظهور لأن مصدره بشري وليس بيروقراطياً، وإذا كان هناك علاج، فهو لا يكمن في إصلاح هيكلي، بل في نهج قيادي يقوم على تقبل الآراء المخالفة وحماية المحللين الذين يقدمونها، حتى عندما تتعارض تقديراتهم مع الخطة الموضوعة.
وتفوق واشنطن على موسكو حقيقي، لكنه مشروط، فالتقييم الذي يُكتب يمكن الرجوع إليه لاحقاً، أما التقييم الذي لم يُكتب أصلاً فلا يحمي أحداً، وكلتا العاصمتين تستنزفان هذه الأفضلية، وتظهر الكلفة في صورة تراجع في موقعهما ضمن موازين القوى العالمية، حيث أضعفت الحرب مكانة روسيا كقوة كبرى، بعدما كشفت حدود نفوذها العسكري والسياسي.
وفي المقابل، بدأ شركاء الولايات المتحدة يعيدون تقييم مدى موثوقية الحماية الأمريكية، وكان كلا الخسارتين من صنع الذات، عند النقطة التي التقى فيها التقييم بصنع القرار.
أما القوة التي حققت أكبر المكاسب فلم تخض أي حرب، فقد تجنبت الصين الحروب التي استنزفت الولايات المتحدة وروسيا، وتحسن موقعها في الخليج وأوروبا من دون إطلاق رصاصة واحدة، كما تمتلك أكبر مخزونات النفط في العالم، ما يمنح بكين نفوذاً في أزمة الإمدادات المقبلة، أما ما إذا كانت بكين قد حلت هذه المشكلة أم أنها أجلتها فحسب، فذلك سؤال آخر، فإغراء الاستماع فقط إلى ما يؤكد الخطة ليس حكراً على موسكو أو واشنطن.
وفي التنافس بين القوى الكبرى، قد لا تكون أكبر ميزة استراتيجية من نصيب الدولة التي تعرف أكثر، بل الدولة التي يكون قادتها أكثر استعداداً للاستماع إلى ما يعرفونه والتصرف بناءً عليه.
القوة التي حققت أكبر المكاسب لم تخض أي حرب حيث تجنبت الصين الحروب التي استنزفت الولايات المتحدة وروسيا


