تطمح تركيا إلى ترسيخ مكانتها بوصفها “قطباً ثالثاً”، أي قوة مستقلة تسعى إلى تحقيق مصالحها عبر تحالفات متنافسة، من دون الارتهان لطرف واحد، حيث يدفع هذا الطموح أنقرة إلى توسيع شبكة علاقاتها الأمنية إلى ما يتجاوز حدود حلف الناتو بكثير.
يضيف “حلف مكة” الجديد، الذي يجمع تركيا والسعودية وباكستان، التزاماً بالدفاع الجماعي خارج إطار الناتو، بما يمنح أنقرة نفوذاً أوسع، لكنه يحمّلها في المقابل مسؤوليات أكبر، فكل شراكة توسّع هامش حرية تركيا في التحرك، تجعلها في الوقت نفسه أكثر عرضة للنزاعات الإقليمية، وتفتح الباب أمام مطالب جديدة بتوظيف قدراتها العسكرية.
على مدى أكثر من سبعة عقود، شكّل “الناتو” ركيزة أساسية لأمن تركيا، ولا يزال محور شبكة تحالفات أنقرة، ومع ذلك، وسّعت تركيا حضورها في الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا، من خلال التعاون الدفاعي، والانتشار العسكري خارج حدودها، وترتيبات أمنية جديدة.
وتتيح هذه الشراكات لأنقرة متابعة أجندتها الخاصة في الملفات التي تتباين فيها مواقفها مع حلفائها الغربيين، مع الحفاظ في الوقت ذاته على المكاسب العسكرية والصناعية التي توفرها عضوية الناتو.
لكن في حال اندلاع أزمة تشمل شريكاً من خارج الحلف، قد تجد تركيا نفسها بحاجة إلى القوات ذاتها التي يعتمد عليها الناتو، فيما قد يتحول هامش الاستقلالية الذي تسعى إليه إلى قيدٍ عليها.
إذا اندلعت أزمة تشمل شريكاً خارج الناتو قد تحتاج تركيا إلى القوات نفسها التي يعتمد عليها الحلف ما قد يحوّل استقلاليتها إلى قيد عليها
الاستقلالية الاستراتيجية والقطب الثالث
يصف الباحثان زينوناس تزياراس ونيكوس مودوروس سعي تركيا إلى الاضطلاع بدور أكثر استقلالية في النظام الدولي من خلال مفهوم “القطب الثالث”، حيث حافظت أنقرة على علاقات اقتصادية وطاقوية واسعة مع روسيا، في الوقت الذي بقيت فيه عضواً في حلف الناتو وقدّمت دعماً عسكرياً لأوكرانيا.
كما سعت تركيا إلى تعزيز انخراطها مع مؤسسات تقع خارج منظومة التحالفات الغربية، ففي مطلع سبتمبر، قال الرئيس رجب طيب أردوغان إن تركيا قد تنظر في الانضمام الكامل إلى منظمة شنغهاي للتعاون، التي تتمتع فيها حالياً بصفة شريك حوار، حيث طرح أردوغان تعميق انخراط تركيا في المنظمة باعتباره أمراً يتوافق مع تحالفاتها الغربية.
اتبعت تركيا نهجاً مشابهاً في التعامل مع الأزمات الإقليمية، إذ حافظت على علاقاتها مع قوى متنافسة، بالتوازي مع سعيها إلى حماية مصالحها الأمنية الخاصة، ففي أوكرانيا، أبقت الحكومة قنوات التواصل مفتوحة مع موسكو، وشاركت في المفاوضات المتعلقة بصادرات الحبوب، وقدّمت في الوقت نفسه معدات عسكرية لكييف.
وفي غزة، حافظ المسؤولون الأتراك على علاقاتهم مع حماس، في ظل سعيهم إلى الاضطلاع بدور في الجهود الدبلوماسية الرامية إلى إدارة الأزمة، أما في سوريا، فقد تزامن الانخراط العسكري التركي مع المفاوضات وأشكال من التعاون المتقطع مع روسيا وإيران والولايات المتحدة.
تعكس هذه الحالات هامش المرونة الدبلوماسية الذي تسعى أنقرة إلى الحفاظ عليه، حيث يضيف توسّع الشراكات العسكرية التركية بُعداً آخر إلى هذه السياسة، إذ يرسّخ روابط أمنية أكثر استدامة، ويترتب عليها في بعض الحالات التزامات رسمية.
توفّر صناعة الدفاع التركية مساراً آخر لتوسيع نفوذ أنقرة الإقليمي، حيث بلغت صادرات قطاعي الدفاع والطيران 10.9 مليارات دولار خلال الاثني عشر شهراً المنتهية في نهاية مايو 2026، بزيادة قدرها 47% مقارنة بالعام السابق، واستحوذ أعضاء حلف الناتو على 57% من هذه الصادرات.
وباتت مبيعات الأسلحة التركية تقترن بصورة متزايدة بالتدريب العسكري، ونقل التكنولوجيا، وترتيبات الصيانة، وأشكال التعاون طويلة الأمد، ما يوسّع نطاق النفوذ التركي إلى ما يتجاوز صفقات التسليح ذاتها.
دخلت الطائرات المسيّرة، والمنصات البحرية، وغيرها من الأنظمة الدفاعية المصنّعة في الأناضول، أسواقاً في أنحاء أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا، حيث يمكن للإنتاج المشترك والتعاون في مجال التكنولوجيا أن يعمّقا هذه العلاقات، من خلال ربط الشركات الدفاعية التركية بخطط الشركاء الحكوميين في مجال الدفاع واحتياجاتهم العسكرية.
ومع ذلك، لا تزال عملية تحديث القدرات العسكرية التركية تعتمد على التكنولوجيا الغربية في بعض المنصات المتقدمة والمكوّنات الحيوية، فيما يظل أعضاء “الناتو” أسواقاً مهمة للصادرات الدفاعية التركية.
تحديث القدرات العسكرية التركية لا يزال يعتمد على التكنولوجيا الغربية والناتو يظل سوقاً مهماً لصادراتها الدفاعية
لذلك، يعمل قادة أنقرة على تطوير شراكات أمنية تتجاوز حدود الحلف، من خلال قطاع صناعات دفاعية لا يزال مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بالمورّدين والأسواق الغربية، إذ قد تصبح قدرة تركيا على تلبية متطلبات شركائها الخارجيين، بالتوازي مع الوفاء بالتزاماتها بصفتها عضواً في “الناتو”، اختباراً مهماً لمدى الاستقلالية التي تسعى إليها.

علاقات أمنية تتجاوز الناتو
تُجسّد علاقات تركيا مع أذربيجان والصومال شكلين مختلفين من أشكال التعاون الأمني خارج إطار حلف الناتو، حيث أرسى “إعلان شوشا” إطاراً للمساعدة العسكرية في منطقة القوقاز، فيما يجمع الوجود التركي في الصومال بين الانتشار العسكري، ومسؤوليات الأمن البحري، والاستثمارات في البنية التحتية الاستراتيجية.
كما يسهم كلا المسارين في توسيع النفوذ الإقليمي لأنقرة، إلا أن كلاً منهما قد يفرض متطلبات مختلفة على مواردها العسكرية.
بموجب هذا الإعلان، اتفقت أنقرة وباكو على إجراء مشاورات مشتركة في حال قيام دولة ثالثة بتهديد أي من البلدين أو مهاجمته؛ حيث سيتم تحديد شكل المساعدة ونطاقها، وتنسيق عمل القوات المسلحة عند الضرورة، كما يشمل الإعلان مجالات المناورات العسكرية المشتركة، وتدريب الأفراد، والإنتاج الدفاعي، والتعاون التكنولوجي.
تمنح هذه البنود تركيا آلية مؤسسية للتعامل مع أي أزمة في منطقة القوقاز، إذ قد يؤدي تجدد مواجهة عسكرية تشمل أذربيجان إلى تفعيل المشاورات وطلب باكو مساعدة تركية، غير أن الإعلان يترك للحكومتين تحديد حجم هذه المساعدة وشكلها، وعندها، ستحتاج أنقرة إلى موازنة استجابتها مع التزاماتها في مناطق وملفات أخرى.
أما الصومال، فيفرض مجموعة مختلفة من الالتزامات على تركيا، فمنذ عام 2017، تدير الحكومة التركية منشأة “توركسوم” للتدريب العسكري في مقديشو، وفي فبراير 2024، وسّعت اتفاقية للتعاون الدفاعي والاقتصادي مدتها عشر سنوات نطاق انخراط تركيا ليشمل الأمن البحري، حيث تشمل الاتفاقية تطوير القدرات البحرية للصومال، وحماية سواحله من القرصنة والصيد غير القانوني والتهديدات الخارجية.
وسّعت تركيا حضورها العسكري في الصومال خلال عام 2026، ففي أبريل، حلّقت ثلاث طائرات مقاتلة تركية من طراز “إف-16” فوق مقديشو، خلال احتفالات الذكرى السنوية لتأسيس القوات المسلحة الصومالية.
كما نشرت أنقرة مروحيات هجومية من طراز “T129” ومروحيات نقل من طراز “AS-532 Cougar”، إلى جانب مجموعات بحرية تتناوب على الانتشار وتضم فرقاطات وطرادات “كورفيت” وسفينتي إنزال ودعم، حيث تضيف هذه الانتشارات قدرات جوية قتالية وبحرية إلى مهمة التدريب التي تنفذها تركيا في الصومال منذ سنوات.
بالتوازي مع هذا الحضور العسكري، طوّرت الحكومة التركية مشاريع في مجال الطاقة، حيث أجرت سفينة الأبحاث الزلزالية “أوروتش ريس” عمليات مسح في المياه الصومالية خلال عامي 2024 و2025، وفي أبريل 2026 بدأت سفينة الحفر “تشاغري باي” أول عملية حفر تركية في المياه العميقة خارج البلاد.
كما تعمل أنقرة على تطوير ميناء فضائي على الساحل الصومالي المطل على المحيط الهندي، حيث توسّع هذه المشاريع نطاق المصالح التركية في الصومال، لتتجاوز التدريب العسكري والتعاون الدفاعي إلى الطاقة البحرية والبنية التحتية الاستراتيجية.
يضع موقع الصومال بالقرب من خليج عدن الأنشطة التركية على مقربة من طرق الملاحة التي تربط المحيط الهندي بالبحر الأحمر وقناة السويس، إذ يدعم الحضور البحري التركي دور أنقرة في مجال الأمن البحري الصومالي، فيما تمنح عمليات التنقيب عن الطاقة البحرية ومشروع الميناء الفضائي المرتقب تركيا مصالح إضافية على امتداد الساحل الصومالي.
تفرض هذه الأنشطة متطلبات أمنية محتملة مختلفة، فقد يؤدي تصاعد هجمات حركة الشباب على المنشآت العسكرية الصومالية إلى تهديد الأفراد الأتراك المشاركين في مهام التدريب وغيرها من العمليات، وقد تستدعي التهديدات التي تستهدف عمليات التنقيب البحرية أو السفن التركية توفير حماية بحرية إضافية، ومع تطور مشروع الميناء الفضائي، قد تفرض حماية العاملين والمنشآت متطلبات أمنية إضافية.
في حال تزامن ظهور عدة تهديدات من هذا النوع، قد تضطر أنقرة إلى تعزيز انتشارها بقوات أو طائرات أو قطع بحرية إضافية، حيث ستعتمد قدرتها على ذلك جزئياً على حجم القوات المطلوبة في مناطق أخرى، ومن ثم، قد يؤدي اتساع نطاق الحضور الأمني التركي إلى تقييد هامش حرية الحركة الذي كان من المفترض أن يوسّعه.
قدرة أنقرة على تعزيز انتشارها جزئياً قد تكون مرهونة باحتياجاتها العسكرية في مناطق أخرى ما سيقيّد حضورها وهامش الحركة الذي سعت إلى توسيعه
من الشراكة إلى الدفاع الجماعي
يوسّع حلف مكة للدفاع المشترك، الذي وقّعته تركيا والسعودية وباكستان في 7 أغسطس 2026، شبكة علاقات أنقرة الأمنية، وينقلها من إطار الشراكات الثنائية إلى منظومة رسمية للدفاع الجماعي.
في 31 أغسطس، اجتمع وزراء الخارجية والدفاع ورؤساء أركان الدول الثلاث في إسطنبول، في أول اجتماع للجنة السياسية والاستراتيجية والدفاعية، واتفقوا على إنشاء أمانة في الرياض، وتعزيز الردع والدفاع الجماعيين، وتوسيع التعاون في مجال تكنولوجيا الدفاع والإنتاج المشترك.
بالنسبة إلى أنقرة، يوفّر الحلف مساراً إضافياً لتحقيق طموحها في ترسيخ موقعها كقوة أكثر استقلالية، فمن خلال إطار للدفاع الجماعي خارج حلف الناتو، تحصل تركيا على قناة جديدة للنفوذ في الخليج والبحر الأحمر وجنوب آسيا، حيث يواجه شركاؤها تحديات أمنية مختلفة، كما يرسّخ الاتفاق إطاراً أعمق للتعاون العسكري والصناعي.
لكن، بخلاف الشراكات التجارية أو الترتيبات العسكرية الأقل رسمية، ينص الاتفاق على أن أي هجوم مسلح على أحد الأعضاء يُعد هجوماً على الدول الثلاث جميعاً، إذ قد يفرض هذا الالتزام على أنقرة النظر في طلبات المساعدة خلال الأزمات الإقليمية.
سلّطت التطورات في السعودية الضوء بالفعل على هذه الالتزامات، فبعد تصاعد هجمات الحوثيين بالصواريخ والمسيّرات على المملكة في سبتمبر، قالت وزارة الخارجية الباكستانية في البداية إنه لا تجري مناقشة أي استجابة عسكرية بموجب الاتفاق.
وفي 19 سبتمبر، قال وزير الخارجية التركي هاكان فيدان إن أنقرة مستعدة للمساعدة في تلبية الاحتياجات العسكرية السعودية، ولا سيما في المجالات التقنية، مؤكداً أن الاتفاق صُمّم ليكون متوافقاً مع تحالفات تركيا القائمة.
تشير هذه التصريحات إلى استعداد أنقرة لتقديم المساعدة، لكن التداعيات العسكرية العملية للحلف لم تُختبر بعد، إذ لم يصادق البرلمانان التركي والباكستاني حتى الآن على هذا الاتفاق، حيث أرست الدول الثلاث آليات للتعاون، إلا أن نطاق التزاماتها في حال اندلاع صراع أوسع، وحجم الموارد التي ستخصصها كل دولة، لا يزالان غير واضحين.
قد تؤدي أزمة ممتدة في الخليج إلى طلب أنظمة دفاع جوي تركية، أو دعم استخباراتي، أو قدرات بحرية، أو غيرها من القدرات العسكرية، وعندها، ستضطر أنقرة إلى موازنة احتياجات شركائها مع انتشار قواتها القائم والتزاماتها تجاه “الناتو”.
قد تؤدي أزمة خليجية ممتدة إلى طلب دعم عسكري تركي عندها ستضطر أنقرة إلى موازنة احتياجات شركائها مع انتشار قواتها والتزاماتها تجاه الناتو
الاستقلالية الاستراتيجية وديناميكيات الناتو
بالنسبة إلى “الناتو”، يتمثل الأثر المباشر في توسّع شبكة العلاقات الأمنية لأنقرة خارج الحلف، مع احتمال أن يؤدي ذلك إلى تنافس على الموارد العسكرية، فإذا اندلعت أزمات إقليمية عدة في الوقت نفسه، فقد تصبح الطائرات التركية أو القطع البحرية أو أنظمة الدفاع الجوي المخصصة لإحدى العمليات غير متاحة لعمليات أخرى.
وبالتالي، قد يضطر مخططو “الناتو” إلى أخذ الالتزامات التي تبرمها أنقرة ضمن ترتيبات لا يملك الحلف سلطة مؤسسية عليها، في الحسبان.
قد تصبح إدارة التباينات السياسية أكثر تعقيداً، حيث أظهرت مفاوضات تركيا بشأن انضمام السويد إلى “الناتو” كيف يمكن لأنقرة ربط قرارات الحلف بأولوياتها الوطنية، بما في ذلك التعاون في مكافحة الإرهاب وتجارة الدفاع.

ومع توسّع علاقاتها الأمنية الخارجية، قد تضيف النزاعات التي تشمل تلك الشراكات مصالح واعتبارات جديدة إلى مداولات الناتو مستقبلاً.
بالنسبة إلى واشنطن وحلفاء آخرين، قد تحدّ العلاقات الأمنية البديلة لتركيا من فاعلية الضغوط التي يمكن ممارستها عبر “الناتو” وحده، فالتعاون العسكري مع أذربيجان، والحضور في الصومال، والشراكات الدفاعية في أنحاء الشرق الأوسط، تمنح أنقرة قنوات إضافية لمتابعة مصالحها، إذ يعتمد مدى تأثير هذه العلاقات في نفوذ الحلفاء على طبيعة القضية المطروحة.
يزيد “حلف مكة” من تعقيد المشهد، إذ ينص على التزام بالدفاع الجماعي لا يشترك فيه أعضاء “الناتو” الآخرون، فرغم أن أي صراع يشمل السعودية أو باكستان لن يفعّل المادة الخامسة تلقائياً، إلا أن أنقرة قد تواجه مطالب بتقديم الدعم بموجب اتفاقها المنفصل، وقد يؤثر انخراط تركيا في هذه الأزمات أيضاً في مداولات الحلف أو خططه العسكرية.
“حلف مكة” يزيد من تعقيد المشهد إذ ينص على التزام بالدفاع الجماعي لا يشترك فيه أعضاء الناتو الآخرون
إلى جانب التساؤلات المتعلقة بالموارد العسكرية والتنسيق السياسي، قد تثير شراكات أنقرة الخارجية مخاوف بشأن حماية التكنولوجيا والمعلومات الخاصة بالحلفاء، حيث شكّل شراء تركيا منظومة “إس-400” الروسية سابقة في هذا السياق؛ إذ رأت واشنطن أن المنظومة لا تتوافق مع برنامج “إف-35″، وأخرجت تركيا منه عام 2019 بسبب مخاوف تتعلق بحماية التكنولوجيا العسكرية الأمريكية.
ورغم اختلاف ظروف حلف مكة، وعدم وجود أدلة علنية تشير إلى مشاركة تركيا لمعلومات خاصة بـ”الناتو” مع شركائها، إلا أن تعميق التعاون قد يدفع الحلفاء إلى السعي للحصول على توضيحات بشأن طبيعة المعلومات الاستخباراتية والتكنولوجيا التي يمكن لأنقرة مشاركتها في إطار ترتيباتها الخارجية.
حدود الاستقلالية الاستراتيجية
تتزامن هذه المخاوف مع تعاون عسكري وصناعي واسع بين تركيا وحلفائها، ففي منتدى صناعات الدفاع، الذي عُقد على هامش قمة “الناتو” في أنقرة في يوليو، انضمت تركيا إلى مشاريع متعددة الجنسيات تشمل ذخائر عيار 155 ملم قابلة للتشغيل البيني، وقدرات الضربات الدقيقة من البر.
ولا تزال أسواق الحلفاء والتكنولوجيا والمشاريع المشتركة عناصر مهمة لقطاع الصناعات الدفاعية التركي.
حتى الآن، وسّعت أنقرة خياراتها خارج “الناتو” من دون أن تدفع ثمناً واضحاً داخل صفوفه، لكن هذا التوازن سيواجه أصعب اختبار له إذا تزامنت أزمة في الخليج أو القوقاز أو الصومال مع أزمة أخرى على أجندة الحلف، وعندها، ستضطر تركيا إلى تحديد حجم المساعدة التي ستقدمها، والقدرات التي يمكنها تخصيصها، وكيفية التعامل مع حلفاء لا تقيّدهم أيٌّ من التزاماتها الجديدة.
وسّعت أنقرة خياراتها خارج الناتو من دون أن تدفع ثمناً واضحاً داخل صفوفه حتى الآن
في المحصلة، قد ترسم أنقرة أيضاً نهجاً قد تتبعه دول أخرى في “الناتو“، يتمثل بالاحتفاظ بضمانة الحلف، إلى جانب إبرام اتفاقيات دفاع منفصلة، وإذا حذت دول أخرى حذوها، فقد تعتمد تلك الاتفاقيات على القوات والسفن والطائرات نفسها التي يعوّل عليها الحلف.
كما سيصبح التوصل إلى توافق بين الحلفاء أكثر صعوبة، مع إدخال الحكومات مصالح شركائها الخارجيين إلى طاولة المفاوضات، إذ سيظل الدفاع الجماعي جوهر التزام “الناتو”، لكن قد يقل عدد الأعضاء المستعدين للالتزام به التزاماً كاملاً.


