لطالما كان الولاء هو الركيزة الأساسية التي تقوم عليها الدائرة المقرّبة من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، إلا أن الحرب فرضت معياراً جديداً لا يقل أهمية، وهو الكفاءة والقدرة على تحقيق النتائج، فكلما طال أمد الصراع، تعاظم نفوذ المسؤولين الذين يتولون إدارة اقتصاد الحرب ويضمنون استمراره.
كان يُعتقد أن نيكولاي باتروشيف قد خرج من دائرة النفوذ، فعندما أعفى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في مايو 2024، أمينَ مجلس الأمن الذي شغل منصبه لسنوات طويلة، وأسند إليه ملف بناء السفن، فُسِّر القرار على نطاق واسع في موسكو على أنه تقاعدٌ مشرّف، فقد بقي باتروشيف قريباً بما يكفي من الرئيس لتجنّب الإقصاء أو الإهانة، لكنه بدا وكأنه أُبعد عن مراكز صنع القرار الأكثر أهمية، غير أن الصورة تبدلت بعد عامين؛ إذ ظهر باتروشيف مسؤولاً عن تبرير مرافقة فرقاطة روسية لناقلات نفط خاضعة للعقوبات أثناء عبورها القناة الإنجليزية، في مؤشر على أنه لم يغادر دوائر التأثير كما اعتقد كثيرون.
في أبريل 2026، رافقت الفرقاطة الروسية “الأدميرال غريغوروفيتش” ناقلتي النفط الروسية “يونيفرسال” و”نيغما” التي ترفع علم الكاميرون، وكلتاهما خاضعتان للعقوبات البريطانية، حيث أكد نيكولاي باتروشيف تنفيذ هذه المهمة، محذراً من أن روسيا قد تتخذ إجراءات إضافية لحماية تجارتها البحرية، حيث لم تكن هذه العملية مجرد استعراض بحري عابر، بل عكست توظيف القوة العسكرية لحماية البنية التجارية التي تواصل تحويل صادرات النفط الروسية إلى إيرادات تموّل خزينة الدولة.
وفي غضون أشهر، تحوّل ما بدا وكأنه خفضٌ لمكانة باتروشيف إلى موقع مؤسسي جديد يمنحه نفوذاً واسعاً، حيث أُنشئت الهيئة البحرية برئاسته لتتولى تنسيق تطوير القدرات البحرية، وبناء السفن، وسياسات القطب الشمالي، وحماية المصالح البحرية الروسية، التي تضم الهيئة تحت مظلتها السلطات الاتحادية، والحكومات الإقليمية، والمؤسسات التجارية، ضمن إطار مؤسسي يخضع مباشرة لإشراف الرئيس، وفي الوقت نفسه، احتفظ باتروشيف بعضويته الدائمة في مجلس الأمن الروسي، ما أبقى حضوره راسخاً في أعلى دوائر صنع القرار.
ولا تعني هذه الواقعة أن باتروشيف أصبح فجأة مسؤولاً أكثر كفاءة، بل تكشف أن الحرب غيّرت طبيعة وأهمية المنصب الذي يتولاه، فما كان يُعد سابقاً قضايا اقتصادية ثانوية، مثل بناء السفن، وحركة ناقلات النفط، وضمان الوصول إلى ممرات الشحن الدولية، أصبح اليوم يقع في صلب التداخل بين سياسة العقوبات، والقوة العسكرية، وتمويل المجهود الحربي.
ويعكس ذلك تحولاً أوسع يشهده هيكل الدولة الروسية، فما يزال الولاء الشخصي للرئيس فلاديمير بوتين هو الشرط الأساسي للانضمام إلى دائرة الحكم الضيقة، لكن داخل هذه الدائرة باتت القدرة على الحفاظ على استمرار الإنتاج، والتجنيد، والنقل، وتدفق الإيرادات، وحماية البنية التحتية الاستراتيجية، تكتسب وزناً متزايداً في تحديد النفوذ والمكانة، ومع ذلك، لا يعني هذا التحول انتقالاً من نظام المحسوبية إلى نظام قائم على الجدارة، بل يمثل تكيفاً فرضته ظروف الحرب داخل نظام لا يزال يقوم على السلطة الشخصية، ويتسم بالغموض، وانغلاق المجال السياسي.
يُعدّ الولاء الشخصي لبوتين شرطاً أساسياً للانضمام إلى دائرة الحكم الضيقة بوصفه تكيفاً فرضته الحرب داخل نظام قائم على السلطة الشخصية والغموض
التسلسل الهرمي في زمن الحرب
شكّل تعيين أندريه بيلوسوف وزيراً للدفاع في مايو 2024 أوضح المؤشرات المبكرة على إعادة ترتيب مراكز النفوذ داخل الدولة الروسية، حيث حلّ الاقتصادي والمخطط الصناعي المدني محلّ سيرغي شويغو في لحظة أصبحت فيها النفقات العسكرية، وعمليات التسليح، وقاعدة الصناعات الدفاعية، عناصر محورية في إدارة الاقتصاد الروسي.
وربط بوتين هذا التعيين مباشرة بحجم الإنفاق الدفاعي، وبقدرة بيلوسوف على دمج النشاط الاقتصادي للقطاع الأمني داخل الاقتصاد الوطني، إذ وصف بيلوسوف مهمته بالمعنى ذاته تقريباً؛ إذ لم تعد المهمة تقتصر على إدارة القوات المسلحة فحسب، بل أصبحت تتمثل في مواءمة الطلب العسكري مع القدرات الصناعية، والتطور التكنولوجي، وتوافر القوى العاملة، والموارد المالية العامة.
ولا ينبغي قراءة صعود بيلوسوف باعتباره دليلاً على أن الكفاءة حلّت محل الثقة الشخصية، إذ كان تكنوقراطياً موالياً، وتتوافق رؤيته الاقتصادية مع تفضيل بوتين لدولة ذات طابع توجيهي ومركزي، لكن ما تغيّر هو نوع الكفاءة التي بات الكرملين يقدّرها أكثر لدى المسؤول المقرّب والموالي.

كما يجسّد شويغو الجانب الآخر من هذه المعادلة، حيث حافظ ولاؤه على موقعه داخل القيادة الروسية بعد أن فقد منصبه وزيراً للدفاع؛ إذ أصبح أميناً لمجلس الأمن الروسي، واستمر في تولي مسؤوليات رفيعة، غير أنه لم يعد يسيطر على المؤسسة التي تقف في قلب عمليات المشتريات العسكرية والإنفاق الدفاعي، حيث حال الولاء دون إقصائه أو انهياره السياسي، لكنه لم يضمن له الاحتفاظ بالدور التنفيذي ذاته الذي كان يتمتع به سابقاً.
اليوم، يمثل دميتري كوزاك الجانب المقابل في هذه المعادلة، فعلى مدى سنوات، اعتُبر أحد أكثر مسؤولي بوتين قدرةً على معالجة الأزمات وإدارة المفاوضات في فضاء ما بعد الاتحاد السوفيتي، غير أن الحرب الشاملة جعلت النهج والخبرة المرتبطين به أقل انسجاماً على نحو متزايد مع المسار الذي اختاره الكرملين، حيث استقال كوزاك من إدارة الرئاسة في سبتمبر 2025 بعد أن فقد نفوذه في ملف السياسة تجاه أوكرانيا، فحتى الكفاءة التنفيذية لم تعد كافية لتعويض الاختلاف السياسي مع المهمة التي حددها الرئيس.
يبقى الولاء عنصراً لا غنى عنه، فالمسؤولون الموالون الذين تتوافق مهاراتهم مع أولويات زمن الحرب يحصلون على مهام أكبر أو على مواقع ذات قيمة استراتيجية أعلى، أما الكفاءة وحدها فلا توفر حماية تُذكر عندما يتعارض الموقف السياسي للمسؤول مع التوجه الذي تحدده القيادة العليا.
الكفاءة وحدها لا توفر حماية تُذكر عندما يتعارض الموقف السياسي للمسؤول مع التوجه الذي تحدده القيادة العليا حيث يبقى الولاء عنصراً لا غنى عنه
وقد أدت الحرب إلى تسريع هذه العملية الانتقائية، لأنها فرضت ضغوطاً لم يكن النظام الروسي قبل الحرب مصمماً على التعامل معها لفترات طويلة وبصورة مستمرة.
الحوكمة في زمن الحرب
تُجسّد الضغوط المالية هذه العملية بوضوح تام، حيث تجاوزت روسيا الصدمة الأولية للعقوبات بشكل أفضل مما توقعته العديد من الحكومات، إلا أن تكاليف الحرب المطولة باتت عصية على الإخفاء أو التأجيل، حيث سجلت الميزانية الفيدرالية عجزاً قدره 5.6 تريليون روبل في عام 2025، أي ما يعادل 2.6% من الناتج المحلي الإجمالي، وانخفضت عائدات النفط والغاز بنسبة 24%، بينما تجاوزت النفقات الخطة الأصلية، ورفعت الحكومة ضريبة القيمة المضافة في محاولة لاحتواء العجز اللاحق.
ولا تشير هذه الأرقام، بحد ذاتها، إلى انهيار منهجي للدولة الروسية، فما تزال الدولة قادرة على زيادة الضرائب، وتوجيه الائتمان، وتقليص الاستثمارات المدنية، وتحميل تكاليف الأزمة للشركات والأقاليم والأسر، غير أن هذه الإجراءات تزيد، في الوقت نفسه، من القيمة السياسية للمسؤولين القادرين على اتخاذ قرارات بشأن القطاعات التي ستتحمل آثار النقص، وتلك التي ستظل محمية من الضغوط.
كما دفعت العقوبات إلى نشوء ضغوط ابتكارية، إذ حوّلت الأساليب المؤقتة للالتفاف عليها إلى بنى استراتيجية قائمة بذاتها، فقد بدأت بأسطول الظل، وقنوات الدفع البديلة، وعمليات تغيير أعلام السفن، وشبكات المشتريات غير المباشرة، كوسائل لتجاوز القيود الغربية، قبل أن تتحول تدريجياً إلى أدوات أساسية في تكييف الاقتصاد الروسي مع بيئة العقوبات.
ويُعد هذا التقسيم للعمل سمة مميزة للاستجابة الروسية، إذ يجري إشراك الوسطاء التجاريين، والأجهزة الأمنية، والدبلوماسيين، وصنّاع السفن، وقادة القوات البحرية، في المهمة ذاتها، من دون إخضاعهم لقيادة رسمية واحدة، ويكتسب المسؤولون القادرون على تنسيق هذه الشبكات نفوذاً أكبر، لأن هذه الشبكات نفسها أصبحت عناصر لا غنى عنها في إدارة الدولة واقتصاد الحرب.
ووسّعت الحملة الأوكرانية ضد منشآت الطاقة والبنية التحتية للنقل الروسية المنطق نفسه داخل البلاد، فبحلول أوائل يوليو 2026، أدت الضربات المتكررة على المصافي إلى خفض إنتاج البنزين الروسي إلى نحو 65% من حجم الطلب الموسمي. وردّت موسكو بإعادة توجيه إمدادات الوقود من سيبيريا، وزيادة الواردات، ومنح الأولوية للأسواق ذات الحساسية السياسية.
لم تعد حماية البنية التحتية مسؤولية عسكرية بحتة، حيث بات يتعين على الشركات تمويل إنشاء الحواجز المادية، وأنظمة الدفاع الإلكتروني، والقدرات الاحتياطية، وأعمال الإصلاح، فيما يتولى المسؤولون الإقليميون إدارة أوجه النقص المحلية واحتواء حالة الاستياء الشعبي، وتتدخل الوزارات الاقتصادية في سلاسل الإمداد لضمان استمرار تدفق الموارد، وهكذا تُدار الحرب من خلال المصافي، والسكك الحديدية، والموانئ، والميزانيات المالية، بقدر ما تُدار عبر الوحدات العسكرية.
وتفرض التعبئة العسكرية ضغطاً إضافياً ذا طبيعة مختلفة، حيث تجنبت روسيا تنفيذ تعبئة وطنية جديدة على غرار تلك التي أُعلنت في سبتمبر 2022، واعتمدت بدلاً من ذلك بصورة كبيرة على تجنيد المتعاقدين مقابل أجور، حيث نقلت هذه السياسة جزءاً كبيراً من العبء الإداري والمالي إلى حكام الأقاليم، والبلديات، وأرباب العمل.
كما تتلقى السلطات الإقليمية أهدافًا محددة للتجنيد، وتقدم مكافآت توقيع متزايدة، كما تموّل المدفوعات المقدمة للجنود وعائلاتهم، وقد فُرضت على بعض الشركات حصصٌ محددة لتجنيد الموظفين، وبحلول أبريل 2026، كانت وزارة المالية تتوقع أن يرتفع العجز الإجمالي في ميزانيات الأقاليم بنسبة 27% ليصل إلى 1.9 تريليون روبل، مع اعتبار المدفوعات المرتبطة بالحرب من أبرز مصادر الضغوط المالية.
لذلك لم تعد التعبئة تقتصر ببساطة على عدد الرجال الذين يستطيع الجيش تجنيدهم، بل أصبحت نظاماً إدارياً وحكومياً قائماً بذاته، إذ يُقيَّم أداء الحكام الإقليميين جزئياَ بناءً على نتائج التجنيد، وتتحمل الميزانيات الإقليمية تكاليف الأفراد، كما تفقد الشركات موظفين لصالح الجيش، في الوقت الذي تتعرض فيه لضغوط للمساهمة في إيجاد بدلاء لتعويض النقص في القوى العاملة، حيث يتعين على المسؤولين أيضاً إدارة شؤون أسر القتلى والجرحى، وكذلك التعامل مع عودة المحاربين القدامى في نهاية المطاف.
لم تعد التعبئة تقتصر ببساطة على عدد الرجال الذين يستطيع الجيش تجنيدهم بل أصبحت نظاماً إدارياً وحكومياً قائماً بذاته
يكشف برنامج زمن الأبطال التابع للكرملين عن الطريقة التي يعتزم بها إدارة التداعيات السياسية، وبحلول مايو 2026، كان 70 من أصل 82 خريجاً في الدفعة الأولى قد حصلوا على مناصب في الحكومة، أو الهيئات البلدية، أو الشركات الحكومية، أو مؤسسات التنمية، حيث يجري دمج المحاربين القدامى بشكل فردي من خلال مناصب تُخصص لهم من أعلى المستويات، إذ يمكن تحويل خدمتهم العسكرية إلى مكانة ونفوذ، ولكن فقط عبر قنوات يسيطر عليها النظام الرئاسي، إذ يؤدي هذا النهج إلى تجديد الجهاز البيروقراطي، في الوقت نفسه الذي يجعل من الصعب على المحاربين القدامى الظهور كقوة سياسية مستقلة ذات نفوذ جماعي.
السلطة من دون استقلالية
اليوم لا تعد البيئة المؤسسية التي تعمل ضمنها هذه الضغوط وليدة الغزو، بل تعود إلى ما قبله، وقد وصفت ألكسندرا بروكوبينكو، الزميلة البارزة في مركز كارنيغي روسيا وأوراسيا، الطبقة الحاكمة في روسيا بأنها مجتمع من المديرين الذين يمتلكون العديد من المظاهر الخارجية للسلطة، لكنهم يفتقرون إلى القدرة على تغيير أهداف النظام، فهم قادرون على التكيف مع الظروف، وإيجاد حلول تقنية، وإدارة الأزمات، إلا أنهم لا يستطيعون، بصورة مشروعة داخل النظام، التشكيك في الغايات التي يُفترض أن تخدمها تلك الحلول، حيث أثبت التكنوقراط الروس فعاليتهم بعد فبراير 2022، ويرجع ذلك جزئياً إلى أن النظام أمضى سنوات في مكافأة القدرة على التكيف، مع القضاء على أي عمل سياسي مستقل.
الحرب ليست السبب الأصلي لفقدان هذه الاستقلالية في صنع القرار، بل إنها تعمل على تغيير ترتيب الأولويات داخل النخبة التابعة التي نشأت نتيجة لذلك، حيث أصبحت الحرب الآن هي العامل الذي يحدد أيّ أفراد هذه النخبة التابعة سيصبحون عناصر لا غنى عنها.
تعني الاستقلالية السياسية، في هذا السياق، القدرة على تحديد الأهداف، أو رفض التكليفات، أو استخدام موارد المؤسسات لتحقيق أجندة سياسية غير معتمدة من المركز الرئاسي، أما هامش التصرف التنفيذي فهو أمر مختلف، ولذلك قد يحصل المسؤولون على صلاحيات أوسع دون أن يتحولوا إلى فاعلين سياسيين مستقلين، بل إن تزايد أهمية أي مهمة غالباً ما يؤدي إلى مزيد من الإشراف الرئاسي، وتعدد مسارات السلطة، وتشديد الرقابة الشخصية، حيث نادراً ما يسمح الكرملين بتحول وظيفة أساسية لا غنى عنها إلى أساس قيام مؤسسة مستقلة ذاتياً.
يحتفظ البنك المركزي بهامش من الحرية في اختيار الأدوات اللازمة للسيطرة على التضخم وحالات عدم الاستقرار المالي، لكنه لا يمتلك صلاحية إعادة النظر في الإنفاق الحربي الذي يُعدّ أحد المصادر الرئيسية لذلك الاضطراب، كما تستطيع وزارة المالية التفاوض بشأن الضرائب وتوقيت الإنفاق، لكنها لا تستطيع إعادة تعريف أولويات الدولة، أما شركات الصناعات الدفاعية، فيمكنها التفاوض حول الأسعار والجداول الزمنية للإنتاج، لكنها تظل خاضعة لتوجيهات سياسية تتجاوز الاعتبارات التجارية وتعلو عليها.
يمتلك هذا النظام عدة وسائل لمعالجة الإخفاقات الظاهرة، إذ يستطيع بوتين إقالة مسؤول، أو تقسيم صلاحيات جهة معينة، أو إنشاء هيئة تنسيق جديدة، أو إسناد المهمة نفسها إلى جهات متنافسة، حيث توفر هذه التدخلات قدراً من المرونة، كما تقلل من خطر أن تتمكن أي مؤسسة واحدة من احتكار المعلومات.
لكن هذه الوسائل تكون أقل فاعلية في تصحيح الافتراضات التي تقوم عليها السياسات، إذ يمتلك المسؤولون حوافز قوية لتقديم صورة مفادها بأن المهام الموكلة إليهم تحت السيطرة، وأصبحت البيانات أقل شفافية، كما تداخلت المسؤوليات، ويمكن نقل الآثار السلبية إلى الأقاليم أو الشركات أو الأسر قبل أن تصبح واضحة في المركز، وهكذا يواصل النظام التكيف بشكل متكرر، إلا أن آليات التغذية الراجعة فيه تظل خاضعة للتصفية السياسية.
قويّ في الحرب وضعيف في الخلافة
على المدى القصير، يعزز هذا الترتيب الجديد قدرة الدولة على مواصلة الحرب، فقد تمكن التكنوقراط من تحقيق استقرار للنظام المالي بعد الغزو، وأُعيد توجيه مسارات التجارة وطرق الدفع، كما توسعت الصناعات العسكرية، وقام الحكام الإقليميون بتحويل متطلبات التجنيد الفيدرالية إلى حوافز على المستوى المحلي، وطوّر قطاع الطاقة أساليب للتعامل مع الهجمات المادية المتكررة، كما أصبحت الأصول البحرية توفر الحماية لحركة التجارة الخاضعة للعقوبات.
لقد قلّلت التوقعات بحدوث انهيار شامل ووشيك للنظام مراراً من تقدير هذه القدرة الإدارية، فالكرملين لا يحتاج إلى أن تؤدي جميع مؤسسات الدولة وظائفها بالكفاءة نفسها، بل يحتاج إلى إبقاء مجموعة أضيق من الوظائف الأساسية قيد التشغيل، وتشمل: الإيرادات، وأدوات الإكراه، والإنتاج العسكري، والنقل، والتجنيد، والحفاظ على قدر أساسي من الاستقرار الاجتماعي.
الكرملين لا يحتاج إلى أن تؤدي جميع مؤسسات الدولة وظائفها بالكفاءة نفسها بل إلى إبقاء مجموعة ضيقة من الوظائف الأساسية قيد التشغيل
لكن التكاليف تتراكم في مجالات أخرى، فالأقاليم تتحمل مزيداً من الديون، ويتراجع الاستثمار المدني، كما تموّل الشركات إجراءات أمنية إضافية، في الوقت الذي تتنافس فيه مع الجيش على استقطاب العمال، ويواجه المستهلكون نقصاً في بعض السلع وارتفاعاً في الضرائب، وتواصل الدولة معالجة المشكلات الآنية، لكنها في الوقت نفسه تُضعف بعض الشروط اللازمة لتحسين أداء المؤسسات على المدى الطويل.
إلا أن البنية نفسها تخلق مشكلة فيما يتعلق بمرحلة الخلافة السياسية، فالشبكات المسؤولة عن الأمن، والإنتاج العسكري، وصادرات الطاقة، والخدمات اللوجستية، وتحقيق الاستقرار المالي، ستدخل أي مرحلة انتقالية بعد بوتين وهي تمتلك موارد أكبر ووظائف أكثر أهمية من الناحية الاستراتيجية مقارنة بما كانت عليه قبل عام 2022، ومع ذلك، فإن السيطرة على الموارد لا تعني بالضرورة القدرة على بناء ائتلاف سياسي.
لقد جرى اختيار معظم المسؤولين الذين صعدوا في عهد بوتين لتنفيذ وإدارة قرارات اتُّخذت في أماكن أخرى، ولديهم خبرة محدودة في التفاوض العلني حول الأهداف السياسية، أو وضع قواعد جماعية، أو إضفاء الشرعية على انتقال السلطة العليا، فقد جعلهم النظام قادرين على أداء المهام التنفيذية بكفاءة، مع إبقائهم في الوقت نفسه تابعين سياسيًا.
إذا تمكن خليفة ما من إعادة إنتاج موقع بوتين بوصفه الحكمَ الفاصل بين مراكز القوى، فقد يُدمج التسلسل الهرمي الذي نشأ خلال الحرب ضمن ترتيب رئاسي مركزي آخر، أما إذا لم يظهر مثل هذا الشخص، فمن المرجح أن تكون النتيجة هي مفاوضات ومساومات بين شبكات تسيطر على أجزاء مختلفة من أدوات الدولة القسرية والاقتصادية.

لذلك قد لا يتمثل الخطر الرئيسي في مرحلة الخلافة السياسية في تمردٍ منظم تقوم به أطراف أصبحت أكثر قوة داخل النظام، بل قد يكمن الخطر في أن الجهات التي تمتلك موارد إدارية كبيرة قد تفتقر، بعد غياب الشخص الذي حدّد مواقعها النسبية داخل النظام، إلى كلٍّ من الإجراءات المقبولة والمتفق عليها، وإلى قدر كافٍ من الثقة المتبادلة للتنسيق فيما بينها.
ويختلف هذا عن النموذج السوفييتي في زمن الحرب، فبعد الغزو الألماني عام 1941، أنشأ الاتحاد السوفييتي لجنة الدفاع الحكومية، التي ركّزت سلطة الإشراف على التعبئة العسكرية والاقتصادية داخل مؤسسة واحدة كانت تعلو فوق الجهاز الحكومي المعتاد.
أما روسيا في عهد بوتين، فقد اتجهت بدلاً من ذلك إلى توزيع وظائف إدارة الحرب بين الوزارات، والحكومات الإقليمية، والشركات، والهيئات التابعة للرئاسة، مع إبقاء السلطة السياسية مركّزة في الكرملين.
ويعكس هذا الاختلاف طبيعة الحروب الاستنزافية المعاصرة، فالنظم ذات الصلة أصبحت موزعة ومتشعبة، إذ باتت المصافي، وسجلات الشحن، وشركات التأمين، وسلاسل توريد الإلكترونيات، والمصارف، وشبكات الاتصالات، والموانئ التجارية، عناصر أساسية في قدرة الدولة على مواصلة الحرب، وأصبح المسؤولون المكلفون بالحفاظ على عمل هذه الأنظمة لا يقلون أهمية، في بعض الأحيان، عن أولئك الذين يقودون القوات في الخطوط الأمامية.
سياسات التسريح
لن يؤدي انتهاء القتال واسع النطاق في نهاية المطاف إلى عكس هذه العملية ببساطة، حيث لا تُشكّل الجهات الفاعلة التي اكتسبت نفوذاً من خلال الحرب كتلةً موحدةً ذات مصالح متطابقة، إذ تستفيد شركات تصنيع الأسلحة من طلبات الدولة، وتدافع المؤسسات الأمنية عن مسؤولياتها الموسعة، ويبذل الخبراء الماليون معظم جهودهم لاحتواء الأضرار، وقد يُفضّلون مزيداً من التطبيع الاقتصادي، وتحتاج شركات الطاقة إلى الوصول إلى الأسواق، لكنها استثمرت في الخدمات اللوجستية المقاومة للعقوبات.
ما تخلقه الحرب هو جمود مؤسسي، حيث وسّعت الوزارات نطاق صلاحياتها، وأُنشئت هيئات تنسيق جديدة، وأعادت الشركات تنظيم نفسها حول العقود الحكومية ومتطلبات الأمن، كما بُنيت مسارات مهنية على إدارة الالتفاف على العقوبات، والتعبئة، وتوزيع الموارد في حالات الطوارئ، وستسعى هذه الهياكل إلى إيجاد مهام وموارد جديدة حتى لو تراجعت حدة القتال.
سيستلزم تسريح القوات من الدولة حلّ مسائل سمحت لها الحرب بتأجيلها، فما الصناعات التي ينبغي أن تفقد عقودها العسكرية؟، ومن سيموّل إعادة دمج المحاربين القدامى في المجتمع؟، وكيف ينبغي تعويض الأقاليم عن الديون والخسائر في القوى العاملة؟، وما مصير الشبكات التجارية التي نشأت حول الالتفاف على العقوبات؟، وأيٌّ من المسؤوليات الأمنية ينبغي أن تعود من الشركات إلى الدولة؟.
إن النخبة نفسها التي أثبتت قدرتها على الارتجال في ظل ظروف الطوارئ ستجد نفسها مضطرة إلى تفكيك الترتيبات التي تستمد منها عناصرها الميزانيات، والنفوذ، والأهمية، ومع ذلك، سيتعين عليها القيام بذلك من دون امتلاك السلطة السياسية المستقلة اللازمة للتفاوض بشأن صياغة تسوية جديدة.
تؤدي الحرب الطويلة الأمد إلى زيادة الوزن النسبي للمسؤولين الذين يحافظون على الأنظمة التي تعتمد عليها قدرة روسيا على مواصلة القتال، من دون أن تمنحهم سلطة أكبر على تحديد الأهداف التي تخدمها تلك الأنظمة، ومن شأن إنهاء القتال واسع النطاق أن يزيل بعض الضغوط التي أسهمت في تشكيل هذا التسلسل الهرمي، لكنه لن يؤدي تلقائياً إلى إنشاء المؤسسات اللازمة لتفكيكه.
في المحصلة قد تثبت روسيا أنها أكثر قدرة على مواصلة الحرب من قدرتها على تفكيك الآلة السياسية والإدارية التي بُنيت للحفاظ عليها، لكن ينبغي لهذا التناقض أن يدفع إلى تهدئة التوقعات في الخارج، فالضغوط التي تظهر حالياً في ميزانيات الكرملين حقيقية، لكن النظام الذي صُمّم لامتصاص أوجه النقص وتحميل تبعاتها للأقاليم والشركات والأسر لا ينهار بسهولة، كما أن انتهاء القتال لن يمنح الغرب بالضرورة موسكو أضعف وأكثر مرونة؛ بل من المرجح أن يتركها منظمة حول حرب لم تعد تخوضها، والسؤال الذي تواجهه دولة بوتين الآن ليس ما إذا كانت قادرة على مواصلة القتال، بل ما إذا كانت قادرة يوماً على التوقف عنه.
السؤال الذي تواجهه دولة بوتين الآن ليس ما إذا كانت قادرة على مواصلة القتال بل ما إذا كانت قادرة يوماً على التوقف عنه؟



