مع مواصلة واشنطن عملياتها العسكرية ضد إيران، بدأ النقاش بشأن الحملة ينتقل من حجم الأضرار التي ألحقتها إلى التساؤل عما قد يحدث إذا انهار هيكل السلطة الحاكم في الجمهورية الإسلامية.
وفي مقابلة مع “إيغل إنتليجنس ريبورتس”، قال مستشار الأمن القومي الأمريكي السابق، جون بولتون، إن “أفضل السيناريوهات الممكنة” قد يتمثل في قيام حكومة عسكرية تقودها عناصر من القوات المسلحة الإيرانية النظامية، بدلاً من الحرس الثوري الإيراني.
وفرّق بولتون بين المؤسستين، موضحاً أن الجيش النظامي يتولى الدفاع عن البلاد، بينما يتولى الحرس الثوري حماية النظام. وقال: “إذا بقي الحرس الثوري القوة الأكثر نفوذاً، فإنه سيكرّس كل جهوده لإعادة بناء النظام.”
وفي المقابل، رأى أن عناصر من الجيش النظامي قد تكون قادرة على إعادة فرض النظام الداخلي وإطلاق مسار دستوري يتيح للإيرانيين تقرير شكل نظام الحكم الذي يريدونه.
وأضاف: “لا أقول إن ذلك سيكون نموذجاً للديمقراطية الجيفرسونية، وإنما أقول فقط إن لديهم القدرة على إعادة فرض النظام داخلياً.”
من يحكم؟
تطرق بولتون في إجابته إلى أحد أكثر الأسئلة إلحاحاً بشأن أي محاولة لإسقاط النظام الإيراني، وهو: من سيتولى إدارة البلاد في اليوم التالي، ولا سيما إذا بقيت المؤسسات العسكرية الأكثر تسليحاً قائمة؟
وأوضح بولتون أنه لا يجزم بأن الجيش النظامي مستعد لتولي السلطة، كما لا يعتبر هذا السيناريو حتمياً، لكنه وصفه بأنه “أفضل السيناريوهات الممكنة”، في حال تراجع نفوذ الحرس الثوري وميليشيا الباسيج التابعة له إلى درجة تفقدهما القدرة على العمل كقوتين فاعلتين.
وأشار أيضاً إلى أن سقوط النظام لن يعني بالضرورة انتهاء خطر الاضطرابات، موضحاً أن إيران خضعت لحكم نظام قمعي طوال 47 عاماً، وأن هناك “حسابات عالقة” ستطفو على السطح. كما حذر من أن التوترات العرقية، ولا سيما بين الأكراد والبلوش وغيرهم، قد تشكل بؤراً للانقسام الداخلي.
ومع ذلك، شدد بولتون على أن النقاش بشأن شكل النظام السياسي الذي ستتبناه إيران مستقبلاً لا يمكن أن يتم في ظل بقاء النظام الحالي، معتبراً أن إسقاطه يجب أن يسبق أي حوار حول مستقبل البلاد السياسي.
وقال بولتن: “لا بد أولاً من تجاوز هذا النظام حتى يصبح بالإمكان إجراء ذلك النقاش بصورة عقلانية.”
وانتقد مستشار الأمن القومي الأمريكي السابق إدارة الرئيس دونالد ترامب، معتبراً أنها لم تستعد بالشكل الكافي لاحتمال تغيير النظام. وقال إن الإدارة لم تستكمل التحضيرات اللازمة قبل بدء العمليات العسكرية، ولم تبذل جهوداً كافية لتنظيم المعارضة الإيرانية أو تجهيزها أو الانخراط معها.
ووصف هذا القصور بأنه “إخفاق على المستوى المفاهيمي”، معتبراً أنه لا يزال يلقي بظلاله على مسار الحملة. وأكد أن إشراك المعارضة الإيرانية كان، ولا يزال، شرطاً أساسياً لأي محاولة جادة لتغيير النظام.
ما هو النصر؟
وعند سؤاله عمّا يمكن اعتباره نصراً أمريكياً في إيران، قال بولتون إن الإجابة ليست سهلة، لأن أهداف الرئيس ترامب، بحسب رأيه، تغيّرت أكثر من مرة خلال مجريات الصراع.
ما هي أهداف دونالد ترامب؟ لا أستطيع الإجابة عن هذا السؤال. لا أعرف ما هي، ولست واثقاً من أنه يعرفها هو أيضاً
وأوضح بولتون أنه كان يعتقد في بداية الحملة أن ترامب يستهدف إسقاط النظام الإيراني، إلا أن الإدارة الأمريكية لم تُجرِ الاستعدادات اللازمة لمثل هذا السيناريو. وأضاف أن ترامب ومستشاريه عادوا لاحقاً ليتحدثوا عن أهداف مختلفة، من بينها إضعاف القدرات العسكرية الإيرانية، وتقويض برنامجها النووي، وإضعاف ركائز أخرى من قوة الدولة.
وقال: “طالما أن الأهداف تتغير باستمرار، فمن الصعب وضع معيار يمكن من خلاله الحكم على ما إذا كان النصر قد تحقق.”
ورأى بولتون أن الضربات الأمريكية ألحقت أضراراً جسيمة بالمجمع الصناعي العسكري الإيراني، وبمكونات رئيسية في قواته الدفاعية، فضلاً عن مؤسسات أخرى تمثل ركائز لقوة الدولة، لكنه تجنب وصف الحملة بأنها حققت نصراً.
وقال: “إنها حملة ناجحة، لكنها لا ترقى إلى مستوى النصر.”
وأضاف أن القضاء على القدرات النووية والإرهابية لإيران سيكون إنجازاً مهماً، لكنه لن يكون كافياً لإزالة التهديد على المدى البعيد. واستشهد بالتعبير الإسرائيلي “جزّ العشب”، محذراً من أن اتباع سياسة تقوم على إضعاف القدرات الإيرانية بصورة دورية قد لا يكون مجدياً على المدى الطويل، إذا تمكنت طهران في نهاية المطاف من امتلاك سلاح نووي.
النقطة العمياء لترامب في مضيق هرمز
وتطرقت المقابلة أيضاً إلى كيفية تعامل واشنطن مع أزمة مضيق هرمز. وقال بولتون إن إدارة ترامب لم تبدُ مستعدة لاحتمال إقدام إيران على إغلاق المضيق، رغم أن الإدارات الأمريكية السابقة كانت تنظر إلى هذا السيناريو باعتباره خطراً متوقعاً.
لا أصدق أن البنتاغون لم يبلغ ترامب مراراً بأن هناك احتمالاً قائماً لأن تحاول إيران إغلاق مضيق هرمز
وأضاف أنه فوجئ بعدم قيام الكونغرس بعقد جلسات استماع لمراجعة ما حدث، متسائلاً عما جرى داخل دوائر صنع القرار حتى وجدت الولايات المتحدة نفسها أمام هذا التطور من دون استعداد كافٍ.
كما تناول بولتون احتمال تنفيذ عملية بحرية ممتدة في الخليج، موضحاً أن أي استراتيجية تهدف إلى منع إيران من تصدير نفطها، مع ضمان استئناف حركة الملاحة التجارية وصادرات الطاقة من دول الخليج العربية، قد تتطلب وجوداً عسكرياً طويل الأمد، خاصة إذا ظل الحرس الثوري محتفظاً بقدراته.
قد تقتضي الظروف تنفيذ عملية مستدامة لا سيما إذا بقي الحرس الثوري قائماً يمكننا احتواء التهديد القادم من الجانب الإيراني لكننا لا نستطيع القضاء عليه نهائياً
ورأى بولتون أن دول حلف شمال الأطلسي “الناتو” المشاركة في مثل هذه العملية ينبغي أن تكون مستعدة لاستخدام القوة عند الضرورة، مضيفاً: “إذا كان الأوروبيون يعتقدون أن القوة البحرية في الخليج ستعمل على غرار بعثات الأمم المتحدة لحفظ السلام، حيث لا يُسمح باستخدام القوة إلا في إطار الدفاع عن النفس، فإن هذا النهج لن يكون مجدياً في مواجهة الحرس الثوري.”
وأضاف بولتون أن التجربة الأوكرانية في استخدام المسيّرات البحرية ضد أسطول البحر الأسود الروسي قد توفر دروساً يمكن الاستفادة منها في العمليات البحرية الغربية المحتملة في الخليج.
ترامب ونتانياهو والأهداف الاستراتيجية
وفي ما يتعلق بإسرائيل، قال بولتون إن الهدف الذي سعى إليه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو منذ البداية كان إسقاط النظام الإيراني. وأضاف أن الحكومة الإسرائيلية كانت ترى في ذلك شرطاً أساسياً لإنهاء دعم طهران لـ”وكلائها الإرهابيين، مثل حماس وحزب الله والحوثيين”.
وأوضح بولتون أن نتانياهو كان يتبنى الموقف نفسه خلال الولاية الأولى للرئيس دونالد ترامب، رافضاً الادعاء القائل، على حد تعبيره، إن “بيبي نتانياهو خدع ترامب بالكلام المعسول ودفعه إلى شن عمل عسكري.”
وأضاف: “لا أعرف ما الذي كان يمكن أن يقوله بيبي في الولاية الثانية ويختلف عما قاله في الولاية الأولى.”
وأشار بولتون إلى أن إسرائيل تعلمت التعامل مع نهج ترامب المتقلب في استخدام القوة العسكرية، مع المحافظة في الوقت نفسه على ثبات أهدافها الاستراتيجية.
وقال: “نهاجم لستة أسابيع، ثم نتوقف، ثم نعود إلى الهجوم مجدداً. أهدافهم لا تتغير، فهم يفكرون بمنطق استراتيجي، حتى وإن لم نفعل نحن ذلك.”
وقدم بولتون أيضاً تقييماً أوسع لنهج ترامب في قضايا الأمن القومي، معتبراً أن الرئيس لا يمتلك فلسفة سياسية واضحة، ولا استراتيجية كبرى للأمن القومي، ولا يتبع منهجاً تقليدياً في صنع القرار.
وقال إن ترامب يميل إلى التركيز على القضية المطروحة أمامه في لحظتها، ثم يتخذ قراراً بشأنها قبل أن ينتقل إلى الملف التالي، واصفاً هذا الأسلوب بأنه “نهج قائم على الصفقات”، تحركه في المقام الأول قناعة ترامب بما يحقق مصالحه الشخصية.
يرى البعض أن تفكير ترامب عشوائي ويعتبرون ذلك نقطة قوة لكن الحقيقة أن السير وفق مسار واضح ومنظم يكون هو الأفضل وهذه ليست طريقة ترامب
واستشهد بولتون باقتراح ترامب، الذي لم يدم طويلاً، بفرض رسم عبور يعادل 20% من قيمة البضائع التي تمر عبر ممرات الشحن المحمية في الخليج، باعتباره مثالاً على نهجه. وقال إن هذا الاقتراح يعكس نزعة ترامب إلى التساؤل عن الحصة التي يمكن أن يجنيها من أي ترتيب أو اتفاق.
الناتو وأوكرانيا والحرب في إيران
وتطرق بولتون أيضاً إلى موقف حلف شمال الأطلسي “الناتو” وأوروبا من الصراع مع إيران. وانتقد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لعدم تشاوره مع الحلفاء الأوروبيين، أو الدول العربية الخليجية، أو كبار مستوردي الطاقة في آسيا، أو حتى الرأي العام الأمريكي، قبل إطلاق العمليات العسكرية.
وفي الوقت نفسه، وصف رفض أوروبا الأولي دعم الحملة بأنه “تصرف صبياني ونابع من الضيق”، معتبراً أن الحكومات الأوروبية أخطأت في تقدير مصالحها الاستراتيجية.
وقال: “كان رد الفعل الأوروبي أشبه برد فعل صبياني نابع من الضيق، إذ قالوا: الحرب في إيران ليست حربنا، ولسنا معنيين بها. وهذا مجرد سوء تقدير لمصالحهم الاستراتيجية.”
وأوضح أن الدول الأوروبية ستتأثر بارتفاع أسعار النفط العالمية، كما أنها أقرب جغرافياً إلى إيران وأكثر عرضة للصواريخ الباليستية الإيرانية متوسطة المدى. وأضاف أن الإرهاب المدعوم من إيران ألحق بأوروبا، خلال السنوات الأخيرة، أضراراً لا تقل عن تلك التي ألحقها بالولايات المتحدة.
وأشار بولتون إلى أن الحكومات الأوروبية ليست مضطرة بالضرورة إلى تأييد كل عمل عسكري أمريكي خارج إطار الناتو للحفاظ على استمرار الدعم الأمريكي لأوكرانيا، لكنه رأى أن رد الفعل الأوروبي الأولي تجاه الحملة على إيران كان خاطئاً، مضيفاً أن عدداً متزايداً من القادة الأوروبيين بدأوا يدركون أهمية الحفاظ على حرية الملاحة بالنسبة لمصالحهم.
كما جدد انتقاده لموقف ترامب من حلف الناتو، معتبراً أن الرئيس الأمريكي يحمل نفوراً متأصلاً من الحلف ولا يدرك آلية عمل التحالفات. وقال إن الهدف العاجل ينبغي أن يكون حماية الناتو من مزيد من الضرر خلال ما تبقى من ولاية ترامب، ثم العمل على إصلاح الحلف في عهد رئيس أمريكي لاحق.
الإنفاق الدفاعي واستراتيجية القوى الكبرى
وفيما يتعلق في الضغوط التي تواجهها القوة العسكرية الأمريكية. رفض بولتون الرأي القائل إن التزامات الولايات المتحدة في إيران وأوكرانيا ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ ينبغي أن تدفعها إلى الانسحاب من مواقع ذات أهمية استراتيجية.
وقال إن الولايات المتحدة وحلفاءها الأوروبيين سمحوا بتراجع الإنفاق الدفاعي منذ نهاية الحرب الباردة، وهو ما يعكس، بحسب تعبيره، 35 عاماً من سوء التقدير. ودعا واشنطن إلى العودة إلى مستويات الإنفاق التي كانت سائدة في عهد الرئيس رونالد ريغان، والتي تراوحت بين 5 و6% من الناتج المحلي الإجمالي.
ورغم وصفه الحربين في الخليج وأوكرانيا بأنهما أكثر الصراعات إلحاحاً في الوقت الراهن، أكد بولتون أن التحدي الاستراتيجي الأكبر في القرن الحادي والعشرين يظل الصين وطموحاتها للهيمنة في منطقة المحيطين الهندي والهادئ وعلى المستوى العالمي.
وقال: “هناك مقولة متداولة في العمل الحكومي: لا تدع الأمور العاجلة تطغى على القضايا المهمة. والصراع الأكبر في القرن الحادي والعشرين هو مع الصين وطموحاتها للهيمنة على مستوى العالم.”
كما حذر من أن تنامي القدرات النووية الصينية، إلى جانب شراكتها مع روسيا، يدفع النظام الدولي نحو نظام نووي ثلاثي الأقطاب، تصبح فيه نظريات الردع التقليدية القائمة غير كافية.
وفيما يلي النص الكامل للمقابلة:
س: نود أن نبدأ بالحديث عن إيران. شنت الولايات المتحدة اليوم موجة جديدة من الضربات، في حين تقول طهران إنها استهدفت مواقع في البحرين والكويت والأردن. كيف يبدو النصر الأمريكي في إيران؟
بولتون: هذا السؤال يثير في الواقع مسألة أخرى: “ما أهداف دونالد ترامب؟” ولا أستطيع الإجابة عن هذا السؤال. فأنا لا أعرف ما هي أهدافه، ولست متأكداً من أنه يعرفها هو نفسه. في بداية الحملة، في نهاية فبراير من هذا العام، كنت أعتقد وأعتقد أن كثيرين غيري كانوا يعتقدون ذلك أيضاً أن ترامب كان يسعى إلى تغيير النظام. وإذا كان ذلك هو هدفه، فإنه لم يستعد له. ولم يقم بالأعمال التحضيرية الضرورية. ويمكنني أن أتحدث مطولاً عن ذلك، لكن يكفي القول إن هناك العديد من الأمور التي لم يفعلها وكان ينبغي له القيام بها.
ولاحقاً، قال ترامب: “لقد حققنا بالفعل تغيير النظام. فالأشخاص الذين كانوا موجودين في السابق لم يعودوا موجودين الآن”. لكن هذا الأمر ليس صحيحاً تماماً أيضاً. أعتقد أننا قضينا على الطبقة العليا من الحكومة الإيرانية. وأعتقد أن ما تبقى منها لم يعد يعمل كحكومة فعلية. وهذا أحد الأسباب التي جعلت المفاوضات بشأن مذكرة التفاهم محكومة بالفشل على الأرجح منذ البداية.
لكن من ناحية أخرى، قال ترامب ومستشاروه إن “تغيير النظام لم يكن هدفنا الحقيقي، بل كان الهدف هو إضعاف القوات العسكرية الإيرانية، وبرنامجها للأسلحة النووية، وأمور أخرى”. وبما أن الأهداف تستمر في التغير، فمن الصعب وضع معيار يمكن من خلاله الإجابة عن سؤال ما إذا تحقق النصر أم لا.
وأقول إنه حتى اليوم، ألحقت الضربات الأمريكية والإسرائيلية أضراراً كبيرة بالمجمع الصناعي العسكري الإيراني، وبعناصر أساسية من قواته الدفاعية، ومؤسسات أخرى تمثل ركائز قوة الدولة. لقد كانت حملة ناجحة، لكنها ليست نصراً.
إن الوضع الذي وصلنا إليه الآن يعود، على ما يبدو، إلى أن إدارة ترامب لم تتوقع أن تقوم إيران بإغلاق مضيق هرمز. ولا أستطيع الإجابة عن سبب عدم توقعها لذلك، فكل إدارة أمريكية أخرى كانت تضع هذا الاحتمال في الحسبان، بما في ذلك إدارة ترامب الأولى.
س: نعم، وبالتأكيد تلقى إحاطات أمنية أُبلغ خلالها بذلك.
بولتون: لا أعتقد أن هناك أي احتمال لعدم إبلاغ البنتاغون له، وبشكل متكرر، بأن إيران قد تحاول إغلاق مضيق هرمز. هذه مسألة كبيرة. وأنا مندهش من أن الكونغرس لم يتناولها عبر جلسات استماع. ما الذي حدث وجعلنا نُفاجأ بهذا التطور؟
س: إذا تم تدمير البرنامج النووي الإيراني وإضعافه، وكذلك القضاء على الحرس الثوري، فهل ينبغي لترامب عندها إنهاء الحملة، حتى من دون تحقيق تغيير كامل للنظام؟
بولتون: لو كنت أعتقد أن الحرس الثوري، وميليشيا الباسيج، وفيلق القدس قد تم القضاء عليهم فعلاً، لاعتقدت أن هناك احتمالاً بأن يتولى الجيش النظامي، المكلف بالدفاع عن البلاد وليس عن النظام كما هو حال الحرس الثوري، إدارة المرحلة المقبلة. وقد ينشأ حكم عسكري، وربما لا يكون خياراً سيئاً للغاية. فقد يكون بين القادة العسكريين من يمتلكون ما يكفي من الرؤية لإنشاء مسار دستوري يتيح للإيرانيين تحديد شكل الحكومة التي يريدونها بالفعل.
أعتقد أن الحرس الثوري يمثل خصماً بالغ الصعوبة. ولهذا السبب فإن تفكيك النظام من رأسه أمر بالغ الأهمية، ولهذا أيضاً كان إشراك المعارضة الإيرانية دائماً شرطاً أساسياً لتحقيق أي فرصة حقيقية لتغيير النظام.
ولا شك في أن إلحاق الضرر بالقدرات النووية الإيرانية وقدراتها الإرهابية أمر إيجابي. لكن الإسرائيليين يطلقون على ذلك تعبير “جزّ العشب”. يمكنك القيام بذلك كل عامين، لكن في إحدى المرات سترتكب خطأً، وستكتشف أن إيران أصبحت تمتلك بالفعل أسلحة نووية، وعندها لن يكون “جزّ العشب” خياراً عملياً.
س: يبدو أن الحرب حتى الآن أدت إلى تفكك كبير داخل إيران، إذا نظرنا إليها كوحدة واحدة. لقد كتبت مؤخراً في صحيفة “وول ستريت جورنال” أنه لا توجد سلطة مركزية حقيقية يمكن التعامل معها أو التفاوض معها، وأن هذه هي المشكلة الأساسية في أي محادثات. إذا كان الأمر كذلك، فما الذي يمكن أن يحققه المزيد من الضغط العسكري؟ وما الذي قد ينتج عنه؟ وعلى من سيكون تأثيره؟
بولتون: أعتقد أن الأثر التراكمي للعمل العسكري حتى الآن أدى إلى إضعاف القيادة العليا للنظام بشكل كبير. وأعتقد أن هناك كثيرين داخل إيران باتوا يدركون أن النظام يتجه نحو الغرق، وقد يقتنعون بأنهم لا يريدون الغرق معه.
كان الاقتصاد الإيراني في حالة سيئة للغاية قبل اندلاع الحرب، وقد أدت الضربات التي تعرض لها إلى تفاقم الأوضاع، لا سيما في قطاعات الإنتاج العسكري. فقد دُمرت العديد من المصانع ومنشآت التجميع. كما أن الحصار المفروض مجدداً على صادرات النفط الإيراني يعني أن البلاد لم تعد تحقق إيرادات من هذا القطاع.
يزداد الوضع سوءاً داخل البلاد يوماً بعد يوم. وآمل أن يصل الأمر في مرحلة ما إلى أن يقول أحدهم من داخل النظام: “لم يعد بإمكان هذا الوضع الاستمرار”. وعندها قد نجد جهة يمكن التفاوض معها. لا أعرف من ستكون هذه الجهة، وأعتقد أن عدم استعدادنا مسبقاً للتعامل مع المعارضة، ومساعدتها على أن تصبح أكثر تنظيماً وتجهيزاً، كان إخفاقاً مفاهيمياً حقيقياً لا تزال تداعياته تطارد العملية حتى اليوم.
س: من سيحكم إيران في اليوم التالي؟ وما المؤسسات التي ينبغي الحفاظ عليها خلال عملية تغيير محتملة للنظام، وأيها ينبغي تفكيكه؟
بولتون: أعتقد أن الوظائف الأساسية للدولة، مثل جمع النفايات وما شابه ذلك، ستستمر على الأرجح، لأن هذه المؤسسات لا تُدار فعلياً من المستويات العليا في الحكومة. لكن المشكلة هي أن النظام نفسه عمل، بدرجة أكبر، من أجل الحفاظ على بقائه وليس من أجل خدمة الشعب.
وكما ذكرت سابقاً، أعتقد أن النتيجة الأكثر استقراراً وإيجابية في نهاية المطاف ستكون قيام حكومة عسكرية، لكن ليس بقيادة الحرس الثوري بالتأكيد، بل من خلال عناصر من الجيش النظامي.
أنا لا أقول إن ذلك سيكون منبعاً لديمقراطية على الطريقة الجيفرسونية، لكنني أقول إن لديهم القدرة على إعادة فرض النظام داخلياً، ومنح الشعب الإيراني — الذي يجب القول إنه تعرض لترهيب كبير بسبب ما فعله النظام به — فرصة للمشاركة السياسية.
فعندما تُقتل أعداد تصل إلى 40 ألف شخص، كما تشير معظم التقارير، وربما يكون هذا الرقم هو الحد الأدنى، فإن الناس يصبحون خائفين من التعبير عن آرائهم. وليس من السهل طمأنتهم بأن بإمكانهم الخروج والبدء بالمشاركة في أي شكل من أشكال الحياة السياسية ما دام هذا النظام قائماً. فطالما ظل ظلّ النظام مخيماً على إيران، سيكون من الصعب رؤية أي طريق نحو التقدم.
س: لنفترض حدوث مرحلة انتقالية، فالسلطة ستؤول على الأرجح إلى الجهة الأكثر تسلحاً، أي الحرس الثوري. ألا يمكن أن يؤدي ذلك إلى نشر قدر كبير من عدم الاستقرار في إيران، وربما امتداده إلى الدول المجاورة، عبر الخليج أو المنطقة بأكملها؟
بولتون: أعتقد أنه إذا بقي الحرس الثوري القوة الأكثر نفوذاً، فسوف يكرّس كل جهوده لإعادة بناء النظام. وأعتقد أن الحرس الثوري هو المشكلة الرئيسية.
وآملي، فيما يتعلق بإعادة الاستقرار داخل إيران، هو أن يتدخل الجيش النظامي، وأن نتمكن من إضعاف الحرس الثوري وميليشيا الباسيج، على وجه الخصوص، إلى درجة تفقدهما القدرة على العمل كقوة فاعلة.
هناك بالفعل خطر من حدوث اضطرابات داخل إيران. فلنتذكر أن الشعب عاش تحت هذا النظام القمعي لمدة 47 عاماً. وهناك الكثير من الحسابات العالقة التي ستظهر إلى السطح. وأعتقد أنه يجب التعامل مع هذا الواقع بوضوح ومن دون أوهام.
وهناك قوى عرقية داخل البلاد تسعى إلى الانفصال. وأعتقد أن هنا يكمن خطر عدم الاستقرار: الأكراد، والبلوش، وغيرهم. وقد يكون من الممكن إدارة هذا الخطر على المدى القصير للتركيز على إنهاء النظام نفسه، لأنه ما دام النظام قائماً فلا جدوى من الحديث عن شكل إيران في المستقبل. يجب أولاً تجاوز هذا النظام حتى يصبح من الممكن إجراء هذا النقاش بطريقة عقلانية.
وأعتقد أن هذه المسألة قد تكون مثار خلافات في المستقبل، لكن الهدف الأمريكي وأعتقد فعلاً أنه سيكون لمصلحة الشعب الإيراني ينبغي أن يكون التخلص من النظام أولاً، ثم بحث ما سيأتي بعد ذلك.
س: هل يمتلك ترامب ونتانياهو الأهداف نفسها تجاه إيران؟ وهل لا تزال أهدافهما متطابقة أم توجد تناقضات بينهما؟
بولتون: بما أننا لا نعرف أهداف ترامب، فلا أستطيع الإجابة عن ذلك بشكل حاسم. لكن أعتقد أنه يمكنني القول بثقة إن هدف الحكومة الإسرائيلية بقيادة بنيامين نتانياهو كان تغيير النظام في إيران. وهم يرون أن ذلك يمثل شرطاً أساسياً لإنهاء وكلاء النظام الإرهابيين، مثل حماس وحزب الله والحوثيين وغيرهم.
وكان هذا هو الموقف نفسه الذي تبناه نتانياهو خلال الولاية الأولى لترامب. وقد بذلت قصارى جهدي لإقناع ترامب بتبني تغيير النظام كهدف أساسي، لكننا فشلنا، بطبيعة الحال، خلال ولايته الأولى.
وهذا أحد الأسباب التي تجعلني لا أعتقد أن من الدقيق القول إن نتانياهو تمكن، من خلال الحديث المعسول، من خداع ترامب ودفعه إلى شن عمل عسكري. لا أعرف ما الذي كان يمكن أن يقوله نتانياهو في الولاية الثانية ويختلف عما قاله في الولاية الأولى. لا بد من وجود عامل آخر دفع ترامب إلى التحرك.
وأعتقد أن إسرائيل وجدت صعوبة في رؤية ترامب يتعامل مع الأمور بأسلوب التوقف والانطلاق: نهاجم لمدة ستة أسابيع، ثم نتوقف، ثم نعود للهجوم مجدداً. لكنني أعتقد أنهم تعلموا كيفية التكيف مع ذلك. فأهدافهم لا تتغير، وهم يفكرون بمنطق استراتيجي حتى وإن لم نكن نفعل الشيء نفسه. ولذلك سيعدّلون وتيرة تحركاتهم وفقاً لمزاج ترامب في أي ساعة من ساعات اليوم أو الليل.
س: دعنا نتحدث تحديداً عن ترامب كشخص. لقد عرفتَه من خلال عملك الحكومي عن قرب. ما أكثر الأمور التي تؤثر فيه فعلياً؟ هل هي أسعار النفط؟ الخسائر الأمريكية؟ تجنب الظهور بمظهر الضعيف؟ ما رأيك؟
بولتون: حسناً، ترامب لا يمتلك فلسفة سياسية. ولا يملك استراتيجية كبرى للأمن القومي. بل إنه لا يتعامل مع السياسة بالطريقة التي يفهمها معظم الناس لهذا المصطلح.
مدى انتباهه قصير نسبياً، وهو يفكر بالدرجة الأولى في القضية المطروحة أمامه في أي لحظة. ويقول كثير من مؤيديه إنه يخوض لعبة معقدة للغاية أشبه بلعبة الشطرنج ثلاثية الأبعاد، لكن هذا ليس صحيحاً على الإطلاق. فهو يتخذ قراراً، ثم ينتقل إلى اتخاذ القرار التالي.
وقد وصف البعض أسلوبه بأنه “قائم على الصفقات”، وأعتقد أن هذا وصف مناسب إلى حد كبير. وينطبق ذلك على ما يراه ترامب محققاً لمصلحته الشخصية.
وعلى سبيل المثال، لدينا الحالة الأخيرة التي قال فيها ترامب: “نعيد فرض الحصار على إيران، وسنعمل على إعادة فتح الجانب العربي من الخليج أمام التجارة. وأعتقد أن هذا هو التصرف الصحيح الذي ينبغي السعي إليه”. ثم قال: “وسنفرض رسماً بنسبة 20% من قيمة جميع الشحنات التي تمر عبره”، وهذا يعكس طريقة تفكير ترامب: “ماذا يمكنني أن أحصل عليه من هذا؟ ما الحصة التي سأحصل عليها؟ ماذا عن 20%؟”. لكن هذا الاقتراح لم يستمر لأكثر من 24 ساعة.
وبدلاً من ذلك، حصلت الولايات المتحدة على مليارات الدولارات من الاستثمارات الجديدة من دول الخليج العربي. ولا أعرف كيف يمكن قياس ذلك. فما الفرق بين ما كانت هذه الدول ستفعله على أي حال، وما قد تفعله الآن؟ لكن هذه هي الطريقة التي ينظر بها ترامب إلى الأمور.
وهذا مثال جيد على سرعة التحول، أو التراجع السريع عن المواقف، بما يعكس مدى افتقار تفكيره إلى التركيز. يقول البعض إن طريقة تفكيره ليست خطية، وإن ذلك أمر إيجابي. حسناً، في بعض الأحيان يكون من المفيد أن يسير القطار على مسار واضح من القضبان. لكن هذه ليست الطريقة التي يعمل بها ترامب.
س: لنتحدث قليلاً عن حلف الناتو. قلت مؤخراً إن رفض أوروبا الانضمام إلى العملية في إيران قد يؤدي ربما إلى تخلي ترامب عن مبادرات أخرى، مثل تلك المتعلقة بأوكرانيا. هل لا يزال هذا موقفك؟
بولتون: أعتقد أن ترامب ارتكب خطأً كبيراً قبل بدء العمليات العسكرية، إذ لم يتشاور مع أوروبا وحلفائنا في الناتو. وبالطبع، لم يتشاور أيضاً مع دول الخليج العربية، التي تتأثر مباشرة بهذه التطورات. كما لم يتشاور مع حلفائنا مثل اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان ودول منطقة المحيطين الهندي والهادئ، التي تحصل على جزء كبير من احتياجاتها النفطية من الخليج. ولم يتشاور مع الشعب الأمريكي. في الواقع، لم يتشاور مع أحد تقريباً.
لكنني أعتقد أن رد الفعل الأوروبي، خصوصاً، كان أقرب إلى رد فعل متذمر وطفولي، عندما قالوا: “الحرب في إيران ليست حربنا، ولا علاقة لنا بها”. وهذا يعكس سوء تقدير لمصالحهم الاستراتيجية.
فأسعار النفط تُحدد عالمياً، وعندما ترتفع أسعار النفط بسبب حرب في الخليج، فإن أسعار النفط لديهم سترتفع أيضاً. وهم أقرب إلى إيران منا، وأكثر عرضة لخطر الصواريخ الباليستية الإيرانية متوسطة المدى، كما أن أوروبا شهدت خلال السنوات الأخيرة نشاطاً إرهابياً مدعوماً من إيران لا يقل، وربما يزيد، عما شهدته الولايات المتحدة.
وأعتقد أن كثيراً من القادة الأوروبيين يدركون ذلك الآن. فقد قال الأمين العام لحلف الناتو مارك روته خلال قمة أنقرة إنه يدعم تحركات ترامب في إيران، ويعتقد أن دولاً أوروبية أخرى ستنضم إلى هذا الموقف. وآمل أن يحدث ذلك، لأن لديهم مصلحة كبيرة في الحفاظ على حرية الملاحة في البحار على مستوى العالم، وضمان ألا يستمر ما تبقى من النظام الإيراني في تهديد ليس فقط منطقة الشرق الأوسط، بل أيضاً أمنهم داخل بلدانهم.
س: في حال بدأت الدول الأوروبية بالانضمام إلى الجهود المبذولة في إيران، فهل يعني ذلك أن على أوروبا دعم حرب أمريكية خارج إطار حلف الناتو من أجل الحفاظ على الدعم الأمريكي للدفاع عن أوكرانيا؟
بولتون: ليس بالضرورة. أعتقد أن نتائج قمة أنقرة جاءت، في نهاية المطاف، مفيدة للغاية لأوكرانيا، أو على الأقل يمكننا أن نأمل ذلك. وسنرى إلى أي مدى سيستمر هذا الأمر.
لكنني أعتقد أن رد الفعل الأوروبي التلقائي الرافض لما كان ترامب يفعله تجاه إيران خلال فبراير ومارس وأبريل كان خطأ من جانبهم. وأعتقد أن عدداً متزايداً منهم بدأوا يدركون ذلك.
انظر، لدى ترامب نفور أساسي من حلف الناتو. وهو لا يفهم كيفية عمل التحالفات، ولا يزال، بشكل خاص، لا يفهم حلف الناتو. وأنا سعيد لأننا تجاوزنا قمة أنقرة. وينبغي أن يكون هدفنا هو عبور العامين ونصف العام المقبلين بأقل قدر ممكن من الأضرار الإضافية التي قد تلحق بالناتو، ثم محاولة إصلاح الأمور. قد تتغير نظرة ترامب إلى الناتو صعوداً وهبوطاً، لكنني لا أعتقد أن عدم ارتياحه الأساسي تجاه الحلف سيختفي.
س: لنفترض أن الأوروبيين بدأوا في الانضمام إلى هذه العملية، وبدأوا في المساهمة في الدفاع عن مضيق هرمز. كيف سيبدو الوضع بعد شهرين أو ثلاثة أشهر؟
بولتون: إذا كان ما سيقوم به ترامب يتماشى مع ما أوصيت به أنا وآخرون أي منع مبيعات النفط الإيرانية للضغط عليها مالياً، مع السماح باستمرار التجارة من الجانب العربي للخليج، بحيث تصل إجمالي صادرات النفط من الشرق الأوسط إلى الأسواق العالمية إلى مستوى قريب من مستويات ما قبل الحرب، أو أقل قليلاً فأعتقد أن ذلك قد يتطلب عملية طويلة الأمد ومستدامة، خصوصاً إذا بقي الحرس الثوري قائماً. يمكننا احتواء التهديد القادم من الجانب الإيراني، لكن لا يمكننا القضاء عليه تماماً.
ولهذا فإن وجود أعضاء آخرين في حلف الناتو يمتلكون قدرات بحرية ويمكنهم المشاركة ضمن قوة بحرية في الخليج أمر مهم. وما نحتاجه من الأوروبيين هو التزام بأنهم مستعدون لاستخدام القوة. فإذا كانوا يعتقدون أن القوة البحرية في الخليج ستكون شبيهة بعمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، حيث يُسمح للمشاركين باستخدام القوة فقط في إطار الدفاع عن النفس، فإن ذلك لن يكون كافياً في مواجهة الحرس الثوري.
نحن بحاجة إلى ردع أقوى تجاه ما فعلته إيران عندما سيطرت على المضيق. لكن عليهم أن يدركوا أنه إذا حاولوا تكرار ذلك مرة أخرى، فسوف يندمون على فعلته. وهذا يعني، في رأيي، وجود التزامات باستخدام القوة من جانب الدول المشاركة في القوة البحرية. وسنرى كيف سيتطور هذا النقاش.
وبصراحة، سيكون ذلك في مصلحة الأوروبيين، لأنه سيمنحهم بعض الخبرة العملية، ونأمل أن يكون ذلك في بيئة غير خطرة للغاية. وأعتقد أن هذا يمثل أيضاً وسيلة للمساعدة في التعاون مع أوكرانيا، التي أظهرت مجدداً قدرات باستخدام الطائرات المسيّرة البحرية ضد أسطول البحر الأسود الروسي، وهي قدرات قد تكون مفيدة جداً لنا ولتطوير قدراتنا باستخدام المسيّرات البحرية في الخليج.
س: ما رأيك في الخلافات الداخلية داخل حلف الناتو بشأن موقفه من العملية في إيران، مثل إسبانيا بقيادة بيدرو سانشيز، والسياسة المعقدة التي يواجهها كير ستارمر في بريطانيا بشأن استخدام القواعد العسكرية؟
بولتون: مرة أخرى، هذه دول تتصرف بطريقة يغلب عليها التذمر، من دون التفكير في مصالحها الاستراتيجية الخاصة. وهذا يعني أننا بحاجة إلى القيام بالمزيد مما كان وزير الخارجية في عهد ريغان، جورج شولتز، يطلق عليه “البستنة”، أي إدارة التحالفات والعمل على تجاوز بعض هذه الخلافات.
وأود أن أقول للأوروبيين إنه بغض النظر عن المعاهدات المحددة، أو اتفاقيات القواعد، أو ترتيبات الوصول، وغيرها من التفاهمات المتعلقة بالقواعد الأمريكية في أنحاء أوروبا، فإن كل قاعدة من هذه القواعد في كل دولة من تلك الدول أُنشئت على أساس أنها لا تخدم حلف الناتو فقط، بل تدعم أيضاً شبكات النقل العالمية للولايات المتحدة وقدرتها على نشر القوة خارج أوروبا. لقد كانوا جميعاً يدركون ذلك، وقبلوه آنذاك، بل ورحبوا به.
وإذا كانت بعض الدول غير مستعدة لقبول ذلك الآن، فعلينا أن نجري معها نقاشات صعبة، لأن هذه القدرات حيوية بالنسبة لنا. والمفارقة أنه حتى دولاً مثل إيطاليا، كما رأينا، قالت: “حسناً، لم تنطلق أي مهام ضد إيران من قاعدة سيغونيلا أو غيرها من القواعد في إيطاليا”، وهذا صحيح. لكن العديد من الطائرات الأخرى المتجهة إلى المنطقة عبرت تلك القواعد، وكانوا يعتبرون ذلك أمراً مقبولاً.
الأمر معقد، لكنني أعتقد أن هذا يمثل جزءاً من الأضرار التي لحقت بحلف الناتو، والتي ينبغي إصلاحها في عهد الرئيس المقبل.
س: فيما يتعلق بالانتشار العسكري الأمريكي عالمياً والقدرات الأمريكية حول العالم، يرى كثيرون أن الولايات المتحدة تبدو مثقلة بالأعباء؛ بين إيران وأوكرانيا واحتمال اندلاع أزمة بشأن تايوان. ما تعليقك؟
بولتون: أعتقد أننا نعاني من 35 عاماً من سوء التقدير الذي نتج عن نهاية الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفييتي. ففي الوقت الذي قال فيه بعضهم إننا وصلنا إلى “نهاية التاريخ”، تحدث آخرون عن “عائد السلام”، وأن العولمة ستتكفل بكل شيء. وكان ذلك تصوراً ساذجاً بوضوح في ذلك الوقت، وقد عانينا من تبعاته بطرق عديدة.
وخلال 35 عاماً، فقدت الولايات المتحدة جيلين من القادة السياسيين القادرين على مخاطبة الناس وشرح سبب أن الوجود الأمريكي القوي في العالم يصب في مصلحتهم. صحيح أن دولاً أخرى كثيرة تستفيد من هذا الوجود، لكننا لا نقوم بذلك كعمل خيري، بل لأن ذلك يحقق مصالحنا. ومن بين الأعباء التي علينا تحملها أن نكون مستعدين.
لقد سمحنا بتراجع الإنفاق الدفاعي، ليس فقط لدى أعضاء الناتو الأوروبيين، بل في الولايات المتحدة أيضاً.
نحن بحاجة إلى العودة إلى مستويات الإنفاق الدفاعي التي كانت سائدة خلال إدارة ريغان، أي ما بين 5 و6% من الناتج المحلي الإجمالي، وينبغي القيام بذلك سريعاً. لذلك، أعتقد أنه قد تكون هناك قيود على المدى القصير. لكن بالنسبة لمن يقولون: “لدينا قيود، وربما علينا الانسحاب من مواقع قوية حول العالم”، فإن الإجابة بالطبع هي لا. بل يجب تعزيز قدراتنا، وليس التراجع عن مواقع من مصلحتنا الحفاظ عليها.
س: لنفترض أن الولايات المتحدة تواجه ضغوطاً بسبب انخراطها في هذه الجبهات الاستراتيجية المختلفة. ما الجبهات التي تمثل الأولوية الأكبر للإدارة الحالية أو ربما الإدارة المقبلة؟
بولتون: أعتقد أنه، ببساطة، لأننا منخرطون في حروب ساخنة في الخليج وأوكرانيا، فإن هذين الملفين هما الأكثر إلحاحاً. لكن هناك مقولة في العمل الحكومي تقول: “لا تدع الأمور العاجلة تطغى على الأمور المهمة”.
فالصراع الأكبر في القرن الحادي والعشرين هو الصين وطموحاتها الهيمنية على أطراف منطقة المحيطين الهندي والهادئ وعلى المستوى العالمي، إلى جانب المحور الذي يشكله شي جين بينغ وفلاديمير بوتين، والذي وصفاه هما بأنفسهما بأنه “شراكة بلا حدود”.
كل هذه القضايا تحتاج إلى اهتمام عاجل. وعلى وجه الخصوص، فإن تنامي القدرات النووية الصينية يعني أننا نقترب بسرعة من عالم نووي ثلاثي الأقطاب، تصبح فيه جميع حسابات الردع لدينا قديمة.
فجميع نظريات الردع التي نعتمد عليها تقوم أساساً على عالم نووي ثنائي القطب، لكنها لا تنطبق عندما نواجه قوتين نوويتين منافستين على مستوى الندّية، وقد تكونان معاديتين، وتمتلكان القدرة على تهديدنا.



