حدود استراتيجية بولتون تجاه إيران

تقرير
حدود استراتيجية بولتون تجاه إيران
القيادة المركزية الأمريكية خلال فرض الحصار البحري على إيران (أ ف ب)
ﺷﺎرك

أمضى جون بولتون نحو ربع قرن يجادل حول السياسة التي ينبغي للولايات المتحدة اتباعها تجاه إيران، حيث درس الشأن الإيراني عن كثب، وخاض نقاشات واسعة حوله، ودعا الرؤساء الأمريكيين المتعاقبين إلى العمل على إحباط الطموحات النووية الإيرانية.

اليوم يقدم بولتون عبر حديثه لـ“إيغل إنتيلجنس ريبورتس” تحليلات عميقة تستند إلى خبرة ومعرفة كبيرتين بالملف الإيراني، ولهذا، سيكون من الأفضل التعامل بجدية مع ما طرحه في مقابلته المنشورة في 16 يوليو 2026، لكن المصداقية التي يتمتع بها بولتون تجعل من الضروري أيضاً إخضاع أفكاره المحافظة الجديدة التي طرحها في المقابلة للنقاش والنقد، لا سيما أن رؤيته تجاه إيران تقوم على افتراضات وتوجهات سياسية تستحق التروي والبحث المطول.

يقدم بولتون تحليلاً حاداً وصريحاً بعيداً عن المجاملة، حيث يؤكد ذلك خبرته السابقة مستشاراً للأمن القومي للرئيس دونالد ترامب، وكذلك شغله منصب كبير مسؤولي الحد من التسلح وسفير الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة في عهد الرئيس جورج دبليو بوش.

كما لا يتردد بولتون في توجيه انتقادات لاذعة إلى سياسات إدارة ترامب المضطربة في الشرق الأوسط، مشيراً إلى إخفاق الإدارة في الاستفادة من المعارضة الإيرانية، وتبدّل أهدافها باستمرار، فضلاً عن فشلها في توقع إقدام إيران على إغلاق مضيق هرمز.

ربما كان خلافه السابق مع الرئيس أحد أسباب لهجته القاسية والمباشرة في تقييم طريقة تعامل ترامب مع الحرب، ومع ذلك، فإن كثيراً من انتقاداته تبدو في محلها إلى حد كبير، لكن حجته تتعثر عند النقطة التي غالباً ما تنهار عندها الرؤية المحافظة الجديدة: “الفجوة بين تشخيص المشكلة وتقديم تصور عملي لما ينبغي فعله بعد التدخل العسكري”.

لا تكمن نقطة ضعف مقاربة بولتون في تشخيصه للمشكلة الإيرانية، بل في افتراضه أن إسقاط النظام يرقى بحد ذاته إلى امتلاك استراتيجية لإرساء نظام سياسي مستقر بعد ذلك، وباختصار، لم يقدم بولتون إجابة مقنعة عن السؤال الذي طرحه في مارس 2003، اللواء الأمريكي آنذاك ديفيد بترايوس، عندما كان يقود الفرقة 101 المحمولة جواً خلال حرب العراق: أخبرني، كيف ستنتهي هذه الحرب؟”.

لا تكمن نقطة ضعف مقاربة بولتون في تشخيصه للمشكلة الإيرانية بل في افتراضه أن إسقاط النظام يرقى بحد ذاته إلى امتلاك استراتيجية لإرساء نظام سياسي مستقر

مشكلة النهاية

بدأت الحملة الأمريكية والإسرائيلية بضربات جوية مكثفة ومحددة استهدفت المنشآت النووية الإيرانية، وخلال العمليات، اغتالت قوات التحالف المرشد الأعلى لإيران، علي خامنئي، ما أدى إلى تعيين نجله مجتبى خامنئي خلفاً له، والذي ظل متوارياً عن الأنظار منذ ذلك الحين.

ولم تصمد مذكرة تفاهم أُبرمت في يونيو بهدف إنهاء الصراع، فيما دخل مضيق هرمز الآن شهره السادس من الإغلاق، وانخفضت حركة الملاحة عبر المضيق إلى نحو 10 %  من مستوياتها قبل الحرب، بينما قفزت أسعار النفط العالمية بشكل حاد، ولا يزال أي من الطرفين أقرب إلى تقديم إجابة عن السؤال الذي طرحه بترايوس: “كيف ستنتهي هذه الحرب؟”.

تكشف إجابات بولتون الكثير، فهو يطرح تصوراً ما لمآلات الحرب، ويصيب في وصف إخفاق إدارة ترامب في الاستعداد لتغيير النظام بأنه فشل مفاهيمي لا يزال يلقي بظلاله على إدارة الولايات المتحدة للحرب، لكن بولتون لا يتعامل مع الاحتمال الأكثر إثارة للقلق، وهو سذاجة الفكرة التي قامت عليها العملية برمتها، فهل تستطيع أي قوة خارجية، مهما بلغت قوتها أو خبرتها، أن تفرض تغييراً في قيادة دولة يبلغ عدد سكانها 90 مليون نسمة، وتتميز بتركيبة عرقية ومجتمعية منقسمة، بينما ترسخت مؤسسات نظامها السياسي على مدى 47 عاماً؟.

لقد كان انتقال السلطة في إيران، منذ البداية، أقرب إلى أمنية منه إلى خطة واقعية، والأفكار التي يتبناها بولتون تقع بوضوح في خانة الأمنيات أكثر من كونها استراتيجية قابلة للتنفيذ.

يتبنى بولتون طرحاً يدعو إلى تغيير النظام، وهو طرح دأب صقور التيار المحافظ الجديد على تبنيه في ظل إدارات أمريكية متعاقبة، لكنه يناقش هذا الطرح في حالة دولة قُتل فيها المرشد الأعلى بالفعل، بينما يتوارى خليفته عن الأنظار، في وقت بات فيه جناح متشدد داخل المؤسسة العسكرية الإيرانية أكثر نفوذاً من الحكومة الدينية.

بعبارة أخرى، فإن “قطع رأس النظام”  الذي كان بولتون يدعو إليه قد حدث بالفعل، إلا أن الفراغ الذي خلّفه هذا التحول جرى ملؤه بواسطة الحرس الثوري الإيراني، أي الفصيل نفسه الذي كان بولتون يأمل في القضاء عليه.

“قطع رأس النظام”  الذي كان بولتون يدعو إليه قد حدث بالفعل إلا أن الفراغ الذي خلّفه هذا التحول جرى ملؤه بواسطة الحرس الثوري

الجيش النظامي

يصف بولتون الآن النتيجة الأكثر اعتدالاً لحرب إيران بأنها تتمثل في قيام حكومة عسكرية يقودها الجيش الإيراني النظامي “أرتش”، بدلاً من الحرس الثوري الإيراني.

ويحرص بولتون على تقييد طرحه بتحفظ واضح، إذ يقول: “أنا لا أقول إن هذا سيكون منبعاً لديمقراطية على طريقة توماس جيفرسون، بل أقول فقط إنهم سيمتلكون القدرة على إعادة فرض النظام في الداخل”.

لكن هذا التحفظ ليس سوى ستار يخفي وراءه مقترحاً واهياً ومضللاً، فبعد حرب أودت بحياة الآلاف وأشعلت منطقة الخليج، هل أقصى ما يستطيع بولتون طرحه بوصفه أفضل نتيجة ممكنة هو مجلس عسكري ضعيف وعاجز عن إدارة البلاد؟.

يعرف بولتون جيداً حجم اختلال توازن القوى بين الحرس الثوري الإيراني والجيش الإيراني النظامي (أرتش)، فكل شيء، بدءاً من الميزانيات ووصولاً إلى طريقة إدارة شؤون الدولة، يعكس هذا التفاوت في النفوذ والقوة.

وبصراحة، فإن تبني بولتون لفكرة إسناد الحكم إلى الجيش النظامي يُعدّ في جوهره إقراراً بأنه لا يملك إجابة حقيقية للتعامل مع الفوضى التي تعم إيران، وهذا يخلق معضلة أوسع في سياسة ترامب تجاه الشرق الأوسط، وهي معضلة يعجز المتشددون من أمثال بولتون ببساطة عن إيجاد حل لها.

تُفاقم بنية النظام الإيراني من سوء الخيارات الكامنة في خطط الحرب التي يتبناها بولتون، فالجيش الإيراني النظامي، المعروف باسم “أرتش”، يعود تأسيسه إلى ما قبل الثورة الإيرانية عام 1979، التي أطاح خلالها آية الله الخميني بمحمد رضا بهلوي، شاه إيران.

وكان “أرتش” في ذلك الوقت قوة عسكرية كبيرة، إذ كان يمثل الجيش الإمبراطوري للشاه، لكن بعد ثورة 1979، تحول إلى الطرف الأضعف مقارنةً بـالحرس الثوري الإيراني، الذي يتولى حماية النظام وتعزيز أركانه، وهو النظام الذي يخشاه معظم الإيرانيين، لما ارتبط به من حكم قائم على القمع والإرهاب.

صحيح أن الجيش النظامي أقل تطرفاً من الحرس الثوري، لكنه في الوقت نفسه أضعف منه بكثير، حيث تتمثل مهمته الدستورية الأساسية في الدفاع عن حدود إيران ضد أي هجوم خارجي، وهو دور يختلف جذرياً عن دور الحرس الثوري، الذي يشرف على تنسيق ودعم ميليشيات وجماعات مسلحة موالية لإيران، مثل حزب الله في لبنان والحوثيين في اليمن، وباختصار، فإن الحرس الثوري يمثل دولة ثورية موازية داخل الدولة الإيرانية.

 الحرس الثوري يفرض سيطرته

يعد وجود هذه البنية العسكرية المزدوجة ليس وليد صدفة تاريخية، بل هو نتيجة تصميم متعمد من جانب الخميني ورجال الدين في إيران، بهدف ضمان عدم تمكن أي مؤسسة عسكرية منفردة من اكتساب ما يكفي من القوة لتنفيذ انقلاب عسكري، وقد تعمّد النظام حرمان (أرتش) من الموارد والميزانية والنفوذ السياسي اللازمة لتمكينه من تحدي نظيره الأقوى والأكثر نفوذاً، الحرس الثوري الإيراني.

وتُقدَّر ميزانية الحرس الثوري بنحو 6  مليارات دولار، أي نحو 1.8 ضعف ميزانية الجيش النظامي، وتتمحور مهمة الحرس الثوري حول أيديولوجيا واضحة تتمثل في حماية الثورة والدفاع عنها، بينما تتمثل مهمة الجيش النظامي في أداء دور عسكري تقليدي يتمثل في الدفاع عن الدولة وحدودها الإقليمية.

وفوق ذلك، يتبع الحرس الثوري الإيراني مباشرةً للمرشد الأعلى، ويتولى إدارة الترسانة الإيرانية من الصواريخ الباليستية، كما يشرف على شبكة الوكلاء الإقليميين التابعة لـفيلق القدس، ويحقق إيرادات ضخمة من خلال عمليات تجارية ومالية غير مشروعة تُقدَّر قيمتها بمليارات الدولارات.

وهو، في الواقع، دولة داخل الدولة، إذ يمتلك قوات برية وبحرية وجوية وقوات فضائية وأجهزة استخبارات تعمل بالتوازي مع مؤسسات الجيش النظامي الإيراني على مختلف المستويات، والأهم من ذلك أن العديد من قدامى عناصر الحرس الثوري يشغلون مناصب حكومية رفيعة، ما يعزز نفوذه وسيطرته على قطاعات واسعة من الاقتصاد الإيراني.

يرى بولتون، بجدية أن إضعاف الحرس الثوري الإيراني أمر لا بد منه لإحداث أي تغيير حقيقي وذي معنى، لكنه يتجاوز سؤالاً جوهرياً: هل يستطيع الجيش (أرتش)، وهو مؤسسة جرى تهميشها وتجريدها من الموارد وإضعاف نفوذها السياسي عمداً على مدى 47 عاماً، أن ينهض لمواجهة هذا التحدي؟، وهل يمتلك الجيش النظامي القدرات المؤسسية أو الشرعية الشعبية التي تخوله ملء الفراغ الذي قد ينشأ أم أنه سيكون ببساطة الفصيل التالي الذي يجري استيعابه أو استمالته أو سحقه على يد أي قائد من الحرس الثوري يتمكن من البقاء وإثبات أنه الأكثر قسوة في خضم الفوضى التي ستعقب ذلك؟.

المبنى والسكان  

لا يمثل هذا انتقاداً لصدق بولتون؛ فهو أكثر صراحة من معظم الآخرين، وإنما هو انتقاد لتقليد استراتيجي يكاد دائماً يبالغ في تقدير قدرته على التحكم في القوى التي يطلقها بنفسه، فهذا النهج يقوم عادةً على قدر كبير من التفكير القائم على التمني: “إسقاط النظام، ثم خلق فراغ في السلطة، وبعد ذلك ترك المجال أمام الجيش الجيد لملء هذا الفراغ، بدلاً من أن تملأه الجهة الأكثر قسوة، والأكثر تسليحاً، والأوسع ارتباطاً بشبكات النفوذ الإقليمية”.

نهج المحافظين الجدد يقوم على تفكير التمنّي من إسقاط النظام وخلق فراغ في السلطة ثم افتراض أن الجيش سيتولى ملء الفراغ بدلاً من الجهة الأكثر قسوة وتسليحاً وارتباطاً بشبكات النفوذ الإقليمية

لقد جرى اختبار هذه الخطة من قبل، اختُبرت في العراق، واختُبرت في أفغانستان، واختُبرت في ليبيا، ولنقلها بأقل قدر من المجاملة: “لم تكن النتائج مشجعة على الإطلاق”.

يعترف بولتون أيضاً بوجود بُعد عرقي في الأزمة الإيرانية، مشيراً إلى الأكراد والبلوش وإلى خطر تفكك البلاد، لكنه يتجاوز هذه المسألة عملياً ويضعها جانباً، قائلاً: “ما دمت لم تتخلص من النظام، فلا جدوى من الحديث عن الشكل الذي ستبدو عليه إيران في المرحلة التالية”.

لكن هذا ترتيب للأحداث، وليس استراتيجية، فهو يعكس عقلية تقوم على فكرة: “فلنحرق المبنى أولاً، ثم نقلق بشأن السكان لاحقاً”، غير أن المرحلتين، في الواقع، لا يمكن فصلهما عن بعضهما، فالقوى التي ستحدد شكل إيران في صباح اليوم التالي لسقوط النظام تتنافس منذ الآن على النفوذ والسلطة، بينما تؤثر الحملة العسكرية الجارية في تحركاتها السرية ومناوراتها من خلف الكواليس.

ولا يمكن لأي طرف أن يطلب “استراحة” في صراع ما بعد الحرب على السلطة ريثما تنتهي الحرب نفسها، فالتنافس على مستقبل إيران يجري بالتوازي مع العمليات العسكرية، وليس بعدها.

وفيما يتعلق بـمضيق هرمز، يبلغ بولتون ذروة انتقاداته، إذ قال: “لا توجد أي فرصة لأن يكون البنتاغون قد أخبره ترامب مرة واحدة فقط؛ بل لا بد أنه حذّره مراراً من احتمال أن تحاول إيران إغلاق مضيق هرمز“.

من المرجح جداً أن يكون بولتون محقاً في ذلك، كما أن حيرته إزاء عدم عقد الكونغرس حتى الآن جلسات استماع للتحقيق في الخلل الذي أصاب عملية صنع القرار تبدو في محلها أيضا، فكل إدارة أمريكية سابقة أجرت تدريبات ومحاكاة لسيناريو إغلاق مضيق هرمز، ولا سيما منذ أن هاجمت إيران السفن التجارية في الخليج خلال حرب الناقلات في ثمانينيات القرن الماضي، حين تولت سفن حربية أمريكية مرافقة ناقلات نفط كويتية أُعيد تسجيلها تحت العلم الأمريكي، لتأمين مرورها عبر مناطق زرعتها إيران بالألغام وهددتها ببطاريات الصواريخ.

إذا كان البنتاغون قد فوجئ بالفعل بإقدام إيران على إغلاق المضيق، فهذا يعني أن خللاً جوهرياً قد حدث داخل البيت الأبيض، ويستحق الشعب الأمريكي تفسيراً واضحاً لما جرى: كيف ولماذا حدث هذا الخلل في عملية صنع القرار؟.

 كيف ستنتهي الحرب؟

لدى بولتون حلّ لمشكلة مضيق هرمز، لكنه يحمل العيب الهيكلي نفسه الذي يتكرر في مختلف جوانب نهج المحافظين الجدد، فهو يقترح احتواء الحرس الثوري الإيراني من خلال وجود بحري طويل الأمد ومستمر لحلف الناتو في منطقة الخليج، ويرى أن هذه القوة لا يمكن أن تعمل وفق نموذج عمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، التي لا يُسمح لها باستخدام القوة إلا في إطار الدفاع عن النفس.

وبحسب بولتون، فإن تنفيذ هذه المهمة سيتطلب قواعد اشتباك أكثر صرامة وصرامةً في استخدام القوة، بما يمنح القوات البحرية القدرة على مواجهة تهديدات الحرس الثوري وردعها بصورة فعالة.

لكن الخصم، في هذه الحالة، أُضعف ولم يُهزم، وهذه ليست مسؤولية يتوقع معظم المحللين أن تكون الحكومات الأوروبية مستعدة لتحملها، ولا سيما أن ترامب استبعدها من المشاركة عندما شنّ الحرب بالتعاون مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.

وحتى بولتون نفسه يقرّ بأن الولايات المتحدة تواجه تحدياً هائلاً في التعامل مع إيران، حيث قال لـ “إيغل إنتيلجنس ريبورتس”: “يمكننا احتواء التهديد القادم من الجانب الإيراني، لكن لا يمكننا القضاء عليه”.

هذا الوصف يكشف عن استراتيجية حرب لا تجيب عن السؤال الذي طرحه الجنرال بترايوس؛ أي حرب بلا نهاية قابلة للتحقيق، تستنزف بصورة دائمة المال والدماء والاهتمام الاستراتيجي الذي تحتاجه الولايات المتحدة لمواجهة التحدي الحقيقي الذي لم يذكره بولتون إلا بإيجاز في نهاية المقابلة: الصين.

مرة أخرى، يبدو بولتون واضح الرؤية في تقديره لحجم المخاطر، لكنه يظل غامضاً بشأن الاستراتيجية اللازمة لمواجهتها، فهو يحذّر، بحق، من طموحات بكين ومن احتمال أن تدخل الصين في سباق لتعزيز ترسانتها النووية بالتعاون مع روسيا، معتبراً أن هذا التحالف بين قوتين تسعيان إلى الهيمنة يمثل تحدياً يمتد تأثيره إلى جيل كامل.

كما يرفض فكرة أن محدودية الموارد قد تجبر الولايات المتحدة على الانسحاب من مناطق أخرى من العالم أو تقليص حضورها فيها، حتى تتمكن من تركيز جهودها على مواجهة التهديد الصيني.

يرى بولتون أن على الولايات المتحدة زيادة الإنفاق الدفاعي ليقترب من المستويات التي كانت عليها ميزانيات الدفاع في عهد الرئيس رونالد ريغان، وبحسابها كنسبة من الناتج الاقتصادي، فإن ذلك يعني إنفاقاً يزيد بنحو 40 %  على ميزانية الدفاع للسنة المالية 2026، التي تتجاوز قيمتها قليلاً تريليون دولار.

لكن الزيادات التي طرأت بالفعل على ميزانية الدفاع الحالية لتغطية تكاليف الحرب في إيران بدأت تستنزف الموارد التي يقول الجيش الأمريكي إنه يحتاج إليها، وستزداد هذه الضغوط حدة إذا واصلت الولايات المتحدة اتباع استراتيجية تغيير النظام الإيراني التي يدافع عنها بولتون.

ويتجنب بولتون وحلفاؤه من المحافظين الجدد الإجابة عن سؤال جوهري: كيف سيتعامل الكونغرس، الذي يواجه أصلاً طيفاً واسعاً من أولويات الإنفاق، مع ميزانيات دفاع بهذا الحجم؟، ولا سيما في ظل المخاوف المتزايدة من صعود الصين واتخاذها نهجاً أكثر عدوانية، فالمغامرات الأمريكية في العراق وأفغانستان لم تجعل الولايات المتحدة أقوى في مواجهة الصين، ولا يوجد ما يدعو إلى الاعتقاد بأن هذه المغامرة الجديدة ستفعل ذلك أيضاً.

لم تجعل المغامرات الأمريكية في العراق وأفغانستان الولايات المتحدة أقوى في مواجهة الصين ولا يوجد ما يدعو إلى الاعتقاد بأن هذه المغامرة ستكون مختلفة

  تحديد شكل الانتصار على إيران

سلطت مقابلة بولتون مع “إيغل إنتيلجنس ريبورتس” الضوء على إخفاقات حقيقية، وحددها شخص أمضى عقوداً في دراسة هذه القضايا والاهتمام بها فكرياُ بصورة مستمرة.

لكن بولتون، شأنه شأن المحافظين الجدد التقليديين، يعاني من اختلال متكرر في الموازنة بين تشخيص المشكلة وطرح الحلول،  فهو ينجح مراراً في وصف ما الذي حدث من أخطاء، لكنه عندما ينتقل إلى الحديث عما يمكن فعله لمعالجة تلك الأخطاء، تبدو مقترحاته هزيلة وضعيفة إلى حد كبير.

ينتقد بولتون استمرار تغيّر أهداف ترامب، معتبراً أن ذلك يجعل من المستحيل تحديد شكل واضح للنصر، لكن عالم المحافظين الجدد الذي ينتمي إليه يواجه مشكلة مشابهة؛ فهو يدعو إلى إسقاط نظام قائم على أمل أن ينشأ بعده نظام أفضل، قادر على تحقيق الاستقرار في المنطقة وردع الخصم التالي.

لكن المشكلة، كما يقر بولتون نفسه، هي أن الضربات الأمريكية والإسرائيلية على إيران دمرت القيادة العليا للنظام الإيراني إلى حد كبير، ما خلق حالة من عدم اليقين بشأن من سيبقى في موقع يمكن للولايات المتحدة التعامل معه.

والواقع أن غياب خطة واقعية يشبه إلى حد كبير الهدف الذي أعلنته الولايات المتحدة في الشرق الأوسط على مدى أكثر من عقدين، فهذا الهدف، أو بالأحرى غياب خطة واضحة لتحقيقه، لم يؤدِّ إلى قيام منطقة مستقرة، حيث نادراً ما صمد الردع، ولم يظهر نظام إقليمي أفضل وأكثر استقراراً.

ضابط شرطة إيراني مسلح يراقب مسيرة تديرها الدولة في طهران (أ ف ب)
ضابط شرطة إيراني مسلح يراقب مسيرة تديرها الدولة في طهران (أ ف ب)

في مرحلة ما، لا بد أن يواجه الفشل المتكرر بصراحة الأفكار والمفاهيم الخاطئة التي تقف وراءه، لا أن يكتفي بالنظر إلى الظروف التي أوجدها أو إلى الطريقة التي جرى بها تنفيذها، حيث ينتقد بولتون إخفاق ترامب في الاستعداد بالشكل المناسب، فهو لم يتشاور مع الحلفاء، ولم يُنجز الأعمال التمهيدية اللازمة، وكل ذلك صحيح، لكن الولايات المتحدة سبق أن حاولت القيام بالأعمال التمهيدية التي يدعو إليها بولتون، وإن بأشكال مختلفة وفي دول مختلفة، وإلى أين قادتها تلك المحاولات؟.

لقد انتهت مراراً إلى إخفاقات متكررة، إذ لم تتمكن في نهاية المطاف من توحيد صفوف المعارضة، أو حشد أبناء الجاليات في الخارج، أو تهيئة الظروف لبداية جديدة حقيقية.

أفضل ما يمكن أن يفعله الأمريكيون؟

إن تقليد المحافظين الجدد ليس خاطئاً بالكامل، فالنظام الإيراني يمثل تهديداً لشعبه وللمنطقة على حد سواء، لكن إزالة مصدر التهديد لا تؤدي تلقائياً إلى إحلال النظام والاستقرار، بل إنها كثيراً ما تفضي ببساطة إلى نوع آخر من الفوضى، قد يتسع نطاقها بسهولة ليشمل المنطقة بأكملها.

كما ينبغي للمحافظين الجدد ألا يفترضوا أن النظام السياسي الأمريكي يمتلك الصبر والموارد المالية اللازمة لقضاء عقود في إدارة الفوضى، على غرار ما حدث خلال الحرب في أفغانستان، فالحكومة الأمريكية تواجه تحديات هائلة أخرى، كثير منها تحديات داخلية، كما أن ترامب نفسه وصل إلى الرئاسة على أساس برنامج مناهض للحروب.

يقول بولتون: إن “نتنياهو، خلافاً لترامب، يفكر بعقلية استراتيجية، وكان يقصد ذلك على سبيل الإشادة، لكن نمط التفكير الاستراتيجي الذي يتبناه نتنياهو أسهم أيضاً في اندلاع حرب مكلفة لا تلوح لها نهاية واضحة في الأفق”، فالسؤال ليس ما إذا كان هذا التفكير منهجياً ومدروساً، بل ما إذا كانت الاستراتيجية نفسها حكيمة وصائبة؟.

فيما يتعلق بهذا السؤال، فإن الإجابة واضحة: الخليج مشتعل، ومضيق هرمز يعاني حالة من الفوضى، وقد قُتل 18 أمريكياً وأصيب نحو 500 آخرين، فيما لا تزال القنابل تتساقط على منشآت الطاقة في المنطقة.

ومع ذلك، فإن أفضل نتيجة يطرحها أحد أكثر المدافعين عن هذه العملية خبرةً وحنكةً تتمثل في احتمال أن تتيح حكومة عسكرية ضعيفة، في نهاية المطاف، للإيرانيين العاديين أن يقرروا بأنفسهم أي نوع من الدول يريدون أن تكون بلادهم.

هذا ليس نصراً، بل ليس نجاحاً حتى إنه مجرد فصل جديد في القصة التي ترويها الولايات المتحدة لنفسها منذ عشرين عاماً: “إن التدخل العسكري المقبل سيكون أفضل من سابقه؛ وأننا هذه المرة سنحسن التعامل معه، وسنستعد بصورة أفضل، وندير مرحلة ما بعد الصراع باحترافية”.

في المحصلة، جون بولتون رجل جاد، لكن هذه الحرب تستحق مراجعة أكثر جدية وعمقاً مما استطاع أو أراد التقليد السياسي الذي يمثله أن يقدمه.

James O’Shea- Eagle Intelligence Reports
جيمس أوشيا

جيمس أوشيا، صحفي ومؤلف أمريكي حائز على عدة جوائز، وشغل سابقاً منصب رئيس التحرير لصحيفة لوس أنجلوس تايمز، ومدير التحرير لصحيفة شيكاغو تريبيون، كما شغل منصب رئيس مجلس إدارة شبكات البث في الشرق الأوسط (MBN). وهو مؤلف لثلاثة كتب، من بينها "الصفقة من الجحيم". يحمل درجة الماجستير في الصحافة من جامعة ميسوري.

اشترك مجاناً في تقارير إيغل إنتيلجنس

رؤى وتقارير حصرية

تمتّع بإمكانية الوصول إلى تحليلات متعمّقة، ومعلومات استخباراتية حصرية، وتقارير خبراء مُصمّمة خصيصاً لتبقى على اطلاع دائم، وفي صدارة المتابعين لأهم التطورات العالمية.

بالاشتراك، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا.

موضوعات أخرى
تقرير ضيف مشارك
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير ضيف مشارك
تقرير
تقرير

اشترك مجاناً في تقارير إيغل إنتيلجنس

رؤى وتقارير حصرية

تمتّع بإمكانية الوصول إلى تحليلات متعمّقة، ومعلومات استخباراتية حصرية، وتقارير خبراء مُصمّمة خصيصاً لتبقى على اطلاع دائم، وفي صدارة المتابعين لأهم التطورات العالمية.

بالاشتراك، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا.

ايغل انتيلجنس ريبورتس
Privacy Overview

This website uses cookies so that we can provide you with the best user experience possible. Cookie information is stored in your browser and performs functions such as recognising you when you return to our website and helping our team to understand which sections of the website you find most interesting and useful.