تواجه اليابان كابوساً استراتيجياً متصاعداً، في ظل تكثيف الصين وروسيا وكوريا الشمالية ضغوطها على طوكيو، بالتزامن مع توسيع نطاق تعاونها فيما بينها، حيث يؤكد الكتاب الأبيض السنوي للدفاع الياباني، الذي صدر في وقت سابق من هذا الشهر، أن طوكيو تواجه في آنٍ واحد ثلاثة خصوم محتملين أقوياء، يسعون إلى إعادة تشكيل النظام الإقليمي.
تسعى هذه الدول مجتمعة إلى إضعاف اليابان وعزلها عن حلفائها، وفي مقدمتهم الولايات المتحدة، إذ يعتمد القادة اليابانيون على الضمانات الأمنية الأمريكية لموازنة هذا التهديد حتى الآن، لكن مع تزايد التساؤلات حول مدى استدامة الالتزامات الأمريكية، تتجه طوكيو إلى تعزيز قدراتها العسكرية الخاصة.
واصلت إدارة ترامب السياسة الأمريكية التقليدية القائمة على الدفاع والردع، ولم تقدم على خفض كبير في القوات الأمريكية المتمركزة في اليابان أو التخلي عن مظلتها النووية، لكن البيت الأبيض تبنى موقفاً علنياً أكثر غموضاً تجاه التهديدات الآسيوية مما تفضله طوكيو، كما أن التحركات الأمريكية الأخيرة، بما في ذلك إعادة آخر حاملة طائرات تابعة للبحرية الأمريكية من شرق آسيا، وتقليص التدريبات العسكرية الأمريكية-الكورية الجنوبية، ومطالبة الحلفاء بتقديم تنازلات مالية واقتصادية كبيرة، زادت من القلق في اليابان.
من المرجح أن تكون الاستجابة الفورية تطورية أكثر منها ثورية، إذ تستطيع طوكيو تعزيز قدراتها الذاتية وتوسيع شراكاتها مع الدول المجاورة، مع الحفاظ في الوقت نفسه على تحالفها مع واشنطن، غير أن هذه العلاقات يمكنها التخفيف من آثار تراجع الدعم الأمريكي، لكنها لا تستطيع أن تحل محله، وإذا استمر توجه الولايات المتحدة نحو تقليص انخراطها، أو إذا أتاح تحول سياسي في روسيا فرصة لتحسين العلاقات، فقد تجد اليابان نفسها أمام خيارات من شأنها إحداث تغيير جوهري في البيئة الأمنية لشمال شرق آسيا، وفي جميع الأحوال، بات مجتمع الأمن القومي الياباني يدرس مواقف أمنية لم يسبق لها مثيل.
تستطيع طوكيو تعزيز قدراتها وتوسيع شراكاتها الإقليمية مع الحفاظ على تحالفها مع واشنطن لكن هذه العلاقات لا تعوّض تراجع الدعم الأمريكي
ثلاثية التهديدات
تشكل الصين وروسيا وكوريا الشمالية أنواعاً مختلفة من التهديدات لليابان، حيث تمثل بكين التحدي الهيكلي طويل الأمد، وتُظهر التصريحات والسياسات الصينية شمال شرق آسيا باعتبارها جزءاً من مجال نفوذ بكين، مع تموضع جمهورية الصين الشعبية في قمة نظام إقليمي هرمي.
تريد بكين من الحكومات الآسيوية الأخرى الإقرار بقيادتها، ومن الدول غير الآسيوية قبول دورها الأقل في المنطقة أو مغادرتها باعتبار أن “آسيا للآسيويين”، حيث توحي الرسائل الصينية بأن قيام نظام إقليمي تهيمن عليه بكين أمر حتمي نتيجة تراجع الولايات المتحدة وصعود الصين، كما تحذر من أن على اليابان ودول أخرى التكيف مع تفوق بكين الإقليمي بدلاً من مقاومته.
تعد طموحات روسيا في منطقة المحيطين الهندي والهادئ أضيق نطاقاً من طموحات الصين، لكنها تسعى، على نحو مماثل، إلى إعادة صياغة النظام الإقليمي، حيث يريد الكرملين نظاماً أكثر تعدداً للأقطاب يمنح موسكو مساحة أكبر للمناورة في شمال شرق آسيا، بما يتيح لها استغلال الانقسامات وترسيخ مكانتها كقوة كبرى.
كما يتمثل أحد الأهداف الروسية المحددة في تعزيز سيطرتها على الجزر المتنازع عليها مع طوكيو، والتي تسميها روسيا “جزر الكوريل الجنوبية”، بينما تطلق عليها اليابان اسم “الأقاليم الشمالية”، حيث توفر هذه الجزر الاستراتيجية، إلى جانب بحر أوخوتسك، قاعدة حصينة تحمي الأسطول الروسي من الغواصات الاستراتيجية في المحيط الهادئ.
في ظل قيادة الزعيم الأعلى كيم جونغ أون، تسعى كوريا الشمالية على المدى القريب إلى الحصول على اعتراف بها كدولة نووية، وعلى المدى الطويل إلى إعادة توحيد شبه الجزيرة الكورية تحت قيادة بيونغ يانغ، رغم تعديلها الدستوري الأخير الذي يعترف بكوريا الجنوبية باعتبارها دولة منفصلة ومعادية.
تطالب كوريا الشمالية اليابان ودولاً أخرى بالاعتراف بوضع جمهورية كوريا الشعبية الديمقراطية باعتبارها دولة حائزة للأسلحة النووية بصورة دائمة، والامتناع عن الأنشطة العسكرية التي تعتبرها تهديداً لها، وتخفيف العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها.
اليوم، رغم اختلاف رؤاهم طويلة الأمد بشأن الأمن الآسيوي، إلا أن أهدافهم تجاه اليابان تتقاطع إلى حد كبير، حيث انتقلت بكين من موقفها إبان الحرب الباردة، الذي كانت تتبنى فيه ضمنياً موقف طوكيو بشأن الجزر الخاضعة للاحتلال الروسي، إلى نهجها الحالي المتمثل في دعم المطالب الروسية، وفي المقابل، لم تعد موسكو تعارض علناً مطالب بكين بشأن الجزر التي تسيطر عليها اليابان في بحر الصين الشرقي، إذ تسعى بكين وموسكو إلى زيادة مخاوف اليابان بشأن تراجع الانخراط الأمريكي.
علاوة على ذلك، أصبحت الخطابات المعادية لليابان الصادرة عن الحكومات الثلاث أكثر تنسيقاً وحدةً، إذ يؤدي تنامي تعاونها العسكري إلى زيادة مخاطر تعرض اليابان لمواجهة على جبهتين، من الغرب والشمال، وما يزيد الوضع تعقيداً أن روسيا وكوريا الشمالية قد تنفذان تحركات عسكرية تهدف إلى تشتيت الانتباه، بما يقلل من قدرة اليابان على دعم تايوان في حال اندلاع أزمة محتملة.
في هذا السياق، تتمثل المشكلة الاستراتيجية أمام طوكيو في أن الأمر لا يقتصر على مواجهتها للدول الثلاث، بل إن تعاونها المتزايد يجعل من الصعب التعامل مع كل تهديد على حدة، ومع ذلك، تختلف طموحات الدول الثلاث وقدراتها من منظور طوكيو، وهذه التباينات مهمة، فكوريا الشمالية تمثل التهديد الأكثر إلحاحاً والأقل قابلية للتنبؤ، بينما تشكل الصين تحدياً وجودياً طويل الأمد، في حين تمثل روسيا تهديداً غير مباشر، أساساً من خلال تعزيز قدرات الدولتين الأخريين، غير أن هذا التباين قد يوفر أيضاً فرصة أمام طوكيو، إذ إن روسيا هي الخصم الذي تبدو إمكانية التوصل معه إلى نوع من التفاهم مستقبلاً أكبر من غيره.
المشكلة الاستراتيجية أمام طوكيو لا تقتصر على مواجهتها للدول الثلاث بل تتمثل في أن تعاونها المتزايد يجعل من الصعب التعامل مع كل تهديد منها على حدة
مرتكز متذبذب
بفضل موقعها الاستراتيجي، ونفوذها الاقتصادي الكبير، ووجود عسكري أمريكي واسع على أراضيها، تمثل اليابان مرتكزاً للاستراتيجية العسكرية لواشنطن في شرق آسيا، إذ يجعل الوجود العسكري الأمريكي في اليابان منها عنصراً لا غنى عنه للعمليات الأمريكية في غرب المحيط الهادئ.
وعلى النقيض من ذلك، تتمتع القوات الجوية والبحرية والبرية اليابانية بدرجة عالية من قابلية التشغيل البيني مع القوات المسلحة الأمريكية، ويمكنها تعزيز العمليات العسكرية الأمريكية للدفاع عن الشركاء والحلفاء الذين يواجهون تهديدات، بما في ذلك تايوان وكوريا الجنوبية والفلبين.

تعمل هذه العلاقة في الاتجاه المعاكس، فالقدرات الأمريكية التقليدية والنووية توفر لليابان قوة ردع في مواجهة تهديدات قد يصعب عليها التصدي لها بمفردها، حيث يمكن للولايات المتحدة تقديم دعم حاسم لطوكيو في نزاعاتها مع الصين وروسيا وكوريا الشمالية، حيث تعهدت الإدارات الأمريكية المتعاقبة باستخدام جميع الوسائل المتاحة للدفاع عن اليابان، ما أتاح للقادة اليابانيين تجنب تطوير قوة ردع نووية خاصة بهم، غير أن جعل هذه الضمانات ذات مصداقية يظل أمراً صعباً بطبيعته، لأن واشنطن ستضطر إلى المخاطرة بتعرضها لرد نووي من أجل حماية دولة أجنبية.
تتجاوز المشكلة، بشكل متزايد، مسألة مدى مصداقية الالتزامات السياسية الأمريكية، إذ سلطت السنوات الأخيرة الضوء على حجم ما تصفه الولايات المتحدة بـ”مشكلة التزامن”؛ إذ يتعين على واشنطن التعامل مع تحديات أمنية متعددة ومتزامنة في أوروبا والشرق الأوسط ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ، رغم القيود الكبيرة على المنصات العسكرية والأفراد والذخائر، وتوضح إعادة انتشار حاملة الطائرات “يو إس إس جورج واشنطن” من شرق آسيا كيف يمكن للمتطلبات في مناطق أخرى أن تؤثر في الموارد المتاحة للمنطقة، حتى من دون حدوث تغيير رسمي في الاستراتيجية الأمريكية.
تتعامل واشنطن مع تحديات أمنية متزامنة في أوروبا والشرق الأوسط ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ رغم القيود الكبيرة على قدراتها العسكرية
أدى النهج غير التقليدي الذي تتبناه إدارة ترامب تجاه الحلفاء والخصوم على حد سواء إلى زيادة القلق في طوكيو، وإضافة بُعد سياسي إلى هذه المشكلة الهيكلية، حيث أحجم البيت الأبيض عن إدانة زيارة بوتين إلى جزر الكوريل الجنوبية/ الأقاليم الشمالية، وأبدى التزاماً محدوداً بالدفاع عن تايوان في حال تعرضها لغزو صيني، كما سعى إلى تحسين العلاقات مع الصين وروسيا وكوريا الشمالية، في الوقت الذي يطالب فيه حلفاء مثل اليابان بتقديم تنازلات اقتصادية كبيرة وتحمل أعباء دفاعية غير مسبوقة.
لكن هذه الشكوك سبقت الخلافات الأخيرة، حيث أظهر استطلاع أُجري العام الماضي أن 15 % فقط من اليابانيين الذين شملهم الاستطلاع يعتقدون أن الولايات المتحدة ستحميهم من أي عدوان أجنبي، وفي الوقت نفسه، من المقرر أن تنتهي في مارس المقبل اتفاقية التدابير الخاصة بين اليابان والولايات المتحدة، التي تحدد التكاليف التي تتحملها اليابان لاستضافة القوات الأمريكية، ما قد يشكل مصدراً إضافياً للتوتر داخل التحالف.
حان وقت الحسم
سعت رئيسة الوزراء ساناي تاكايتشي إلى مواصلة إرث مرشدها، رئيس الوزراء السابق شينزو آبي، من خلال توسيع دور اليابان في دعم رؤية منطقة المحيطين الهندي والهادئ الحرة والمفتوحة بالتعاون مع الولايات المتحدة، حيث سارعت حكومتها في تنفيذ الزيادات المخطط لها في الإنفاق الدفاعي، مع إعطاء الأولوية لمنظومات الضربات التقليدية والدفاع الصاروخي، بهدف تعزيز قدرة اليابان على الردع من دون أسلحة نووية، كما أجرت اليابان إصلاحات على أجهزتها الاستخباراتية، وأنشأت قيادة مشتركة للعمليات، ووسعت عمليات نقل الأسلحة والتعاون الدفاعي مع دول آسيوية أخرى.
تخدم هذه السياسات هدفين؛ أولاً، تقلل من تعرض اليابان لتداعيات التغيرات في السياسة الأمريكية، وثانياً، تثبت أن طوكيو قادرة على تقديم مساهمة أكبر في الاستراتيجية الإقليمية لواشنطن، وهذا التمييز مهم؛ فاليابان تسعى في الوقت الراهن إلى مزيد من الاستقلالية ضمن إطار التحالف، وليس إلى الاستقلال عنه.
لكن لهذه السياسة حدوداً، فلا تزال الحكومة اليابانية ترى أن القيود الدستورية تمنعها من المشاركة في العمليات العسكرية الأمريكية في مناطق خارج شرق آسيا، مثل الشرق الأوسط، وحتى الآن، لم تعترض إدارة ترامب على هذا التفسير، لكن تصاعد شكاوى الرئيس الأمريكي بشأن عدم كفاية دعم الحلفاء للمواجهة الأمريكية مع إيران يشير إلى أن طوكيو قد لا تبقى بمنأى عن استياء البيت الأبيض وإجراءاته الانتقامية.
تؤكد الحكومة اليابانية أن القيود الدستورية تمنعها من المشاركة في العمليات العسكرية الأمريكية في مناطق خارج شرق آسيا مثل الشرق الأوسط
تعمل الحكومة اليابانية حالياً على وضع اللمسات الأخيرة على أهم وثائقها المتعلقة بالأمن القومي:” الاستراتيجية الوطنية للأمن”، وهي الوثيقة ذات المستوى الأعلى؛ والاستراتيجية الوطنية للدفاع، التي تركز على الجوانب العملياتية؛ وبرنامج تعزيز القدرات الدفاعية، الذي يحدد القدرات اللازمة لتنفيذ الاستراتيجيتين ومواجهة هذه التهديدات.
عندما أُعدت هذه الوثائق آخر مرة قبل خمس سنوات، كانت اليابان تواجه بيئة أمنية مختلفة إلى حد كبير وأقل تهديداً، حيث كانت كوريا الشمالية أكثر عزلة، ولم تكن روسيا قد عززت تحالفها مع بيونغ يانغ وبكين بالقدر نفسه، كما كانت لا تزال هناك فرص لتحسين العلاقات الروسية-اليابانية من خلال التوصل إلى اتفاق بشأن النزاع على الأراضي.
رغم أن طوكيو رفعت الإنفاق الدفاعي، وعدّلت معايير تخطيط قواتها، وأدخلت تغييرات أخرى على سياساتها، إلا أن استراتيجيتها الأساسية الحالية لا تزال قائمة، لكن إذا طرأ تغير كبير بما يكفي على البيئة الخارجية، فإن أمام اليابان ثلاثة مسارات استراتيجية أوسع على الأقل.
السيناريوهات
للمرة الأولى منذ عقود، يناقش القادة اليابانيون إجراء تعديلات على المبادئ الثلاثة غير النووية التي ظلت حتى الآن من الثوابت التي لا تمس في سياسة البلاد، وهي أن اليابان لن تمتلك أسلحة نووية ولن تنتجها، ولن تسمح بإدخالها إلى الأراضي اليابانية، إذ يؤيد البعض إجراء تغييرات، فعلى سبيل المثال، دعا حزب الابتكار الياباني، الشريك الأصغر في الائتلاف الحاكم، علناً إلى اتباع نهج أكثر مرونة، وأبدى انفتاحاً على احتمال نشر أسلحة نووية أمريكية في الأراضي اليابانية، ومن شأن ذلك السماح، في حال وقوع أزمة، برسو سفينة أميركية مزودة بأسلحة نووية في اليابان بصورة مؤقتة.
لم تعلن تاكائيتشي تأييدها لهذا النهج، مؤكدة بدلاً من ذلك أهمية الحفاظ على علاقات الأمن القوية القائمة حالياً بين اليابان والولايات المتحدة، لكنها لم تستبعده أيضاً.
السيناريو الأول: عمق أقل واتساع أكبر
في هذا السيناريو، وهو الأكثر ترجيحاً بفارق كبير خلال العامين المقبلين، ستسعى طوكيو إلى إدارة ما تبقى من الولاية الثانية لترامب، حيث ستتقبل اليابان حتمية تقليص الوجود العسكري الأمريكي، لكنها ستصر على إجراء مشاورات مسبقة وعلى توفير فترة انتقالية مقبولة قبل أن تضطر إلى التعويض بالكامل عن أي تخفيضات كبيرة في القوات الأمريكية، حيث ستستغل طوكيو فترة الانتقال لتحمل مسؤولية أكبر عن دفاعها، وتعزيز قدراتها العسكرية والاستخباراتية المستقلة.
رغم تراجع التعاون الدفاعي التقليدي مع الولايات المتحدة، من المرجح أن يستمر التعاون في مجال الأمن الاقتصادي ذي الاستخدامات المزدوجة، بما يشمل الطاقة وأشباه الموصلات والمعادن الحيوية، في التوسع.
كذلك، قد تتجه اليابان إلى تطوير تعاون منخفض التكلفة مع الولايات المتحدة في مجال الطائرات العسكرية المسيّرة، بما يساعدها على التعامل مع تراجع أعداد الشباب المؤهلين للانضمام إلى قواتها المسلحة، وقد تشمل مجالات التعاون الأخرى التي يمكن توسيعها بناء السفن والذكاء الاصطناعي وأمن سلاسل الإمداد.
في الوقت نفسه، قد تعوض طوكيو انخفاض الدعم العسكري الأمريكي من خلال تعزيز علاقاتها الأمنية مع شركاء آخرين يتشاركون معها التوجهات نفسها، ولا سيما كوريا الجنوبية ومجموعة كواد وحلف شمال الأطلسي ودول جنوب شرق آسيا مثل الفلبين، التي ترحب بدور اليابان في تحقيق التوازن مع القوة الاقتصادية والعسكرية للصين، حيث لا يمكن لهذه الشراكات أن تحل محل الوجود الاستراتيجي الأمريكي في مجال الأمن، لكنها تستطيع الحد من تداعيات تقليص هذا الوجود.
السيناريو الثاني: التقارب مع روسيا
يمثل التقارب مع موسكو احتمالاً أبعد من السيناريوهات الأخرى، ومع ذلك، قد يرى القادة اليابانيون أن مواجهة تهديد صادر عن قوتين عظميين أفضل من مواجهة ثلاث قوى، وإذا قررت اليابان تقديم تنازلات كبيرة لأحد الخصوم المحتملين من أجل التركيز على الخصمين الآخرين، فقد تبدو روسيا الخيار الأقل خطورة.
الخلافات بين روسيا واليابان أقل ارتباطاً بمصير الدولة من الخلافات بين طوكيو وبكين أو بين طوكيو وبيونغ يانغ، حيث تقتصر المطالب الإقليمية لموسكو تجاه اليابان على جزر الكوريل الجنوبية/الأقاليم الشمالية، وقد تشمل المطالب الأخرى تخفيف العقوبات المفروضة على روسيا، وتقليص الدعم الياباني لأوكرانيا، ووضع قيود على التعاون العسكري بين اليابان والولايات المتحدة.

إذا خلص صانعو السياسة اليابانيون إلى أن التعاون الأمني مع الولايات المتحدة سيتراجع في جميع الأحوال، فقد يرون أن تقديم هذه التنازلات مقبول في ظل المتطلبات التي تفرضها بيئتهم الأمنية، وفي المقابل، ستتوقع طوكيو من روسيا تقليص دعمها العسكري والتقني للصين وكوريا الشمالية، والامتناع عن تقديم دعم ملموس للمطالب الصينية المتعلقة بأراضٍ يابانية.
في السابق، أدرك صانعو السياسة الروس أهمية تحسين العلاقات مع طوكيو لتوسيع هامش المناورة الجيوسياسية لموسكو في شمال شرق آسيا، وزيادة فرص حصولها على الاستثمارات والتكنولوجيا اليابانية، وتقليل اعتماد روسيا على الصين.
من شأن خفض التوتر مع موسكو أن يتيح لليابان تركيزاً أكبر على التعامل مع تنامي القوة الاقتصادية والعسكرية لبكين، وقد يدفع بكين وبيونغ يانغ إلى تبني سياسات أكثر اعتدالًا تجاه طوكيو، كما يمكن أن يقلل من دوافع روسيا للتعاون مع كوريا الشمالية، على الأقل بعد انتهاء الحرب الروسية-الأوكرانية، حيث يتمثل الخطر الواضح في أن موسكو قد تكتفي بالحصول على التنازلات وتطالب بالمزيد.
ومع ذلك، يظل هذا النوع من المصالحة غير مرجح، فموسكو لا تملك حالياً حافزاً كبيراً للتحرك في هذا الاتجاه، وقد يصبح هذا السيناريو أكثر واقعية في ظل قيادة روسية تأتي بعد بوتين، إذا أقدمت القيادة الجديدة على إعادة تقييم أوسع للسياسة الروسية، وقد ترى قيادة مستقبلية أن من مصلحتها الاستراتيجية التوجه نحو المصالحة مع الغرب لتقليل اعتمادها على بكين، وستكون اليابان جزءاً من هذه المعادلة.
السيناريو الثالث: الاعتماد على الذات
يتطلب هذا السيناريو، وهو الأقل ترجيحاً، حدوث انهيار أكثر جوهرية في منظومة الأمن الإقليمي القائمة، ففي السنوات الأخيرة، عززت اليابان قدراتها على توجيه ضربات مضادة، وتعمل على تطوير صواريخ هجومية جديدة وأكثر تطوراً، ومنظومات دفاع صاروخي، وأقمار صناعية عسكرية، وقدرات استخباراتية.
وبفضل قوتها العاملة عالية المهارة، وبنيتها التحتية النووية المدنية المتطورة، وصناعتها المتقدمة في مجال الطيران والفضاء، تمتلك اليابان القدرة على تطوير أسلحة نووية ونشرها بسرعة، وإذا تراجعت ثقة اليابان بضمانات الأمن الأمريكية بصورة كبيرة، فقد يزداد الاهتمام بامتلاك أسلحة نووية، كما أن تزايد القبول بمطالب كوريا الشمالية المتعلقة بوضعها النووي، واتخاذ كوريا الجنوبية قراراً بتطوير أسلحة نووية رداً على ذلك، قد يمنح طوكيو حوافز إضافية لاتخاذ مثل هذه السياسات.
لم يدعُ أي قائد ياباني حالي إلى تطوير قوة ردع نووية مستقلة، حيث لا تزال ساناي تاكايتشي وأعضاء آخرون في منظومة الأمن القومي اليابانية يؤكدون أهمية العلاقات الأمنية القوية بين اليابان والولايات المتحدة، حيث ستحتاج واشنطن إلى دفع طوكيو في هذا الاتجاه، إذ يتمثل العامل الحاسم في اتباع الولايات المتحدة سياسة خارجية انعزالية فعلاً، تشجع حلفاءها على امتلاك أسلحة نووية بدلاً من الاعتماد على الدعم العسكري الأمريكي، وفي الوقت الراهن، يظل هذا السيناريو الأقل ترجيحاً.
العامل الحاسم في واشنطن يتمثل بسياسة خارجية انعزالية تشجع حلفاءها على امتلاك أسلحة نووية بدلاً من الاعتماد على الدعم العسكري الأمريكي
لم تحسم اليابان بعد خيارها بين واشنطن وموسكو والاستقلال الاستراتيجي، لأنها لم تضطر إلى ذلك حتى الآن، حيث تعمل طوكيو بحذر على الاحتفاظ بخيارات أمام عدة احتمالات مستقبلية، آملةً في الأفضل، لكنها تستعد للأسوأ.
في المحصلة، اليابان ليست الحليف العسكري الأمريكي الوحيد الذي يواجه بيئة دولية أكثر تعقيداً، لكن التغييرات في سياسة طوكيو قد تشكل مؤشراً على الكيفية التي سيتعامل بها حلفاء الولايات المتحدة الآخرون مع تصاعد التهديدات وعدم وضوح الالتزامات الدفاعية الأمريكية.


