عندما خصخصت رئيسة الوزراء البريطانية السابقة مارغريت ثاتشر شركة بريتيش إيروسبيس عام 1985، باعت الحكومة جميع أسهمها في الشركة باستثناء سهم واحد فقط. ومن الناحية الرقمية، أصبحت المملكة المتحدة تحتفظ بسهم واحد قيمته جنيه إسترليني واحد في شركة تُعد ركيزة أساسية للدفاع الوطني. أما عملياً، فقد منح هذا السهم، المعروف باسم “السهم الذهبي”، الحكومة ما كانت تسعى إليه: السيطرة على مصير الشركة، من خلال حق النقض “الفيتو” على أي محاولة لانتقال ملكيتها إلى جهات أجنبية. وهكذا، أصبحت الشركة خاصة، لكنها بقيت بمنأى عن الوقوع في أيدٍ لا ترغب بها الدولة.
وبعد أربعة عقود، باتت الحكومات المؤمنة باقتصاد السوق على ضفتي الأطلسي تلجأ إلى أدوات مشابهة في مواجهة الصعود المتسارع لاقتصادات رأسمالية الدولة، وعلى رأسها الصين. فعلى مدى سنوات، أثبت نموذج السوق الحرة فعاليته، ولا سيما بالنسبة للولايات المتحدة، إذ كان قادراً على توجيه رأس المال بكفاءة، مستفيداً من غياب منافس اقتصادي يضاهي القوة الأمريكية. لكن تلك المرحلة انتهت. فالولايات المتحدة باتت تنافس دولاً، مثل الصين، تعتمد سياسات صناعية تستهدف تركيز القوة الوطنية بشكل منهجي، ما يفرض قيوداً هيكلية على الاقتصادات التي يقودها السوق.
ولا تقتصر هذه التحولات على الولايات المتحدة وحدها، إذ تشهد ديناميكيات السوق تغيراً في العديد من الدول. فالبلد الذي كان ينتقد الصين يوماً بوصفها نموذجاً بيروقراطياً متعثراً مقارنة بكفاءة أسواقه المالية، بات اليوم يتبنى مقاربة مختلفة. فقد فرض التنافس مع الصين على الحكومات الغربية التكيف مع بيئة استراتيجية جديدة، أصبحت فيها أدوات مثل “السهم الذهبي” تُنظر إليها باعتبارها وسائل ضرورية لحماية المصالح الوطنية. ومع تضييق الصين الفجوة الاقتصادية مع الولايات المتحدة، تعيد المنافسة بين القوى الكبرى رسم العلاقة بين الأسواق والقوة الوطنية، في وقت يتراجع فيه النموذج التقليدي للسوق الحرة الذي ساد بعد نهاية الحرب الباردة.
مع تضييق الصين الفجوة الاقتصادية مع أمريكا تعيد المنافسة بين القوى الكبرى رسم العلاقة بين الأسواق والقوة الوطنية في وقت يتراجع فيه النموذج التقليدي للسوق الحرة الذي ساد بعد نهاية الحرب الباردة
صعود رأسمالية الدولة الأمريكية
يفيد تقرير صادر عن مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي ” CFR” بأن إدارة ترامب استحوذت على حصص ملكية في نحو 30 صفقة خاصة منذ يناير 2025. وقد خصصت 26.7 مليار دولار لشركات تعتبرها استراتيجية، تشمل قطاعات المعادن الحيوية، والطاقة، وأشباه الموصلات، والبنية التحتية. وفي إحدى أبرز الشركات الأمريكية، وهي شركة الصلب الأمريكية، لم تضخ الحكومة أي أموال، لكنها حصلت على سهم واحد من الفئة الممتازة “G” الذهبية مقابل موافقتها على بيع الشركة إلى شركة نيبون للصلب اليابانية. وكشف ملف مقدم إلى هيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية أن هذا السهم يمنح الحكومة حق النقض “الفيتو” على قرارات جوهرية، تشمل نقل المقر الرئيسي للشركة، أو نقل الإنتاج إلى الخارج، أو تغيير اسمها، أو إغلاق مصانعها حتى عام 2035، أو خفض الرواتب الأساسية للموظفين حتى عام 2030.
وفي شركة إنتل، التي استحوذت الحكومة على حصة تبلغ 10% منها، تضمنت الصفقة بنداً يمنح الحكومة حق شراء أسهم بسعر تفضيلي إذا قررت الشركة بيع أو فصل ذراعها التصنيعية، وهو هدف استراتيجي طالما دعت إليه الأوساط المالية في وول ستريت. وبلغة الأسواق المالية، يشبه هذا الإجراء ما يُعرف بـ”الحبة السامة”، وهي آلية تعتمدها مجالس الإدارات لردع محاولات الاستحواذ غير المرغوب فيها.
وبالمقارنة مع الصناعات المملوكة للدولة في الصين، والتي تشمل أيضاً حصصاً في شركتي “إم بي ماتيريالز” و”ليثيوم أميركاز”، المنتجتين للمعادن الأرضية النادرة والليثيوم، تبدو المحفظة الاستثمارية الأمريكية متواضعة. غير أن أهميتها تكمن في سرعة وتوسع عمليات الاستحواذ. فقبل عام 2025، لم تكن الحكومة الأمريكية قد راكمت حصصاً مستهدفة في عدة شركات خاصة، ولم تمارس تأثيراً مباشراً في قيمتها منذ فترة الكساد الكبير والحرب العالمية الثانية.
وبعد عقود من انتقادها تدخل الحكومات في اختيار الشركات الرابحة والخاسرة، انضمت الولايات المتحدة إلى هذا النهج، متدخلة في الاقتصاد الخاص بطرق غير مسبوقة تختلف عن عمليات الإنقاذ الطارئة التي شهدتها الأزمات السابقة.
وجاء في تقرير مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي: “يتولى الرئيس بنفسه التوسط في صفقات تهدف إلى توجيه أماكن تخصيص الشركات والدول لرؤوس الأموال”، مشيراً إلى أن الحكومة الأمريكية تستخدم اليوم أدوات قوية، مثل ضوابط التصدير والرسوم الجمركية، لانتزاع تنازلات من الشركات الخاصة والتأثير في قراراتها الاستثمارية، بما في ذلك شركة آبل وشركة إنفيديا. وخلص التقرير إلى أن هذه الإجراءات تمثل بداية فصل جديد في تاريخ أكبر اقتصاد في العالم، يتمثل في صعود رأسمالية الدولة الأمريكية.

أوروبا على خطى واشنطن
لا تنفرد الولايات المتحدة بهذا التوجه، إذ تتبنى أوروبا المسار نفسه. ففي الفترة ذاتها، اعتمد الاتحاد الأوروبي إطاراً للأمن الاقتصادي يُخضع كفاءة السوق لاعتبارات السيطرة الاستراتيجية، في خطوة غير مسبوقة. وبموجب استراتيجية الأمن الاقتصادي للاتحاد الأوروبي، طُلب من الدول الأعضاء التعامل مع الاعتماد على موردين بعينهم ونقاط الضعف في سلاسل التوريد الاستراتيجية باعتبارها مخاطر تمس الأمن القومي.
لا تنفرد الولايات المتحدة بهذا التوجه إذ تتبنى أوروبا المسار نفسه ففي الفترة ذاتها اعتمد الاتحاد الأوروبي إطاراً للأمن الاقتصادي يُخضع كفاءة السوق لاعتبارات السيطرة الاستراتيجية
كما أعاد الاتحاد الأوروبي صياغة قواعده الخاصة بفحص الاستثمارات الأجنبية. وفي مارس 2026، اقترحت المفوضية الأوروبية قانون تسريع الصناعة، الذي يشترط الحصول على موافقة مسبقة على الاستثمارات الأجنبية الكبرى في قطاعات البطاريات، والمركبات الكهربائية، وتقنيات الطاقة الشمسية، والمواد الخام الحيوية. وستُمنح الموافقة بناءً على معايير تشمل حجم المساهمة الأوروبية في رأس المال، ونقل التكنولوجيا، والاعتماد على الموردين المحليين.
وتسري هذه القيود فقط على المستثمرين القادمين من دول تستحوذ على أكثر من 40% من القدرة التصنيعية العالمية في القطاعات المعنية، أي الصين عملياً. كما تقترب بروكسل من استكمال تأسيس صندوق أوروبا للشركات الناشئة المتوسعة، بهدف تمكينه من الاستثمار المباشر في القطاعات الاستراتيجية.
وتعكس السياسات الأوروبية الجديدة توجهاً مماثلاً داخل الدول الأعضاء التي تواجه الضغوط الاستراتيجية نفسها. ففي ألمانيا، أممت الحكومة شركة يونيبر، أكبر مستورد للغاز في البلاد، بعدما هددت تخفيضات الإمدادات الروسية، على خلفية الحرب في أوكرانيا، استمرار الشركة.
وفي فرنسا، استعادت الحكومة الملكية الكاملة لـشركة كهرباء فرنسا “إي دي إف”، التي تدير 56 مفاعلاً نووياً. وكانت الشركة قد تضررت أيضاً من تداعيات الحرب في أوكرانيا، إذ اضطرت إلى بيع الكهرباء بخسائر بعدما أدى برنامج صيانة واسع إلى توقف نحو نصف مفاعلاتها مؤقتاً عن العمل.
وفي نهاية المطاف، أعادت الحكومة تأميم الشركة بشراء الأسهم المتبقية التي لم تكن تمتلكها. أما في إيطاليا، فقد وسعت الحكومة تدريجياً نطاق نظام “السلطة الذهبية”، الذي يمنح روما حق الاعتراض على الصفقات أو فرض شروط عليها في القطاعات التي تعتبرها استراتيجية، بما في ذلك الدفاع والقطاع المصرفي.
وفي بريطانيا، مهد نظام “السهم الذهبي” لهذا النهج منذ عقود. فقد استولت الحكومة على الإدارة التشغيلية لمصنع سكونثورب التابع لشركة الصلب البريطانية، بعد إعلان مالكها الصيني، مجموعة جينغي، عزمه إغلاق فرني الصهر بسبب خسائر بلغت 700 ألف جنيه إسترليني يومياً. وتعمل الحكومة البريطانية حالياً على تأميم المنشأة، بينما تتفاوض مجموعة جينغي، التي استحوذت على شركة الصلب البريطانية عام 2020، مع السلطات البريطانية بشأن قيمة التعويضات. ومن المفارقات أن وزارة التجارة الصينية باتت اليوم تحاضر لندن بشأن “مبادئ السوق” والنظام الدولي القائم على القواعد.
الشركات الخاصة تواجه تهديدات بنيوية
قد تبدو التوترات بين الاقتصادات القائمة على السوق واقتصادات رأسمالية الدولة وكأنها حوادث متفرقة، لكنها ليست كذلك. فالحكومات المعنية تختلف في دساتيرها، وتقاليدها السياسية، وعلاقاتها بقواعدها الصناعية، إلا أنها تستجيب في الوقت نفسه للضغوط الاستراتيجية ذاتها. وعندما تتبنى دول ذات مؤسسات مختلفة سياسات متشابهة، فإن السبب يكون في العادة بنيوياً، وليس مجرد مشكلات محلية في باريس أو برلين أو روما أو لندن.
ولم يكن الإجماع المؤيد للسوق الحرة في الولايات المتحدة قائماً على الدوام. فقد شكّلت الرسوم الجمركية الحمائية المرتفعة والدعم الفيدرالي للسكك الحديدية ركيزتين أساسيتين للتوسع الأمريكي في القرن التاسع عشر، كما اتسع تدخل الحكومة في الاقتصاد بصورة كبيرة خلال فترة الكساد الكبير والحرب العالمية الثانية. ولم يظهر التوافق حول اقتصاد السوق الحرة إلا لاحقاً، في ظل ظروف اتسمت بتفوق الولايات المتحدة من دون منازع.
وبرزت مبادئ السوق الحرة لأن الولايات المتحدة كانت قادرة على ترك الأسواق تخصص رؤوس الأموال، إلى حد كبير بسبب غياب أي منافس قادر على مجاراة قوتها الاقتصادية. وبدا انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991 وكأنه حسم هذا الجدل نهائياً؛ إذ خسرت المركزية الاقتصادية، وانتصرت الأسواق الحرة، وأُلقي النقاش حول ملكية الدولة للمؤسسات في صفحات التاريخ.
غير أن الصين أعادت إحياء هذا النهج. فابتداءً من عهد رئيس الوزراء تشو رونغجي “1998-2003″، أعادت بكين هيكلة اقتصادها لتركيز القوة في عدد أقل من الشركات المملوكة للدولة وأكثرها حجماً. واتبعت سياسة “الإبقاء على الشركات الكبرى والتخلي عن الشركات الصغيرة”، فسرّحت ملايين العمال، بينما دمجت ما تبقى في شركات حكومية عملاقة أصبحت اليوم تقود الاقتصاد الصيني.
وأرسى تشو نظاماً يوجه الائتمان، ويضع خططاً صناعية تمتد لعقود، ويجمع بين التنمية التجارية والعسكرية. وقد غيّرت نتائج هذه السياسات خريطة المنافسة العالمية؛ إذ أصبحت الصين قوة اقتصادية كبرى، وهيمنت على سوق المعادن الأرضية النادرة، وأنشأت أكبر أحواض لبناء السفن في العالم، وطورت سلاسل إمداد الطاقة الشمسية وصناعة البطاريات، كما أصبحت أكبر سوق للمركبات الكهربائية، وهي فكرة نشأت أساساً في الولايات المتحدة. واليوم، وفي ظل قيادة أكثر حزماً، أظهرت الصين أيضاً استعدادها لاستخدام هذا التفوق الصناعي كورقة ضغط تخدم مصالحها الاستراتيجية متى رأت ذلك مناسباً.
في ظل قيادة أكثر حزماً وقوة على نحو متزايد أظهرت الصين أيضاً استعداداً لتسخير هيمنتها الصناعية كسلاح عندما يخدم ذلك مصالحها الاستراتيجية
مأسسة أدوات الدولة الجديدة
بدأ أنصار اقتصاد السوق الحرة يتساءلون عمّا يحدث عندما تقود آليات السوق، إذا تُركت تعمل بحرية، إلى انتقال سلاسل التوريد إلى منافس استراتيجي. وسرعان ما خلصوا إلى أن الأدوات التقليدية لم تعد كافية؛ فالرسوم الجمركية لم تعد تحقق الغاية المرجوة، والإعانات الحكومية لا تضمن ولاء الشركات، كما أن ضوابط التصدير تنظم ما يغادر البلاد، لكنها لا تمنع انتقال الأصول أو القدرات الاستراتيجية إلى الخارج.
وفي ظل هذا الواقع، برزت ملكية الدولة لحصص في الشركات، التي كانت تُستخدم سابقاً في أوقات الأزمات فقط، كأداة تتبناها اليوم الديمقراطيات القائمة على اقتصاد السوق. ولا ينظر الجميع إلى توسع الحكومة في الاستحواذ على حصص بالشركات باعتباره أمراً سلبياً. فحتى مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي، الذي حذّر من هذا التوجه في تقريره، أقر بأن كثيراً من أهداف إدارة ترامب تستحق الإشادة، مثل تعزيز الأمن القومي، وخلق فرص العمل، وإعادة بناء القاعدة الصناعية داخل الولايات المتحدة. كما رأى أن هذه الأدوات الجديدة قد تمنح البلاد قدرة أكبر على المنافسة في مواجهة الاقتصادات غير القائمة على السوق.
وقال وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت، وهو مدير سابق لصندوق تحوط، إن الدولة تسعى إلى بناء “أصول مملوكة للشعب الأمريكي بدلاً من تراكم الديون”، في إشارة إلى العجوزات المالية التي راكمها الحزبان الرئيسيان على الاقتصاد. وليس هذا أول تدخل واسع ومباشر للحكومة الأمريكية في الاقتصاد؛ فقد أنشأ الرئيس جورج دبليو بوش عام 2008 برنامج إغاثة الأصول المتعثرة، ثم استخدمت إدارة باراك أوباما البرنامج في العام التالي لإنقاذ شركتي كرايسلر وجنرال موتورز.
غير أن تدخلات ترامب ليست استجابة طارئة لمشكلات تهدد بدفع الاقتصاد إلى دوامة من الانهيار فهي لا تتضمن بنوداً لانتهاء العمل بها، ولا استراتيجيات خروج محددة كما لا يوجد توقع بأن تتخلى الحكومة في نهاية المطاف عن حصص ملكيتها. كذلك، لم يوافق الكونغرس على هذه السياسة بصورة صريحة. ففي الواقع، وسّعت الإدارة نطاق استخدام قانون الرقائق الإلكترونية وقانون الإنتاج الدفاعي بما يتجاوز الحدود التي رسمها المشرّعون عند إقرارهما.
تدخلات ترامب ليست استجابة طارئة لمشكلات تهدد بدفع الاقتصاد إلى الانهيار فهي لا تتضمن بنوداً لانتهاء العمل بها ولا استراتيجيات خروج محددة كما لا يوجد توقع بأن تتخلى الحكومة عن حصص ملكيتها
وبدلاً من السعي إلى الحد من هذه الاستحواذات، يتجه الكونغرس إلى ترسيخها. فبحسب معهد كاتو، يتضمن مشروع قانون تفويض الدفاع الذي يناقشه مجلس الشيوخ إنشاء حساب استثماري للأسهم الدفاعية بقيمة 500 مليون دولار، بما يوفر أساساً قانونياً دائماً لإنشاء محفظة استثمارية من الأسهم يديرها البنتاغون.
إلى ذلك، قد تفصل المحاكم في نهاية المطاف في مدى قانونية حملة الحكومة للاستحواذ على حصص في الشركات. ففي فبراير، قضت المحكمة العليا الأمريكية بأن قانون الصلاحيات الاقتصادية الطارئة الدولية، الذي يخول الرئيس فرض قيود على الواردات في حالات الطوارئ الوطنية، لا يمنحه سلطة فرض رسوم جمركية من دون موافقة الكونغرس. ولم يتطرق الحكم إلى مسألة استحواذ الحكومة على حصص في الشركات، لكنه قد يُعد رسالة تحذير إلى رئيس مضى في هذا المسار متجاوزاً الكونغرس.

وقد دفعت هذه الاستحواذات مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي إلى إنشاء “مؤشر لتتبع الصفقات” لرصد عمليات الاستحواذ الحكومية. غير أن القضية الأهم لا تكمن في حجم المحفظة الاستثمارية، بل فيما تعكسه من تحول. فهل يوثق هذا المؤشر استجابة مؤقتة لظروف استثنائية، على غرار استحواذات الحكومة خلال الحرب العالمية الثانية، أم أنه يرصد بداية تحول هيكلي دائم في بنية الاقتصاد السياسي الدولي؟
واستناداً إلى موقف الكونغرس من هذه التطورات، تشير الدلائل إلى أن الولايات المتحدة تقترب من تكريس واقع جديد. فالإجراءات المؤقتة لا تُمنح عادةً اعتمادات مالية دائمة، كما أن الصلاحيات الاستثنائية غالباً ما تكون مقيدة بمدة زمنية تنتهي بانتهاء الظروف التي استدعتها. وقد جرى تفكيك محفظة الحكومة الاستثمارية التي أُنشئت زمن الحرب بعد انتهاء الحرب نفسها. أما المنافسة مع الصين، فلا تلوح لها نهاية في الأفق؛ فلا هدنة متوقعة، ولا نقطة نهاية طبيعية، ولا لحظة واضحة ترى فيها الحكومات أن الوقت قد حان لترك الأسواق تعمل مجدداً من دون تدخل الدولة.
مخاطر الاقتصاد السياسي الجديد
تظهر مخاطر حقيقية عندما تنشئ الحكومة محفظة من الشركات الرابحة والخاسرة. فالطبيعة البشرية تشير إلى أن الحكومة التي تمتلك حصة في شركة مثل “إنتل” قد تميل، عاجلاً أم آجلاً، إلى استخدامها لتحقيق أهداف معينة. وقد يميل المسؤول عن إدارة هذه الأصول الحكومية، إذا لم يخضع للمساءلة الكاملة، إلى حجب إنتاج أساسي عن المنافسين، أو فرض شروط تجارية محددة، أو مكافأة الأصدقاء أو المانحين أو القطاعات المفضلة. كما أن كل إساءة استخدام لهذه السلطة تمنح دولة منافسة سابقة يمكن الاستناد إليها لمعاملة الأصول الأمريكية الموجودة على أراضيها بالطريقة نفسها.
إن العالم الذي تمتلك فيه كل دولة “سهمًا ذهبيًا” هو عالم تصبح فيه عمليات التأميم الانتقامية جزءاً عادياً من أدوات إدارة الدولة، بما يهدد نظام الاستثمار المفتوح الذي أسهم في إثراء الغرب على مدى جيلين. وعلى الأقل، تخوض الدول الأوروبية هذا النقاش بشكل علني، إذ تبحث حدود الفصل بين الحماية الاستراتيجية والحمائية الاقتصادية.
أما واشنطن، فتكاد لا تخوض هذا الجدل على الإطلاق. فعلى مدى عقود، لم يشكك كثيرون في الحكومة الأمريكية بأن العولمة ستؤدي إلى أسواق أكثر كفاءة، وازدهار أكبر، وفي نهاية المطاف إلى أمن أكبر. أما اليوم، فأصبحت الحكومات توظف العولمة والاعتماد المتبادل كأدوات لتحقيق أهداف جيوسياسية، فيما تُقيَّم الأسواق بدرجة أقل وفق كفاءتها، وبدرجة أكبر وفق القوة الوطنية التي يمكن أن تولدها.
احتفظت مارغريت تاتشر بسهم واحد في شركة بريتيش إيروسبيس، وكانت تدرك أنه استثناء يؤكد القاعدة؛ أي إجراء محدود ضمن نظام يثق بالأسواق في جوهره. أما الحكومات التي تبني اليوم محافظ من حصص الملكية على جانبي الأطلسي، فقد قلبت منطقها رأساً على عقب. ولم يعد السؤال هو ما إذا كانت اقتصادات السوق الليبرالية ستحتفظ بـالأسهم الذهبية، بل ما إذا كان أحد سيتذكر بعد عقد من الزمن سبب اعتقادها السابق بأنها لا ينبغي أن تفعل ذلك.
لم يعد السؤال هو ما إذا كانت اقتصادات السوق الليبرالية ستحتفظ بـالأسهم الذهبية بل ما إذا كان أحد سيتذكر بعد عقد من الزمن سبب اعتقادها السابق بأنها لا ينبغي أن تفعل ذلك



