سقوط ستارمر يكشف عن أزمة بريطانيا العميقة   

تقرير
ستارمر يعلن استقالته أمام مقر رئاسة الوزراء في 10 داونينج ستريت بلندن (أ ف ب)
ستارمر يعلن استقالته أمام مقر رئاسة الوزراء في 10 داونينج ستريت بلندن (أ ف ب)
ﺷﺎرك

أعلن كير ستارمر استقالته من منصب رئيس الوزراء، ليصبح سادس زعيم بريطاني يغادر مقر رئاسة الوزراء في داونينغ ستريت منذ عام 2016 قبل إكمال ولايته، حيث تمهّد استقالته الطريق أمام آندي برنهام، العمدة السابق لمانشستر الكبرى، لخلافته، ليصبح سابع رئيس وزراء تشهده بريطانيا خلال عقد واحد.

كانت الأسباب المباشرة داخلية؛ إذ ساهم تراجع شعبية كير ستارمر، وتقدّم حزب الإصلاح البريطاني عليه في استطلاعات الرأي، إضافة إلى فوز حزب العمال في الانتخابات التكميلية بدائرة ميكرفيلد، التي أعادت آندي برنهام إلى مجلس العموم، في تسريع وتيرة رحيله.

أما الأسباب الأعمق فهي هيكلية، تتمثل في الصعوبة التي تواجهها بريطانيا في تحويل الأغلبيات الانتخابية إلى سلطة حكم مستقرة ودائمة في مرحلة ما بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي.

في الواقع، إن تفسير سقوط ستارمر من خلال التركيز على محدودية قدراته الشخصية وحدها يغفل القصة الأهم والأكثر تأثيراً، فبريطانيا تسعى إلى الاضطلاع بدور قوة دولية فاعلة في ملفات أوكرانيا، وحلف شمال الأطلسي “الناتو”، والصين، والعلاقات عبر الأطلسي، غير أن مؤسساتها الداخلية تواجه صعوبة متزايدة في توفير الاستقرار الحكومي الذي تتطلبه مثل هذه الطموحات، حيث لم تُنشئ حكومة ستارمر هذه الفجوة بين الطموح والقدرة، بل ورثتها عن أسلافها، ولم تنجح إلا في تضييقها لفترة وجيزة.

بريطانيا تسعى إلى الاضطلاع بدور قوة دولية فاعلة لكن مؤسساتها الداخلية تواجه صعوبة في توفير الاستقرار الحكومي الذي تتطلبه هذه الطموحات

تفويض بلا سلطة

يندرج سقوط ستارمر ضمن نمط بات مألوفاً في السياسة البريطانية، ولا يُعد حدثاً استثنائياً أو معزولاً، حيث استقال ديفيد كاميرون في يوليو 2016 عقب الاستفتاء على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، ولحقت به تيريزا ماي عام 2019 بعد أن رفض البرلمان مراراً اتفاقها بشأن الانسحاب من الاتحاد.

وفي عام 2022، غادر بوريس جونسون منصبه على خلفية فضيحة “بارتي غيت” المتعلقة بإقامة حفلات خلال فترة الإغلاق بسبب جائحة كورونا، بينما لم تمكث ليز تراس في السلطة سوى 49 يوماً، قبل أن تجبرها اضطرابات سوق السندات على الاستقالة.

استمرت كل واحدة من هذه الحكومات، في المتوسط، أقل من عامين، وهي مدة تقل كثيراً عن الاستقرار متعدد الولايات الذي ميّز حكومتي مارغريت تاتشر وتوني بلير، وتبدو حالة ستارمر أكثر دلالة ووضوحاً؛ إذ لا يمكن تفسير سقوطه بضعف التفويض الشعبي الذي حصل عليه.

فاز حزب العمال بـ411 مقعداً في يوليو 2024، محققاً بذلك إحدى أكبر الأغلبيات في مجلس العموم في التاريخ البريطاني الحديث، وذلك بنسبة لا تتجاوز 33.7% من الأصوات على مستوى البلاد، وهي أدنى نسبة يحصل عليها حزب حاكم على الإطلاق، حيث وصفه المعلقون آنذاك بأنه “فوز ساحق بلا تأييد”، إذ جمع بين اكتساح واضح في عدد المقاعد وضعف في الدعم الشعبي، مستنداً إلى معارضة منقسمة أكثر من كونه قائماً على ائتلاف متماسك يؤيد حزب العمال نفسه، ولطالما انشغلت النظرية الدستورية البريطانية بمشكلة معاكسة.

حذّر اللورد هيلشام عام 1976 من خطر ما أسماه “الدكتاتورية الانتخابية”، معتبراً أن حصول الحكومة على أغلبية منضبطة في مجلس العموم يمنح السلطة التنفيذية قدرة على الحكم مع قدر محدود جداً من القيود والضوابط، غير أن أغلبية حزب العمال في عام 2024 تعكس هذه المخاوف بصورة معاكسة؛ فالأغلبية البرلمانية موجودة من حيث عدد المقاعد، لكن النفوذ السياسي والقدرة الفعلية على القيادة والحكم غير متوافرين بالقدر نفسه.

في الواقع، تمثل الفجوة بين حجم التفويض الانتخابي والقدرة الفعلية على الحكم تشخيصاً أدقّ من ردّ الأزمة إلى إخفاقات أي زعيم بعينه، فهي تشير إلى تآكلٍ في قدرة الدولة، أي في الكفاءة المؤسسية للحكومات البريطانية على تحويل الأرقام البرلمانية إلى سلطة مستدامة قادرة على الاستمرار في أوقات الأزمات والصعوبات.

كما ينعكس الأثر العملي لهذا الخلل بشكلٍ أكبر على مجالات السياسات التي تتطلب استمرارية حقيقية، مثل مشتريات الدفاع، واستراتيجية الطاقة، والتخطيط المالي طويل الأمد، فكل واحدة من هذه المجالات تُدار ضمن دورات زمنية قصيرة بكثير مقارنة بالإطارات الزمنية التي تتطلبها فعلياً لتحقيق نتائج مستدامة.

ألغى البرلمان قانون فترات البرلمانات المحددة عام 2022، ما أدى إلى إزالة أحد آليات الاستقرار دون استبداله ببديل مماثل، وذلك في لحظة كانت فيها الانضباطية الحزبية داخل نظام الحزبين تتراجع عبر مختلف أطياف المشهد السياسي، حيث يفترض نموذج وستمنستر أن حصول الحكومة على أغلبية كبيرة يضمن لها سيطرة مستقرة ودائمة على البرلمان، غير أن تجربة ستارمر تشير إلى أن هذا الافتراض لم يعد صالحاً بشكل موثوق في السياق السياسي الراهن.

يفترض نموذج وستمنستر أن حصول الحكومة على أغلبية كبيرة يضمن لها سيطرة على البرلمان غير أن تجربة ستارمر تشير إلى أن هذا لم يعد صالحاً

تُضيف التوترات الناجمة عن نقل الصلاحيات في اسكتلندا وويلز طبقة أخرى من الانقسام التي باتت الحكومة المركزية غير مجهزة بشكل متزايد لإدارتها.

أندي بورنهام يتحدث إلى مؤيديه بعد فوزه في الانتخابات الفرعية، في أشتون، ماكرفيلد (أ ف ب)
أندي بورنهام يتحدث إلى مؤيديه بعد فوزه في الانتخابات الفرعية، في أشتون، ماكرفيلد (أ ف ب)

تسوية بريكست غير المكتملة

ترجع جذور هذا الاضطراب إلى جدلٍ كان من المفترض أن يحسمه استفتاء عام 2016 على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، لكنه لم يُحسم فعلياً، حيث وعد ذلك التصويت باستعادة واضحة للسيادة الوطنية، إلا أن الحكومات المتعاقبة عجزت عن تحويل هذا الوعد إلى مشروع حكم متماسك قادر على الحفاظ على ثقة الجمهور بشكل مستمر.

تفككت تحالفات الناخبين التي تشكّلت حول الانقسام الأصلي بين مؤيدي ومعارضي الخروج من الاتحاد الأوروبي، لتتوزع على تحالفات جديدة أكثر تقلباً وعدم استقرار، حيث استقطب حزب الإصلاح بقيادة نايجل فاراج ناخبي الطبقة العاملة المؤيدين للخروج من الاتحاد الأوروبي، والذين أصيبوا بخيبة أمل تجاه الحزبين الرئيسيين، وتصدّر جميع استطلاعات الرأي الوطنية منذ أواخر عام 2025.

وفي الوقت نفسه، نجح حزب الخضر ومجموعة من النواب المستقلين في استقطاب جزء من ناخبي الجناح اليساري لحزب العمال، حيث تشير استطلاعات الرأي حالياً إلى أن كلاً من حزب العمال وحزب المحافظين يحظى بتأييد لا يتجاوز أواخر نسبة العشرات، متأخرَين بنحو ست نقاط مئوية عن حزب الإصلاح البريطاني.

يجعل تعدد الأحزاب القادرة على المنافسة تحقيق فوز كاسح لحزب واحد، على غرار انتصار حزب العمال في انتخابات 2024، أمراً أسهل في ظل النظام الانتخابي البريطاني، إلا أن الحفاظ على هذا التفوق أثناء الحكم يصبح أكثر صعوبة، فالتحالف الانتخابي الذي يستند إليه هذا الفوز يكون، في الواقع، أضعف وأكثر هشاشة مما توحي به أعداد المقاعد البرلمانية، وهو ما يفسر تحديداً الفجوة بين التفويض الانتخابي والسلطة الفعلية على الحكم التي جرى الحديث عنها سابقاً.

التحالف الانتخابي الذي يستند إليه الفوز الكاسح أضعف وأكثر هشاشة مما تعكسه أعداد المقاعد ما يفسّر الفجوة بين التفويض الانتخابي والسلطة الفعلية

ويجسد فوز آندي برنهام في دائرة ميكرفيلد، التي صوّتت بأغلبية كبيرة لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي في استفتاء عام 2016، حالةَ الانقسام هذه بدلاً من أن يعكس تراجعها، حيث حقق انتصاره من خلال النأي بنفسه عن الدعوات إلى إعادة الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، والتركيز على التعهد بإعطاء الأولوية الكاملة لتجديد الأوضاع الداخلية، بدلاً من الانخراط المكثف في القضايا الدولية.

لم يصمد الإجماع الذي ساد بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والذي كان يرى أن استعادة السيادة وحدها كفيلة بتحقيق الثقة في الحكم والانتعاش الاقتصادي، في ظل أي حكومة كُلفت بتحقيق ذلك، حيث حكم ستارمر بناءً على تسوية لم يوافق عليها أحد فعلياً، ساعياً إلى تطبيع تدريجي، منطقة تلو الأخرى، مع الاتحاد الأوروبي دون إعادة فتح ملف العضوية الذي لا يزال يثير انقساماً بين الناخبين.

 إدارة العلاقة مع واشنطن

لم تمنع الهشاشة الداخلية التي تعانيها بريطانيا الحكومات المتعاقبة من السعي إلى أداء دور دولي طموح، ولعل أبرز إنجازات ستارمر تمثّل في إدارته للعلاقة غير المتكافئة مع إدارة دونالد ترامب من دون التسبب في قطيعة علنية، إذ نجح في تأمين زيارات دولة متبادلة، وتجنب الدخول في خلافات علنية قد تضر بالعلاقات مع واشنطن.

كما أبقى القوات البريطانية خارج أي انخراط مباشر في الحرب الأمريكية الإيرانية، مستنداً في ذلك إلى الدروس المستخلصة من حرب العراق وتقرير لجنة تشيلكوت، حيث أتاح هذا النهج المتحفظ الحفاظ على الموارد العسكرية المحدودة لبريطانيا، وحمى ستارمر من اتهامات داخلية بالتورط المتهور في صراع جديد تقوده الولايات المتحدة.

لكن رد فعل ترامب على الاستقالة كشف أن هذه العلاقة كانت، في جوهرها، ذات طابع براغماتي قائم على المصالح المتبادلة، رغم ما أحاط بها من مجاملات دبلوماسية، فبينما تمنى لستارمر التوفيق علناً، وجّه إليه في الوقت نفسه انتقادات بشأن سياساته المتعلقة بالهجرة والطاقة، مقدّماً رحيله باعتباره إخفاقاً شخصياً، لا فشلاً في إدارة التحالف بين البلدين.

كما أكدت هذه الواقعة أن مكانة بريطانيا في واشنطن تعتمد بدرجة أكبر على العلاقات الشخصية بين القادة أكثر من اعتمادها على التزامات مؤسسية راسخة، حيث يُعد ذلك أساساً هشاً للعلاقة، في ظل محدودية الموارد والقدرات المتاحة أمام لندن لتعزيز هذه الشراكة وترسيخها.

بالإضافة إلى ذلك، يجد آندي برنهام نفسه أمام هذا التحدي مباشرة، إذ يتولى المنصب من دون أن يمتلك خبرة دبلوماسية مماثلة، فضلاً عن إعلانه تفضيله تقليص السفر الخارجي إلى الحد الأدنى.

تتغير العلاقة المبنية على الألفة الشخصية مع كل تغيير في القيادة، مما يزيد من تكلفة التغييرات المتكررة في وستمنستر بالنسبة لدولة تحاول إدارة تحالف غير متكافئ، وإن التبعية نفسها التي تحد من هامش المناورة لبريطانيا مع واشنطن هي التي تحدد موقفها تجاه بكين.

 العلاقة المبنية على الألفة الشخصية تتغير مع كل تغيير في القيادة ما يزيد من تكلفة التغييرات المتكررة في وستمنستر بالنسبة لدولة تحاول إدارة تحالف غير متكافئ

التحوط من بكين

تكشف السياسة تجاه الصين عن فجوة بين الطموحات والقدرات، إذ اتبعت حكومة ستارمر نهجاً براغماتياً يجمع بين استئناف الحوار الاقتصادي وجذب الاستثمارات الصينية في البنية التحتية والطاقة النظيفة، وبين تشديد القيود على تصدير التكنولوجيا الحساسة استجابةً لضغوط واشنطن.

قامت وزيرة الخزانة رايتشل ريفز بزيارة إلى بكين سعياً للحصول على استثمارات، في الوقت الذي حافظت فيه الحكومة على القيود السابقة المفروضة على دور شركة هواوي في شبكة الاتصالات البريطانية، حيث وصف المسؤولون هذا النهج بأنه مقصود وليس متناقضاً، رغم أنه يعكس ضيق هامش الخيارات المتاحة أمام بريطانيا وعدم قدرتها على اتباع مسار واضح واحد.

كما أدت المنافسة المتصاعدة بين واشنطن وبكين إلى تضييق هذا الهامش بشكل أكبر، فقيود التصدير والتعريفات الجمركية التي تفرضها القوتان بشكل متزايد تدفع الدول الأصغر إلى اتخاذ مواقف انحياز، ولو بشكل جزئي، فيما يتعلق بتقنيات محددة وسلاسل الإمداد.

يُقوّض هذا الوضعُ هامشَ الحرية الذي كان يسمح للندن سابقاً بموازنة العلاقات التجارية مع بكين والتعاون الأمني ​​مع واشنطن، حيث يرث برنهام هذا الممرّ الضيّق دون أن يُبدي موقفاً واضحاً بشأنه، وهو إغفالٌ يُشير إلى مدى هامشية السياسة الصينية في المعارك السياسية الحالية لحزب العمال.

 أوكرانيا والتحول الأوروبي

يتكرر المنطق نفسه في سياسة أوكرانيا، حيث ظلّ الطموح يتجاوز الموارد المتاحة بشكل مستمر، حيث حافظ ستارمر على استمرارية سياسات الحكومات السابقة، من خلال توسيع العقوبات المفروضة على روسيا، وتقديم الأسلحة، والتنسيق الوثيق مع دول الشمال الأوروبي ودول البلطيق عبر قوة الاستطلاع المشتركة.

كما سعى إلى الاستفادة من آليات تمويل الدفاع في الاتحاد الأوروبي، معتبراً الشراء الأوروبي الجماعي أمراً بالغ الأهمية نظراً لتضاؤل ​​اليقين بشأن التزامات الأمن الأمريكية طويلة الأجل في عهد ترامب، حيث رسّخت هذه الخطوات مكانة بريطانيا كمساهم فاعل في التخطيط الأمني ​​الأوروبي بعد سنوات من التراخي في مجال الدفاع عقب خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، حيث لم يكن الضعف الأساسي يوماً في النوايا، بل في القدرات.

سعت بريطانيا إلى الحفاظ على مكانتها العسكرية كقوة كبرى بميزانية أقرب إلى ما تنفقه دولة متوسطة الحجم، إذ بلغ الإنفاق الدفاعي 2.3% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2024، وكان ستارمر قد تعهّد برفع هذه النسبة إلى 2.5% بحلول عام 2027، مع طموح للوصول إلى 3% في البرلمان المقبل، تمهيداً لتحقيق هدف حلف الناتو البالغ 3.5% بحلول عام 2035.

اعتمد هذا المسار على خطة الاستثمار الدفاعي، وهي الوثيقة التي كان يُفترض أن تترجم تلك التعهدات إلى ميزانية فعلية وجدول واضح للمشتريات والتجهيزات، حيث استقال وزير الدفاع جون هيلي في 11 يونيو 2026، بعد أن قدّمت وزارة الخزانة تسويةً رأى أنها لا تلبي الحد الأدنى من احتياجات القوات المسلحة.

وحذّر من أن هذا العجز قد يجعل البلاد أقل أماناً، كما استقال وزير القوات المسلحة إل كارنس بعد ساعات قليلة للأسباب ذاتها، حيث يُعد هذا الخلاف مثالاً ملموساً على فجوة التباين بين الطموح والقدرة؛ إذ يعلن رئيس الوزراء التزامات متصاعدة في الخارج، بينما تعارض وزارة الخزانة في الداخل تمويل هذه الالتزامات.

يرث برنهام خطة الاستثمار الدفاعي غير المحسومة، وكذلك الخيار نفسه الذي دفع هيلي إلى الاستقالة: إما رفع الإنفاق رغم تعارضه مع أولويات داخلية متنافسة، أو تقليص الطموحات الأمنية لبريطانيا بشكل غير معلن، ويحمل هذا الخيار تبعات مباشرة على مصداقية مساهمة بريطانيا في ردع روسيا، لا سيما مع استمرار الضربات الأوكرانية داخل العمق الروسي، بما يشير إلى أن مسار الحرب لا يزال بعيداً عن أي تسوية نهائية.

 التحوّل نحو اليسار  

يبدو أن طريق آندي برنهام إلى رئاسة الحكومة أقرب إلى تتويج منه إلى منافسة حقيقية، حيث أعلن ويس ستريتينغ، المرشح المحتمل الوحيد حتى الآن، أنه سيدخل السباق إذا جرى التصويت، إلا أن عتبة الترشيحات البالغة 20% داخل حزب العمال، إلى جانب التقدم الكبير الذي يتمتع به برنهام، تجعل من الصعب تصور منافسة جدّية.

السؤال الأهم لا يتعلق بآليات الخلافة بقدر ما يتعلق بالاتجاه الذي يمثّله برنهام داخل حزبه، فخلال فترة توليه منصب عمدة منطقة مانشستر الكبرى، بنى سجلاً بصفته منتقداً صريحاً للصرامة المالية التقليدية، ودفع باتجاه منح سلطات إنفاق أوسع للمستوى المحلي، كما تحدّى القيود التي تفرضها وزارة الخزانة على الاستثمار الإقليمي.

يشير صعوده إلى تحول نحو اليسار المعتدل في حزب العمال، بعيداً عن سياسة الإنفاق المنضبط التي اتبعها ستارمر ووزيرة المالية راشيل ريفز للحفاظ على ثقة السوق، حيث تعهد بورنهام حتى الآن بالاستمرار في تطبيق القواعد المالية الحالية، لكن قاعدته الشعبية تتوقع استثمارات عامة أكبر مما قدمه سلفه.

اليوم، ينعكس هذا التوتر مباشرةً على التزاماتٍ تعاني أصلاً من ضغوط في مجالات أخرى من السياسات البريطانية، إذ يتنافس الإنفاق المحلي المتزايد مع الحيّز المالي نفسه الذي تحتاجه ميزانيات الدفاع والالتزامات الأمنية الأوروبية، ما يفاقم المفاضلات التي تواجهها السياسة العسكرية البريطانية أصلاً.

يمثّل التحوّل الاقتصادي نحو اليسار أيضاً مخاطرة سياسية على أكثر أجنحة حزب العمال عرضةً للضغط، حيث بنى حزب الإصلاح البريطاني جزءاً من جاذبيته على الشعور بعدم الاستقرار الاقتصادي أكثر من اعتماده على الأيديولوجيا، ما يعني أن أي حكومة عمالية أكثر ميلاً لليسار قد تزيد من حدة هذا الانقسام بدلاً من تخفيفه، وبالتالي، قد لا يرث برنهام سياسة خارجية غير محسومة فحسب، بل أيضاً أجندة إنفاق داخلي تتنافس مباشرة مع تلك السياسة على الموارد المالية المحدودة نفسها.

نائب رئيس الوزراء وموظفو مقر رئاسة الوزراء في داونينغ ستريت يشهدون إعلان استقالة ستارمر (أ ف ب)
نائب رئيس الوزراء وموظفو مقر رئاسة الوزراء في داونينغ ستريت يشهدون إعلان استقالة ستارمر (أ ف ب)

انحراف لا خيار استراتيجي

تعاملت الأسواق المالية، حتى الآن، مع الاستقالة نفسها باعتبارها حدثاً غير مؤثر، إلا أن هذا التفاعل الهادئ يعكس أسابيع من الترقب المسبق أكثر مما يعكس ثقةً حقيقية بما سيأتي لاحقاً.

عمل برنهام بشكل متعمّد على إبقاء هذا الوضع على ما هو عليه، من خلال تأكيد التزامه بالقواعد المالية التي وضعتها رايتشل ريفز، والاستعانة برئيس سابق لمكتب مسؤولية الموازنة كمستشار له، ومع ذلك، فإن هذا الهدوء يبدو هشّاً أكثر منه مستقراً.

وبالنظر إلى خطة برنهام الرامية إلى الابتعاد عن الاقتصاد النيوليبرالي وزيادة الإنفاق العام، فإن مخاطر الأسواق المرتبطة بحكومته تبقى حقيقية، حيث ارتفعت عوائد السندات الحكومية البريطانية “الغيلتس” وتراجع الجنيه الإسترليني في الوقت نفسه عقب فوزه في ميكرفيلد تحديداً، وهو اقتران غير مألوف أشار إلى قلق يتعلق بالمصداقية المالية أكثر من كونه مجرد ضجيج سياسي اعتيادي.

يُعدّ هذا الضعف في حد ذاته حكماً على الحوكمة البريطانية؛ إذ يقيم المستثمرون غياب الأخبار الجديدة أكثر مما يعكس ثقة حقيقية بما سيأتي لاحقاً، ويبقى السؤال مطروحاً: هل يستطيع أي زعيم تحويل التفويضات المجزأة في وستمنستر إلى سلطة مستدامة، مع تلبية متطلبات الإنفاق المتزايدة داخل حزب العمال؟.

لم يكن ستارمر سبباً لمأزق بريطانيا بقدر ما كان أحد أعراضه، حيث تلاقت مشكلتان في سقوطه: دولة تفقد قدرتها المؤسسية على الحكم بسبب الصعوبات، وطموح خارجي تجاوز الموارد المتاحة لدعمه.

كما تكمن مشكلة ثالثة في نموذج وستمنستر نفسه، الذي يواجه صعوبة متزايدة في تحويل التفويضات الانتخابية إلى سلطة مستدامة وفاعلة، وهي إشكالية لم تعالجها هذه الاستقالة، ويبدو أن حكومة برنهام غير مرشحة لحلها أيضاً.

لقد تعاملت الحكومات المتعاقبة مع هذه التوترات بصورة تكتيكية بدلاً من مواجهتها جذرياً، ما أنتج إدارة قصيرة الأمد تتسم بالكفاءة النسبية، لكنها تفتقر إلى اتجاه مستدام طويل المدى، إذ يبدو من غير المرجح، في المدى القريب، ظهور أغلبية برلمانية أكثر استقراراً مما شهدته السنوات الأخيرة.

وفي غياب رئيس وزراء، من المرجّح أن يستمر نمط الحكومات البريطانية القصيرة الأمد، مع ازدياد اعتماد السياسة الخارجية على ردود فعل موروثة أكثر من كونها نتاجاً لإعادة تقييم مدروسة ومتجددة، حيث يساهم عهد برنهام في إطالة هذا الانزلاق بدل احتوائه، رغم أن هذا المسار يظل مرهوناً بالأداء الاقتصادي وبقرارات لم تُتخذ بعد.

في المحصلة، يتمثل الاختبار الأعمق الذي يواجه بريطانيا ليس في هوية من يشغل منصب رئيس الوزراء في داونينغ ستريت، بل في ما إذا كانت مؤسساتها لا تزال قادرة على تحويل الطموح، مهما كان مشروعاً، إلى سلطة حكم مستدامة وفاعلة توازي ذلك الطموح.

الاختبار الأعمق الذي يواجه بريطانيا ليس في منصب رئيس الوزراء بل فيما إذا كانت مؤسساتها لا تزال قادرة على تحويل الطموح إلى سلطة حكم مستدامة

توماس فالك - ايجل
توماس فالك

توماس فالك، صحفي ومحلل مقيم في لندن، يركّز على العلاقات عبر الأطلسي، والشؤون الأمريكية، والأمن الأوروبي. وبخبرته الطويلة في التقارير السياسية والتحليل الاستراتيجي، يعتمد على أبحاث معمّقة، ورؤى تاريخية، وتطورات ميدانية لاستكشاف القوى التي تُشكّل المشهد الجيوسياسي الحالي.

اشترك مجاناً في تقارير إيغل إنتيلجنس

رؤى وتقارير حصرية

تمتّع بإمكانية الوصول إلى تحليلات متعمّقة، ومعلومات استخباراتية حصرية، وتقارير خبراء مُصمّمة خصيصاً لتبقى على اطلاع دائم، وفي صدارة المتابعين لأهم التطورات العالمية.

بالاشتراك، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا.

موضوعات أخرى
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير

اشترك مجاناً في تقارير إيغل إنتيلجنس

رؤى وتقارير حصرية

تمتّع بإمكانية الوصول إلى تحليلات متعمّقة، ومعلومات استخباراتية حصرية، وتقارير خبراء مُصمّمة خصيصاً لتبقى على اطلاع دائم، وفي صدارة المتابعين لأهم التطورات العالمية.

بالاشتراك، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا.