انتهجت الصين على مدى العقد الماضي استراتيجية طويلة الأمد لتعزيز نفوذها في أوروبا، وسط ردود فعل من القارة محدودة، حيث توسعت الشركات الصينية خلال تلك الفترة تدريجياً في الاستحواذ على حصص في الموانئ وشبكات السكك الحديدية والبنية اللوجستية في القارة، إذ بدا كل استثمار على حدة مجرد صفقة تجارية اعتيادية، إلا أن الصورة الكاملة كشفت عن مشروع استراتيجي أوسع بُني بالخرسانة والصلب، هدفه ترسيخ النفوذ الصيني في قلب أوروبا، فما اعتبرته الحكومات الأوروبية أصولاً مالية قابلة للبيع، كانت بكين تنظر إليه باعتباره رصيداً استراتيجياً وأداة لتعزيز نفوذها الجيوسياسي.
لكن الصحوة الأوروبية جاءت متأخرة؛ فبحلول مارس 2026، أدرك الاتحاد الأوروبي طبيعة الاستراتيجية الصينية، وردّ عليها بإعادة تصنيف الموانئ وخطوط السكك الحديدية من أصول اقتصادية إلى بنية تحتية استراتيجية تستوجب الحماية، حيث كان المنطق، رغم صعوبته، واضحاً: فسنوات من تشجيع الحكومات الأوروبية للاستثمارات الصينية جعلت التكتل أكثر اعتماداً عليها، كما أصبحت الأصول نفسها التي تنقل البضائع الأوروبية قادرة، في حال استُخدمت كورقة ضغط، على تعطيل تدفقها وخنق سلاسل الإمداد، وهكذا لم تعد مسألة الربط اللوجستي والتجاري قضية اقتصادية فحسب، بل تحولت إلى قضية نفوذ وقوة، إذ لم يعد التحدي أمام بروكسل يتمثل في توسيع شبكات الاتصال، بل في استعادة السيطرة عليها وتقليص مواطن الاعتماد الاستراتيجي.
أدرك الاتحاد الأوروبي طبيعة الاستراتيجية الصينية متأخراً فسنوات من تشجيع حكوماته للاستثمارات الصينية جعلت التكتل أكثر اعتماداً عليها وورقة ضغط
اليوم تكشف الصدمات الخارجية حجم المخاطر بوضوح، حيث أظهرت الحرب الروسية في أوكرانيا كلفة الاعتماد على مورد يُعد خصماً استراتيجياً، بينما بينت الاضطرابات في الشرق الأوسط مدى سرعة انقطاع خطوط الملاحة البحرية الأوروبية.
ويكشف ميناءان هذه القصة بأفضل صورة، حيث استحوذت شركة صينية على ميناء بيرايوس اليوناني، الذي كانت أثينا قد باعته في إطار برنامج الإنقاذ المالي، وحولته إلى بوابة للقارة الأوروبية، ومن هناك، امتد ممر شمالاً عبر صربيا والمجر، رابطاً منطقة البلقان بسوق الاتحاد الأوروبي.
وقبل ذلك بسنوات، شكّل ميناء خليج حيفا نموذجاً أولياً لهذا التوجه؛ إذ تولت شركة صينية تشغيل ميناء يقع بجوار القاعدة البحرية الرئيسية لإسرائيل، ليتحول ما بدا صفقة تجارية إلى مصدر قلق أمني، ويثير مخاوف الولايات المتحدة.
بدأ الاتحاد الأوروبي في اتخاذ خطوات للرد، فالممرات الجديدة والاستراتيجية الدفاعية تهدفان إلى توزيع المخاطر والحد من النفوذ الصيني، غير أن الطموح على الورق لا يوازي القوة على أرض الواقع، حيث تدرك بروكسل حجم التهديد الآن، لكنها لا تزال غير قادرة على مجابهته بالشكل الكافي، وسيتوقف مدى قدرتها على سد هذه الفجوة على ما إذا كانت موانئها ستظل مفتوحة للعالم، أم ستتحول إلى أدوات بيد قوى أخرى.
ممر بيرايوس-بلغراد-بودابست
يُظهر ميناء بيرايوس كيف أصبحت الاستثمارات الصينية في البنية التحتية محوراً رئيسياً في النقاش الأوروبي حول الاتصال الاستراتيجي، في ظل الإدارة الجديدة، حيث أصبح الميناء أحد أبرز مراكز الحاويات في البحر المتوسط، وارتفع حجم المناولة من نحو 880 ألف حاوية نمطية (TEU) في عام 2010 إلى أكثر من خمسة ملايين حاوية بحلول عام 2023.
جلب هذا التطور فوائد اقتصادية واضحة لليونان، إذ حسّن الأداء التجاري للميناء، وعزّز دوره اللوجستي، وزاد من قيمته كبوابة بين آسيا وأوروبا، كما أنه كان انعكاساً لقرار أوروبي، إذ باعت أثينا السيطرة على ميناء بيرايوس خلال أزمة ديونها، عندما فرضت شروط خطة الإنقاذ موجة من الخصخصة، وبالتالي كان ذلك نتيجة خيار أوروبي في ظل ظروف من الضائقة المالية.
ومع ذلك، فإن أهمية بيرايوس لا تكمن فقط في كونه ميناء ناجحاً، بل إن دلالته الأوسع تتمثل في الدور الذي كان من المتوقع أن يؤديه ضمن سلسلة نقل أوسع تمتد شمالاً عبر البلقان إلى وسط أوروبا، وفي هذه السلسلة، أصبح بيرايوس بمثابة الرافعة البحرية لاستراتيجية ترابط، إذ يمكن للبضائع القادمة من آسيا أن تدخل عبر الميناء، ثم تنتقل براً عبر السكك الحديدية نحو السوق الأوروبية.

يتضح هذا الممر الأوسع بشكل أكبر في صربيا والمجر، وخاصة عبر خط السكك الحديدية بين بلغراد وبودابست، حيث يمتد الخط على نحو 350 كيلومتراً، وقد رُوِّج له باعتباره مشروعاً رئيسياً في مبادرة الحزام والطريق، يهدف إلى تسريع حركة البضائع من بيرايوس نحو وسط أوروبا، حيث تقدم القسم الصربي منه بوتيرة أسرع من نظيره المجري، كما فُتح جزء بلغراد-نوفي ساد في عام 2022، وبحلول أواخر عام 2025 كانت القطارات تسير بين بلغراد وسوبوتيتسا بسرعة تصل إلى 200 كيلومتر في الساعة، وفي الواقع، تُعد صربيا المركز الرئيسي للاستثمارات الصينية في غرب البلقان، وبوابة للشركات الصينية الساعية إلى الوصول إلى السوق الأوروبية.
يكتسب هذا الممر أهميته لأنه يربط بيئات سياسية واقتصادية وتنظيمية مختلفة ضمن سلسلة بنية تحتية واحدة، حيث يبدأ من ميناء تديره شركة صينية في دولة عضو في الاتحاد الأوروبي، ويمر عبر صربيا، وهي دولة مرشحة تمنح مستثمريها الأجانب هامشاً أوسع من المرونة، وينتهي في المجر، وهي دولة عضو في الاتحاد الأوروبي لكنها تميل إلى قدر من التعطيل، إذ تخضع في الوقت نفسه لقواعد الاتحاد الأوروبي المتعلقة بالمشتريات العامة والدعم الحكومي، وبهذا المعنى، أصبح محور بيرايوس-بلغراد-بودابست مثالاً واضحاً على الرهانات الاستراتيجية المرتبطة بانتقال مشاريع البنية التحتية المدعومة من الصين عبر بيئات قانونية وسياسية مختلفة داخل أوروبا.
لا ينبغي المبالغة في أهمية الممر من الناحية الاقتصادية البحتة، حيث تشير تقييمات حديثة إلى أن البصمة الاقتصادية للمشاريع الصينية في صربيا والمجر لا تزال محدودة، حيث قدّرت وكالة فيتش، على سبيل المثال، أن الشركات الصينية شكلت نحو 3.1% من القيمة المضافة الإجمالية في صربيا عام 2022، و0.8% فقط في المجر في العام نفسه، وبالتالي، فإن هذا الممر لم يُحدث بعد الأثر الاقتصادي التحويلي الذي كانت توحي به السرديات السياسية السابقة.
ومع ذلك، فإنه يظل ذا أهمية، وتكمن أكثر في المنطق الاستراتيجي الذي يجسّده: بوابة بحرية تديرها شركات صينية ترتبط ببنية تحتية للسكك الحديدية ممولة أو منفذة من الصين، تمتد شمالاً عبر البلقان نحو السوق الأوروبية.
اليوم، لا يتمثل القلق الرئيسي في أن الصين قد تمارس سيطرة حاسمة على أوروبا عبر بيرايوس، ولا في أن هذا الممر وحده قد دفع سياسة الاتحاد الأوروبي نحو التغيير، بل إن هذه الحالة تُجسّد تحدياً أوسع في صميم النقاشات الأوروبية حول الأمن الاقتصادي، إذ يمكن للبنية التحتية الحيوية أن تصبح مندمجة في شبكات أوسع تتشكّل ملكيتها وتمويلها ومنطق تشغيلها من قبل أطراف خارجية، وهذا يمنح الأصول التي تبدو تجارية وزناً استراتيجياً يتجاوز بكثير نطاق التجارة، ويحوّل أسئلة الترابط إلى أسئلة اعتماد، ومع ذلك، لم تُنشئ بكين هذا الانكشاف وحدها؛ فقد ساهمت الحكومات الأوروبية، بحثاً عن رأس المال والنمو، في بناء نقاط الضعف نفسها التي تسعى اليوم إلى إدارتها.
لم تُنشئ بكين هذا الانكشاف وحدها فقد ساهمت الحكومات الأوروبية بحثاً عن رأس المال والنمو في بناء نقاط الضعف نفسها التي تسعى اليوم إلى إدارتها
البنية التحتية اختباراً للتحالفات
يُظهر ممر بيرايوس كيف يمكن دمج الموانئ والسكك الحديدية في شبكات تُشكلها رؤوس الأموال الأجنبية، أما حيفا، فتُظهر شيئاً مختلفاً، فرغم أنها تقع خارج أوروبا، إلا أنها تُعدّ مقارنة مفيدة تُوضح كيف يُمكن للتدخل الأجنبي في ميناء أن يُحوّل مشروعاً تجارياً إلى مسألة أمن وإدارة تحالفات.
في عام 2015، حصلت مجموعة ميناء شنغهاي الدولي (SIPG) على عقد مدته 25 عاماً لتشغيل ميناء خليج حيفا، الذي فُتح في عام 2021، ولكن، وعلى عكس بيرايوس، لم تقتصر أهمية حيفا على التجارة أو الخدمات اللوجستية، إذ يقع الميناء على بُعد نحو 1.8 كيلومتر من منشآت بحرية إسرائيلية رئيسية، وبالقرب من مطار حيفا، لذلك، لم يُنظر إلى مشاركة جهات أجنبية في تشغيل الميناء على أنها مسألة تجارية بحتة.
أعرب مسؤولون أمريكيون عن مخاوف من أن وجود مشغّل صيني في ميناء حيفا قد يؤثر في تبادل المعلومات الاستخباراتية والتعاون الأمني بين الولايات المتحدة وإسرائيل، حيث عكس هذا الجدل مخاوف بسيطة مفادها بأن ميناءً يقع بجوار منشآت عسكرية حساسة، وفي نطاق حليف وثيق للولايات المتحدة، لم يعد من الممكن اعتباره مسألة اقتصادية بحتة.
وفي عام 2025، وافقت الحكومة الإسرائيلية على توسعة تشغيل مجموعة ميناء شنغهاي الدولي لميناء الخليج، ما أعاد النقاش حول التداعيات طويلة المدى للوجود الصيني في موقع شديد الحساسية، ومع ذلك، فإن حجم القلق كان مرتبطاً بقدر كبير بالمواجهة الأوسع بين واشنطن وبكين بقدر ما كان مرتبطاً بأي خرق مثبت، حيث واصلت السفن الحربية الأمريكية التوقف في حيفا بعد تولي مجموعة ميناء شنغهاي الدولي التشغيل، ولم يحدث الانفصال الذي كان متوقعاً.
تكمن أهمية حيفا أقل في العمليات اليومية التي تقوم بها مجموعة ميناء شنغهاي الدولي وأكثر في المعضلة التي كشفت عنها: إلى أي مدى ينبغي لدولة مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالولايات المتحدة أن تسمح بدخول الصين إلى بنية تحتية قريبة من مواقع عسكرية حساسة؟، وبهذا المعنى، أصبح ميناء حيفا مثالاً واضحاً على كيفية طمس البنية التحتية للحدود بين التجارة والأمن وإدارة التحالفات.
بالنسبة للاتحاد الأوروبي، يُعدّ ميناء حيفا حالة مقارنة لا مباشرة، فهو يوضح مشكلة أصبحت في صميم النقاشات الأوروبية حول الموانئ، وفحص الاستثمارات، والبنية التحتية الحيوية: إذ إن الملكية يمكن أن تخلق مخاوف أمنية قد لا يكشفها المنظور التجاري البحت.
الممر بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا
إذا كانت بيرايوس وحيفا تُظهران كيف يمكن للبنية التحتية أن تخلق تبعية، فإن رد أوروبا يُبين مدى صعوبة التخلص من هذه التبعية، وأوضح محاولة في هذا الصدد هي الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا (IMEC)، وهو مشروع مدعوم غربياً لتنويع مسارات النقل وبناء شبكة ترابط لا تمر عبر الصين.
أُعلن عن الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا في قمة مجموعة العشرين عام 2023 في نيودلهي، ويهدف إلى ربط الهند بأوروبا عبر الخليج من خلال السكك الحديدية والبحر وخطوط الطاقة وكابلات البيانات، حيث وصفه رعاته، بقيادة الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، بأنه حل قائم على القواعد لمبادرة الحزام والطريق، حيث يقوم منطق الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا على التنويع؛ فبدلاً من أن تمر تدفقات النقل عبر بوابة واحدة، يتم توزيعها على روابط عدة، بحيث لا يستطيع أي ممر أو مورد واحد احتكار بقية الممرات.
يعكس هذا الممر أيضاً تحولاً جيوسياسياً أوسع، حيث تسعى الهند إلى علاقات أعمق مع الأسواق الأوروبية، وتعمل دول الخليج على ترسيخ موقعها كمراكز لوجستية وطاقة، ويرى الاتحاد الأوروبي في تنويع المسارات وسيلة لتقليل انكشافه في بيئة أكثر خطورة، وتكمن أهمية ممر IMEC أقل في كونه بديلاً مكتملاً للبنية التحتية المدعومة من الصين، وأكثر في كونه مؤشراً على تحول في التفكير الاستراتيجي؛ إذ باتت شبكات الترابط تُصمَّم الآن مع مراعاة المرونة وتقليل المخاطر.
يبقى ما إذا كان ممر IMEC قادراً على تحقيق أهدافه مسألة أخرى، حيث تعثّر الممر بعد أسابيع قليلة من إطلاقه، عندما أدت حرب أكتوبر 2023 في غزة إلى تجميد مسار التطبيع بين السعودية وإسرائيل الذي كان يعتمد عليه، وبعد ثلاث سنوات، لا تزال المكونات الرئيسية لخطوط السكك الحديدية عبر السعودية والأردن وإسرائيل موجودة إلى حد كبير على الورق، ولم تتفق أي حكومة على آلية تمويل أو جدول زمني، ثم جاءت حرب عام 2026 بين إسرائيل والولايات المتحدة وإيران لتغلق مضيق هرمز، ما عطّل المسارات نفسها التي كان من المفترض أن يجعلها الممر أكثر مرونة.
لذلك يُفهم ممر IMEC على أفضل وجه باعتباره جزءاً من بحث أوسع عن بدائل، لا حلاً مكتملاً، وينطبق المنطق نفسه على مبادرة البوابة العالمية التابعة للاتحاد الأوروبي، فهي تهدف إلى تعبئة ما يصل إلى 300 مليار يورو بين عامي 2021 و2027 لمشاريع البنية التحتية والطاقة والنقل والمشاريع الرقمية حول العالم، وتتميز “البوابة العالمية” بأنها أوسع نطاقاً، لكن كلا المبادرتين تعكسان الدفع نفسه: تنويع المسارات وتقليل التعرض للصدمات الخارجية.
يُفهم الممر بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا باعتباره جزءاً من بحث أوسع عن بدائل لا حلاً مكتملاً وكذلك مبادرة البوابة العالمية الأوروبية فكلاهما يعكسان الزخم ذاته: تنويع المسارات وتقليل التعرض للصدمات الخارجية
هشاشة الاتصال
لا تقضي الممرات البديلة على الهشاشة إذا ظلت المناطق التي تعبرها غير مستقرة، حيث أوضحت الحرب في أوكرانيا وحرب 2026 مع إيران ذلك جلياً، إذ أدى الغزو الروسي إلى تعطيل إمدادات الطاقة وصادرات الحبوب وطرق التجارة، كاشفاً عن مخاطر الاعتماد على مورد معادٍ، ثم أدت الحرب مع إيران إلى إغلاق مضيق هرمز لأشهر، ما أدى إلى اختناق تدفقات النفط والغاز ودفع بعض المشترين الأوروبيين إلى العودة نحو الغاز الروسي.
مجتمعة، عززت هذه الأزمات درساً أوسع: لا يمكن الحكم على الترابط من خلال الكفاءة أو التكلفة وحدهما، فالموانئ والممرات لا تكون آمنة إلا بقدر ما تكون البيئات السياسية التي تعمل فيها مستقرة، حيث لم تخلق هذه الأزمات النقاش الأوروبي حول البنية التحتية، لكنها جعلت رهاناته أكثر وضوحاً وصعوبة في تجاهلها، كما أظهرت أن السؤال لا يقتصر على من يملك البنية التحتية الحيوية، بل يمتد إلى ما إذا كانت المسارات والشبكات التي تعتمد عليها أوروبا قادرة على الاستمرار في العمل أثناء الاضطرابات الجيوسياسية.
عززت هذه الأزمات درساً أوسع: لا يمكن الحكم على الترابط من خلال الكفاءة أو التكلفة وحدهما فالموانئ والممرات لا تكون آمنة إلا بقدر ما تكون البيئات السياسية التي تعمل فيها مستقرة
ومع تزايد صعوبة تجاهل هذه المخاطر، أصبحت ضرورة التعامل مع البنية التحتية بوصفها مسألة استراتيجية أكثر إلحاحاً، وهذه هي الخلفية التي يقوم عليها النهج الجديد للاتحاد الأوروبي تجاه الموانئ والترابط.

نهاية حياد البنية التحتية
يتجلى هذا التحول الأوسع الآن في سياسة الاتحاد الأوروبي، فخلال العقد الماضي، أصبحت القضايا التي كانت تُعامل سابقاً بوصفها مسائل تقنية، مثل تدفقات التجارة والاستثمار والكفاءة، مرتبطة بمفاهيم المرونة والأمن الاقتصادي وحماية البنية التحتية الحيوية.
أضفت استراتيجية موانئ الاتحاد الأوروبي لعام 2026 طابعاً رسمياً على هذا التغيير، إذ وضعت التنافسية والأمن والمرونة والاستدامة في صميم إدارة الموانئ، ولأول مرة، تدعو الاستراتيجية الدول الأعضاء إلى التدقيق في الملكية والسيطرة الأجنبية على الموانئ التي تُعتبر بنية تحتية استراتيجية ذات استخدام مزدوج، وتُحكم هذه الخطوة قبضتها على باب كانت الحكومات الأوروبية نفسها قد فتحته، فحتى ألمانيا، بعد تصنيفها محطة هامبورغ كبنية تحتية حيوية، سمحت في عام 2023 بحصة مملوكة للدولة الصينية فيها.
ما الذي تغيّر ليس اللغة السياسية فقط، بل أيضاً التصور المفاهيمي للبنية التحتية نفسها، فالموانئ لم تعد تُنظر إليها بوصفها بوابات تجارية فحسب؛ بل أصبحت تُرى الآن كأصول أساسية ضمن سلاسل الإمداد، وأمن الطاقة، والقدرة التنافسية الصناعية، والموقف الجيوسياسي الأوسع لأوروبا، حيث تحول التركيز من مسائل الكفاءة إلى مسائل السيطرة، والمرونة في أوقات الأزمات، وقدرة الشبكات الحيوية على الصمود أمام الصدمات الجيوسياسية.
من الوعي إلى القدرة
أصبحت البنية التحتية ساحة للتنافس الجيوسياسي بحد ذاتها، فالمرفأ أو خط السكة الحديدية لا يهمّ ما يربطه بقدر ما يهمّ من يسيطر على المال والملكية والأمن الكامن وراءه، وبالنسبة للاتحاد الأوروبي، كان الوعي أسهل من القدرة.
القوة في هذا السياق ليست استعراضية، إنها تمويل يصل في موعده، ومواعيد نهائية تُحترم، وعواصم تتحرك في اتجاه واحد، إنها القدرة على تحويل مبادرات مثل IMEC و”البوابة العالمية” من بيانات سياسية إلى سكك حديدية وكابلات وهياكل فولاذية، ولا شيء من ذلك يأتي بسهولة لاتحاد يضم 27 دولة، والسؤال هو ما إذا كانت أوروبا قادرة على إدارة الشبكات التي أصبحت رخاءها يعتمد عليها، أم أنها ستترك هذه السلطة لآخرين.
تمتد الرهانات إلى ما هو أبعد بكثير من موانئ أوروبا، إذ انتقلت منافسة القوى الكبرى من ساحات القتال إلى البنية التحتية الاقتصاد العالمي، وفي هذه الهندسة الجديدة للقوة، باتت خريطة الاعتماد تتشكل لتتحول إلى خريطة سيطرة، حيث يجري إعادة رسم التوازن العالمي للقوى عبر الخرسانة والألياف، لا عبر الأسلحة والقواعد العسكرية فحسب، بل إن صراع أوروبا لإدارة بواباتها الخاصة ليس سوى فصل من هذه القصة.
انتقلت منافسة القوى الكبرى من ساحات القتال إلى البنية التحتية للاقتصاد العالمي وفي هذه الهندسة الجديدة للقوة باتت خريطة الاعتماد تتشكل لتتحول إلى سيطرة



