بالنظر إلى الماضي، يبدو أن القمة التي جمعت ترامب وشي جين بينغ في بكين تتجلى بشكل متزايد باعتبارها فرصة ضائعة بالنسبة للولايات المتحدة. وليس السبب في ذلك قلة الإنجازات الملموسة أو المخرجات العملية التي أسفرت عنها، إذ إن التاريخ الدولي يشير إلى أن العديد من القمم السابقة التي لم تُنتج اتفاقات مادية كبيرة قد أدت في نهاية المطاف إلى تحولات مفيدة للطرفين في علاقات القوى الكبرى، بل وفي السياسة الدولية على نحو أوسع.
ولعل ما يجعلها فرصة مهدورة هو أنها لم تتحدَّ القناعة الراسخة لدى القيادة الصينية بأنها في صعود بينما الولايات المتحدة في تراجع. لذا فإن هذا التصور العالمي، كيفما فُسِّر، يمثل وصفةً للصراع حتى وإن جرت محاولات لإبقائه ضمن حدود يمكن التحكم بها. فلم تتضمن القمة ما يعارض هذه الرواية الصينية، بل إن كثيراً مما جرى خلالها ربما عززها.
وبالفعل، أشار العديد من المحللين إلى أن القمة كانت غنية بالاستعراضات، لكنها تفتقر إلى الإنجازات الجوهرية. وعلاوة على ذلك، وبعد القمة مباشرة، أنزلت الصين عناصر من خفر السواحل وفرقاً بحثية على جزيرة سَندي كاي، وهي إحدى جزر سبراتلي المتنازع عليها بين الفلبين وفيتنام والصين وتايوان. وبما أن الأفعال أبلغ من الأقوال، فإن هذا التحرك يضع علامات استفهام حول أجواء الودّ التي سادت القمة.
ما يجعل قمة بكين فرصة مهدورة للولايات المتحدة هو أنها لم تتحدَّ القناعة الراسخة لدى القيادة الصينية بأن الصين في صعود بينما الولايات المتحدة في تراجع
تايوان والأمن الآسيوي الاستراتيجي
من الواضح أن الرئيس شي وترامب اتفقا على صيغة جديدة اقترحها الأول للعلاقات مع الولايات المتحدة، وتعني باللغة الصينية “الاستقرار الاستراتيجي البنّاء”. وهي من الصيغ الدبلوماسية الغامضة التي يبتكرها الدبلوماسيون ورجال الدولة لإتاحة المجال أمام جميع الأطراف لتفسير القضايا أو العلاقات المعقدة وفق رؤيتهم، بينما يظل معناها الجوهري غير واضح. وبالنسبة للصين، يبدو أن المقصود بهذه الصيغة هو عدم تكرار “صدمات ترامب” في المستقبل المنظور، إذ إن خطوات مثل الهجوم على إيران أو الإعلان عن رسوم جمركية جديدة تُربك العلاقات الثنائية، بل وربما النظام العالمي ككل.
وباختصار، تمثل هذه الصيغة بالنسبة للصين محاولة، وإن كانت مموّهة، لتقييد السلوك الأمريكي في ظل عدم قابلية ترامب للتنبؤ. وقد حدّد شي هذا المفهوم في أربع طبقات: ينبغي أن يظل الاستقرار، المُعرّف أساساً من خلال التعاون، هو التيار الرئيسي، بينما ينبغي إبقاء المنافسة ضمن حدود يمكن التحكم بها، وإدارة الخلافات، والحفاظ على السلام كاحتمال واقعي. ورغم أنه صرّح أيضاً بأن البلدين ينبغي أن يكونا شريكين لا خصمين، فإن الاتجاه العام لسياسات شي وللنظام نفسه لا يزال يتعارض مع المصالح الأمريكية وحلفائها. كما أن التحركات الصينية الجديدة في سَندي كاي تؤكد هذا الطرح.

رغم أن الإشارة إلى مثل هذا السلوك لا تُعدّ بالضرورة حجة على وجود علاقة متوترة، فإن اللجوء إلى صيغ غامضة لا تُلزم أي طرف بتعهدات ملموسة، في وقت تواصل فيه الصين تهديد حلفاء الولايات المتحدة، لا يبشّر بنتائج إيجابية لهذا “الاستقرار الاستراتيجي”. فبكين تريد بوضوح أن تمتنع الولايات المتحدة عن المواجهة، إلا أن الصدام الاستراتيجي يظل جزءاً أصيلاً من طبيعة الإمبراطوريات السلطوية ذات الطابع اللينيني أو ما بعد اللينيني مثل الصين. وبالتالي، من غير المرجح أن تتخلى بكين فجأة عن سياساتها التنافسية، إن لم تكن التصادمية.
بكين تريد بوضوح أن تمتنع الولايات المتحدة عن المواجهة إلا أن الصدام الاستراتيجي يظل جزءاً أصيلاً من طبيعة الإمبراطوريات السلطوية ذات الطابع اللينيني مثل الصين
بالنسبة للولايات المتحدة، فإن هذا المفهوم للاستقرار يعني على ما يبدو عدم حدوث اضطرابات صينية كبرى في العلاقة، سواء في مجال التجارة أو المنافسة التكنولوجية، وبالتأكيد عدم شن أي هجوم مباشر على تايوان في المستقبل المنظور. ومع ذلك، فقد علّقت واشنطن مؤخراً صفقة أسلحة بقيمة 14 مليار دولار لتايوان، بحجة العملية في إيران.
لكن، وكما يظهر التحرك في سَندي كاي، فإن هذه الصيغة تمنح الصين هامشاً واسعاً لممارسة تكتيكات “المنطقة الرمادية”. إذ تسمح باستمرار الضغط المتواصل على الدول الآسيوية، من كوريا الجنوبية إلى الهند، ولا تعالج التوسع العسكري الشامل للصين الذي يهدف إلى التفوق على القوة العسكرية الأمريكية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ. وربما الأكثر إثارة للقلق، من وجهة النظر الصينية، أنه من الصعب رؤية كيف يمكن لهذا الإطار أن يقيّد ترامب نفسه، الذي يردد باستمرار: “يمكنني أن أفعل ما أريد”.
وعلى الرغم من الصيغة التي طرحها بنفسه، بدا أن شي يشعر بقدر كافٍ من الثقة دفعه إلى توجيه تحذيرات لكل من الولايات المتحدة وتايوان خلال اجتماعاته الخاصة مع ترامب، وهو أمر كان سيُعدّ في الظروف العادية غير لائق دبلوماسياً. ومن الواضح أن الصين تنظر إلى تايوان باعتبارها القضية المحورية في العلاقات الثنائية.
ويبدو أن المجازفة التي أقدم عليها شي قد أثمرت، إذ علّق ترامب صفقة أسلحة لتايوان بقيمة 14 مليار دولار، مبرراً ذلك بمتطلبات العملية المرتبطة بإيران. وعلاوة على ذلك، بات ترامب يصف مبيعات الأسلحة لتايوان بأنها ورقة تفاوضية. ومع استعداد شي لزيارة واشنطن في 24 سبتمبر، فمن المرجح أن يستمر تعليق الصفقة على الأقل حتى انعقاد تلك القمة في واشنطن. وفضلاً عن ذلك، فإن مناقشة ترامب لمبيعات الأسلحة مع الصين شكّلت خرقاً لتفاهم عام 1982 المعروف باسم “الضمانات الست”، والذي نصّ على أن الولايات المتحدة لن تناقش مبيعات الأسلحة إلى تايوان مع الصين. ومجرد حدوث هذا النقاش لا يمكن إلا أن يعزز قناعة بكين بأن مواصلة الضغط ستؤدي إلى مزيد من التآكل في الدعم الأمريكي لتايوان. وفي الواقع، لم يأتِ البيان الأمريكي الرسمي على ذكر تايوان إطلاقاً.
لذلك، ربما اعتبر شي أن رد ترامب المتردد يبرر تحذيراته. فبعد القمة، قال ترامب بصراحة في مقابلة إنه غير مستعد لخوض حرب على بعد 9500 ميل، وإنه يعارض إعلان تايوان الاستقلال. أما تصريح وزير الخارجية ماركو روبيو بأن أياً من الطرفين لم يغيّر سياساته تجاه تايوان، فقد يعكس رؤية واشنطن، لكنه على الأرجح لن يقنع بكين بالتراجع عن تحذيراتها تجاه تايوان، لأن الصين ترى أن هذا الضغط المتواصل يحقق نتائج فعالة. كما أن مواقف ترامب الملتبسة بشأن تايوان لن تطمئن حلفاء الولايات المتحدة القلقين في المنطقة.
وبالمثل، عندما قال شي لترامب إن الولايات المتحدة في حالة تراجع، لم ينفِ ترامب ذلك بشكل قاطع كعادته، بل ألقى باللوم على سلفه، مدعياً أن أمريكا استعادت عافيتها في عهده. ومن غير المرجح أن تقنع مثل هذه الردود بكين بأن سرديتها حول تراجع الولايات المتحدة لا أساس لها، بل على العكس تماماً. وانسجاماً مع المقولة القديمة لماو تسي تونغ بأن “رياح الشرق في صعود”، فمن المرجح، إلى جانب استمرار التحركات العدائية ضمن “المنطقة الرمادية” في بحر الصين الجنوبي، أن تمارس الصين مزيداً من الضغوط على تايوان وعلى حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة.
جدول أعمال القمة والاقتصاد
تتضح معالم الفرصة الضائعة بوضوح من خلال جدول أعمال القمة، ولا سيما من خلال القضايا التي لم تُطرح فيه. فجدول أعمال قمة بهذا المستوى كان ينبغي أن يتناول التوسع الهائل للصين في ترسانتيها النووية والتقليدية، وضمان الاستخدام الآمن للذكاء الاصطناعي للطرفين، ودعم الصين للحرب الروسية في أوكرانيا، والبرامج النووية لكل من كوريا الشمالية وإيران، فضلاً عن التهديدات الصينية المتصاعدة ضد اليابان وتايوان والفلبين والهند ودول جنوب شرق آسيا.
كما كان بإمكان وفد ترامب التطرق إلى قضايا سرقة الملكية الفكرية والتكنولوجيا الأمريكية على نطاق واسع، وتهريب مادة الفنتانيل إلى الولايات المتحدة، وانتهاكات حقوق الإنسان في الصين، والأهم من ذلك، الطيف الواسع من القضايا المرتبطة بالنزعة التجارية الصينية وسياساتها التجارية غير العادلة المستمرة. لكن، وبحسب البيانات والتعليقات التي صدرت لاحقاً، يبدو أن معظم هذه القضايا لم يُطرح أساساً. وبينما شهدت القمة نقاشاً موسعاً حول مبيعات الأسلحة إلى تايوان، باعتبارها القضية الأهم بالنسبة للصين، فإن الملفات الملحة الأخرى لم تُذكر على ما يبدو.
ويبرز الدور القيادي لوزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت في تنظيم القمة مدى أولوية الملفات الاقتصادية بالنسبة للولايات المتحدة، خصوصاً ما يتعلق بالرسوم الجمركية، وفتح الأسواق، وقضايا مبيعات التكنولوجيا. كما أفادت تقارير واسعة بأن ترامب سعى للحصول على مساعدة الصين في فتح مضيق هرمز، والامتناع عن تزويد إيران بالأسلحة ومكوناتها. وبذلك، جاء جدول الأعمال هذا معاكساً لتركيز الصين على قضية تايوان. ومع ذلك، ادعى ترامب أن قضية الرسوم الجمركية المثيرة للخلاف لم تُطرح مطلقاً خلال القمة.
يبرز الدور القيادي لوزير الخزانة سكوت بيسنت في تنظيم القمة مدى أولوية الملف الاقتصادي بالنسبة لأمريكا ولا سيما ما يتعلق بالرسوم الجمركية والأسواق وقضايا بيع التكنولوجيا
تتجلى دلالتان محتملتان من هذا الإغفال. أولاً، وخصوصاً في ضوء النقاش الموسّع بشأن تايوان، يبدو أن المحادثات الرئاسية ركزت أساساً على أجندة الصين. وإذا كان ترامب قد تفاوض انطلاقاً من أجندة شي بدلاً من أجندته الخاصة، فإن ذلك وحده يمثل مكسباً لشي، وهو ما سيفسره هو وفريقه بلا شك باعتباره تأكيداً على أن الصين في صعود بينما الولايات المتحدة في تراجع. وفي الواقع، لديهم بعض المبررات للتفكير بهذه الطريقة.
ويعكس ذلك ضعف آلية صنع القرار في إدارة ترامب، التي تعرضت لاستنزاف بسبب التخفيضات الحادة في أعداد الموظفين الرئيسيين، إذ أفادت تقارير بأنه حتى قبيل مغادرة ترامب إلى بكين، كان أعضاء في الإدارة يحاولون إدراج بنود جديدة على جدول أعمال المحادثات. وإذا صحّ ذلك، فإنه يشير إلى حالة من العجز عن التعامل مع القضايا الاستراتيجية بالشكل المناسب، بما يعزز التصورات الصينية بشأن تغيّر موازين القوى.
أما الدلالة الثانية الناجمة عن إغفال قضية الرسوم الجمركية، فقد تكون أن الطرفين يفضلان الإبقاء على الوضع القائم. ففي حين تمتلك الولايات المتحدة اليد العليا فيما يتعلق بالمنظومة الواسعة للرقائق الإلكترونية وأشباه الموصلات المتقدمة، تتمتع الصين بموقع أقوى في ما يخص المعادن الأرضية النادرة الضرورية للتقنيات المدنية والعسكرية المتقدمة. فعندما استهدفت واشنطن الصين عبر فرض قيود على الصادرات ورسوم جمركية في 2025، ردّت بكين بفرض قيود صارمة على تصدير المعادن الأرضية النادرة، ما دفع واشنطن إلى التراجع. وقد عززت هذه الواقعة بوضوح ثقة الصين بقدرتها على مقاومة الضغوط الأمريكية دون تبعات تُذكر.
ولا تزال الهدنة المتأرجحة بشأن الرسوم الجمركية قائمة حتى الآن، لكنها تبدو في وضع بالغ الهشاشة. ففي الواقع، وقبيل القمة مباشرة، أعلنت الصين قيوداً جديدة على الصادرات تهدف إلى الحد من وصول الأطراف الأجنبية إليها. ويُعدّ عدم مناقشة هذه القضايا، على ما يبدو، مؤشراً إضافياً على فشل هذه القمة في معالجة الملفات الأساسية بين واشنطن وبكين.
وبالطبع، جرى التوصل إلى بعض الاتفاقات التجارية الثنائية المحدودة لصالح المزارعين الأمريكيين وشركات الطيران. فقد وافقت الصين على شراء منتجات زراعية سنوية بقيمة لا تقل عن 17 مليار دولار حتى عام 2028، وعلى إنشاء مجالس للتجارة والاستثمار، وهو ما يمثل مكاسب أمريكية خرجت بها القمة. كما وافقت الصين على شراء 200 طائرة بوينغ مبدئياً، وهو رقم أقل من الطلبية المتوقعة البالغة 500 طائرة، لكنه قد يرتفع مستقبلاً إلى 750 طائرة. غير أن التفاصيل الرئيسية لاتفاق بوينغ مع الصين لا تزال بحاجة إلى التفاوض، وهو ما يعكس أسلوب ترامب التفاوضي المعتاد.
وفي إشارة إلى عدم ارتياح الأسواق لهذا الاتفاق، تراجعت أسهم بوينغ، وهو ما لا يُعد مؤشراً إيجابياً. وبينما رأت بعض التقارير أن الاتفاق قد يشير إلى استقرار نسبي في العلاقات الثنائية ضمن هذا القطاع، فإن ذلك لا يزال غير محسوم. وعلاوة على ذلك، فإن هذه الاتفاقات قصيرة الأمد ولا تعالج الاختلالات الهيكلية الأساسية التي تعيق العلاقات التجارية الثنائية. كما أن الاتفاق الزراعي لا يعوض المزارعين الأمريكيين عن الارتفاع الكبير في تكاليف الوقود والأسمدة الناتج عن الصراع مع إيران.
وبالتأكيد، كانت هناك اتفاقات اقتصادية أخرى. فشركات الخدمات المالية الأمريكية ستحصل على إمكانية الوصول إلى أسواق التجزئة والمؤسسات المالية في الصين، وهو انفتاح يوفر فرصاً حقيقية لتحقيق الإيرادات. وفي الوقت نفسه، تحصل شركات الطاقة النظيفة الصينية على مسارات أوضح لدخول السوق الأمريكية، ما يخفف إحدى العقبات الرئيسية أمام الطموحات الصناعية الصينية.
ومع ذلك، تبقى هذه الإنجازات محدودة مقارنة بأهمية القمة وحجم التوقعات المرتبطة بها. فرغم إعلان شي أن الصين ستفتح اقتصادها بشكل أكبر أمام التجارة الخارجية، لم تسفر القمة مجدداً عن أي اتفاقات رسمية في هذا الشأن، كما أن القيود الجديدة التي فرضتها الصين على الصادرات لا تعكس توجهاً نحو انفتاح اقتصادي على التجارة والاستثمار الأجنبيين.
لم تسفر القمة عن أي اتفاقات في التجارة الخارجية كما أن القيود الجديدة التي فرضتها الصين على الصادرات لا تعكس توجهاً نحو انفتاح اقتصادي على التجارة والاستثمار الأجنبيين
وعلى الرغم من تصريحات شي، فمن غير المرجح وجود مجال واسع لإبرام اتفاقات اقتصادية ثنائية كبيرة مستقبلاً. فجوهر السياسات الاقتصادية والصناعية الصينية في عهد شي يقوم على تعزيز سيطرة الدولة على مختلف العمليات الاقتصادية، وهو مسار تجسده القيود الجديدة التي تتعارض بشكل مباشر مع التجارة الأكثر حرية والأقل تقييداً التي تسعى إليها واشنطن.
إيران
كانت الحرب في إيران القضية الأبرز التي خيّمت على أجواء القمة، حتى وإن لم تُطرح بصورة مباشرة، وعكست المباحثات الثنائية بشأنها النهج العام الذي ساد المحادثات. ففي حين كرر شي معارضة الصين لإغلاق مضيق هرمز، فإنه لم يقدم أي التزام واضح بالضغط على إيران لإعادة فتحه. كما ظل غير واضح ما إذا كان قد تعهد بوقف تزويدها بالأسلحة أو التقنيات الحيوية، رغم تأكيد ترامب أن ذلك قد جرى.
وبحسب بيان البيت الأبيض، أكد شي معارضته لعسكرة مضيق هرمز أو فرض رسوم عبور فيه. غير أن البيان الصيني أغفل أي إشارة إلى إيران أو المضيق. وبينما يرى بعضهم أن هذا الإغفال يعكس موافقة ضمنية على الرواية الأمريكية، فإنه قد يمثل أيضاً سوء فهم نموذجي من ترامب لمحادثاته. وكقاعدة عامة، لا ينبغي تفسير الصمت الصيني على أنه موافقة.

وفضلاً عن ذلك، لن تتخلى إيران عن علاقاتها مع الصين، بل إن بكين تمثل بالنسبة لطهران العلاقة الأكثر أهمية. وتحاول إيران حالياً الاستفادة اقتصادياً من سيطرتها على المضيق عبر تحويله إلى ما يشبه نقطة جباية بحرية، مع تقديم استثناءات خاصة لشركاء مثل الصين. كما تعرض طهران على السفن العابرة للمضيق والمياه المحيطة به، بما في ذلك الخليج العربي وخليج عُمان، خدمات تأمين تُسدد مدفوعاتها بالعملات المشفرة.
كما أعلن شي أنه سيحاول إنهاء الأعمال العدائية، رغم أن الصين تستفيد على الأرجح من عجز ترامب عن تحقيق انتصار استراتيجي حقيقي. وفي الوقت نفسه، تواصل الصين تزويد إيران بالمعلومات الاستخباراتية والتنسيق، بما يمكّنها من مواصلة عملياتها القتالية. وإضافة إلى ذلك، تستفيد بكين من اضطرار واشنطن إلى نقل منصات الدفاع الصاروخي التي تعارضها الصين بشدة من آسيا إلى الشرق الأوسط بسبب هذه الحرب. ويُعد ذلك تطوراً مرحباً به للغاية بالنسبة لشي، ويوفر للصين أسباباً كافية لعدم ممارسة ضغوط كبيرة على إيران لتوقيع اتفاق سلام.
وأخيراً، فإن غياب أي إشارة إلى ملف حقوق الإنسان في البيانات أو التقارير الصادرة عن القمة يمثل انتصاراً للصين، ومؤشراً إضافياً على أن هذه القضية لا تحظى بأولوية لدى إدارة ترامب. ولا يمكن لهذا الصمت حيال حقوق الإنسان إلا أن يساهم في تقويض مكانة الولايات المتحدة عالمياً، لأنه يوحي بالتخلي عن القيم الأمريكية الأساسية، إن لم يكن خيانتها، وهو ما يشكل سبباً إضافياً لقلق شركاء واشنطن.
إن الصمت بشأن حقوق الإنسان لا يمكن إلا أن يزيد من تقويض مكانة أمريكا في العالم لأنه يوحي بالتخلي عن القيم الأمريكية الأساسية إن لم يكن خيانتها ما يشكل سبباً إضافياً لقلق شركاء واشنطن
التقييم العام
في ضوء نتائج القمة، يبدو أن ترامب قد تفاوض في واقع الأمر انطلاقاً من أجندة شي، لا من أجندته الخاصة. والأسوأ من ذلك أنه بدا وكأنه تجاوز المصالح الأمريكية، مدعياً أن أهم نتائج القمة كانت تعميق العلاقة الشخصية بينه وبين شي، وهو ما يعكس مرة أخرى تغليب اعتبارات الأنا لدى ترامب على المصالح الأمريكية.
وفي المقابل، أعاد شي في كلمته خلال مأدبة العشاء التأكيد على العبارة التي سبق أن استخدمها مع فلاديمير بوتين عند إعلان “الشراكة بلا حدود” في عام 2022، حين قال إن تغييرات كبرى لم يشهد العالم مثيلاً لها منذ قرن باتت تحدث. وهذه ليست صياغة قائد صيني يرى أن الولايات المتحدة ليست في طور تراجع لا رجعة فيه. كما أن التحذيرات المتزامنة تجاه تايوان والولايات المتحدة لا تشير إلى أن شي يمنح الدبلوماسية الشخصية أولوية على حساب مصالح الدولة. كذلك لم تقدم الصين أي التزامات ملزمة ضمن أجندة ترامب المحدودة، ولم تُعالج قضايا أخرى تؤرق العلاقات الثنائية.
وبناءً عليه، فإن التقديرات التي ترى أن القمة تعكس وصول الصين إلى مستوى من التكافؤ أو المساواة مع الولايات المتحدة تبدو في المسار الصحيح. إذ يبدو أن الصين اكتشفت أنها قادرة على مقاومة الولايات المتحدة علناً، ومواجهتها، بل وتوجيه التحذيرات لها دون أن تتحمل تبعات كبيرة.
وعلاوة على ذلك، إذا أحسنت بكين إدارة أوراقها، فقد يتحقق التحول في النظام الدولي الذي تسعى إليه دون مخاطر جسيمة أو تكاليف باهظة. وإذا كان هذا بالفعل هو الخلاصة الأساسية للقمة، فإن “الاستقرار الاستراتيجي البنّاء” الذي أعلنه شي لن يكون سوى صيغة قصيرة الأجل، محدودة النطاق، وغير متكافئة، ما يعني أن القمة تبقى مجرد عرض بلا مضمون، لا تكمن أهميته فيما قيل خلالها بقدر ما لم يُقل.
يبدو أن الصين اكتشفت أنها قادرة على مقاومة الولايات المتحدة علناً ومواجهتها بل وتوجيه التحذيرات لها دون أن تتحمل تبعات كبيرة



