إفراغ الناتو من جوهره في أنقرة

تقرير
أردوغان لدى استقباله ترامب في أنقرة (أ ف ب)
أردوغان لدى استقباله ترامب في أنقرة (أ ف ب)
ﺷﺎرك

على مدى نحو 80 عاماً، أدارت الولايات المتحدة التحالف الأكثر نجاحاً في التاريخ الحديث بتكلفة زهيدة. وقد تبدأ واشنطن هذا الأسبوع، في أنقرة، بالتخلي عن هذا المكسب. فعندما اجتمع وزراء الدفاع في بروكسل الشهر الماضي، وضع وزير الحرب الأمريكي شروط المرحلة المقبلة. إذ يريد بيت هيغسيث تحالفاً أصغر حجماً لكنه أكثر صلابة، قائماً على “قدرات عسكرية حقيقية”، تقوده الدول الأوروبية لا الولايات المتحدة. كما أمر بإجراء مراجعة تستمر ستة أشهر للقوات الأمريكية في القارة، وربط الالتزامات المستقبلية بمستوى إنفاق الحلفاء. حتى أن وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو وصف القمة المقبلة بأنها “على الأرجح الاجتماع الأكثر أهمية في تاريخ حلف شمال الأطلسي”.

وبالنسبة لمحاسبي واشنطن، فإن الخلاف يدور حول المال، وهو أحدث جولة في الصراع بشأن الجهة التي تتحمل تكاليف الدفاع الأوروبي. لكن من منظور الاستراتيجية الكبرى، فإن الأمر أكثر خطورة: إنه تخلي متعمد عن أصل بُني على مدى عقود. فقد كانت القيادة الأمريكية لحلف شمال الأطلسي “الناتو” الآلية التي حوّلت القوة السياسية والاقتصادية المجردة إلى تحالفات مستدامة مع دول اصطفّت إلى جانب واشنطن لأنها رغبت في ذلك، لا لأنها أُجبرت عليه. ومن خلال مبادلة القيادة بتوفير النفقات، تخاطر الولايات المتحدة بالتخلي عن أرخص أشكال الهيمنة التي تمتعت بها قوة عظمى على الإطلاق.

وزراء دفاع "الناتو" على هامش اجتماع في بروكسل (أ ف ب)
وزراء دفاع “الناتو” على هامش اجتماع في بروكسل (أ ف ب)

الهيمنة بالتراضي

لم يكن حلف “الناتو” مجرد ميثاق عسكري. فمنذ تأسيسه، أراد مهندسوه أن يؤدي دوراً سياسياً بقدر ما يؤدي دوراً عسكرياً. وقد لخّص اللورد “إسمي” هذه الفكرة بعبارته الشهيرة: “إبقاء الروس خارجاً، والأمريكيين في الداخل، والألمان تحت السيطرة”.

لكن الحلف لم يتحول إلى مجتمع حقيقي إلا بعد انتهاء الحرب الباردة. فبدلاً من الانحسار مع زوال التهديد السوفيتي، أعاد تعريف نفسه حول الديمقراطية الليبرالية، وتوسع عبر نصف القارة. وقد حوّل الشرق الشيوعي السابق إلى جزء من الغرب، عبر تدريب الأعضاء الجدد على سيادة القانون قبل قبولهم. ونشأ عن ذلك مجتمع أمني، وهو فضاء أصبح فيه اندلاع حرب بين أعضائه أمراً لا يمكن تصوره. كانت الجنود والقواعد مهمة، لكن الاستعداد للانضمام والالتزام كان أكثر أهمية. وأصبحت العضوية مكافأة على التحول إلى الغرب، لا مجرد إيصال حماية.

 كانت الجنود والقواعد مهمة لكن الاستعداد للانضمام للحلف والالتزام كان أكثر أهمية وأصبحت العضوية مكافأة على التحول إلى الغرب لا مجرد إيصال حماية

لقد كان تأثير جاذبية الحلف بعد الحرب الباردة قوياً إلى درجة أنه وصل حتى إلى موسكو. فقد أصبح “الناتو” جذاباً بما يكفي لأن روسيا نفسها رغبت لفترة وجيزة في الانضمام إليه. ففي عام 2000، قال فلاديمير بوتين إنه بالكاد يستطيع تصور الحلف كعدو، ولم يستبعد انضمام روسيا إليه. ووصف روسيا بأنها جزء من الثقافة الأوروبية، ووفق تعبيره، من “العالم المتحضر”. فلم تكن الجاذبية مرتبطة بالحماية فحسب، بل بالهوية أيضا؛ إذ كان الانضمام إلى الحلف يعني أن تُحسب الدولة جزءاً من الغرب.

الناتو 3.0: تحالف يختزل نفسه في العتاد العسكري

 تشير ملامح “الناتو 3.0” إلى استعداد الحلف للتخلي عن هويته بوصفها أحد أهم مقومات نفوذه. فوفق الرؤية الأمريكية التي طرحها إلبرج كولبي، المسؤول في وزارة الدفاع الأمريكية، مرّ الحلف بثلاث مراحل. فقد كان “الناتو 1.0” تحالفًا عسكرياً محدوداً خلال الحرب الباردة. أما “الناتو 2.0” فمثّل مرحلة التوسع بعد الحرب الباردة، حين خفضت أوروبا قدراتها الدفاعية، وابتعد الحلف كثيراً عن مفهوم القوة الصلبة.

أما “الناتو 3.0” فيجسد العودة إلى جوهر قتالي، تتولى فيه أوروبا مسؤولية الدفاع التقليدي، بينما تحتفظ واشنطن بالمظلة النووية. وتشير ركائزه الأساسية، المتمثلة في “القدرات العسكرية الحقيقية” وقيادة الأوروبيين للحلف، إلى الاتجاه ذاته؛ إذ يتحول إلى تحالف يختزل دوره في العتاد العسكري، بعدما تخلّى عن القيادة التي منحته معناه.

وتسوّق واشنطن هذا التوجه باعتباره إعادة تموضع مدروسة: التخلص من التبعيات، وإعادة بناء تحالف قادر على خوض الحروب، وإعادة توجيه القوة الأمريكية نحو الصين. لكن عند النظر إلى كيفية ممارسة النفوذ في أوروبا، يبدو هذا النهج أقرب إلى الإضرار بالمصالح الذاتية. فما يسخر منه “كولبي وبيت هيغسيث” بوصفه انحرافاً عن المسار بعد الحرب الباردة، ربما كان في الواقع أهم ما أنجزه حلف شمال الأطلسي. فقد شكّل التوسع، ودمج الأعضاء الجدد، والمهام التي نفذها الحلف من البلقان إلى ليبيا، وحتى استجابته لهجمات 11 سبتمبر، المرحلة التي تحول فيها إلى مجتمع أمني وإلى الركيزة الأساسية للنظام الغربي.

ومن شأن “الناتو 3.0” أن يقوّض هذا الإرث. فهو يُبقي على البعد الأمني، لكنه يتخلى عن روح الجماعة، ويجرّد الحلف من الهوية المشتركة التي منحت قدراته العسكرية قيمتها، ويحوّل الحلفاء الراغبين في التعاون إلى عملاء يدفعون ثمن الحماية. وبدلاً من تعزيز النفوذ الأمريكي، فإنه يستبدل الشرعية المستدامة التي يوفرها مجتمع متماسك بفاتورة دفاعية أقل تكلفة. وعندها، سيبدأ الحلفاء الذين اصطفوا إلى جانب الولايات المتحدة طوعاً في الاستياء من هذه المعادلة، والحلفاء المستاؤون لا يستمرون عادةً في البقاء.

يحافظ  “الناتو 3.0” على الأمن ويتخلى عن روح الجماعة مُزيلًا الهوية المشتركة التي جعلت المعدات العسكرية ذات قيمة ومُحوّلًا الحلفاء الراغبين إلى عملاء يدفعون ثمن الحماية

لقد شهد “الناتو” خلافات من قبل، لكن ما يجري اليوم يختلف في طبيعته. فلم يُفعّل بند الدفاع المشترك في الحلف سوى مرة واحدة خلال ثمانية عقود، عندما استند إليه الحلفاء الأوروبيون للوقوف إلى جانب الولايات المتحدة عقب هجمات الحادي عشر من سبتمبر. وقد قاتلوا وسقط منهم قتلى في أفغانستان، معتبرين أن الهجوم على نيويورك كان هجومًا على الغرب بأسره. وكان ذلك تجسيداً للحلف في صورته الأقل عسكرية والأكثر سياسية؛ مجتمعًا للقيم توحّد أعضاؤه دعماً لأحد أعضائه بعد تعرضه لهجوم.

الولاء وحدوده

 تقع الدول الأكثر عرضة للخسارة في أوروبا، وقد استوعبت الرسالة جيداً. فمن المرجح دائماً أن تتحمل القارة مسؤولية أكبر عن دفاعها، مع تحول الاهتمام الأمريكي نحو آسيا واستمرار محدودية الإنفاق الدفاعي الأوروبي. ولو أُدير هذا التحول بصورة تدريجية ومدروسة، لربما أسهم في تعزيز قوة الغرب.

غير أن واشنطن تفرضه بوتيرة متسارعة، فيما يؤدي الانفصال المفاجئ إلى إضعاف التحالف الذي تزعم أنها تسعى إلى تقويته. ويواجه الحلفاء الأوروبيون خطراً آخر يتمثل في احتمال جرّهم إلى حرب أمريكية جديدة في الشرق الأوسط، في وقت لا تزال فيه تبعات الحرب السابقة حاضرة في الأذهان. وعندما تعرضت إسبانيا وإيطاليا وبريطانيا هذا العام لضغوط للانخراط في المواجهة مع إيران، أبدت تردداً، لتواجه اتهامات من حلفائها الأمريكيين بأن هذا التردد كان “مخجلاً”.

دبابة ليوبارد 2 A4 تابعة للجيش النرويجي خلال مناورة "الاستجابة الباردة" للناتو (أ ف ب)
دبابة ليوبارد 2 A4 تابعة للجيش النرويجي خلال مناورة “الاستجابة الباردة” للناتو (أ ف ب)

ومع ذلك، كان رد الفعل الأوروبي الأول هو السعي إلى مزيد من التقارب مع الولايات المتحدة. ففي برلين، في 24 يونيو، تعهدت الدول الخمس الكبرى في أوروبا بالعمل من أجل “أوروبا أقوى ضمن حلف شمال الأطلسي الأقوى”، مؤكدة تمسكها بـ”رابطة راسخة لا تتزعزع”. بل إنها وجهت الشكر إلى ترامب على اتفاق وقف إطلاق النار الذي كان قد توسط فيه للتو. غير أن كلما بالغت أوروبا في طمأنة واشنطن، ازداد انكشاف حجم قلقها.

وخلف هذه التطمينات، تعود القاعدة التقليدية للتحالفات لتفرض نفسها؛ فكلما تراجعت موثوقية الدولة الراعية، اتجه حلفاؤها إلى اتباع سياسة التحوط الاستراتيجي. وقد بدأت بالفعل ملامح هذا التراجع تظهر، مع سحب بعض القوات الأمريكية من ألمانيا والجناح الشرقي للحلف، وإلغاء خطط لنشر صواريخ، وتقليص حجم الألوية العسكرية. وفي باريس وبرلين، يجري بحث ما إذا كان يمكن للترسانة النووية الفرنسية أن توفر مظلة ردع فعالة للقارة الأوروبية.

أما في بروكسل، فيناقش المسؤولون إمكانية أن تحل المادة “42.7” الخاصة بالدفاع المشترك في الاتحاد الأوروبي محل حلف شمال الأطلسي إذا أصبح عاجزاً عن أداء دوره. وفي الوقت نفسه، شرعت المفوضية الأوروبية في بناء جهاز استخبارات خاص بها، يجمع المعلومات التي توافق الأجهزة الوطنية على مشاركتها. وبالنسبة للمخططين الأوروبيين، تبدو المعادلة قاتمة لكنها واضحة: فالانسحاب الأمريكي آتٍ مهما كانت الخيارات، وبالتالي لا يوجد ما يمنع من الاستعداد له منذ الآن.

بالنسبة للمخططين الأوروبيين تبدو المعادلة قاتمة لكنها واضحة: فالانسحاب الأمريكي آتٍ مهما كانت الخيارات وبالتالي لا يوجد ما يمنع من الاستعداد له منذ الآن

إدارة ترامب

باتت ملامح القمة مرسومة مسبقاً. ففي محاولة لإرضاء الدولة الراعية، حصر الأمين العام لحلف شمال الأطلسي، مارك روته، أجندة الحلف في القضية الوحيدة التي تستحوذ على اهتمام ترامب وهي “المال”. فقد وصل إلى البيت الأبيض مصطحباً عروضاً توضيحية بشأن الإنفاق الدفاعي الأوروبي، وأعاد تسويق برنامج إعادة التسلح الأوروبي تحت مسمى “تريليون ترامب”.

وفي أنقرة، سيحمل الأوروبيون طلبيات لشراء أسلحة أمريكية بعشرات المليارات من الدولارات، بوصفها الثمن اللازم للحفاظ على اهتمام واشنطن. إنها لغة الصفقات، لا لغة الشراكة؛ إذ يمكن لحلف شمال الأطلسي أن يصبح أكثر ثراءً، وفي الوقت نفسه أقل موثوقية.

وفي الوقت الذي ينزلق فيه العالم مجدداً نحو منطق تنافس القوى الكبرى، تعمل الولايات المتحدة على تقويض أثمن ما تمتلكه: غربٌ موحد يتصرف ككتلة واحدة. ويُعد حلف شمال الأطلسي أول ساحة تظهر فيها آثار هذا التآكل، وأكثرها وضوحاً. وقد تشهد قمة أنقرة، بهدوء، تكريس تفكك الكتلة الغربية باعتبارها قطباً موحداً للقوة.

ومع ذلك، قد لا يؤدي هذا التفكك إلى نشوء قطب أوروبي بديل؛ فقارة لا تزال تستضيف عشرات الآلاف من الجنود الأمريكيين، وتعتمد على الأقمار الصناعية الأمريكية والمظلة النووية الأمريكية، لا تزال بعيدة عن مستوى الاستقلال الاستراتيجي الذي يتطلبه قيام قطب دولي حقيقي.

والأرجح من ظهور أوروبا موحدة وقادرة على الاعتماد على نفسها، هو تشتت القارة إلى مجموعة من القوى الأصغر، يسعى كل منها إلى إبرام تفاهماته الخاصة مع واشنطن وموسكو وبكين. وعليه، فإن ما ستختبره قمة أنقرة لن يقتصر على مدى استعداد أوروبا لزيادة إنفاقها الدفاعي، بل سيمتد إلى اختبار ما إذا كان الغرب لا يزال قادراً على البقاء كقطب موحد في النظام الدولي.

Silviu C. Paicu
سيلفيو بايكو

سيلفيو سي. بايكو، باحث في مجال الدراسات الاستخباراتية والأمن، ومتخصص في قضايا الرقابة الديمقراطية على أجهزة الاستخبارات، والعلاقات بين المؤسسات المدنية والجهات الاستخباراتية. درس العلوم السياسية والأمن في كلية لندن الجامعية، ويحمل درجة الدكتوراه الأوروبية المشتركة من جامعة مالطا والأكاديمية الوطنية للاستخبارات في رومانيا.

اشترك مجاناً في تقارير إيغل إنتيلجنس

رؤى وتقارير حصرية

تمتّع بإمكانية الوصول إلى تحليلات متعمّقة، ومعلومات استخباراتية حصرية، وتقارير خبراء مُصمّمة خصيصاً لتبقى على اطلاع دائم، وفي صدارة المتابعين لأهم التطورات العالمية.

بالاشتراك، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا.

موضوعات أخرى
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير

اشترك مجاناً في تقارير إيغل إنتيلجنس

رؤى وتقارير حصرية

تمتّع بإمكانية الوصول إلى تحليلات متعمّقة، ومعلومات استخباراتية حصرية، وتقارير خبراء مُصمّمة خصيصاً لتبقى على اطلاع دائم، وفي صدارة المتابعين لأهم التطورات العالمية.

بالاشتراك، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا.

ايغل انتيلجنس ريبورتس
Privacy Overview

This website uses cookies so that we can provide you with the best user experience possible. Cookie information is stored in your browser and performs functions such as recognising you when you return to our website and helping our team to understand which sections of the website you find most interesting and useful.