الممر الأوسط وإعادة رسم خريطة القوة

تقرير
ﺷﺎرك

تشهد أوراسيا سلسلة من الصدمات الاستراتيجية المتلاحقة. فروسيا غارقة في حربها بأوكرانيا، فيما خاضت إسرائيل والولايات المتحدة حرباً ضد إيران. كما انتهى صراع أرمينيا وأذربيجان الذي استمر عقوداً، في حين تلوح في الأفق مواجهة جديدة بين أفغانستان وباكستان. وبينما تنشغل القوى الكبرى بهذه الأزمات أو تنكفئ عن الساحة، استغلت مجموعة من الدول الأصغر هذا الفراغ للتحرك. وتمثل أداتها في تحقيق طموح قديم يتمثل بإنشاء ممر بري يربط الصين بأوروبا عبر آسيا الوسطى والقوقاز، وهي منطقة طالما تنافست عليها الإمبراطوريات وأبقتها مغلقة. ويُعرف هذا المشروع باسم “الممر الأوسط”.

وتكمن الأهمية الأعمق لهذا التطور في أن الهيمنة التقليدية للقوى البرية في أوراسيا بدأت بالتراجع. فقد ظلت روسيا وإيران لعقود ترسمان ملامح القارة من خلال السيطرة على الأراضي والتحكم في حركة العبور. أما اليوم، فيبرز نظام أكثر مرونة يقوم على البنية التحتية، والترابط الاقتصادي، وإعادة تشكيل التحالفات الاقتصادية. ويقود التحول الجيواقتصادي بدوره إلى تداعيات جيوسياسية واستراتيجية، ويعد الممر الأوسط أوضح تجسيد للاتجاه الذي تمضي إليه هذه التحولات.

ظلت روسيا وإيران لعقود ترسمان ملامح القارة من خلال السيطرة على الأراضي والتحكم في العبور أما اليوم فيبرز نظام أكثر مرونة يقوم على البنية التحتية وإعادة تشكيل التحالفات الاقتصادية

ولم تنشئ أي قوة عظمى هذا الممر، بل هو مشروع إقليمي تعاوني بالأساس، تقوده دول متوسطة وصغيرة في آسيا الوسطى، إلى جانب أذربيجان وتركيا. فقد تولت هذه الدول إنشاء خطوط السكك الحديدية، وشراء العبارات، وتحديث المعابر الحدودية، بهدف تأمين طريق تجاري خارج نطاق سيطرة أي قوة عظمى منفردة.

لكن الصين تبقى الشريك الذي لا غنى عنه. فاقتصادها يوفر الجزء الأكبر من البضائع التي تغذي حركة القطارات عبر الممر، كما أن جانباً كبيراً من التمويل والقدرات الصناعية التي أسهمت في إنشاء الموانئ وخطوط السكك الحديدية جاء من البنوك الحكومية وشركات الإنشاءات الصينية. ومع ذلك، ورغم أن المشروع يمنح بكين طريقاً أسرع إلى أوروبا، فإنه يخدم في المقام الأول مصالح الدول الإقليمية التي أنشأته.

وعندما أدت العقوبات الغربية إلى إغلاق المسار العابر لروسيا، وتسببت هجمات الحوثيين في تعطيل الملاحة عبر البحر الأحمر، اتجهت شركات الشحن العالمية إلى الممر الأوسط باعتباره الطريق الوحيد الذي يتجنب هذين المسارين. وقد بدأت آثار ذلك تتضح بالفعل، إذ يتشكل تدريجياً فضاء اقتصادي متكامل يمتد من آسيا الوسطى عبر القوقاز إلى البحر المتوسط. كما اكتسبت الدول الواقعة على امتداد هذا الممر هامشاً أكبر للمناورة لم يكن متاحاً لها في السابق، من خلال تنويع شراكاتها والتعامل مع القوى الكبرى من موقع أكثر قوة واستقلالية.

وفي الوقت نفسه، بدأت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي تعزيز حضورهما في منطقة طالما اعتبرتها قوى أخرى مجالاً لنفوذها الحصري، في ظل التآكل التدريجي للمقومات التي استند إليها النفوذ الروسي والإيراني لعقود طويلة. ورغم أن الممر الأوسط لا يزال في مراحله الأولى ولم يكتمل بعد، فإنه بدأ بالفعل في إضعاف القبضة التي فرضتها موسكو وطهران على هذه المنطقة على مدى قرون.

الرئيسان التركي والكازاخستاني خلال توقيع اتفاقيات نقل البضائع بالسكك الحديدية عبر الممر الأوسط (أ ف ب)
الرئيسان التركي والكازاخستاني خلال توقيع اتفاقيات نقل البضائع بالسكك الحديدية عبر الممر الأوسط (أ ف ب)

تصدر الممر الأوسط

لم يحدث هذا التحول من تلقاء نفسه، إذ يرتبط تصدر الممر الأوسط بسلسلة من التحولات الجيوسياسية العميقة في أوراسيا، إلى جانب انتهاء الأعمال القتالية بين أرمينيا وأذربيجان. كما أسهمت التحولات الاقتصادية الدولية في تعزيز هذا المسار؛ فقد أصبحت الصين قوة رئيسية في الاقتصاد العالمي، فيما يواصل الاقتصاد الهندي صعوده التدريجي، في حين فشلت روسيا في تحويل اقتصادها القائم على استخراج الموارد إلى اقتصاد صناعي وتكنولوجي تنافسي. وقد مهدت هذه التطورات الطريق أمام الممر الأوسط ليتصدر المشهد كمسار رئيسي للتجارة والنقل والربط العابر للقارات على حساب المشاريع المنافسة، ويرتكز هذا الصعود على عاملين رئيسيين:

أولاً، لعبت الاستثمارات الصينية الضخمة ضمن مبادرة “الحزام والطريق” الدور الأبرز في بناء البنية التحتية اللازمة للممر، كما أسهمت في خلق طلب متزايد على النقل من خلال تدفق السلع الصينية والآسيوية إلى الأسواق الأوروبية والأوراسية. ولا تزال الصين تمثل الركيزة الأساسية لهذا الممر، سواء من حيث التمويل أو تدفق البضائع. فبدون استمرار تدفقات السلع الصينية، لا يمكن للمسار أن يحقق الحجم الكافي لضمان جدواه الاقتصادية. كما تمتلك بكين حصصاً استثمارية مباشرة في عدد من دول الممر، بما في ذلك جورجيا وأذربيجان وكازاخستان، ضمن إطار مبادرة “الحزام والطريق”.

لا تزال الصين تمثل الركيزة الأساسية لهذا الممر فبدون استمرار تدفقات السلع الصينية لا يمكن للمسار أن يحقق الحجم الكافي لضمان جدواه الاقتصادية

ثانياً، بدأت الدول الخمس في آسيا الوسطى تُظهر قدراً متزايداً من التماسك، خاصة بعد التغيير القيادي في أوزبكستان عام 2016. فقد انضمت هذه الدول، إلى جانب أذربيجان، إلى نهج أكثر وضوحاً يهدف إلى تجنب النزاعات فيما بينها. وكان دور أوزبكستان محورياً بحكم موقعها الجغرافي المركزي وإشرافها على الطرق المتجهة غرباً. وفي عهد الرئيس شوكت ميرضيائيف، تخلّت البلاد عن السياسات الاقتصادية الانعزالية التي اتبعها إسلام كريموف، وتبنّت منطق الشراكة الإقليمية والاندماج الاقتصادي الدولي، ما دفع دولاً أخرى إلى تعزيز التعاون. كما لعبت كازاخستان دوراً بارزاً في ربط أفغانستان بجيرانها والعالم الأوسع بهدف فتح طرق تجارية نحو جنوب وشرق آسيا.

وتلا ذلك انتهاء الأعمال القتالية بين أرمينيا وأذربيجان، حيث أسهم اتفاق عام 2025 بشأن “طريق ترامب للسلام والازدهار الدولي” عبر منطقة زانجيزور المتنازع عليها في تحسين آفاق التجارة من الصين إلى تركيا وأوروبا. بالتوازي مع ذلك، يتقاطع الحضور الأمريكي المتزايد في القوقاز مع توسع الاستثمارات الغربية في آسيا الوسطى، وهو ما يتطلب وجود ممر فعّال يربط آسيا الوسطى والقوقاز بالموانئ الأوروبية والمتوسطية.

ورغم أن احتمال تصاعد التوتر بين باكستان وأفغانستان يمثل تهديداً لمسار هذا الممر، إلا أن هذا الخطر نفسه يدفع دول آسيا الوسطى إلى تعزيز جهودها لتفادي النزاعات وتوسيع التجارة عبر أفغانستان نحو باكستان والهند وما بعدها.

وفي المقابل، أدت الإخفاقات السياسية والاقتصادية لكل من روسيا وإيران، إلى جانب العقوبات المفروضة عليهما، إلى تعطيل الممرات التي تمر عبر أراضيهما، ما قلّل من قدرتهما على منافسة الممر الأوسط. ومع أن هذه العقوبات ترتبط بالحرب الروسية في أوكرانيا وبالصراع الأمريكي–الإسرائيلي مع إيران، فإنها ليست السبب الوحيد، ولا حتى السبب الرئيسي، وراء تعثر البدائل الأخرى للممر الأوسط في الترسخ.

أدت الإخفاقات السياسية والاقتصادية لروسيا وإيران إلى جانب العقوبات عليهما إلى تعطيل الممرات التي تمر عبر أراضيهما ما قلّل من قدرتهما على منافسة الممر الأوسط

لماذا فشلت البدائل؟

منذ نهاية الحرب الباردة، ظل البحث عن ممرات تجارية تربط آسيا بأوروبا هدفاً دائماً، فرضته متطلبات الاقتصاد العالمي المتجه نحو مزيد من العولمة. وفي الوقت نفسه، سعت الحكومات الجديدة في القوقاز وآسيا الوسطى إلى إيجاد منافذ جديدة للاتصال بالعالم، بما يحد من اعتمادها المفرط على موسكو، ثم لاحقاً على بكين. كما بحثت الحكومات الغربية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، عن سبل للوصول إلى موارد الطاقة في المنطقة.

ومن جهة أخرى، سعت روسيا إلى البناء على إرث الاقتصاد السوفييتي المتكامل، ولا سيما في قطاع الطاقة، بهدف الإبقاء على الدول المستقلة حديثاً ضمن دائرة نفوذها عبر علاقة قائمة على التبعية. أما الصين، فسعت بدورها إلى إقامة روابط طويلة الأمد مع هذه الدول، انطلاقاً من رغبتها أولاً في تهدئة إقليم شينجيانغ ذي الأغلبية المسلمة، ثم توسيع أسواق صادراتها وتعزيز نفوذها السياسي خارج حدودها.

ومن بين المقترحات العديدة لإنشاء ممرات عابرة للقارات، برزت خلال العقد الماضي ثلاثة مسارات بدت الأكثر قابلية للتطبيق. ويُعد الممر الشمالي، الممتد عبر شبكة السكك الحديدية الروسية وصولاً إلى أوروبا وموانئ بحر البلطيق، أقصر هذه المسارات وأكثرها مباشرة. غير أن ضعف البنية التحتية للسكك الحديدية، ومشكلات الصيانة، والفساد، ونقص الاستثمارات، كانت عوامل حدّت من جاذبيته التجارية حتى قبل فرض العقوبات الغربية على روسيا. ومع دخول تلك العقوبات حيز التنفيذ، تراجعت قدرته التنافسية بصورة أكبر.

وتتمثل أبرز التحديات التي تواجه هذا الممر في التعرض للعقوبات، ومخاطر الامتثال للأنظمة القانونية، وصعوبات التأمين والمدفوعات، فضلاً عن المخاطر الأمنية والسمعة المرتبطة بنقل البضائع عبر الأراضي الروسية. وقد أسهمت هذه العوامل مجتمعة في تقليص جاذبية الممر الشمالي بالنسبة إلى العديد من سلاسل الإمداد المتجهة إلى الأسواق الأوروبية.

أما البديل الآخر، فهو الممر الدولي للنقل بين الشمال والجنوب ” INSTC”، الذي يهدف إلى ربط إيران وآسيا الوسطى وروسيا عبر بحر قزوين. كما يُفترض أن يعزز هذا الممر التجارة الهندية مع آسيا الوسطى والقوقاز وأوروبا، في ظل اهتمام كل من الهند ودول آسيا الوسطى بالاستفادة من ميناء تشابهار الإيراني المطل على المحيط الهندي.

ورغم أن حركة الشحن انطلقت بالفعل في بعض أجزاء المشروع، فإن العقوبات والصراعات الإقليمية أثرت في أدائه، إلى جانب ما يواجهه من مخاطر سياسية، وتحديات تتعلق بالتأمين والسمعة والأمن. ومع ذلك، ورغم سنوات من النقاش حول المشروع، لم تخصص موسكو أو طهران الموارد أو الاهتمام السياسي الكافيين لتطويره أو تجاوز هذه العقبات، بما يسمح له بأن يصبح بديلاً عملياً للممر الأوسط.

في المقابل، لا يزال منافسه، ممر الهند – الشرق الأوسط – أوروبا الاقتصادي ” IMEC”، الذي يهدف إلى ربط الهند بأوروبا عبر مضيق هرمز والسعودية والأردن وإسرائيل، فلا يزال في جوهره مشروعاً نظرياً لم يتجاوز مرحلة التخطيط. وقد توقف المشروع عقب اندلاع الحرب في غزة، فيما جعل اتساع رقعة الصراع في الشرق الأوسط من تنفيذه خياراً غير عملي في الوقت الراهن، الأمر الذي يمثل انتكاسة للهند التي كانت تراهن عليه.

وبالمثل، لم تتمكن البدائل البحرية من تعويض هذا التعثر، وليس ممر ” IMEC” وحده. فقد أدت هجمات الحوثيين في البحر الأحمر إلى ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين والنقل البحري، ما دفع العديد من شركات الملاحة إلى تحويل مساراتها حول القارة الإفريقية. وأدى ذلك إلى انخفاض حركة عبور النفط عبر مضيق باب المندب، وإلى تراجع كبير في إيرادات قناة السويس المصرية، التي انخفضت من نحو 10.3 مليارات دولار في عام 2023 إلى أقل م 4  مليارات دولار في عام 2024، بعد إعادة توجيه خطوط الملاحة بعيداً عن البحر الأحمر.

الطاقة تفاقم المخاطر

أدت هجمات الحوثيين، منذ أواخر عام 2023، إلى تراجع تدفقات الطاقة عبر مضيق باب المندب من نحو 8.7  ملايين برميل يومياً في عام 2023 إلى قرابة 4 ملايين برميل يومياً في عام 2024، أي بانخفاض تجاوز النصف. ونتيجة لذلك، اتجه منتجو الطاقة في الخليج إلى تطوير مسارات بديلة لخطوط الأنابيب، بالتزامن مع تزايد الطلب على النفط والغاز الأذربيجاني ومنطقة بحر قزوين.

ويأتي هذا السعي لإيجاد طرق تتجاوز إيران في سياق التحولات التي فرضتها الحروب في المنطقة. كما أن الحديث عن خطوط أنابيب جديدة قد يحول تركيا إلى مركز طاقة أكبر بكثير، إلى جانب الاكتشافات الأخيرة للغاز قبالة سواحلها على البحر الأسود. وإذا ما التقت إمدادات الطاقة القادمة من آسيا الوسطى وأذربيجان في تركيا، فإن ذلك سيعزز مكانتها في الاقتصاد العالمي، كما سيربط آسيا الوسطى والقوقاز والشرق الأوسط ضمن منظومة طاقة واقتصاد واحدة.

أن الحديث عن خطوط أنابيب جديدة قد يحول تركيا إلى مركز طاقة أكبر بكثير إلى جانب الاكتشافات الأخيرة للغاز قبالة سواحلها على البحر الأسود

وفي منطقة الخليج، تبرز حالياً خطوط الأنابيب الأكثر استخداماً، وفي مقدمتها خط أنابيب النفط السعودي إلى ينبع على البحر الأحمر، وخط أنابيب الإمارات إلى ساحل بحر عُمان. ويوفر هذان الخطان بديلاً يتجاوز المخاطر الإيرانية وتهديدات الحوثيين، إلا أنهما يتطلبان استثمارات كبيرة لتلبية الطلب المتزايد.

وفي الوقت نفسه، يجري العراق مفاوضات لتمرير صادراته النفطية عبر سوريا إلى موانئ البحر المتوسط، كما عاد الحديث مجدداً عن إنشاء خط أنابيب يصل إلى إيلات ثم عسقلان، بما يتيح تجاوز البحر الأحمر الجنوبي وتهديدات الحوثيين. ومن شأن هذا المشروع أن يعزز اندماج إسرائيل، التي ترتبط بعلاقات وثيقة مع أذربيجان، في الاقتصاد الإقليمي.

وفي السياق ذاته، تسعى تركيا والسعودية إلى إحياء سكة حديد الحجاز التاريخية، وتوسيعها وصولاً إلى سلطنة عُمان، بهدف إنشاء مسار تجاري عالمي بديل لمضيق هرمز. وإذا دخل هذا المشروع حيز التنفيذ، فقد يتحول إلى حلقة إضافية ضمن شبكة الممر الأوسط، تربط التجارة البرية بين الشرق الأوسط وأوروبا. ويُطرح المشروع بوصفه استجابة عملية لتعطل طرق الملاحة البحرية بسبب الحروب، فيما تشير التقديرات إلى أنه قد يخفض زمن نقل البضائع بين الخليج وأوروبا من أكثر من ثلاثين يوماً بحراً إلى أقل من أسبوعين عبر المسارات البرية.

ويؤكد ذلك أن النخب الإقليمية، مدفوعة بتداعيات الحرب في الخليج، باتت تتجه إلى إعادة رسم خريطة التجارة والطاقة، من خلال إنشاء شبكات متكاملة تربط الشرق الأوسط والصين والقوقاز وآسيا الوسطى بأوروبا، بما يعزز الترابط في مجالات التجارة والنقل والطاقة والبنية الرقمية.

أعلام الصين وكازاخستان في محطة سكة حديد دوستيك على الحدود بين البلدين (أ ف ب)
أعلام الصين وكازاخستان في محطة سكة حديد دوستيك على الحدود بين البلدين (أ ف ب)

نمو الممر الأوسط

أدى الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022 إلى إحداث تحول جذري في مكانة الممر الأوسط. فبعد أن كان مساراً هامشياً في أوراسيا، أصبح بديلاً استراتيجياً لكل من الممر الشمالي الذي يمر عبر روسيا، وخطوط الملاحة البحرية عبر البحر الأحمر وقناة السويس. ومنذ عام 2020، ارتفع حجم البضائع المنقولة عبره بنحو خمسة أضعاف، من حوالي “0.8” مليون طن إلى ما بين “4 و4.5 ” ملايين طن في عام 2024. وبذلك، انتقل الممر من مجرد خيار محدود لتحويل مسارات الشحن إلى عنصر أساسي في تخطيط سلاسل الإمداد عبر أوراسيا. ويعود ذلك أساساً إلى قدرة الممر على تجنب العقوبات المفروضة على روسيا، فضلاً عن المخاطر الأمنية الناجمة عن هجمات الحوثيين في البحر الأحمر.

أصبح الممر الأوسط بديلاً استراتيجياً لكل من الممر الشمالي الروسي والبحر الأحمر والسويس بعد أن كان مساراً هامشياً

وشهد أداء الممر تحسناً ملحوظاً من حيث سرعة العبور، وهو عامل لا يقل أهمية عن حجم البضائع المنقولة. فقد أعلنت كازاخستان أن زمن نقل الشحنات من مدينة شيآن الصينية إلى جورجيا انخفض من  55  يوماً إلى 18 يوماً، وهو ما تؤكده أيضاً دراسات أخرى. ويعكس هذا التحسن تطور الإدارة، وتحديث البنية التحتية، ورفع كفاءة التشغيل، بما وفر قدراً أكبر من الموثوقية وخفض تكاليف النقل.

ويتواصل أيضاً مسار الاستثمارات الذي أسهم في تحقيق هذه التطورات. إذ تخطط كازاخستان لإنشاء أو تحديث أكثر من خمسة آلاف كيلومتر من خطوط السكك الحديدية خلال السنوات الأربع المقبلة، مؤكدة أنها استثمرت أكثر من 35  مليار دولار في قطاع النقل والخدمات اللوجستية منذ عام 2010.

كما شهد الجزء الغربي من الممر عملية تطوير مماثلة، حيث خضع خط سكك حديد باكو–تبليسي–قارص للتحديث، لترتفع طاقته السنوية لنقل البضائع من مليون طن إلى خمسة ملايين طن. ونظراً إلى أن هذا الخط يمثل أحد المحاور الرئيسة التي تربط الممر بمنطقة تركيا وأوروبا بعد عبور بحر قزوين، فإن زيادة طاقته الاستيعابية تحمل أهمية اقتصادية واستراتيجية كبيرة.

ولا تقتصر هذه الاستثمارات على تطوير الممر فحسب، بل تندرج ضمن دورة استثمارية جيو-اقتصادية أوسع تشمل كازاخستان وأذربيجان وجورجيا وتركيا. ففي كازاخستان، يجري توسيع شبكة السكك الحديدية، وزيادة أعداد السفن، وتطوير المحطات، ورقمنة المعابر الحدودية، إلى جانب تحديث مينائي أكتاو وكوريك.

أما أذربيجان فتعمل على تعزيز قدرات موانئها وشبكة السكك الحديدية، بينما تسعى تركيا إلى تخفيف اختناق النقل عبر مضيق البوسفور من خلال مشروع ” INRAIL”، الذي يُتوقع أن يرفع القدرة السنوية لنقل البضائع بالسكك الحديدية عبر المضيق من نحو 3  ملايين طن إلى ما يصل إلى 50  مليون طن. غير أن السكك الحديدية والسفن والموانئ ليست سوى الجانب الظاهر من قصة الممر؛ أما الجانب الأهم، فهو الإرادة السياسية التي تقف وراء هذا التحول.

النافذة وحدودها

لا يُعد الممر الأوسط مجرد طريق للتجارة، بل يمثل أيضاً مؤشراً على تحولات موازين القوة في أوراسيا. فهو يعكس انتقال المنطقة من نظام كانت تهيمن عليه الدول التي تسيطر على الأراضي إلى نظام جديد تقوده الدول القادرة على بناء الروابط. وفي هذا التحول، تبدو الدول الواقعة على امتداد الممر أكبر المستفيدين، إذ تحقق مكاسب تنموية، وتعزز قدراتها الاقتصادية، وتزيد من تماسكها الإقليمي، فضلاً عن توسيع هامش استقلالها في رسم سياساتها الخارجية.

لا يُعد الممر مجرد طريق تجاري بل مؤشراً على تحولات موازين القوة فهو يعكس انتقال المنطقة من نظام كانت تهيمن عليه دول تسيطر على الأراضي إلى نظام جديد تقوده دول قادرة على بناء الروابط

 ومن المتوقع أن يتنامى النفوذان الصيني والتركي، مع احتمال تحولهما إلى منافسين على النفوذ في المنطقة. وتبرز تركيا، على وجه الخصوص، مرشحة لأن تصبح مركزاً رئيسياً للتجارة العابرة للقارات وللتجارة مع الشرق الأوسط، وهو هدف تسعى إليه منذ سنوات. ومع ذلك، فإن الاستثمارات الأمريكية والأوروبية تمنح دول الممر مساحة أوسع لتجنب الارتهان لأي قوة كبرى منفردة.

ويظل مستقبل الممر خلال العقد المقبل رهناً باستمرار تدفق الاستثمارات، والحفاظ على الاستقرار في محيط إقليمي مضطرب، إضافة إلى استمرار الدعم الغربي طويل الأمد.

في المقابل، تُعد روسيا وإيران أبرز الخاسرين من هذا التحول، بعدما تعثرت مشاريعهما الرئيسة وفقدتا القدرة على تطوير بدائل منافسة. أما الصين، فعلى الرغم من أنها ليست صاحبة المشروع، فإنها تواصل تعزيز حضورها داخله عبر الاستثمارات، في وقت تتراجع فيه قدرة روسيا على التأثير في مساره.

وبالنسبة للغرب يمثل الحفاظ على هذا الممر مصلحة استراتيجية، لأنه يحد من قدرة موسكو وطهران وبكين على احتكار طرق الربط وعزل المنطقة. وإذا تردد مؤيدو الممر، فقد تستقر الخريطة في نهاية المطاف بما يرضي القوى التي كان من المفترض أن تتخلى عنها.

ستيفن بلانك-تقارير نسر الاستخبارات-السياسة الخارجية الروسية-الشؤون الأوراسية-الأمن الأوروبي والآسيوي
ستيفن بلانك

ستيفن بلانك خبير معترف به دولياً في السياسة الخارجية والدفاعية الروسية، وشؤون أوراسيا، والأمن الأوروبي والآسيوي، وهو زميل أول في معهد أبحاث السياسة الخارجية (FPRI)، وشغل سابقاً مناصب رفيعة في معهد السلام الأمريكي، ومجلس السياسة الخارجية الأمريكي، وكلية الحرب التابعة للجيش الأمريكي، وألّف وحرّر 15 كتاباً، ويحمل درجة الدكتوراه في التاريخ الروسي من جامعة شيكاغو.

اشترك مجاناً في تقارير إيغل إنتيلجنس

رؤى وتقارير حصرية

تمتّع بإمكانية الوصول إلى تحليلات متعمّقة، ومعلومات استخباراتية حصرية، وتقارير خبراء مُصمّمة خصيصاً لتبقى على اطلاع دائم، وفي صدارة المتابعين لأهم التطورات العالمية.

بالاشتراك، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا.

موضوعات أخرى
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير

اشترك مجاناً في تقارير إيغل إنتيلجنس

رؤى وتقارير حصرية

تمتّع بإمكانية الوصول إلى تحليلات متعمّقة، ومعلومات استخباراتية حصرية، وتقارير خبراء مُصمّمة خصيصاً لتبقى على اطلاع دائم، وفي صدارة المتابعين لأهم التطورات العالمية.

بالاشتراك، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا.

ايغل انتيلجنس ريبورتس
Privacy Overview

This website uses cookies so that we can provide you with the best user experience possible. Cookie information is stored in your browser and performs functions such as recognising you when you return to our website and helping our team to understand which sections of the website you find most interesting and useful.