بدأت مولدوفا منذ بداية سبتمبر الماضي بفرض ضريبة القيمة المضافة والرسوم الانتقائية على بعض السلع التي تستوردها الشركات المسجلة في ترانسنيستريا، وهي المنطقة الانفصالية غير المعترف بها دولياً، والواقعة على الضفة الشرقية لنهر دنيستر، حيث فتحت روسيا فيها مراكز اقتراع لإجراء انتخابات مجلس الدوما، وذلك رغم احتجاج العاصمة كيشيناو الرسمي.
تعكس هاتان الواقعتان التحول الذي يشهده طبيعة الصراع، فمن جهة، تمضي مولدوفا تدريجياً في إدماج المنطقة الانفصالية ضمن منظومتها القانونية والاقتصادية، من دون أن تحسم وضعها السياسي، ومن جهة أخرى، تواصل روسيا تعزيز ارتباط ترانسنيستريا بها من خلال منح سكانها الجنسية الروسية، وتوثيق الروابط السياسية، والحفاظ على وجود عسكري في المنطقة.
هذا يضع ترانسنيستريا، وهي الشريط الضيق من الأراضي الذي أعلن استقلاله عام 1990، وتمكّن من البقاء منذ حرب عام 1992 تحت الحماية الروسية، في موقف يزداد غموضاً والتباساً، فعلى مدى ثلاثة عقود، كان يُفترض أن إعادة دمج المنطقة تقتضي أولاً التوصل إلى تسوية سياسية، أما الآن، فتعمل مولدوفا بصورة متزايدة على عكس هذا التسلسل.
كما بات المسؤولون المولدوفيون يشيرون إلى ترانسنيستريا ببساطة باعتبارها “الضفة اليسرى”، وإلى بقية أراضي البلاد باعتبارها “الضفة اليمنى”، حيث تسعى الحكومة إلى إدماج اقتصاد الضفة اليسرى تدريجياً في المنظومات الضريبية والجمركية ومنظومة الطاقة في مولدوفا، مع إرجاء مسألة الوضع الدستوري إلى مرحلة لاحقة.
تقوم هذه المقاربة على رهان مفاده بأن إحكام السيطرة على مقومات الحياة الاقتصادية من شأنه أن يضعف تدريجياً الأسس العملية للنزعة الانفصالية؛ غير أن هذه السياسة قد تفضي أيضاً إلى نتيجة أقل حسماً، إذ قد تتمكن كيشيناو من تعزيز نفوذها في كيفية ممارسة المنطقة لأنشطتها التجارية، وتسديد ضرائبها، واستيراد احتياجاتها من الطاقة، والحصول على الخدمات العامة، من دون أن تفرض سيطرتها على مؤسساتها الأمنية أو تنهي الوجود العسكري فيها.
كيشيناو قد تتمكن من تعزيز نفوذها في كيفية ممارسة المنطقة لأنشطتها التجارية من دون أن تفرض سيطرتها على مؤسساتها أو تنهي الوجود العسكري فيها
ومن شأن ذلك أن يُبقي المنطقة في وضع لا هي فيه منفصلة فعلياً ولا مندمجة بالكامل، أي في حالة من الاندماج الجزئي قد تثبت قدرتها على الاستمرار بصورة لافتة.
الولاية القانونية أولاً
تستند الإجراءات الضريبية الجديدة إلى مسار بدأ في يناير 2024، عندما أُخضعت الشركات العاملة في ترانسنيستريا للنظام الجمركي العام في مولدوفا، حيث دفعت هذه الشركات في عام 2025 وحده، نحو 166.7 مليون ليو مولدوفي كرسوم جمركية.
كما يجري تطبيق الضرائب الجديدة على مراحل، حيث شملت المرحلة الأولى، في سبتمبر، السلع الفاخرة وغير الأساسية، ومن المقرر أن تشمل المرحلة التالية، في يناير2027، المنتجات النفطية والمعادن الأساسية وغيرها من مستلزمات الإنتاج الصناعي، على أن تشمل الغاز والكهرباء في أبريل 2027، وبحلول الأول من يناير2030، تعتزم الحكومة إقامة نظام ضريبي موحّد في جميع أنحاء البلاد.
وستختبر هذه السياسة مدى قدرة اقتصاد المنطقة على استيعاب التنظيمات الجديدة من دون التسبب في انهيار اقتصادي تتحمل مولدوفا في نهاية المطاف جزءاً كبيراً من تكلفته. والأهم من ذلك، أنها تنقل النزاع إلى مجال تصبح فيه مسألة الاعتراف الرسمي أقل أهمية من الامتثال العملي. فلا يتعين على الشركات الاعتراف بسيادة مولدوفا من حيث المبدأ حتى تلتزم بالقواعد المولدوفية عملياً.
تستند هذه الرؤية أيضاً إلى الوثيقة غير الرسمية المتعلقة بإعادة الاندماج، والتي أعدها مسؤولون مولدوفيون، فبدلاً من التفاوض على وضع سياسي خاص قبل حدوث أي تغييرات أخرى، يقوم هذا النهج على تعميم القواعد المالية والجمركية والتجارية والقانونية الموحدة من خلال التشريعات المولدوفية العادية، مع الحفاظ في الوقت ذاته على اتصالات مباشرة مع تيراسبول.
بدلاً من التفاوض على وضع سياسي خاص مسبقاً يعتمد النهج على توحيد القواعد المالية والجمركية والتجارية والقانونية عبر التشريعات المولدوفية مع إبقاء قنوات الاتصال المباشر مع تيراسبول
أصبح ذلك ممكناً إلى حد كبير بسبب الحرب الروسية-الأوكرانية، فمنذ فبراير 2022، أبقت أوكرانيا حدودها مع ترانسنيستريا مغلقة، حيث تعتمد التجارة الخارجية للمنطقة إلى حد كبير على الوثائق المولدوفية والقنوات الخاضعة للتنظيم المولدوفـي، كما إن جزءاً من النفوذ الذي تتمتع به مولدوفا يستمد قوته بصورة غير مباشرة من كييف، ولو أعادت أوكرانيا فتح حدودها في ظل ظروف سياسية مختلفة، لتراجع جزء من هذا النفوذ.
في الوقت الراهن، تتضح معالم المشهد الاقتصادي؛ ففي النصف الأول من عام 2026، اتجهت 76.9% من صادرات السلع التي نفذتها الشركات المسجلة في ترانسنيستريا إلى دول الاتحاد الأوروبي، حيث يتطلب الوصول إلى هذه السوق تقديم وثائق مولدوفية والامتثال لقواعد تزداد مواءمةً مع معايير الاتحاد الأوروبي.
لكن لا ينبغي الخلط بين هذا الواقع وبين إعادة الاندماج السياسي، حيث دأبت الشركات في ترانسنيستريا على التجارة مع الاتحاد الأوروبي لسنوات، من دون أن يؤدي ذلك إلى إضعاف مؤسساتها الأمنية المحلية، فالاعتماد الاقتصادي قد يجعل استمرار الانفصال أكثر كلفة، لكنه لا يعني بالضرورة زوال المؤسسات التي يقوم عليها هذا الانفصال.

عندما يتحول الاعتماد إلى نفوذ
ومع ذلك، شهدت الأسس التي قامت عليها البنية الاقتصادية السياسية القديمة في ترانسنيستريا تغيراً جذرياً، فعلى مدى عقود، لم يكن الغاز الروسي يقتصر على تدفئة المنازل وتشغيل المصانع، بل كان أيضاً أحد المقومات الأساسية التي دعمت بقاء الكيان القائم بحكم الأمر الواقع.
إمدادات الغاز التي كانت تُقدَّم من دون سداد فعلي للتكلفة أتاحت للأسر والشركات الاستفادة من أسعار مدعومة، في حين بقيت العائدات داخل المنطقة، وبلغت قيمتها نحو 500 إلى 700 مليون دولار سنوياً، كما أسهم الوقود الرخيص في تشغيل محطة كوتشورغان لتوليد الكهرباء، التي كانت مبيعاتها إلى الضفة اليمنى تحقق للمنطقة إيرادات إضافية.
انهار هذا النموذج في مطلع عام 2025، عندما توقفت إمدادات الغاز الروسي عبر المسار القديم، إثر انتهاء عبور الغاز عبر الأراضي الأوكرانية، إذ توقفت محطة كوتشورغان عن تزويد الضفة اليمنى بالكهرباء، وانكمش الإنتاج الصناعي، وفقدت تيراسبول جزءاً كبيراً من القاعدة المالية التي كانت تعتمد عليها مؤسساتها.
كما انكمش الاقتصاد بشكل حاد، وعلّقت المصانع عمليات الإنتاج، واضطرت السلطات إلى اللجوء إلى إجراءات طارئة.
ومنذ ذلك الحين، عادت إمدادات الغاز عبر ترتيبات أكثر هشاشة، تشارك فيها شركة مولدوفاغاز وعدد من الوسطاء، حيث تقول تيراسبول إن عمليات الشراء تُموَّل من خلال قرض روسي لم يُكشف عن شروطه.
لكن الدلالة السياسية لهذه الإمدادات تغيّرت، فلم يعد بإمكان موسكو ببساطة دعم تيراسبول من خلال بنية تحتية تتجاوز كيشيناو فعلياً؛ إذ بات للجهات التنظيمية المولدوفية دور في سلسلة توريد الغاز.
لقد أسهمت السياسات المولدوفية في زيادة الضغوط، فلم تعد مولدوفا تعتمد على الكهرباء المنتجة في محطة كوتشورغان، في حين تؤدي الضرائب الجديدة إلى تقليص المزايا التي كان يوفرها في السابق النظام الضريبي المنفصل للمنطقة.
وقد تجد الشركات التي لا تزال مسجلة في الضفة اليسرى، في نهاية المطاف، أن الالتزام بالمتطلبات المولدوفية ومتطلبات سلطات ترانسنيستريا معاً يجعل نقل تسجيلها إلى الضفة اليمنى خياراً أكثر جاذبية.
لا تُظهر البيانات المتاحة للعامة حتى الآن ما إذا كان هذا التحول يحدث على نطاق واسع، وإذا كان الأمر كذلك، فسيكون ذلك من أوضح المؤشرات على أن القواعد المولدوفية بدأت تؤثر في قاعدة الإيرادات التي تعتمد عليها الإدارة الانفصالية.
وهذا يمنح مولدوفا قدراً أكبر من النفوذ، لكنه في الوقت نفسه يرتب عليها تبعات ومسؤوليات، فانهيار اقتصاد ترانسنيستريا سيعني ارتفاع معدلات البطالة، وتفاقم الهجرة، وزيادة الضغط على نظام الرعاية الاجتماعية في مولدوفا، فضلاً عن تدهور الأصول والمنشآت التي تأمل كيشيناو في نهاية المطاف في إعادة دمجها ضمن منظومة البلاد.
انهيار اقتصاد ترانسنيستريا سيرفع البطالة والهجرة ويزيد الضغط على النظام الاجتماعي في مولدوفا ويؤدي إلى تدهور الأصول والمنشآت التي تسعى كيشيناو إلى إعادة دمجها
بدأت تظهر بالفعل مؤشرات على تزايد هذا الاعتماد المتبادل؛ ففي النصف الأول من عام 2026، كان أكثر من 23 ألفاً من سكان ترانسنيستريا يعملون بصفة رسمية في الضفة اليمنى، وبحلول نهاية شهر يونيو، كان أكثر من 82 ألفاً من السكان مسجلين في نظام التأمين الصحي في مولدوفا، وهو ما يمثل نحو ثلاثة أضعاف العدد المسجل قبل عام واحد، إذ كان أكثر من 68 ألفاً منهم مشمولين بالتأمين الذي توفره الدولة، ومعظمهم من الأطفال والمتقاعدين.
ماذا بقي تحت سيطرة تيراسبول؟
ومع ذلك، فإن للتكامل الاقتصادي حدوداً واضحة، فلا تزال تيراسبول تسيطر على جهازها الأمني الخاص، وتشكيلاتها المسلحة، ومحاكمها، ونظام تسجيل الملكية، ومدارسها، وجزء كبير من المشهد الإعلامي والمعلوماتي المحلي.
كما لا تزال شركة شريف وهي مجموعة اقتصادية ضخمة تهيمن على قطاعات واسعة من اقتصاد المنطقة، مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالنخبة السياسية الحاكمة.
عندما واجهت الإدارة القائمة بحكم الأمر الواقع نقصاً في السيولة هذا العام، لم تتخلَّ عنها الجهات الاقتصادية ذات المصالح التجارية المرتبطة بها، حيث ساهمت شركة شريف في صندوق طوارئ خُصص لدعم معاشات التقاعد وأجور العاملين في القطاع العام.
أما الشركات الأكثر اعتماداً على الأسواق الخارجية، فقد اختارت حتى الآن المساهمة في الحفاظ على النظام السياسي القائم، بدلاً من توظيف نفوذها الاقتصادي لتفكيكه.
كما ظل الموقف السياسي لتيراسبول ثابتاً؛ فهي تصف التدابير المالية والجمركية التي تتخذها مولدوفا بأنها حصار اقتصادي، وتناشد منظمة الأمن والتعاون في أوروبا، وتسعى لرفع التكلفة السياسية الدولية لأي خطوة إضافية تقدم عليها مولدوفا، ومع ذلك، لم تفلح أي من هذه الجهود في إلغاء التدابير التي اتخذتها كيشيناو.
يعكس مسار التفاوض نفسه تغيّر موازين القوى، حيث توقّف عملياً عن العمل إطار 5+2 القديم، الذي كان يضم مولدوفا وترانسنيستريا إلى جانب روسيا وأوكرانيا ومنظمة الأمن والتعاون في أوروبا، مع مشاركة الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة بصفة مراقبين، إذ أصبحت الاتصالات المباشرة تتركز بصورة متزايدة على القضايا العملية، بدلاً من التوصل إلى تسوية شاملة بشأن الوضع السياسي.
من ثم، فإن الترتيب الناشئ أقرب إلى تعايش مُدار بين نظامين إداريين منه إلى إعادة اندماج متفاوض عليها، أحدهما يوسع تدريجياً نطاق التطبيق العملي لقواعده.
حق النقض الروسي الأقل كلفة
بالنسبة إلى روسيا، يتمثل التغيير الأهم في تراجع كلفة الإبقاء على الوضع القائم، حيث كان النموذج القديم مكلفاً، إذ كان يتطلب توفير الطاقة المدعومة واقتصاداً صناعياً يتمتع بقدر كافٍ من الملاءة لتمويل مؤسسات تعمل بحكم الأمر الواقع.
أما منع إعادة الاندماج الكامل، فيتطلب موارد أقل بكثير، فموسكو لا تحتاج إلا إلى قدر كافٍ من النفوذ العسكري والسياسي للحيلولة دون تمكّن مولدوفا من تحويل الاعتماد الاقتصادي إلى سلطة سيادية فعلية.
وقد تراجعت قدرة روسيا على دعم ترانسنيستريا منذ عام 2022، إذ أدى إغلاق الحدود الأوكرانية إلى قطع الوصول البري إليها من الشرق، وأصبح الدعم الاقتصادي يعتمد الآن على ترتيبات أكثر تعقيداً بكثير، لكن تراجع السيطرة الروسية لا يعني بالضرورة زوال حق النقض الروسي، أي قدرتها على عرقلة إعادة الاندماج، حيث لا يزال الوجود العسكري الأداة الأكثر وضوحاً في هذا الصدد.
تراجع السيطرة الروسية لا يعني بالضرورة زوال حقها في النقض أي قدرتها على عرقلة إعادة الاندماج حيث لا يزال الوجود العسكري الأداة الأكثر وضوحاً
ووفقاً لوزارة الخارجية المولدوفية، يبلغ قوام القوة الروسية نحو 1,200 إلى 1,500 فرد وفق الأرقام الرسمية، إلا أن أقلية فقط منهم جنود روس فعليون، بينما جرى تجنيد معظمهم محلياً، كما أن هذه القوة لم تخضع لعمليات تناوب منتظمة منذ سنوات.
لا ينبغي المبالغة في تقدير القيمة العسكرية لهذا الوجود، لكن دلالته السياسية كبيرة، فما دامت الهياكل المسلحة المحمية من موسكو تقع خارج سلطة كيشيناو، فإن عملية الإدماج التنظيمي ستظل محكومة بحدود طبيعية.
كما تحتفظ روسيا بأدوات أخرى، فالجنسية الروسية تبقي جزءاً من سكان المنطقة مرتبطاً رسمياً بموسكو، حيث لا تزال الأصول التجارية الخاضعة للسيطرة الروسية دون تسوية، فضلاً عن أن موسكو تحتفظ بقدرة كبيرة على التأثير في السياسة المولدوفية خارج ترانسنيستريا نفسها، وهو ما قد يمنحها نفوذاً على مسار العملية يفوق ما يمكنها تحقيقه من داخل المنطقة.
تكتسب هذه المسألة أهمية لأن استراتيجية مولدوفا تعتمد على مواصلة الحكومات المتعاقبة إلغاء الإعفاءات وتوسيع نطاق تطبيق القواعد الوطنية حتى عام 2030، فأي حكومة مولدوفية مستقبلية مستعدة لإبطاء هذه العملية، أو إعادة بعض الإعفاءات، أو مقايضة الضغوط الاقتصادية بتسوية أوسع، قد تتمكن من تحقيق قدر كبير مما تريده موسكو، وبكلفة أقل بكثير من كلفة إعادة بناء النموذج الاقتصادي السابق لترانسنيستريا.
الحرب كنقطة التحول
هيأت الحرب الروسية-الأوكرانية معظم الظروف التي أتاحت لمولدوفا انتهاج استراتيجيتها الحالية، ولذلك، فإن المسار الذي ستتخذه الحرب في نهاية المطاف سيسهم في تحديد ما إذا كان الاندماج الاقتصادي سيتجاوز حدوده الحالية.
إذا استمرت الحرب لفترة طويلة، فمن المرجح أن يستمر الاختلال الراهن في موازين القوى، وستظل الحدود الأوكرانية مغلقة، وسيبقى وصول روسيا المباشر إلى المنطقة مقيداً، وستحظى كيشيناو بمزيد من الوقت لتعميق سيطرتها التنظيمية.
قد يؤدي وقف إطلاق النار إلى تغيير موازين القوى، إذ يعيد فتح ملف عبور الإمدادات الروسية ووصولها، ويجعل استئناف الدعم المالي أكثر سهولة، ويدفع قضية ترانسنيستريا إلى دائرة المفاوضات الأوسع بشأن الأمن الأوروبي، وقد تسعى موسكو عندئذٍ إلى توظيف وضع قواتها العسكرية في المنطقة كورقة ضغط ضمن تسوية أوسع.
الواقع أن الاتحاد الأوروبي بدأ بالفعل في الاستعداد لهذا الاحتمال، ففي زيارتها إلى كيشيناو في مايو، قالت نائبة رئيسة المفوضية الأوروبية، كايا كالاس، إن الاتحاد الأوروبي سيطالب بانسحاب القوات الروسية من ترانسنيستريا في أي مفاوضات مع موسكو بشأن رفع العقوبات.
يعتمد الأمر أيضاً بشكل كبير على كييف؛ فأوكرانيا لديها مصلحة أمنية في إزالة موطئ قدم عسكري روسي قريب من أوديسا، لكنها في الوقت نفسه تسيطر على الحدود التي جعل إغلاقها مولدوفا شرياناً لا غنى عنه لاقتصاد ترانسنيستريا، ومن ثم، فإن أي قرار أوكراني بإعادة فتح هذه المعابر ستكون له تداعيات تتجاوز بكثير نطاق التجارة المحلية.
كما أن أهمية المسألة تتجاوز مولدوفا نفسها، إذ تستضيف ترانسنيستريا الوجود العسكري الروسي الوحيد على الجناح الجنوبي الغربي لأوكرانيا، بالقرب من أوديسا وعلى مسافة غير بعيدة من رومانيا، العضو في “الناتو” والاتحاد الأوروبي.

وبالتالي، فإن مؤشرات التحذير الرئيسية واضحة ومحددة: ورود إشارات إلى ترانسنيستريا في مفاوضات وقف إطلاق النار، ومناقشة مسألة وصول القوات الروسية إلى المنطقة أو تناوب أفرادها، وأي تغييرات في سياسة أوكرانيا بشأن الحدود، فضلاً عن أي محاولة روسية جديدة لتمويل المنطقة على نطاق يقترب من مستوى الدعم الذي كان قائماً قبل عام 2022.
الساعة الأوروبية
غيّر مسار انضمام مولدوفا إلى الاتحاد الأوروبي الحوافز المرتبطة بالنزاع بطريقة أخرى، حيث بدأت مفاوضات الانضمام رسمياً في عام 2024، وأكد مسؤولون في الاتحاد الأوروبي أن وجود ترانسنيستريا لن يحول بالضرورة دون مواصلة مولدوفا تقدمها نحو العضوية.
إذا تمكنت كيشيناو من المضي قدماً نحو الاتحاد الأوروبي من دون استعادة السيطرة الفعلية على المنطقة الانفصالية أولاً، فسيكون لديها حافز أقل لتحمّل كلفة سياسية مرتفعة لمجرد التوصل إلى اتفاق مبكر بشأن وضع المنطقة.
السابقة الأبرز في هذا السياق هي قبرص، حيث يظل تطبيق قانون الاتحاد الأوروبي معلّقاً في الجزء الشمالي من الجزيرة، فمولدوفا ليست قبرص، وقد تتردد الدول الأعضاء في إدخال نزاع إقليمي آخر غير محسوم إلى الاتحاد، لكن هذه السابقة تُظهر أن الانقسام الإقليمي لا يشكّل بالضرورة عائقاً قانونياً مطلقاً أمام العضوية.
بدأت الجداول الزمنية أيضاً في التداخل؛ فمولدوفا تأمل في أن تصبح مستعدة للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي بحلول نهاية العقد، في حين يُفترض أن تنتهي الإعفاءات الضريبية الانتقالية الممنوحة لشركات ترانسنيستريا بحلول عام 2030، فرغم أن المسارين منفصلان رسمياً، إلا أنهما يسيران ضمن الإطار الزمني السياسي نفسه.
بالنسبة إلى الاتحاد الأوروبي، يعني ذلك أن تمويله لتعزيز أمن الطاقة في مولدوفا، واهتمامه بنزاهة الانتخابات المقبلة في البلاد، المقرر إجراؤها في عامي 2028 و2029، قد يكون لهما تأثير في مسار قضية ترانسنيستريا يفوق تأثير أي موقف يتخذه الاتحاد بشأن وضع المنطقة.
مزايا الحلول الوسط
ارتكز النظام الانفصالي على ثلاث مزايا: الحماية العسكرية الروسية، والطاقة المدعومة، والترتيبات الاقتصادية التفضيلية التي أتاحت لشركات ترانسنيستريا الاستفادة من الوصول إلى الأسواق المولدافية والأوروبية دون الانخراط الكامل في النظام المالي لمولدافيا.
وقد تعرض اثنان من هذه الركائز لضعف شديد؛ إذ لم يتبقَ سوى الحماية العسكرية الروسية التي تظل بمنأى كبير عن سيطرة كيشيناو، وربما يظل ذلك كافياً.
ربما يتحول الاعتماد الاقتصادي في نهاية المطاف إلى سلطة مؤسسية، وقد تقتصر تسوية سياسية مستقبلية على إضفاء الطابع الرسمي على التغييرات التي تحققت بالفعل على أرض الواقع.
لكن السيناريو المعاكس يظل ممكناً بالقدر نفسه، فقد تتولى مولدوفا مسؤوليات متزايدة عن اقتصاد المنطقة وسكانها، في حين تحتفظ تيراسبول بمؤسساتها القسرية، وتبقي موسكو على قدر كافٍ من النفوذ العسكري والسياسي لعرقلة إعادة الاندماج الكامل.
في الواقع، قد تؤدي الضغوط الاقتصادية المفرطة إلى إضعاف الجهات التي ترتبط مصالحها بصورة وثيقة بالأسواق المولدوفية والأوروبية، في حين تظل المنظومة الأمنية بمنأى نسبياً عن هذه الضغوط.
وقد تكون النتيجة ما وصفه المحلل يفغيني تشيبان بأنه “جيب عسكري خالٍ من السكان ومدعوم مالياً”، أفقر من ترانسنيستريا الحالية، وأكثر صعوبة، لا سهولة، في استيعابه ضمن مولدوفا.
في الوقت الراهن، تدفع الحوافز في اتجاه لا الانفصال مجدداً ولا إعادة الاندماج الكامل، حيث أسهمت شركة شيريف وغيرها من أصحاب المصالح الراسخة، حتى الآن، في إبقاء تيراسبول صامدة بدلاً من دفعها نحو إبرام تسوية سياسية.
بوسع تيراسبول كسب الوقت، كما تستطيع موسكو الحفاظ على حق النقض بتكلفة لا تُقارن بما كانت تتحمله سابقاً، كما أن استعداد الاتحاد الأوروبي للسماح بمواصلة مولدوفا إجراءات الانضمام من دون تسوية النزاع أولاً يلغي أحد المواعيد النهائية التي كان من الممكن أن تفرض التوصل إلى اتفاق شامل.
الاتحاد الأوروبي يتيح لمولدوفا مواصلة مسار الانضمام دون حسم النزاع ما يلغي أحد المواعيد النهائية للتوصل إلى اتفاق شامل
لهذا السبب، قد يتبين أن الاندماج الجزئي أكثر استدامة مما يبدو للوهلة الأولى، فكيشيناو تعمل بصورة مطّردة على توسيع نطاق تطبيق القانون المولدوفي عبر نهر دنيستر، من دون أن يصاحب ذلك توسيع نطاق حضور الحكومة المولدوفية أو سلطتها الفعلية، وقد يستمر هذا الترتيب إلى ما بعد عام 2030 بفترة طويلة، تحديداً لأنه يخفف الضغوط المباشرة على جانبي النهر للتوصل إلى تسوية، مع إبقاء جوهر النزاع من دون حل.





