صفقة واشنطن في غرينلاند: قواعد بلا سيادة

تقرير
جنود دنماركيون في غرينلاند(أ ف ب)
جنود دنماركيون في غرينلاند(أ ف ب)
ﺷﺎرك

شكّل الخلاف حول غرينلاند خلال عام 2026، اختباراً لمدى استعداد الولايات المتحدة للضغط على حلفائها، ففي يناير، هدّد الرئيس دونالد ترامب ثماني حكومات أوروبية بفرض رسوم جمركية عليها إذا لم يتم بيع الجزيرة، لكنه عاد في 22 سبتمبر الماضي ليوقع في نيويورك اتفاقاً مع الدنمارك وغرينلاند، يقضي ببقاء الجزيرة تحت السيادة الدنماركية.

يبقى العلم مرفوعاً في كوبنهاغن، لكن الخريطة الاستراتيجية تغيّرت، حيث حصلت واشنطن على حق إنشاء مناطق دفاعية جديدة، وعلى دور دائم في تحديد الموقف من الوجود العسكري للقوى المنافسة والاستثمارات الحساسة، إلى جانب تعهّد بأن تظل غرينلاند في حال استقلالها، ضمن التحالف، لكنها لم تحصل على حرية البناء فيها كيفما شاءت، ولا على أي حق في ثروات الجزيرة المعدنية.

كما ستسهم هذه المكاسب، إلى جانب ما لم تحصل عليه واشنطن، في تحديد هامش الاستقلال الذاتي الذي تتمتع به غرينلاند، وثقل الدنمارك داخل حلف الناتو، وتوازن القوى في منطقة القطب الشمالي، حيث يتواصل توسّع النشاطين الروسي والصيني.

من المطالبة بالشراء إلى حق الوصول

كان الاستحواذ على غرينلاند هو هدف ترامب منذ أن طرح فكرة شراء الجزيرة للمرة الأولى عام 2019، حيث انتهى اجتماع عُقد في البيت الأبيض في 14 يناير إلى ما وصفته كوبنهاغن بأنه “خلاف جوهري”، لتأتي بعد أيام قليلة التهديدات بفرض رسوم جمركية، وفي 21 يناير تراجع ترامب عن التهديد بعد توصله إلى إطار اتفاق مع الأمين العام لحلف شمال الأطلسي “الناتو” مارك روته.

الاستحواذ على غرينلاند هدف ترامب منذ أن طرح فكرة شراء الجزيرة للمرة الأولى عام 2019 ثم تراجع عنه بعد توصله إلى إطار اتفاق مع الناتو

بالنظر إلى هذه المطالب كلٌّ على حدة، يتضح أنها كانت تخدم أربعة أهداف رئيسية، حيث عكست حرية التحرك العسكري منظومة الدفاع الصاروخي “القبة الذهبية” التي تعتزم إدارة ترامب تطويرها، وإذ وصف ترامب الجزيرة بأنها حيوية لنجاحها.

أما ضمان استمرارية الوصول، فجاء استجابةً لمخاوف مسؤولين أمريكيين من احتمال تقييد هذا الوصول إذا أصبحت غرينلاند مستقلة، في حين كان استبعاد القوى المنافسة يستهدف الحد من الاهتمام الصيني بالاستثمار في الجزيرة، بينما الوصول إلى الموارد، فارتبط بما يُشار إليه عادةً باعتبار غرينلاند موطناً لثامن أكبر احتياطيات العالم من العناصر الأرضية النادرة.

من حيث المبدأ، كان من الممكن، تحقيق كل هدف من هذه الأهداف من دون امتلاك الأراضي، ما يجعل التوصل إلى تسوية ممكناً، إذ طرح مسؤولون غربيون نموذجاً يشبه مناطق القواعد السيادية البريطانية في قبرص، لكن كوبنهاغن ونوك رفضتا أي تنازل عن أراضٍ.

وحظي موقفهما بدعم سكان غرينلاند؛ إذ أظهر استطلاع للرأي أُجري في يناير أن 76% منهم قالوا إن الانضمام إلى الولايات المتحدة لن يحقق أي فائدة.

يحافظ النص الموقَّع، في معظمه، على أحكام اتفاقية الدفاع عن غرينلاند المبرمة عام 1951، إذ يجيز توسيع قاعدة “بيتوفيك” الفضائية، كما يسمح بإنشاء مناطق دفاعية جديدة في نارساكواك ومسترزفيغ.

غير أن أبرز المستجدات تتركز في الإجراءات؛ إذ يتعين على الدنمارك وغرينلاند النظر في الطلبات الأمريكية لإنشاء منشآت غير مأهولة خارج المناطق الدفاعية وفق إجراءات مُعجّلة، بما يتيح مساراً محتملاً لنشر أجهزة استشعار منظومة “القبة الذهبية”.

تحظر المادة التاسعة إقامة أي منشآت عسكرية أو وجود عسكري دائم لدول من خارج حلف الناتو، ما لم توافق الأطراف الثلاثة جميعاً على ذلك، حيث تنص المادة العاشرة على مبدأ الإجماع نفسه فيما يتعلق بالاستثمارات في القطاعات الحساسة القادمة من دول من خارج الناتو وشركائه والاتحاد الأوروبي.

كما لا يحدد الاتفاق مدة زمنية لانتهائه، ويُلزم كوبنهاغن ونوك بضمان بقاء غرينلاند، في حال استقلالها، ضمن حلف الناتو وتولّيها الالتزامات التي تقع حالياً على عاتق الدنمارك.

وكانت نارساكواك تضم قاعدة أمريكية حتى خمسينيات القرن الماضي، فيما تُستخدم مسترسفيغ كنقطة انطلاق لدوريات الجيش الدنماركي التي تعتمد على الزلاجات التي تجرها الكلاب، ومن الناحية العملية، لن يطرأ تغيير يُذكر على أرض الواقع إلى أن تتفق الأطراف على شروط استخدام كل موقع، وتوفر واشنطن التمويل اللازم لأعمال البناء.

 مقارنة الملكية وحق الوصول

عند تقييم الاتفاق في ضوء الأهداف الأربعة، يتضح أنه يحققها بدرجات متفاوتة، حيث جرى ضمان استبعاد المنافسين من الناحية المؤسسية، على الأقل قانونياً، إذ أصبحت موافقة الولايات المتحدة شرطاً دائماً لأي وجود عسكري لقوة منافسة أو أي استثمار حساس.

كما جرى ضمان استمرارية الوجود الأمريكي إلى حد كبير؛ فإطار عام 1951 كان يشترط أصلاً موافقة الطرفين على أي تعديل، فيما يسدّ بند الاستقلال الفجوة التي كانت تثير أكبر مخاوف المسؤولين الأمريكيين.

أما حرية التحرك، فلم تتحقق سوى جزئياً، فالحركة تكاد تكون غير مقيدة، إذ يمكن للطائرات الأمريكية التحليق فوق أي منطقة في غرينلاند والهبوط فيها، كما تتمتع السفن الأمريكية بإمكانية الوصول تحت سطح البحر إلى مياهها الإقليمية.

لكن الأمر يختلف بالنسبة إلى إنشاء القواعد؛ إذ يتطلب إنشاء مناطق دفاعية جديدة اتفاقاً متبادلاً عبر لجنة دائمة، مع مهلة 90 يوماً قبل تصعيد المسألة إلى كبار المسؤولين والوزراء.

أما إنشاء القواعد العسكرية، فمسألة مختلفة؛ إذ يتطلب إنشاء مناطق دفاعية جديدة اتفاقاً متبادلاً عبر لجنة دائمة، مع مهلة 90 يوماً للتوصل إلى اتفاق قبل إحالة الخلاف إلى كبار المسؤولين والوزراء.

ولو كانت واشنطن قد حصلت على ملكية الجزيرة، لما كانت بحاجة إلى هذا الشرط، ولكان بإمكانها بناء المنشآت ونشر القوات وفرض قيود على الوصول إليها من جانب واحد، ومن ثم، فإن حديث ترامب عن سيطرة دائمة على أمن غرينلاند يبالغ في تفسير ما ينص عليه الاتفاق، الذي لا يزال قائماً على مبدأ موافقة الأطراف المتبادلة.

لو امتلكت واشنطن الجزيرة لما احتاجت إلى موافقة الأطراف لإقامة القواعد أو نشر قواتها وفرض قيود على الوصول إليها

كانت السيادة ستمنح واشنطن أيضاً صلاحية قانونية على قاع البحر، بما في ذلك نحو 895 ألف كيلومتر مربع تطالب الدنمارك بالولاية عليها خارج حدود 200 ميل بحري منذ عام 2014، حيث تمتد هذه المطالبة إلى القطب الشمالي، وتتداخل مع المطالبة الروسية على طول سلسلة جبال لومونوسوف.

وبما أن الولايات المتحدة ليست طرفاً في اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، فإنها لا تستطيع الحصول على حدود نهائية وملزمة من خلال إجراءات المراجعة التي تتيحها الاتفاقية، وبالتالي، كانت ملكية غرينلاند ستمنح واشنطن مطالبة بقاع البحر ذات سند قانوني أضعف من المطالبة الدنماركية.

وتظل الموارد خارج نطاق السيطرة المباشرة لواشنطن، فلا يتضمن الاتفاق أي نص يمنح حقوقاً في المعادن، وإنما يكتفي بالإشارة في صياغته إلى التعاون القائم في مجال المعادن، إذ تحدد المادة العاشرة الجهات التي يمكنها تطوير مكامن غرينلاند، من دون أن تمنحها أي حق فيها، حيث تبقى صلاحية منح التراخيص بيد نوك، كما يظل تطوير الموارد مرهوناً بجدواه التجارية.

ترامب مع رئيسي وزراء الدنمارك وغرينلاند (أ ف ب)
ترامب مع رئيسي وزراء الدنمارك وغرينلاند (أ ف ب)

لكن امتلاك الجزيرة كان سيحمّل واشنطن أعباءً يتجنبها الاتفاق، إذ كانت ستتولى مسؤولية نحو 57 ألف نسمة، كما كانت ستضطر إلى تعويض المنحة السنوية التي تقدمها الدنمارك، والتي بلغت 614 مليون دولار في عام 2023، أي نحو نصف إيرادات حكومة غرينلاند.

وأكدت كوبنهاغن أن الولايات المتحدة ستتحمل تكاليف أي قواعد تنشئها، فيما تتولى الدنمارك تمويل تحديث قدراتها في منطقة القطب الشمالي.

في المحصلة، حققت واشنطن هدفاً واحداً بالكامل، وثانياً إلى حد كبير، وثالثاً جزئياً، فيما لم تحقق هدفها الرابع، المتعلق بالموارد، إلا بصورة غير مباشرة، حيث حققت ذلك بتكلفة مالية أقل بكثير من تكلفة السيادة، ومن دون إحداث انقسام في التحالف الذي كان يمكن أن ينجم عن الضم.

لماذا تكتسب غرينلاند أهمية أكبر الآن؟

قبل عقد من الزمن، كان الوصول نفسه سيحمل وزناً استراتيجياً أقل بكثير، ففي عام 2016، كان مجلس القطب الشمالي لا يزال يعمل بمشاركة روسية كاملة، وكانت فنلندا والسويد خارج حلف الناتو، كما لم تكن الصين قد أعلنت بعد عن استراتيجية خاصة بالقطب الشمالي.

الوصول قبل عقد كان أقل أهمية استراتيجياً وكانت روسيا تشارك في مجلس القطب الشمالي وفنلندا والسويد خارج الناتو والصين بلا خطط معلنة للمنطقة

لكن كل هذه الظروف تغيرت منذ ذلك الحين، ففي يناير 2018، وصفت الصين نفسها في كتابها الأبيض بأنها “دولة شبه قطبية”، وطرحت مفهوم “طريق الحرير القطبي”.

وفي مارس 2022، علّق الأعضاء الغربيون السبعة في مجلس القطب الشمالي تعاونهم مع موسكو، ثم انضمت فنلندا والسويد إلى “الناتو” في عامي 2023 و2024، حيث أصبحت روسيا الدولة الوحيدة المطلة على القطب الشمالي التي لا تنتمي إلى الحلف الآن.

وتزامن ذلك مع تصاعد النشاط الصيني والروسي، ففي يوليو 2024، نفذت قاذفات صينية وروسية أول دورية مشتركة لها قبالة سواحل ألاسكا، قبل أن تبحر سفن خفر السواحل في البلدين معاً عبر بحر بيرينغ.

وفي أغسطس 2025، رصد خفر السواحل الأمريكي خمس سفن أبحاث صينية في المياه القطبية الأمريكية أو بالقرب منها في وقت واحد، وفي العام نفسه، أدخلت روسيا أول كاسحة جليد مسلحة إلى الخدمة، وهي قادرة على حمل صواريخ كروز من طراز “كاليبر”، حيث بات التداخل بين النشاطين المدني والعسكري في القطب الشمالي أكثر وضوحاً.

تزداد أهمية المنطقة مع تطور قدرات الإنذار الصاروخي وإمكانية وصول الغواصات، إذ تستضيف بيتوفيك بالفعل راداراً للإنذار من الصواريخ الباليستية المتجهة نحو أمريكا الشمالية.

وقد خلصت الاستخبارات الدنماركية في ديسمبر 2025 إلى أن الصين، التي لا تملك حتى الآن وجوداً عسكرياً في القطب الشمالي، تسعى إلى امتلاك القدرة على تشغيل غواصات في المنطقة، كما يوفر نارساك منفذاً إلى المياه العميقة، ما يمنح البحرية الأمريكية خيارات لم تكن متاحة عبر بيتوفيك وحدها.

يمثل الاتفاق تحركاً استباقياً لمنع المنافسين من الوصول إلى المنطقة، حيث قال وزير الخارجية الدنماركي في يناير: إن أي سفينة حربية صينية لم تزر غرينلاند منذ نحو عقد، لكن الجزيرة كانت قد استقطبت عروضاً صينية لتنفيذ مشاريع في قطاعي المطارات والتعدين.

ويؤدي إغلاق هذا المسار إلى تركيز الطموحات الصينية في القطب الشمالي شمال مضيق بيرينغ، إذ ترصد الاستخبارات الدنماركية معظم النشاط الصيني الأخير، وحيث تسيطر روسيا على الطريق البحري الرئيسي، والخطر يتمثل في أن يؤدي ذلك إلى تعميق التقارب الصيني-الروسي الذي يسعى المخططون الغربيون إلى الحد منه.

استقلالية نوك وحدود واشنطن

بالنسبة إلى غرينلاند، يمنح الاتفاق الجزيرة مكانة رسمية أكبر، لكنه يحدّ في المقابل من هامش حركتها الاستراتيجي، فعلى خلاف عام 1951، عندما كانت غرينلاند مستعمرة، وقّعت الجزيرة هذه المرة بوصفها طرفاً في الاتفاق، بما يوسّع حقوق التشاور التي اكتسبتها عام 2004.

كما يعترف النص بالغرينلانديين شعباً يتمتع بحق تقرير المصير بموجب القانون الدولي، حيث قال رئيس وزراء غرينلاند، ينس-فريدريك نيلسن: إن الاتفاق ينبغي أن يبدد أي شك بشأن الجهة التي تنتمي إليها غرينلاند.

لهذا الموقف مقابل قانوني أيضاً، فلا يزال استقلال غرينلاند يتطلب موافقة سكانها، وإجراء استفتاء، وموافقة البرلمان الدنماركي “فولكتينغ”، لكن الاتفاق يحدد مسبقاً توجه الدولة المستقلة استراتيجياً.

ويجعل الرأي العام هذا القيد مقبولاً في الوقت الراهن؛ ففي الاستطلاع نفسه الذي أُجري في يناير، عارض 62% الاستقلال في المدى القريب، فيما قال 52% إنهم سيرفضونه إذا تراجعت مستويات المعيشة.

يضيق هامش المناورة الاقتصادية بالتوازي، فلا تملك غرينلاند نظاماً لفحص الاستثمارات، بعدما سحبت في ربيع 2026 مشروع قانون بهذا الشأن لإعادة مراجعته، وعليها الآن سنّ تشريع ضمن حدود المادة العاشرة، ومع غياب جهة مختصة بالفحص وعدم امتلاك خبرة في التدقيق في هياكل الملكية المعقدة، يُرجح أن تشكل الحالات الأولى ضغطاً على القدرات الإدارية في نوك.

لم يعد رأس المال الصيني في القطاعات الحساسة بديلاً واقعياً للدعم المالي الذي تقدمه كوبنهاغن، ما يعني أن طريق غرينلاند نحو الاكتفاء المالي يمر عبر المستثمرين الغربيين، إذ يبدو أن سكان غرينلاند يفضلون هذا المسار؛ حيث أيد 65% منهم تعزيز التعاون مع الاتحاد الأوروبي، مقابل 5% فقط أيدوا تعزيز التعاون مع الولايات المتحدة.

لم يعد رأس المال الصيني في القطاعات الحساسة بديلاً واقعياً لدعم كوبنهاغن المالي ما يجعل الطريق إلى نحو الاكتفاء المالي يمر عبر المستثمرين الغربيين

توضح حزمة الاتحاد الأوروبي البالغة 200 مليون يورو، التي أُعلن عنها في 7 سبتمبر، إلى جانب مقترح لزيادة المساعدات الأوروبية المنتظمة إلى أكثر من الضعف اعتباراً من عام 2028، المسار المرجح لتدفق رأس المال إلى غرينلاند.

وبما أن المادة العاشرة تُبقي المستثمرين الأوروبيين ضمن نطاق الجهات الموثوقة، فقد يميل اقتصاد غرينلاند بصورة أكبر نحو أوروبا، في الوقت الذي يتجه فيه أمنها بصورة أكبر نحو واشنطن.

أما المكاسب المباشرة لغرينلاند، فهي ملموسة لكنها محدودة، إذ يجب إسناد عقود المناطق الدفاعية إلى جهات غرينلاندية إلى أقصى حد ممكن، كما يتعين أن تراعي حقوق الوصول الأمريكية أنشطة القنص والصيد وغيرها من الأنشطة التقليدية.

وتؤكد نوك أن إنشاء أي موقع جديد يتطلب موافقة غرينلاند، وأنه يجب أن يراعي المجتمعات المحلية والبيئة، لكن واشنطن قد تثير مخاوف بشأن أعمال البناء بالقرب من المناطق الدفاعية، بما قد يوسّع النفوذ الأمريكي ليشمل جوانب من التخطيط المحلي.

أوراق الضغط الدنماركية داخل الناتو

بالنسبة إلى الدنمارك، يحوّل الاتفاق نزاع السيادة إلى ترتيبات مُدارة داخل التحالف، حيث أُبرمت اتفاقية عام 1951 في إطار معاهدة شمال الأطلسي، بينما يُلزم النص الجديد جميع الأطراف بدعم تعزيز دور حلف الناتو في منطقة القطب الشمالي.

وتُصاغ معظم حقوق الولايات المتحدة في غرينلاند باعتبارها حقوقاً نابعة من التحالف، ما يمنح كوبنهاغن سنداً قانونياً إذا تراجعت واشنطن عن التزامها تجاه الناتو.

سفينة تابعة للبحرية الدنماركية (أ ف ب)
سفينة تابعة للبحرية الدنماركية (أ ف ب)

لكن هذا التصور لا يعكس الصورة كاملة، والفجوة بينه وبين النص تكشف عن تحول أوسع، فالوثيقة تستند أيضاً إلى الدفاع عن القارة الأمريكية كأساس لحق الولايات المتحدة في الوصول إلى غرينلاند.

وتردد هذه الصياغة أصداء استراتيجية الأمن القومي الأمريكية الصادرة في ديسمبر 2025، التي أعطت الأولوية لنصف الكرة الغربي وقدمت الحلفاء الأوروبيين باعتبارهم ضعفاء.

بذلك، تُدمج غرينلاند ضمن نطاق الدفاع الأمريكي عن الأراضي الأمريكية، وهو مبرر سيظل قائماً حتى إذا تراجعت الولايات المتحدة عن “الناتو”، ومن ثم، فإن اعتماد كوبنهاغن على التحالف يوفر لها هامش تحوّط محدوداً.

وكان جهاز الاستخبارات الدنماركي قد خلص في ديسمبر إلى أن الشكوك تتزايد بشأن استمرار دور الولايات المتحدة كضامن لأمن أوروبا، إذ قد تكون النتيجة مملكة تحظى بمستويات متفاوتة من الحماية: غرينلاند تحظى بالدفاع لأسباب تتصل بالأمن الأمريكي، بينما تواجه الدنمارك نفسها ضمانة تحالفية أقل يقيناً.

ويلزم الاتفاق الدنمارك أيضاً بمواصلة تعزيز قدراتها الدفاعية في القطب الشمالي براً وبحراً وجواً وفي الفضاء، حيث يحوّل هذا البند شكوى نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس من تقاعس الدنمارك عن حماية غرينلاند إلى التزام تعاهدي.

وكانت كوبنهاغن قد أقرت حزمتين لتعزيز دفاعات القطب الشمالي في عام 2025، بلغت قيمة الثانية منهما 27.4 مليار كرونة دنماركية، ما يعني أن البند يكرّس إلى حد كبير عملية تعزيز دفاعي كانت قائمة بالفعل.

كما يُدرج الاتفاق “الناتو” في إطار وثيقة لا يُعد الحلف طرفاً فيها، حيث يفترض بند الاستقلال استمرار عضوية غرينلاند في “الناتو”، لكن الانضمام إلى الحلف يتطلب دعوة بالإجماع من الدول الأعضاء، وفقاً للمادة العاشرة من معاهدة شمال الأطلسي.

وبذلك، تعهدت كوبنهاغن ونوك بمآل تتحكم فيه دول حليفة أخرى، ما يعني أن الاستمرارية التي سعت إليها واشنطن تعتمد جزئياً على تلك الدول.

لكن ثمة إرثاً أكثر تعقيداً لا يزال قائماً، ففي يناير، بدأت عملية “المرونة القطبية”، وهي انتشار عسكري بقيادة دنماركية وبمشاركة حلفاء في غرينلاند، ففي مارس، أفادت وسائل إعلام دنماركية، نقلاً عن مصادر لم تسمها، بأن العملية تضمنت استعدادات لمواجهة احتمال إنزال أمريكي.

وذكرت التقارير أن القوات حملت متفجرات لتعطيل مدارج الطائرات في نوك وكانغيرلوسواك، إذ لم تؤكد كوبنهاغن هذه الرواية.

وكان تقرير الاستخبارات الدنماركية الصادر في ديسمبر قد حذر أيضاً من أن واشنطن لم تعد تستبعد استخدام القوة، حتى ضد حلفائها، حيث يشير الاتفاق إلى أن قنوات التحالف يمكنها استيعاب الضغوط بين أعضائه، كما يوضح أن الضغط الذي أخفق في انتزاع السيادة يمكن أن يفضي، مع ذلك، إلى انتزاع حق الوصول.

يظهر الاتفاق أن قنوات التحالف يمكنها استيعاب الضغوط وإمكانية انتزاع حق الوصول حتى دون تحقيق السيادة

التصديق واختبار التنفيذ

يدخل الاتفاق حيز التنفيذ بعد استكمال الإجراءات البرلمانية في الدنمارك وغرينلاند، ويبدو إقراره مرجحاً بعدما تفاوضت الحكومتان عليه ووقّعتاه، وسيكون قانون فحص الاستثمارات في غرينلاند أول مؤشر على مدى تضييق نوك لتعريف القطاعات الحساسة.

بعد ذلك، ستنتقل جوهر الخلاف إلى مرحلة التنفيذ، وستبرز ثلاثة اختبارات مبكرة: تحديد شروط موقعي نارساك ومسترسفيغ، وأول طلب أمريكي لنشر أنظمة غير مأهولة بموجب الإجراء المُعجّل، وأول استثمار يخضع للاعتراض بموجب المادة العاشرة.

ولا تحتاج واشنطن إلى موافقة الكونغرس، لأنها تتعامل مع الترتيب باعتباره اتفاقاً تنفيذياً، إذ سيكشف إدراج تمويل المواقع الجديدة في موازنات الدفاع الأمريكية عن مدى سرعة تحول حق الوصول إلى وجود أمريكي فعلي.

أما المعادن، وهي الهدف الذي تناوله الاتفاق بصورة غير مباشرة، فمن المرجح أن تكون محور أي مفاوضات مقبلة، فبعد أن ضمنت واشنطن لنفسها حق إبداء الرأي في رؤوس الأموال المنافسة، قد تسعى إلى التوصل إلى ترتيبات خاصة بها بشأن مكامن المعادن في غرينلاند، وأي إطار من هذا القبيل سيتطلب موافقة نوك، ما يمنح غرينلاند ورقة تفاوضية مهمة، كما يستعد الاتحاد الأوروبي، الذي أدرج المواد الخام الحيوية ضمن حزمته الخاصة، للمنافسة على المشاريع ذاتها.

جاء رد موسكو الأول متحفظاً؛ إذ وصف الكرملين الاتفاق بأنه شأن يخص الأطراف المعنية، وقال إن التعاون في القطب الشمالي مع واشنطن ليس مطروحاً على جدول الأعمال، أما بكين، فرفضت في يناير وصف التهديد الصيني بأنه لا أساس له، ولا يبدو أن لديها سبباً لتغيير هذا الموقف.

في المحصلة، قد تتعامل واشنطن مع الاتفاق بوصفه نموذجاً لتأمين الوصول الاستراتيجي إلى أراضي الحلفاء من دون تحمل أعباء السيادة، وإذا صح ذلك، فستكون الولايات المتحدة قد أثبتت إمكانية تحويل الضغوط بين الحلفاء إلى حقوق بموجب اتفاق، من دون تغيير الحدود، أما بالنسبة إلى سكان غرينلاند، فقد حُسم مبدأ استضافة الولايات المتحدة، وأصبح الخلاف الآن على شروط ذلك الوجود.

واشنطن قد ترى في الاتفاق نموذجاً لتأمين وصول استراتيجي إلى أراضي الحلفاء دون تحمل مسؤولية السيادة بما يثبت إمكانية تحويل الضغط بين الحلفاء إلى حقوق بموجب اتفاق

توماس فالك - ايجل
توماس فالك

توماس فالك، صحفي ومحلل مقيم في لندن، يركّز على العلاقات عبر الأطلسي، والشؤون الأمريكية، والأمن الأوروبي. وبخبرته الطويلة في التقارير السياسية والتحليل الاستراتيجي، يعتمد على أبحاث معمّقة، ورؤى تاريخية، وتطورات ميدانية لاستكشاف القوى التي تُشكّل المشهد الجيوسياسي الحالي.

اشترك مجاناً في تقارير إيغل إنتيلجنس

رؤى وتقارير حصرية

تمتّع بإمكانية الوصول إلى تحليلات متعمّقة، ومعلومات استخباراتية حصرية، وتقارير خبراء مُصمّمة خصيصاً لتبقى على اطلاع دائم، وفي صدارة المتابعين لأهم التطورات العالمية.

بالاشتراك، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا.

موضوعات أخرى
تقرير
بوتين وفوتشيتش خلال لقاء سابق (أ ف ب)
تقرير
حريق في مركز دوبروبوت الطبي عقب غارة جوية روسية على كييف في 28 سبتمبر (أ ف ب)
تقرير
محمد بن سلمان وترامب في منتدى الاستثمار الأمريكي السعودي في واشنطن (أ ف ب)
تقرير
طاقم غواصة بقاعدة فاسلين البحرية في اسكتلندا. (أ ف ب)
تقرير
ترامب ومسؤولون في ولاية ويسكونسن يضعون حجر الأساس لمنشأة تابعة لشركة "فوكسكون" في 2018 (أ ف ب)
تقرير
الرئيس ترامب يزور شركة لتصنيع السفن (أ ف ب)
تقرير
تجمع سابق لأنصار الرئيس البرازيلي السابق جايير بولسونارو (أ ف ب)
تقرير

اشترك مجاناً في تقارير إيغل إنتيلجنس

رؤى وتقارير حصرية

تمتّع بإمكانية الوصول إلى تحليلات متعمّقة، ومعلومات استخباراتية حصرية، وتقارير خبراء مُصمّمة خصيصاً لتبقى على اطلاع دائم، وفي صدارة المتابعين لأهم التطورات العالمية.

بالاشتراك، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا.

ايغل انتيلجنس ريبورتس

Privacy Overview

This website uses cookies so that we can provide you with the best user experience possible. Cookie information is stored in your browser and performs functions such as recognising you when you return to our website and helping our team to understand which sections of the website you find most interesting and useful.