الانتخابات الإسبانية تختبر التوافق عبر الأطلسي

تقرير
رئيس الوزراء الإسباني خلال جلسة "أسئلة للحكومة" في البرلمان (أ ف ب)
رئيس الوزراء الإسباني خلال جلسة "أسئلة للحكومة" في البرلمان (أ ف ب)
ﺷﺎرك

بعد ثلاثة أيام من رفض البرلمان الإسباني مراسيم الطوارئ التي أصدرها بشأن الإسكان، دعا رئيس الوزراء بيدرو سانشيز إلى انتخابات مبكرة، واختار أن يخوض حملته الانتخابية حول قضية الإيجارات.

رغم أن الانتخابات تدور في جوهرها حول خلافات داخلية بشأن الإسكان وأزمة غلاء المعيشة الأوسع نطاقاً، إلا أن تداعياتها تتجاوز حدود إسبانيا بكثير، لتشمل الخلافات داخل حلف شمال الأطلسي (الناتو) بشأن الإنفاق الدفاعي، فضلاً عن سياسات الهجرة في أوروبا.

كما ستحدد نتائج الانتخابات إلى أي مدى ستواصل إسبانيا الحفاظ على وضعها الاستثنائي داخل أوروبا، ففي عهد سانشيز، أصبحت مدريد أبرز الأصوات المعارضة داخل الناتو، والمدافع الرئيسي في الاتحاد الأوروبي عن نهج ليبرالي في التعامل مع الهجرة.

لكن منذ عملية العبور الجماعي للمهاجرين إلى مدينة سبتة في يوليو الماضي، التي تعد إحدى نقطتي الحدود البرية للاتحاد الأوروبي مع أفريقيا، أُعيد تأطير قضية الهجرة باعتبارها مسألة أمنية.

تشير استطلاعات الرأي إلى ترجيح تشكيل حكومة بقيادة الحزب الشعبي الإسباني (PP) المعارض، تعتمد في بقائها على دعم حزب فوكس (Vox)، المنتمي إلى اليمين المتطرف والصاعد بقوة في المشهد السياسي الإسباني، ومن شأن نتيجة كهذه أن تقرّب إسبانيا سريعاً من واشنطن في ملف الإنفاق الدفاعي، ومن روما في ملف الهجرة.

غير أن ترجمة هذا التقارب السياسي إلى تغييرات فعلية في السياسات ستستغرق وقتاً أطول بكثير، في ظل القيود التي تفرضها الموازنات العامة والمحاكم، فضلاً عن الثمن السياسي الذي سيتعين دفعه مقابل الحصول على دعم حزب فوكس.

 رهان سانشيز وراء الانتخابات

يراهن سانشيز على أن أزمة الإسكان، التي باتت تداعياتها واضحة في الشوارع، قد تمنحه فرصة لتجاوز الانتخابات المبكرة والخروج منها بمكاسب سياسية.

سانشيز يراهن على أن أزمة الإسكان التي باتت تداعياتها واضحة في الشوارع قد تمنحه فرصة لتجاوز الانتخابات المبكرة والخروج منها بمكاسب سياسية

وقد أثار إخلاء المسنّة ماريكارمن أباسكال، البالغة من العمر 87 عاماً، من مسكنها في مدريد موجة احتجاجات عمّت إسبانيا في سبتمبر، حيث نصب متظاهرون خياماً وأقاموا مخيماً احتجاجياً في وسط العاصمة، فيما لوّحت نقابة المستأجرين بإمكانية الدعوة إلى إضراب عام.

بعد يومين من الدعوة إلى الانتخابات، توفيت ماريكارمن أباسكال في 7 أكتوبر، حيث تعكس حالة الغضب الشعبي الارتفاع المستمر في تكاليف السكن، الذي يدفع كثيراً من الشباب الإسباني إلى مواصلة العيش مع ذويهم حتى بعد تجاوز سن الثلاثين.

ردّت الحكومة بإصدار مرسومين: الأول يقضي بتجميد عمليات الإخلاء بحق الأسر الأكثر ضعفاً حتى عام 2030، مع فرض قيود على الصناديق الاستثمارية العقارية، والثاني ينص على التجديد التلقائي لعقود الإيجار، لكن البرلمان رفض المرسومين، إذ سقط الأول بأغلبية 178 صوتاً مقابل 172 صوتاً.

وانضم حزب جونتس الكتالوني، الذي أسهمت أصوات نوابه السبعة في إبقاء سانشيز في السلطة عام 2023، إلى الحزب الشعبي وحزب فوكس في معارضة المرسومين، معتبراً أن هذه الإجراءات ستؤدي إلى تقليص المعروض من المساكن.

وتحوّلت هذه الهزيمة البرلمانية، مع الدعوة إلى انتخابات مبكرة، إلى محور رئيسي في الحملة الانتخابية، حيث أظهر استطلاع أجراه مركز البحوث الاجتماعية (CIS)، وهو مؤسسة استطلاع الرأي الحكومية، ونُشرت نتائجه في 8  أكتوبر، أن 76  % من الإسبان يؤيدون تدخل الدولة في سوق الإسكان بالقدر الذي تقتضيه الحاجة.

وعند إعلانه الدعوة إلى الانتخابات، أقرّ سانشيز بارتكاب أخطاء، داعياً إلى تشكيل أغلبية تقدمية أكبر بكثير، في إشارة إلى سعيه لاستعادة تأييد الناخبين الذين خاب أملهم في حكومته.

جانب من احتجاجات المستأجرين ونشطاء في مجال الإسكان أمام مبنى البرلمان في مدريد (أ ف ب)
جانب من احتجاجات المستأجرين ونشطاء في مجال الإسكان أمام مبنى البرلمان في مدريد (أ ف ب)

من شأن تحويل الحملة الانتخابية إلى قضية الإسكان أن يصرف الأنظار أيضاً عن أحداث سبتة وقضايا الفساد التي تحيط بالحزب الاشتراكي العمالي الإسباني (PSOE)، وهما من أضعف الملفات التي تواجه الحكومة، إذ اتهم ألبرتو نونييث فيخو، زعيم الحزب الشعبي (PP)، سانشيز باستغلال قضية الإسكان للتغطية على سجله في الحكم.

وليس هذا الرهان سابقة في مسيرة سانشيز السياسية؛ فقد دعا إلى انتخابات مبكرة عقب هزيمة حكومته في تصويت على الموازنة في فبراير 2019، ثم كرر الخطوة بعد الخسارة الكبيرة التي مُني بها حزبه في الانتخابات الإقليمية في مايو 2023، وتمكن في المرتين من الاحتفاظ بالسلطة.

لكن الحسابات السياسية في عام 2023  كانت لا تزال تسمح لسانشيز بالتوصل إلى اتفاقات مع أحزاب كتالونية وباسكية لتأمين الدعم اللازم للحكم، أما هذه المرة، فقد كان أحد تلك الأحزاب سبباً مباشراً في هزيمته البرلمانية، ما يعني أن حصول الاشتراكيين على نسبة أعلى من الأصوات قد لا يكون كافيًا لاستعادة الأغلبية اللازمة لتشكيل الحكومة.

 الصوت المعارض داخل الأطلسي

تجلّت مواقف إسبانيا المعارضة للتوجهات الأطلسية في أربعة ملفات رئيسية: الإنفاق الدفاعي، واستخدام القواعد العسكرية، والمشتريات الدفاعية، وإسرائيل، ففي قمة لاهاي في يونيو 2025، حصلت مدريد على ما وصفته بأنه استثناء من هدف رفع الإنفاق الدفاعي إلى 5 % من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2035، والتزمت بدلاً من ذلك بإنفاق نحو 2.1 %.

كما شكّلت القواعد العسكرية محوراً ثانياً للخلاف، ففي مارس، رفضت مدريد السماح باستخدام قاعدتي روتا ومورون في الحملة العسكرية الأمريكية ضد إيران، ما دفع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى التهديد بقطع جميع العلاقات التجارية مع إسبانيا، حيث جدد ترامب تهديده خلال قمة الناتو في أنقرة في يوليو 2026، واصفاً إسبانيا بأنها شريك فظيع.

اكتمل هذا النهج عبر ملفي المشتريات الدفاعية والشرق الأوسط، ففي أغسطس 2025، استبعدت وزارة الدفاع الإسبانية شراء مقاتلات “إف-35″، مفضّلةً مقاتلات “يوروفايتر” ومسروع نظام القتال الجوي المستقبلي الأوروبي “FCAS”، حيث بعد أسابيع، أعلن سانشيز فرض حظر على تصدير الأسلحة إلى إسرائيل، وأقرّ البرلمان القرار في أكتوبر، رغم معارضة الحزب الشعبي.

على الصعيد الداخلي، أتاح هذا الموقف لسانشيز توظيف شعار سياسي لتعبئة أنصاره، ففي مارس، أعاد إحياء شعار “لا للحرب”، الذي ظلّ يلاحق الحزب الشعبي بقيادة خوسيه ماريا أثنار بسبب موقفه من حرب العراق عام 2003، وربط الحزب الاشتراكي العمالي الإسباني زعيم الحزب الشعبي الحالي، ألبرتو نونييث فييخو، بهذا الإرث.

ومع ذلك، بقي الخلاف محدوداً في نطاقه، حيث بلغ الإنفاق الدفاعي الإسباني 2 % من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2025، وهو ما استند إليه الأمين العام لـ “الناتو”، مارك روته، للدفاع عن موقف إسبانيا خلال قمة أنقرة، وبعد ساعات، قال ترامب إن إسبانيا “عادت بالكامل”، مدعياً أنها لبّت طلباً بدفع مبلغ لم يحدده.

في الوقت نفسه، واصلت مدريد المشاركة في تعزيز دفاعات الجناح الشرقي للحلف، إذ تقود إسبانيا اللواء متعدد الجنسيات التابع لـ”الناتو” في سلوفاكيا، وتشارك في مهامه في لاتفيا ورومانيا، كما تعهدت بتقديم مساعدات عسكرية لأوكرانيا بقيمة مليار يورو في عام 2026، يُموَّل جزء منها من خلال القروض الإسبانية في في إطار برنامج العمل الأمني من أجل أوروبا  (SAFE)وهي آلية الإقراض الدفاعي التابعة للاتحاد الأوروبي، إذ بذلك، استهدفت مواقف إسبانيا أجندة إدارة ترامب، لا المهمة الأساسية لـ”لناتو”.

مدريد واصلت المشاركة في تعزيز دفاعات الجناح الشرقي للناتو فيما استهدفت مواقفها المعارضة أجندة إدارة ترامب لا المهمة الأساسية للحلف

ما الذي سيغيّره فيخو؟

ستكون حكومة الحزب الشعبي أسرع في إحداث تغييرات لا تتطلب سوى قرارات تنفيذية، وأبطأ في الملفات التي تستلزم تمويلاً أو تعديلات تشريعية، حيث تتصدر العلاقات مع واشنطن المجالات التي يمكن التحرك فيها سريعاً، ففي مارس، قال ألبرتو نونييث فيخو إن الحكومة التي تشكرها إيران وتصفها واشنطن بأنها حليف قوي لا تؤدي دورها على النحو المطلوب.

كما تُعدّ نبرة الخطاب من أقل أدوات التغيير كلفة، فيما أظهرت قمة أنقرة مدى استعداد إدارة ترامب للتجاوب مع الإشارات السياسية، أما السماح باستخدام القواعد العسكرية، فرغم كونه قراراً تنفيذياً، إلا أنه يظل مقيداً بمواقف الرأي العام، حيث أظهر استطلاع أُجري في مارس أن 33 % من ناخبي الحزب الشعبي  يعارضون تقديم دعم عسكري للضربات الأمريكية على إيران.

ودعت حكومة إقليم الأندلس، الذي يديره الحزب الشعبي وتوجد فيه القاعدتان، إلى توخي الحذر، ولم تكرر مواقف فيخو، فمن المرجح أن تسمح حكومته باستخدام القواعد وفقاً لكل حالة على حدة، وفي إطار تحالفات مع الحلفاء أو بتغطية من الأمم المتحدة.

أما الإنفاق الدفاعي، فسيكون تغييره أبطأ، إذ يستند بلوغ إسبانيا نسبة 2 % من الناتج المحلي الإجمالي إلى موازنة عام 2023، التي مُدّد العمل بها للعام الثالث في 2026، مع إعادة توزيع الاعتمادات المالية خلال العام.

غير أن هذه الآلية لا تتيح تمويل المسار الذي أُقرّ في لاهاي لرفع الإنفاق الأساسي على الدفاع إلى 3.5 % من الناتج المحلي الإجمالي، إذ كان فيخو قد انتقد سانشيز لتخصيص أموال للدفاع من دون تصويت في البرلمان، ما سيجعل من الصعب على حكومته اللجوء إلى النهج نفسه.

على المستوى الأوروبي، سترث حكومة فييخو الانتشار العسكري على الجناح الشرقي والتزامات دعم أوكرانيا التي أرسَتها حكومة سانشيز، ما يجعل حجم الإنفاق الدفاعي المتغير الرئيسي، كما ستتأثر مكانة إسبانيا لدى حلفائها في أوروبا الشرقية، الذين التزموا جميعاً بهدف رفع الإنفاق الدفاعي إلى 5 % من الناتج المحلي الإجمالي، الذي لم تلتزم به مدريد، بمستوى الإنفاق الإسباني نفسه.

كما ستكون المشتريات الدفاعية الاختبار الأوضح لمدى التقارب مع واشنطن، فمن المتوقع أن تظل مقاتلات “هارير” التابعة للبحرية الإسبانية صالحة للطيران حتى نحو عام 2032، ولا يمكن استبدالها على متن سفينة الإنزال والهجوم البرمائي “خوان كارلوس الأول” إلا بمقاتلات “إف-35 بي”.

ومن شأن إعادة فتح ملف شراء هذه المقاتلات أن تمثل تحولاً أوضح نحو تعزيز التوجه الأطلسي من أي تصريح سياسي، غير أن شراءها سينافس على التمويل المخصص لمقاتلات “يوروفايتر” ومشروع نظام القتال الجوي المستقبلي الأوروبي ” FCAS”.

أما تغيير سياسة إسبانيا تجاه إسرائيل، فستكون الأبطأ، حيث أصبح حظر تصدير الأسلحة إلى إسرائيل قانوناً نافذاً، ما يجعل إلغاءه مشروطاً بالحصول على أغلبية برلمانية، إذ كان فيخو نفسه قد وصف معاملة إسرائيل للمدنيين في غزة بأنها غير مقبولة، لذلك، يُرجّح أن يقتصر التغيير على تخفيف تطبيق الحظر وتعزيز العلاقات الدبلوماسية، فيما سيظل إلغاؤه مرهوناً بموقف حزب فوكس.

بوجه عام، يُتوقع أن تتبنى الحكومة الجديدة خطاباً أكثر توافقاً مع الحلفاء، مع توخي الحذر في العمليات العسكرية، والحفاظ على استمرارية الالتزامات الإسبانية على الجناح الشرقي لـ “الناتو”.

سبتة واختبار استثناء إسبانيا في ملف الهجرة

يمثل ملف الهجرة الاختبار الثاني لإسبانيا، وقد أعادت أحداث سبتة رسم ملامحه، ففي أبريل، أتاح مرسوم ملكي تسوية أوضاع نحو 500 ألف مهاجر غير نظامي، مع تحديد 30 يونيو موعداً نهائياً لتقديم الطلبات، حيث برّر بيدرو سانشيز هذه الخطوة بالحاجة إلى معالجة نقص العمالة ومواجهة شيخوخة السكان، في حين أدانها حزبا الشعبي وفوكس، معتبرين أنها تكافئ الدخول غير القانوني إلى البلاد.

في 30 و31 يوليو، عبر أكثر من 70 ألف شخص من المغرب إلى سبتة، حيث رفضت وزارة الداخلية في البداية الدعوات المحلية إلى إعلان حالة طوارئ وطنية، قبل أن تغيّر الحكومة موقفها في 25 أغسطس، معلنةً للمرة الأولى منذ إنشاء هذه الآلية عام 2015 “حالة تقتضي اهتماماً خاصاً بالأمن القومي”.

 

وبموجب هذا الإعلان، أُخضعت سبتة لسلطة تنسيقية موحدة حتى 31 ديسمبر، وبحلول أوائل أغسطس، كان معظم العابرين قد عادوا إلى المغرب، فيما لم يصل إلى البر الإسباني الرئيسي، وفقاً للتقارير، سوى عشرات الأشخاص، ومع ذلك، استمر التعامل مع الهجرة باعتبارها قضية أمنية حتى بعد انتهاء حالة الطوارئ، فيما حولت إيطاليا الأزمة إلى خلاف أوروبي.

استمر التعامل مع الهجرة باعتبارها قضية أمنية حتى بعد انتهاء حالة الطوارئ فيما حولت إيطاليا الأزمة إلى خلاف أوروبي

في الأول من أغسطس، علّقت روما حرية التنقل بموجب اتفاقية شنغن للقادمين من إسبانيا، وشاركت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني في رعاية رسالة وقّعها 22 زعيماً، بينهم المستشار الألماني فريدريش ميرتس، شككوا فيها في سياسة إسبانيا المتعلقة بالهجرة، حيث ردّت مدريد بفرض إجراءات تفتيش مماثلة على القادمين من إيطاليا، ومنذ ذلك الحين، واصلت إيطاليا تمديد إجراءات الرقابة على الحدود كل 15 يوماً، وكان آخر تمديد في 30 سبتمبر.

تشير المعطيات إلى أن الخلاف كان أقرب إلى تبادل الرسائل السياسية منه إلى إجراء أمني فعلي، ففي أغسطس، أخضع ضباط إيطاليون أكثر من 180  ألف مسافر قادمين من إسبانيا للتفتيش، وأعادوا 31  منهم، وفي المقابل، امتنعت فرنسا والبرتغال، وهما الدولتان العضوان في الاتحاد الأوروبي اللتان تتشاركان الحدود مع إسبانيا، عن التوقيع على الرسالة.

بناءً على ذلك، قد تتمكن حكومة بقيادة فيخو من إنهاء المواجهة عبر التقارب السياسي مع روما، من دون تكاليف تشغيلية تُذكر، كما سيجد فيخو في المستشار الألماني فريدريش ميرتس، المنتمي مثله إلى حزب الشعب الأوروبي، شريكاً يتبنى موقفاً أقرب إلى الموقف الإيطالي.

أما فيما يتعلق ببرنامج تسوية أوضاع المهاجرين، فمن المرجح أن يكون التأثير عبر إجراءات أقل مباشرة من إلغاء البرنامج، فالمرسوم يمنح تصاريح إقامة لمدة عام واحد، ولا يؤدي إلغاؤه تلقائياً إلى إبطال التصاريح الممنوحة بموجبه، فبعد انتهاء مدتها، يتعين على حامليها استيفاء شروط الإقامة الاعتيادية، ما يجعل المعايير التي ستُطبّق اعتباراً من عام 2027 عاملاً حاسماً في تحديد مدى استمرار البرنامج.

كلفة التحالف مع فوكس

تجعل الحسابات البرلمانية من حزب فوكس الطرف الحاسم في تحديد مسار التغيير، فاستطلاعات الرأي المنشورة مطلع أكتوبر تمنح الحزب الشعبي ما بين 121 و143 مقعداً، وهو عدد يقل عن 176 مقعداً اللازمة لتحقيق الأغلبية، فيما تشير التقديرات إلى حصول فوكس على أكثر من 60 مقعداً.

كان فيخو قد أعلن في يونيو استعداده لقبول تشكيل ائتلاف حكومي مع فوكس إذا فرضت نتائج الانتخابات ذلك، فمن شأن هذا التحالف أن يُدخل حزباً من اليمين المتطرف إلى الحكومة المركزية للمرة الأولى منذ عودة الديمقراطية إلى إسبانيا.

وبعد ساعات من إعلان الدعوة إلى الانتخابات، حدّد سانتياغو أباسكال، زعيم فوكس، شروط حزبه، وهي الأولوية الوطنية، وتخفيف القيود التنظيمية، وإعادة الهجرة، حيث كان الحزب قد أدرج صيغاً من مبدأ الأولوية الوطنية في اتفاقات ائتلافية بأربعة أقاليم، من إكستريمادورا إلى الأندلس، كما سبق له الانسحاب من تحالفاته مع الحزب الشعبي، إذ غادر خمس حكومات إقليمية في يوليو 2024 بسبب خلاف حول إعادة توزيع الأطفال المهاجرين.

تتركز التنازلات المحتملة في ملفي الهجرة والرعاية الاجتماعية، فمن المرجح أن يتضمن اتفاق الائتلاف تشديد إجراءات إعادة المهاجرين وضبط الحدود في سبتة، إذ قد يمتد تطبيق بنود الأولوية الوطنية، المعمول بها على المستوى الإقليمي في توزيع المساعدات العامة والإسكان، إلى السياسة الوطنية، ما يضع أجندة فوكس في صلب القضية الرئيسية التي تقوم عليها حملة سانشيز الانتخابية، كما قد يسعى الحزب أيضاً إلى تولي وزارة الداخلية، بما يمنحه سلطة الإشراف على تنفيذ سياسات الهجرة.

في المقابل، تبدو تحفظات فيخو واضحة، ففي أبريل، صوّت الحزب الشعبي ضد مقترح قدّمه فوكس في البرلمان، دعا إلى إعادة جميع المهاجرين غير النظاميين إلى بلدانهم، حيث يؤكد الحزب الشعبي أن تطبيق مبدأ الأولوية الوطنية يجب أن يظل ضمن حدود القانون القائم، وأن يستند إلى الارتباط المتجذر بالمجتمع، أو ما يُعرف بالإسبانية باسم “أرايغو”، لا إلى الجنسية.

كذلك، قالت إيزابيل دياز أيوسو، رئيسة حكومة إقليم مدريد المنتمية إلى الحزب الشعبي، إن بعض الشروط الواردة في اتفاق الحزب مع فوكس في إكستريمادورا غير قانونية.

أما في الملف الأمني، فتظل قدرة فوكس على فرض شروطه محدودة نسبياً، فالمطالب الأولية للحزب لا تتضمن شروطاً تتعلق بالسياسة الخارجية أو الدفاع، ما يعني أن وتيرة التقارب مع واشنطن ستعتمد إلى حد كبير على القيود التي تواجه الحزب الشعبي نفسه، حيث يبرز التمويل بوصفه الاستثناء الأهم، إذ سيتطلب إقرار أي موازنة، وما يرتبط بها من زيادة مستدامة في الإنفاق الدفاعي، الحصول على أصوات فوكس.

المواقف المعلنة وحدود التغيير الفعلي

تتركز القيود التي ستواجه أي حكومة يقودها الحزب الشعبي في قدرتها على تحويل مواقفها السياسية إلى تغييرات فعلية، ما يعني أن خطابها قد يكون أكثر تشدداً من السياسات التي تستطيع تطبيقها، إذ يأتي المغرب في مقدمة هذه القيود، فقد اتهم تقرير مسرّب للشرطة الإسبانية القوات المغربية بـ”التساهل التام” خلال أحداث العبور إلى سبتة، فيما تنفي الرباط أي دور لها.

وأقرّ رئيس الوزراء بيدرو سانشيز بأن قوات الدرك المغربية سمحت بعمليات العبور لمدة عشر ساعات في 30 يوليو، لكنه أكد عدم وجود أدلة قاطعة على أن الرباط خططت لدخول المهاجرين، في المقابل، ذهب فيخو إلى أبعد من ذلك، واصفاً ما حدث بأنه عملية جرت بموافقة المغرب.

غير أن إعادة المهاجرين التي أعقبت تلك الأحداث اعتمدت على تعاون المغرب، وهو ما لا تستطيع مدريد ضمانه بمجرد تبنّي خطاب أكثر تشدداً، وفي أغسطس، شكّك وزيراْن مغربيان في سيادة إسبانيا على سبتة ومليلية، في مؤشر إلى أن أوراق الضغط التي تمتلكها الرباط تتجاوز ملف الهجرة.

لن يكون التقارب الأكبر مع واشنطن كافياً لموازنة النفوذ المغربي، فسبتة تقع خارج النطاق الجغرافي المحدد في المعاهدة التأسيسية لـ “الناتو”، ما يجعل أي التزام من الحلفاء بالدفاع عنها خاضعاً للتأويل السياسي، وبذلك، يتمثل أحد أبرز التحديات الأمنية التي تواجه إسبانيا في عام 2026 في ملف لا يضمن التقارب مع واشنطن تحقيق مكاسب كبيرة فيه.

تقع سبتة خارج النطاق الجغرافي لمعاهدة الناتو ما يحدّ من المكاسب الأمنية المحتملة لإسبانيا من التقارب مع واشنطن

أما القيد الثاني، فيتمثل في السلطة القضائية، ففي 8 يوليو، فرضت المحكمة العليا قيوداً على الإعادة الفورية للمهاجرين الذين يصلون سباحةً إلى سبتة أو مليلية، إذ ربط بعض المسؤولين الإسبان حجم موجة العبور في يوليو بهذا الحكم، كما فعل القادة الـ22 في رسالتهم المشتركة، ويتطلب تجاوز آثار الحكم إقرار تشريع جديد يتوافق مع قانون اللجوء في الاتحاد الأوروبي، وهو ما يستلزم بدوره توافر أغلبية برلمانية مستقرة.

أما القيد الثالث، فيتعلق بالقدرة على تمويل الإنفاق، فالمسار المالي الذي تقترحه الحكومة يستهدف خفض عجز الموازنة من 2.1 % من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2026 إلى 1.8 % في عام 2027، حيث ستتنافس أي زيادة في الإنفاق العسكري مع جهود خفض العجز، وهو ما سيظل موضع تعارض حتى لو حصلت الحكومة على دعم حزب فوكس في البرلمان.

كما تُظهر قاعدة مورون وجهاً آخر للفجوة بين المواقف السياسية والواقع العملي في عهد سانشيز، ففي يونيو، وبعد ثلاثة أشهر من رفض مدريد استخدام القاعدة في الحملة العسكرية الأمريكية ضد إيران، منحت وزارة الدفاع الأمريكية عقوداً لتنفيذ أعمال إنشائية فيها بقيمة تصل إلى 400 مليون دولار، كما يتضمن طلب سلاح الجو الأمريكي لتمويل الإنشاءات في السنة المالية 2027 إنشاء تسعة مواقع إضافية لوقوف قاذفات “بي-52”.

بذلك، استمر استخدام القاعدة رغم اعتراض سانشيز على الحملة العسكرية، ما يعني أن تغيير الحكومة قد يبدّل نبرة العلاقات مع واشنطن، من دون أن يُحدث بالضرورة تغييراً جوهرياً في مضمونها.

جنود من الجيش الإسباني خلال دورية في سبتة (أ ف ب)
جنود من الجيش الإسباني خلال دورية في سبتة (أ ف ب)

سيناريوهات ما بعد الانتخابات

قد تسفر الانتخابات عن ثلاثة سيناريوهات، يختلف كل منها في وتيرة التغيير المحتملة.

يتمثل السيناريو الأول في تشكيل ائتلاف حكومي بين الحزب الشعبي (PP)  وحزب فوكس، ما قد يؤدي إلى تحول سريع في التوجهات السياسية، من خلال إعادة ضبط العلاقات مع واشنطن وروما في مرحلة مبكرة، على أن تتواصل لاحقاً المفاوضات بشأن الإنفاق الدفاعي وتشريعات الهجرة بوتيرة أبطأ.

ائتلاف الحزب الشعبي وفوكس قد يسرّع تقارب إسبانيا مع واشنطن وروما مع استمرار التفاوض بشأن الإنفاق الدفاعي والهجرة

أما السيناريو الثاني، فيتمثل في تشكيل حكومة أقلية بقيادة الحزب الشعبي، تعتمد على امتناع فوكس عن التصويت لمنحها فرصة الحكم، وفي هذه الحالة، قد يتغير الخطاب السياسي الإسباني بالسرعة نفسها، لكن الحكومة ستضطر إلى التفاوض على كل مشروع قانون على حدة، ما يمنح فوكس فرصة لرفع سقف مطالبه في كل مرة.

ويتمثل السيناريو الثالث في الوصول إلى طريق مسدود سياسياً، فإذا لم يتمكن أي مرشح من نيل ثقة البرلمان خلال شهرين من التصويت الأول، فستُجرى انتخابات جديدة، بينما تستمر حكومة سانشيز في تصريف الأعمال حتى عام 2027.

تُظهر جميع استطلاعات الرأي الخاصة التي تتوقع توزيع المقاعد احتمال حصول الحزب الشعبي وفوكس على أغلبية برلمانية، في حين لا يزال مركز البحوث الاجتماعية الحكومي (CIS)  يضع الحزب الاشتراكي العمالي الإسباني (PSOE)  في الصدارة.

غير أن انتخابات عام 2023  أظهرت أن الأغلبية التي تتوقعها استطلاعات الرأي قد تتلاشى يوم الاقتراع.

ستوفر الحملة الانتخابية مؤشرات مبكرة على مسار التغيير المحتمل، فمطالب حزب فوكس، وما إذا كان سيشترط الحصول على حقائب وزارية أو فرض برنامجه السياسي أو كليهما، ستكشف مدى قدرته على دفع ألبرتو نونييث فيخو إلى تبني مواقف تتجاوز توجهاته الخاصة.

كما ستكشف مواقف المغرب بشأن سبتة، والقرار المقبل لإيطاليا بشأن اتفاقية شنغن، وطبيعة تعامل واشنطن مع فيخو، عن حجم الترحيب الذي قد يحظى به في الخارج.

لكن الاختبارات الأصعب ستأتي لاحقاً، فمن المرجح أن تضطر حكومة سانشيز لتصريف الأعمال إلى اتخاذ قرار بشأن تمديد إعلان سبتة إلى ما بعد 31  ديسمبر، أما السنة الأولى للحكومة الجديدة، فستشهد قرارات جوهرية، أبرزها إقرار موازنة عام 2027، التي ستختبر مدى إمكانية زيادة الإنفاق الدفاعي، إلى جانب انتهاء صلاحية الدفعة الأولى من تصاريح الإقامة الممنوحة ضمن برنامج تسوية أوضاع المهاجرين.

وخلال تلك السنة، يُرجّح أن تكون إسبانيا بقيادة الحزب الشعبي قد غيّرت نبرة خطابها السياسي بدرجة أكبر بكثير من تغيير سياساتها الفعلية.

توماس فالك - ايجل
توماس فالك

توماس فالك، صحفي ومحلل مقيم في لندن، يركّز على العلاقات عبر الأطلسي، والشؤون الأمريكية، والأمن الأوروبي. وبخبرته الطويلة في التقارير السياسية والتحليل الاستراتيجي، يعتمد على أبحاث معمّقة، ورؤى تاريخية، وتطورات ميدانية لاستكشاف القوى التي تُشكّل المشهد الجيوسياسي الحالي.

اشترك مجاناً في تقارير إيغل إنتيلجنس

رؤى وتقارير حصرية

تمتّع بإمكانية الوصول إلى تحليلات متعمّقة، ومعلومات استخباراتية حصرية، وتقارير خبراء مُصمّمة خصيصاً لتبقى على اطلاع دائم، وفي صدارة المتابعين لأهم التطورات العالمية.

بالاشتراك، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا.

موضوعات أخرى
ترامب مستقبلا شي في البيت الأبيض (أ ف ب)
تقرير
جندي عراقي وسط عناصر أخرين يرفع علامة النصر خلال الاحتفال بمناسبة انسحاب القوات الأمريكية (أ ف ب)
تقرير
جنود دنماركيون في غرينلاند(أ ف ب)
تقرير
تقرير
بوتين وفوتشيتش خلال لقاء سابق (أ ف ب)
تقرير
حريق في مركز دوبروبوت الطبي عقب غارة جوية روسية على كييف في 28 سبتمبر (أ ف ب)
تقرير
محمد بن سلمان وترامب في منتدى الاستثمار الأمريكي السعودي في واشنطن (أ ف ب)
تقرير
طاقم غواصة بقاعدة فاسلين البحرية في اسكتلندا. (أ ف ب)
تقرير

اشترك مجاناً في تقارير إيغل إنتيلجنس

رؤى وتقارير حصرية

تمتّع بإمكانية الوصول إلى تحليلات متعمّقة، ومعلومات استخباراتية حصرية، وتقارير خبراء مُصمّمة خصيصاً لتبقى على اطلاع دائم، وفي صدارة المتابعين لأهم التطورات العالمية.

بالاشتراك، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا.

ايغل انتيلجنس ريبورتس
Privacy Overview

This website uses cookies so that we can provide you with the best user experience possible. Cookie information is stored in your browser and performs functions such as recognising you when you return to our website and helping our team to understand which sections of the website you find most interesting and useful.