وجّه الناخبون الأمريكيون، يوم الثلاثاء، صفعة موجعة إلى الرئيس دونالد ترامب، من شأنها أن تعيد رسم ملامح الأجندة الداخلية في واشنطن، فبحلول اليوم التالي للانتخابات، كان نائبه قد سمّى السبب بوضوح “الحرب في إيران”، لكن من غير المرجح أن تطرأ تغييرات مماثلة بالوضوح نفسه على السياسة الخارجية الأمريكية.
ألحق الديمقراطيون هزيمة كبيرة بالجمهوريين الذين سيطروا على الكونغرس، ومرّروا أجندة الرئيس دون اعتراض على مدى العامين الماضيين، حيث انتخبت ولاية تكساس مرشحاً ديمقراطياً لعضوية مجلس الشيوخ للمرة الأولى منذ عام 1988، فيما شهدت ولاية كانساس الأمر نفسه للمرة الأولى منذ عام 1932.
وفي ولاية مين، وضع الناخبون حداً للمسيرة البرلمانية لعضوة مجلس الشيوخ الجمهورية سوزان كولينز، التي امتدت ثلاثة عقود.
أما في ولاية ساوث كارولاينا، فاز مرشح ديمقراطي بالمقعد الذي شغله ليندسي غراهام حتى وفاته في يوليو، وهو مقعد ظل تحت سيطرة الجمهوريين منذ انتقال ستروم ثورموند إلى الحزب الجمهوري عام 1964.
وفي ولاية جورجيا، فقد سجلت سابقة تاريخية بانتخاب كيشا لانس بوتومز، لتصبح أول امرأة سوداء تتولى منصب حاكمة ولاية في تاريخ الولايات المتحدة.
وبحلول الساعات الأولى من صباح الأربعاء، أظهرت التوقعات فوز الديمقراطيين بـ 258 مقعداً في مجلس النواب، ما يمنحهم الأغلبية التي لم يتمكن الحزب من تحقيقها منذ عام 1993.
وفي مجلس الشيوخ، كان الديمقراطيون قد فازوا بـ54 مقعداً، فيما ظلت نتائج السباقين الانتخابيين في ولايتي ألاسكا وميسيسيبي غير محسومة، بسبب تقارب النتائج وصعوبة تحديد الفائز.
وألقى ترامب باللوم على المرشحين الجمهوريين، الذين كان قد اختار بنفسه عدداً كبيراً منهم، حيث قال مسؤول في البيت الأبيض: “لم يكن الرئيس ترامب مدرجاً على ورقة الاقتراع”، رغم أن ترامب كان قد دعا الناخبين إلى التصويت كما لو أن اسمه مدرج فيها.
وخاض الرئيس حملة انتخابية مكثفة خلال الأسابيع الأخيرة لحشد قاعدته الانتخابية، لكن مساعيه لم تحقق النتائج المرجوة، حيث تمكن الديمقراطيون، على نحو فاجأ التوقعات، من انتزاع سبعة مقاعد في مجلس الشيوخ من الجمهوريين، خمسة منها في ولايات كان ترامب قد فاز بها بفارق تجاوز عشر نقاط مئوية قبل عامين، وهي أوهايو وأيوا وكانساس وتكساس وساوث كارولاينا.
الهزيمة تدفع فانس لمخالفة ترامب
رفض الناخبون سياسات ترامب على نطاق لم تشهده الولايات المتحدة منذ عام 1974، حين حصد الديمقراطيون 49 مقعداً إضافياً في مجلس النواب، ووصل جيل ووترغيت إلى واشنطن، في إشارة إلى النواب الذين انتُخبوا في أعقاب فضيحة ووترغيت.
ومع توالي ظهور النتائج على الشاشات مساء الثلاثاء الماضي، سارع المحللون السياسيون إلى عقد مقارنات مع انتخابي التجديد النصفي لعامي 2006 و2018، غير أن تلك الانتخابات مثّلت تصحيحاً للمسار السياسي، أما ما حدث هذه المرة فكان اكتساحاً انتخابياً واسعاً.
لكن الهزيمة الساحقة تطرح سؤالاً أكثر تعقيداً من مجرد تحقيق فوز بفارق ضئيل، فمع حلول يناير، سيتولى الديمقراطيون قيادة الكونغرس، لكنهم لن يمتلكوا الأصوات الكافية لتجاوز الفيتو الرئاسي.
الهزيمة الساحقة تطرح سؤالاً أكثر تعقيداً من مجرد الفوز بفارق ضئيل ففي يناير سيتولى الديمقراطيون قيادة الكونغرس لكنهم لن يمتلكوا الأصوات الكافية لتجاوز الفيتو الرئاسي
وكان ترامب قد استخدم حق النقض ضد عشرة مشاريع قوانين خلال ولايته الأولى، ولم يتمكن الكونغرس من تجاوز قراره سوى مرة واحدة، أما الآن، فإن تجاوز الفيتو الرئاسي يتطلب تأييد عدد من الجمهوريين في كلا المجلسين.
وهنا يبرز السؤال: هل سيدفع حجم الهزيمة الجمهوريين الذين احتفظوا بمقاعدهم بعد الانتخابات إلى اعتبارها مبرراً للخروج عن موقف ترامب ومخالفته؟، فهذا السؤال، وليس عدد المقاعد التي بات الديمقراطيون يسيطرون عليها، هو ما سيحدد الأثر السياسي الفعلي لنتائج انتخابات الثلاثاء.
جاء أول رد من ثاني أعلى منصب في الحكومة الأمريكية، ففي صباح الأربعاء، نشر نائب الرئيس جيه دي فانس بياناً مطولاً عبر حسابه على منصة “إكس”، حمّل فيه عملية “الغضب الملحمي”، وهي الحرب التي أطلقها ترامب ضد إيران في 28 فبراير الماضي، مسؤولية الهزيمة الانتخابية.
وكتب فانس: “سبب خسارتنا هو الحرب”، متحدياً أي شخص أن يجادل علناً بأن الحرب تستحق خسارة مقعد في مجلس الشيوخ تمتد ولايته ست سنوات، مشيراً إلى أربعة مطالب للناخبين الذين تخلوا عن دعم ترامب، هي إنهاء الحرب، ومعالجة ارتفاع تكاليف المعيشة، ووضع أمريكا أولاً، وإعادة النظر في علاقة الولايات المتحدة بإسرائيل، حيث مثّل موقف فانس أبرز تباعد عن ترامب داخل المعسكر الجمهوري منذ اندلاع الحرب.
وعززت نتائج استطلاع للرأي هذا الموقف، الذي شمل أكثر من 100 ألف ناخب حيث أظهر أن نحو ثلث المشاركين اعتبروا الحرب عاملاً حاسماً في تصويتهم.
وكان فانس قد التزم إلى حد كبير الصمت بشأن تحفظاته على الحرب منذ فبراير، في موقف لافت من سياسي يُعرف بأنه أحد أشد المدافعين عن ترامب وأكثرهم حدة في الدفاع عنه.
وأفادت تقارير إعلامية بأنه قاد تياراً داخل البيت الأبيض دعا إلى التوصل إلى اتفاق مع طهران، كما حذّر في تصريحات صحفية من أن الحرب قد تكبّد الجمهوريين خسائر في الانتخابات، لكنه لم يوجّه ترامب توبيخاً لفانس على موقفه، بل وصف ما ورد في منشوره بأنه صحيح إلى حد كبير، وعزا الخسائر إلى ارتفاع أسعار البنزين خلال الحرب، مؤكداً أنه كان سيقدم على الخطوة نفسها مجدداً.
هيغسيث قد يدفع ثمن الهزيمة
لم تكن تصريحات فانس وحدها هي اللافتة، بل إن ما لم يتطرق إليه كان لا يقل أهمية عنها، فلم يدعُ إلى إجراء تصويت بشأن صلاحيات الرئيس في شن الحرب، أو وقف تمويلها، أو إقالة وزير الدفاع بيت هيغسيث، الذي يبدو مرشحاً لتحمّل مسؤولية الهزيمة الانتخابية، إذ قد خالف فانس ترامب في الموقف السياسي من الحرب، لا في طريقة مواصلتها وإدارتها.
ويبدو أن فانس، الذي يتوقع معظم الجمهوريين أن يسعى إلى الفوز بترشيح الحزب للانتخابات الرئاسية عام 2028، قرر أن الحرب أصبحت عبئاً سياسياً لن يتحمل تبعاته، فيما سارعت شخصيات جمهورية أخرى إلى تبنّي موقف مماثل، حيث قال السيناتور تيد كروز، المعروف بمواقفه المتشددة تجاه إيران، في برنامجه: إن الحرب كان ينبغي أن تنتهي سريعاً وبحسم، فيما توعّد السيناتور المنتهية ولايته توم تيليس بمحاسبة هيغسيث.

وتكتسب المناورة السياسية الدقيقة التي ينتهجها فانس أهمية خاصة على صعيد السياسة الخارجية؛ إذ منحت الجمهوريين مساحة للنأي بأنفسهم عن الحرب من دون توجيه انتقادات مباشرة إلى ترامب، فأي تصعيد جديد في الحرب من شأنه أن يضع ترامب في خلاف مع أبرز من يُنظر إليه باعتباره خليفته المحتمل داخل الحزب، غير أن نائب الرئيس لا يملك حق التصويت في مجلس الشيوخ إلا عند تعادل الأصوات، وبالتالي، فإن إعلان مخالفة ترامب في بيان سياسي لا يعادل التصويت لتجاوز الفيتو الرئاسي.
فانس أتاح للجمهوريين فرصة النأي بأنفسهم عن الحرب من دون توجيه انتقادات مباشرة إلى ترامب وأي تصعيد جديد من شأنه أن يضع ترامب في مواجهة مع خليفته المحتمل
ما الذي تمنحه الهزيمة للديمقراطيين؟
عندما ينعقد الكونغرس المكون من 120 عضواً في 3 يناير، سيجد الأمريكيون أنفسهم أمام مؤسسة تشريعية تختلف جذرياً عن تلك التي سايرت الرئيس دونالد ترامب خلال العامين الأولين من عودته إلى البيت الأبيض.
سيحصل الديمقراطيون على رئاسة جميع اللجان في مجلسي النواب والشيوخ، فضلاً عن صلاحيات إصدار مذكرات الاستدعاء، والموظفين والميزانيات المرتبطة بها، ومن المرجح أن تكون عملية “الغضب الملحمي”، التي أُطلقت من دون إعلان حرب أو تفويض باستخدام القوة العسكرية، أولى القضايا التي تخضع لجلسات استماع في الكونغرس.
واتهم الديمقراطيون البنتاغون، على مدى أشهر، بحجب المعلومات عن الكونغرس، فرغم أن وزارة الدفاع زوّدت المشرّعين منذ ذلك الحين ببيانات غير سرية عن تكاليف الحرب، بلغت نحو 47.1 مليار دولار حتى 16 أكتوبر، إلا أنها أبقت تقديرات الأضرار التي لحقت بالقواعد الأمريكية سرية.
ومع توليهم رئاسة اللجان، ستتمكن لجنتا القوات المسلحة في مجلسي النواب والشيوخ من المطالبة بهذه التقديرات، إلى جانب سجلات الخسائر البشرية وبيانات الذخائر التي أبقتها الإدارة طي الكتمان، كما ستتمكن لجنة الخدمات المالية في مجلس النواب من فتح تحقيق في الأنشطة التجارية لعائلة ترامب.
ولا يعني إصدار مذكرة استدعاء إدانة أي طرف، بل يهدف إلى إلزامه بتقديم المعلومات، لكنه يتيح في الوقت نفسه إنشاء سجل موثق من الوثائق والأدلة يبقى قائماً بعد انحسار الاهتمام الإعلامي بالقضية، حيث أمضى ترامب عقوداً في التصدي لمذكرات الاستدعاء، ووصلت معاركه بشأنها إلى المحكمة العليا، بما في ذلك قضية “ترامب ضد مازارز”.
ورغم أهمية الأغلبية الديمقراطية في مجلس النواب، إلا أن السيطرة على مجلس الشيوخ تحمل أهمية أكبر، فبامتلاكهم 54 مقعداً، لن يحتاج الديمقراطيون بعد الآن إلى حضور جميع أعضائهم لضمان السيطرة على مجريات العمل في المجلس.
الديمقراطيون بامتلاكهم 54 مقعداً لن يحتاجوا بعد الآن إلى حضور أعضائهم جميعاً لضمان السيطرة على مجريات العمل في مجلس الشيوخ
كما ستُعرض جميع الترشيحات لشغل المناصب القضائية والوزارية على مجلس لا يسيطر عليه ترامب، وينطبق الأمر نفسه على تعيين السفراء، وإذا شغر مقعد في المحكمة العليا قبل يناير 2029، فستكون الأغلبية الديمقراطية صاحبة القرار في تحديد ما إذا كان المرشح لشغله سيُمنح جلسة استماع من الأساس.
يُسقط الفارق الكبير في عدد المقاعد سيناريو آخر أثار مخاوف خبراء دستوريين قبل الانتخابات، حيث حذّر القاضي الفيدرالي السابق جاي مايكل لوتيغ من احتمال أن يستبدل رئيس مجلس النواب مايك جونسون كاتب المجلس، كيفن مكومبر، بشخصية موالية له، تتعمد استبعاد أسماء الفائزين الديمقراطيين الذين صُدّق على فوزهم من القائمة الرسمية لأعضاء المجلس عند انعقاد الكونغرس الجديد.
ولا يمكن المضي في مثل هذه الخطوة إلا في ظل أغلبية ضئيلة، فمع توقع حصول الديمقراطيين على 40 مقعداً فوق الحد الأدنى البالغ 218 مقعداً اللازم للسيطرة على مجلس النواب، فإن أي محاولة من كاتب المجلس للتلاعب بالقائمة ستستلزم استبعاد عشرات الفائزين الذين اعتُمدت نتائجهم، وعلى مرأى من الجميع، وبذلك، تبدو المخاوف التي أثارها لوتيغ مستبعدة في ضوء حجم الأغلبية الديمقراطية المتوقعة.
الحسابات التي تكتسب أهمية الآن
يتطلب تجاوز الفيتو الرئاسي موافقة ثلثي أعضاء كل من مجلسي الكونغرس، أي 290 صوتاً في مجلس النواب و67 صوتاً في مجلس الشيوخ، بافتراض حضور جميع الأعضاء ومشاركتهم في التصويت، فقبل انتخابات الثلاثاء، بدت إمكانية تحقيق هذه الأغلبية بعيدة المنال، غير أن المشهد في مجلس النواب بات مختلفاً الآن.
وسيحتاج الديمقراطيون في مجلس النواب إلى نحو 32 صوتاً جمهورياً لتجاوز الفيتو الرئاسي، إذ قد توفر الحرب مع إيران بعض هذه الأصوات، لكن التجارب السابقة تدعو إلى عدم المبالغة في التوقعات.
في يونيو، عندما صوّت مجلس النواب المنتهية ولايته بأغلبية 215 صوتاً مقابل 208، لصالح قرار يطالب بإنهاء العمليات العسكرية ضد إيران، لم ينضم إلى الديمقراطيين سوى أربعة نواب جمهوريين، وهذا يعني أن الديمقراطيين سيحتاجون إلى أصوات تعادل ثمانية أضعاف ذلك العدد.
ومع ذلك، فإن الجمهوريين الذين احتفظوا بمقاعدهم في انتخابات الثلاثاء شاهدوا زملاءهم يخسرون في دوائر انتخابية كانت تُعدّ مضمونة للحزب، وسيكون على كل منهم أن يقيّم، على نحو فردي، ما إذا كان الاصطفاف مع ترامب سيعزز فرصه أم يضر بها في انتخابات عام 2028.
أما في مجلس الشيوخ، فالفجوة أكبر؛ إذ سيحتاج الديمقراطيون إلى نحو 13 صوتاً جمهورياً إضافياً، ففي يونيو، لم يصوّت سوى أربعة أعضاء جمهوريين في المجلس لصالح إنهاء الحرب، وكانت سوزان كولينز، إحدى هؤلاء الأعضاء، من بين الذين خسروا مقاعدهم في انتخابات الثلاثاء.
وقال زعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس الشيوخ، تشاك شومر، الأربعاء: إن حزبه لديه بالفعل أعضاء جمهوريون مستعدون للتصويت معه بشأن صلاحيات شن الحرب، لكنه لم يكشف عن أسمائهم، إذ قد يكون شومر يتخذ موقفاً تفاوضياً، إلا أن التصويت الفعلي وحده سيكشف مدى صحة ادعائه.
وتنطبق الحسابات نفسها على إجراءات عزل الرئيس؛ إذ يستطيع مجلس النواب توجيه الاتهام إليه، لكن إدانته في مجلس الشيوخ تتطلب 67 صوتاً، وهو عدد لا تقرّب نتائج انتخابات الثلاثاء الديمقراطيين من تحقيقه.
ويبرز تأثير الهزيمة الانتخابية بصورة أكبر في ملف التمويل، فسيكون الديمقراطيون مسؤولين عن إعداد مشاريع قوانين مخصصات الدفاع، في وقت تطلب فيه وزارة الدفاع نحو 67 مليار دولار إضافية لتمويل الحرب، غير أن سجل الديمقراطيين في مواجهة الرؤساء خلال الحروب متباين.
في عام 2007، أقرّ كونغرس يسيطر عليه الديمقراطيون، بعدما حققوا فوزاً انتخابياً مدفوعاً بالغضب الشعبي من الحرب، مشروع قانون لتمويل العمليات في العراق يتضمن جدولاً زمنياً لسحب القوات، وأحاله إلى الرئيس جورج دبليو بوش، لكن بوش استخدم حق النقض ضده، فتراجع الديمقراطيون، ومضت خطة زيادة القوات الأمريكية في العراق قدماً.
أما في عام 1975، رفض الكونغرس طلب الرئيس جيرالد فورد تخصيص 722 مليون دولار كمساعدات عسكرية طارئة لفيتنام الجنوبية، إذ تمنح أغلبية ديمقراطية تبلغ 258 مقعداً الحزب فرصة لاتخاذ موقف مماثل لما اتخذه الكونغرس آنذاك.
لكن مدى امتلاك الديمقراطيين الإرادة السياسية الكافية لاستخدام هذه الورقة، في وقت لا تزال فيه القوات الأمريكية في دائرة الخطر، سيختبر مدى صمود التفويض الشعبي الذي حصلوا عليه في انتخابات الثلاثاء.

الأغلبية لا تصنع سياسة خارجية
قد يتفق الديمقراطيون على وقف تمويل الحرب من خلال التصويت ضد الاعتمادات المالية المخصصة لها، لكن التوصل إلى توافق بشأن البديل ليس بالأمر السهل، خصوصاً في الملفات التي يتداخل فيها الصراع مع إيران والعلاقة بإسرائيل، حيث انقسم الحزب منذ بدء الضربات في 28 فبراير؛ إذ طالب عدد من الديمقراطيين بإعادة انعقاد الكونغرس للتصويت على صلاحيات شن الحرب، في حين أيد آخرون الضربات، واكتفوا بالمطالبة بإحاطات أكثر تفصيلاً.
الديمقراطيون قد يتفقون على وقف تمويل الحرب عبر التصويت لكن التوصل إلى توافق بشأن البديل ليس سهلاً خصوصاً في ملفات تتداخل فيها حرب إيران والعلاقة بإسرائيل
واتسعت الانقسامات خلال الصيف، ففي يوليو، أيّد 103 نواب ديمقراطيين تعديلاً تقدم به النائب الجمهوري توماس ماسي، لكنه أخفق في تمريره، وكان يهدف إلى إلغاء مساعدات عسكرية لإسرائيل بقيمة 3.3 مليار دولار.
وعمّقت نتائج انتخابات الثلاثاء التباين بين التيارات داخل الحزب، ففي ميشيغان، فاز عبد السيد بمقعد في مجلس الشيوخ، واستغل خطاب فوزه للتأكيد على رفض إرسال أموال أمريكية إلى ما وصفه بالفصل العنصري والإبادة الجماعية.
حقق عدد من المرشحين الديمقراطيين المؤيدين لإسرائيل الفوز في سباقاتهم الانتخابية، حيث يتيح اتساع الأغلبية الديمقراطية لقيادات الحزب تمرير قراراتها بتجاوز اعتراضات جناحه اليساري متى اختارت ذلك، وفي المقابل، يستعد التقدميون للدفع بمشروع قانون “حظر القنابل”، الذي من شأنه حظر نطاق واسع من مبيعات الأسلحة الهجومية إلى إسرائيل.
من المرجح أن يسهم إنهاء الحرب مع إيران في الحفاظ على تماسك صفوف الديمقراطيين، لكن القضايا اللاحقة لن تحظى بالتوافق نفسه، وفي مقدمتها مبيعات الأسلحة إلى إسرائيل، وشروط أي اتفاق نووي محتمل مع طهران، وخيارات واشنطن في حال أعادت إيران بناء برنامجها النووي، حيث حقق الديمقراطيون فوزهم في انتخابات الثلاثاء بوصفهم الحزب المناهض للحرب، لكنهم لم يبرهنوا بعد على قدرتهم على تقديم نهج حُكمي يتجاوز هذا الموقف.
ما الذي لن تغيّره الأغلبية الجديدة؟
لم تمسّ الهزيمة الانتخابية الساحقة الصلاحيات الأساسية للرئيس دونالد ترامب؛ فهو لا يزال القائد الأعلى للقوات المسلحة، ويحتفظ بسلطة إصدار أوامر بشن ضربات جديدة على إيران، فيما لا يملك الكونغرس سوى وقف تمويل العمليات العسكرية بعد وقوعها، أما استدعاء قاذفة عسكرية وإعادتها بعد إقلاعها، فليس أمراً يملكه الكونغرس.
وفي الملف التجاري، فعلت المحكمة العليا ما لم يتمكن الكونغرس من فعله، ففي فبراير، قضت المحكمة بأغلبية ستة أصوات مقابل ثلاثة بأن قانون الصلاحيات الاقتصادية الطارئة الدولية لا يمنح ترامب السلطة اللازمة لفرض الرسوم الجمركية العالمية الواسعة التي أقرّها.
وفي اليوم نفسه، استند ترامب إلى المادة 122 من قانون التجارة لعام 1974 لفرض تعريفة جمركية موحدة بنسبة 10%، وعندما انتهت صلاحية هذه السلطة، التي تتيح فرض الرسوم لمدة 150 يوماً، في 24 يوليو، استبدلت الإدارة بها رسوماً جمركية بموجب المادة 301، تراوحت نسبتها بين 10% و12.5% على السلع الواردة من نحو 60 دولة.
ولا يتطلب فرض الرسوم بموجب المادة 301 تصويتاً في الكونغرس، فيما يستلزم إلغاءها تشكيل أغلبية قادرة على تجاوز الفيتو الرئاسي، إذ لم يُبدِ سوى عدد محدود من الجمهوريين استعداداً لمعارضة ترامب في السياسة التجارية.
وظلت السلطة التنفيذية بمنأى إلى حد كبير عن الرقابة البرلمانية، ولا تستطيع الأغلبية الجديدة تغيير هذا الواقع بمفردها، فالكونغرس لا يملك إلغاء عفو رئاسي، ولا يستطيع بمفرده تعديل مذكرة رئاسية تتعلق بالأمن القومي، أو إصدار توجيهات إلى وزارة العدل بفتح قضية أو إغلاقها، كما تستند الحملة المتشددة التي يشنّها ترامب على الهجرة، والمثيرة للجدل، إلى مخصصات مالية متعددة السنوات أقرّها الكونغرس بالفعل بموجب قانون الموازنة الصادر العام الماضي.
ويدير ترامب شؤون الحكم من خلال الإعلانات الرئاسية والأوامر التنفيذية، وهي أدوات لا تتأثر بالجهة التي تسيطر على الكونغرس، حيث أعلن ترامب قبوله نتائج التصويت، لكنه معروف بتغيير مواقفه.
ضغوط سياسية من دون تصويت
تدفع الضغوط السياسية ترامب إلى تغيير مواقفه حتى في غياب أي تحرك من الكونغرس، ففي صباح يوم الانتخابات، أعلن عبر التلفزيون أن الولايات المتحدة ستوقف نحو 4 مليارات دولار من مساعداتها السنوية لإسرائيل بحلول نهاية العام، من دون أن يوضح آلية تنفيذ ذلك.
واكتفى بتقديم مبرر سياسي للقرار، مفاده بأن الجمهوريين ينبغي ألا يضطروا إلى تحمّل الانتقادات التي يوجهها مرشحون مثل عبد السيد، أول أمريكي مسلم يُنتخب لعضوية مجلس الشيوخ، حيث فوجئ المسؤولون الإسرائيليون بتوقيت الإعلان، وسارعوا إلى محاولة استيضاح دلالاته وتبعاته. فلم يكن تصويت في الكونغرس وراء هذا الإعلان، بل كانت الانتخابات هي التي فرضته.
وتواجه إيران ضغوطاً مماثلة في ظل هذه التطورات، فقبل التصويت، كرر ترامب تهديداته باستئناف الضربات العسكرية، لكنه أبلغ الصحفيين ليلة الانتخابات بأنه لا يعتزم إصدار أوامر بشن هجمات في الوقت الراهن.
وبحلول الخميس، أفاد مسؤولون أمريكيون بأن الجيش يستكمل استعداداته لاحتمال استئناف الضربات، بالتزامن مع تحرك الوسطاء القطريين للدفع بمسودة اتفاق، حيث نقل أحد مستشاري ترامب السابقين عنه قوله إنه لا يريد أن يظهر بمظهر من مُني بالهزيمة مرتين.
وقد يقود هذا التوجه، لدى رئيس معروف بتقلب مواقفه، إلى مسارين متعارضين؛ إما الدفع نحو اتفاق يستطيع تقديمه على أنه انتصار، أو استئناف الضربات بما يتيح له التأكيد أن إيران لم تتمكن من هزيمته.
وفي هذا السياق يقدم التاريخ سابقة، ففي اليوم التالي لفوز الديمقراطيين بالسيطرة على الكونغرس عام 2006، على خلفية الغضب الشعبي من حرب العراق، أعلن الرئيس جورج دبليو بوش استقالة وزير الدفاع دونالد رامسفيلد.
والأربعاء، أفادت مصادر بأن ترامب سأل مستشاريه عما إذا كان ينبغي أن يبقى بيت هيغسيث في منصب وزير الدفاع. لكن ترامب أكد علناً أن هيغسيث يؤدي عملاً جيداً للغاية.
وقد يشكل تحميل وزير الدفاع مسؤولية الإخفاقات وسيلة لترامب لامتصاص الضغوط السياسية وكسب هامش أوسع للمناورة، من دون أن يخسر أياً من صلاحياته الرئاسية، غير أن إقالة هيغسيث لا تعني بالضرورة وضع حد للحرب؛ فبوش أطاح برامسفيلد، ثم أمر بزيادة القوات الأمريكية في العراق.
تحميل وزير الدفاع مسؤولية الإخفاقات قد يشكل وسيلة لترامب لامتصاص الضغوط السياسية وكسب هامش أوسع للمناورة من دون أن يخسر أياً من صلاحياته الرئاسية
كيف يمكن للعالم قراءة نتائج الانتخابات؟
يمنح حجم الفوز الديمقراطي حلفاء الولايات المتحدة فرصة لإعادة النظر في حساباتهم، فقد أمضت سيؤول وبرلين وطوكيو العامين الماضيين في التعامل مع الرسوم الجمركية والمطالب الأمريكية المتعلقة باستضافة القوات العسكرية.
أما دول الخليج، فقد تعرضت لضربات إيرانية استهدفت قواعد عسكرية أمريكية تستضيفها على أراضيها، في حرب لم تختر الانخراط فيها، حيث كان من شأن فوز ديمقراطي بهامش ضئيل أن يبعث برسالة إلى هذه الدول مفادها بأن عليها انتظار انتهاء ولاية ترامب، أما الهزيمة الساحقة للجمهوريين، فتعكس رفض الناخبين الأمريكيين جانباً كبيراً من السياسات التي يتبناها ترامب، إذ ليس مستبعداً أن تتجه هذه الدول إلى إبطاء وتيرة تعاملاتها مع الإدارة الحالية، والبدء في الاستعداد للتعامل مع الإدارة المقبلة.
أما خصوم واشنطن، فسيقرأون نتائج الانتخابات من منظور مختلف، وكانت طهران أول من عبّر عن قراءته لها، فقد قال محسن رضائي، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، في منشور عبر وسائل التواصل الاجتماعي، إن إيران ألحقت بترامب هزيمة سياسية في واشنطن، كما حذّر كبير المفاوضين الإيرانيين، محمد باقر قاليباف، من أن واشنطن ستواجه “كابوساً” إذا تجاهلت الإدارة الأمريكية إرادة الناخبين.
ومع ذلك، استبعد تصريح منسوب إلى المرشد الأعلى الإيراني أن تؤدي نتائج الانتخابات إلى تغيير في السياسة الأمريكية.
وحتى طهران لا تراهن على أن نتائج التصويت ستنهي الحرب، فقد سبق لبكين وموسكو أن شهدتا خسارة رؤساء أمريكيين في انتخابات التجديد النصفي، وتدركان أن الرئيس الذي يواجه ضغوطاً داخلية غالباً ما يتجه إلى التحرك خارجياً، حيث يتمتع بهامش أوسع للتصرف بصورة منفردة، وهو ما قد يدفعه إلى اتباع سياسات تتعارض مع مصالحهما.
ويواجه ترامب، البالغ من العمر 80 عاماً، الآن كونغرس معارضاً وحزباً بدأ بالفعل يتطلع إلى مرحلة ما بعد قيادته، فخلال العام الحالي وحده، أمر بتنفيذ عملية أسفرت عن اعتقال الرئيس الفنزويلي، وأطلق حرباً ضد إيران، من دون طلب موافقة الكونغرس مسبقاً في أي من الحالتين.
من يملك الأصوات؟
أعادت انتخابات الثلاثاء إلى الواجهة إحدى أدوات الرقابة البرلمانية التي امتنع الجمهوريون في الكونغرس عن استخدامها طوال العامين الماضيين، لكنها لم تُعِد إلى الكونغرس صلاحياته في ملفات الحرب والتجارة والإنفاق، التي نقلها تدريجياً إلى الرؤساء من الحزبين قبل وقت طويل من وصول ترامب إلى السلطة.
يمكن للأغلبية الديمقراطية البالغة 258 مقعداً أن تسعى إلى استعادة تلك الصلاحيات، لكنها ستظل بحاجة إلى أصوات جمهورية، حيث لن تحصل عليها إلا عندما يقرر هؤلاء الجمهوريون أن مستقبلهم السياسي أهم من مستقبل ترامب، حيث أظهر فانس للتو أنه يضع مستقبله السياسي فوق الولاء لترامب.
في المحصلة، منح الناخبون الديمقراطيين مطرقة رئاسة مجلس الكونغرس، لكن الجمهوريين ما زالوا يمتلكون الأصوات.





