التحرك الدبلوماسي الصيني يتجاوز واشنطن

تقرير
صورة تجمع قادة "بريكس" في نيودلهي (أ ف ب)
صورة تجمع قادة "بريكس" في نيودلهي (أ ف ب)
ﺷﺎرك

اعتاد العالم تقييم القوة الصينية في ضوء طبيعة العلاقات بين بكين وواشنطن، غير أن الجولات الخارجية الأخيرة للرئيس الصيني شي جين بينغ تشير إلى أن المكاسب الدبلوماسية الأهم للصين قد تتحقق في ساحات أخرى، وتحديداً من خلال علاقاتها مع دول الجنوب العالمي.

وقد تمتد هذه المكاسب إلى المؤسسات التي تسعى الدول غير الغربية من خلالها إلى تعزيز نفوذها على الساحة الدولية، حيث تستثمر الصين التحولات في موازين القوى الدولية لتعزيز موقعها في مواجهة ما تراه تراجعاً في مكانة الولايات المتحدة، حيث باتت أكثر ارتياحاً للعمل في نظام دولي لا يتطلب منها التفوق مباشرةً على أمريكا حتى توسّع نطاق نفوذها.

حظيت زيارة شي إلى واشنطن ولقاؤه بالرئيس دونالد ترامب باهتمام دولي واسع، إلا أن تكوين صورة أشمل يقتضي النظر إلى الجولات الخارجية الأربع التي أجراها شي في أواخر أغسطس وسبتمبر.

وتكشف هذه الجولات مجتمعةً عن كيفية سعي بكين إلى الاستفادة من الصعوبات الدبلوماسية التي تواجهها واشنطن، بالتوازي مع توسيع نفوذها خارج إطار التنافس الثنائي بين البلدين.

تحدّي شي الهادئ للهيمنة الأمريكية

زار شي، بيشكك، عاصمة قيرغيزستان، للمشاركة في قمة منظمة شنغهاي للتعاون، ثم أجرى زيارة دولة إلى القاهرة، وبعد ذلك، شارك في قمة مجموعة “بريكس” في دلهي، قبل أن يختتم جولته الخارجية بزيارة دولة إلى واشنطن.

ويُعد تكثيف الزيارات أمراً غير مألوف بالنسبة إلى زعيم نادراً ما يقوم بجولات خارجية، إذ كانت زيارته الدولية الوحيدة السابقة خلال عام 2026  إلى بيونغ يانغ في يونيو، حيث التقى الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون، فمنذ توليه السلطة عام 2012، أجرى شي 56  زيارة خارجية فقط.

إذا كان جدول الزيارات الخارجية لقادة الدول يكشف عن مؤشرات إلى أولويات السياسة الخارجية، فإن شي يحرص على إبقاء نواياه الاستراتيجية طيّ الكتمان،  فكل زيارة خارجية يقوم بها تستحق الاهتمام، إذ دأب على إبراز مكانة الصين بوصفها قوة عظمى من خلال استقبال قادة العالم، بدلاً من التنقل إلى بلدانهم.

كما تجنّب إطلاق حملة دبلوماسية دولية واسعة للترويج للصين باعتبارها بديلاً للقيادة العالمية الأمريكية، ومن ثم، فإن تكثيف زياراته الخارجية مؤخراً يحمل دلالات لافتة، سواء من حيث الوجهات التي اختارها أو الرسالة الدبلوماسية التي تجمع بينها.

تعكس هذه الزيارات مجتمعةً مسعى مدروساً لتعزيز موقع الصين بين القوى الصاعدة والقوى الراسخة التي تسعى إلى دور أكبر في الشؤون الدولية، ولا سيما من خلال منظمة شنغهاي للتعاون ومجموعة “بريكس”.

تتيح هذه العلاقات لبكين فرصاً لتطوير الشراكات الاقتصادية، والمساهمة في صياغة مؤسسات متعددة الأطراف بديلة، وتوسيع خياراتها الدبلوماسية من دون إثارة مواجهة مباشرة مع واشنطن.

وتكشف هذه الزيارات أيضاً عن تحولات في موازين القوى العالمية، فعندما وصل شي إلى قاعدة أندروز المشتركة للقاء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، كان يتعامل من موقع أكثر تكافؤاً بكثير مقارنةً بزيارته الرسمية السابقة عام 2015، خلال رئاسة باراك أوباما.

غير أن الدلالة الاستراتيجية الأوسع لهذا التحرك الدبلوماسي تتمثل في تنامي قدرة الصين على متابعة مصالحها الدولية باستقلالية عن واشنطن، حيث يكمن الخطر الاستراتيجي بالنسبة إلى واشنطن في أن انشغال صانعي السياسات الأمريكيين بالتنافس الثنائي قد يصرف انتباههم عن مساعي بكين الهادئة لبناء نظام دولي بديل، تتراجع فيه أهمية القوة الأمريكية تدريجياً.

الخطر على واشنطن يكمن في أن انشغالها بالتنافس الثنائي قد يحجب عنها مساعي بكين لبناء نظام دولي بديل يقلّص النفوذ الأمريكي تدريجياً

 تنامي مكانة الصين الدولية

شهد ميزان القوة والنفوذ بين الصين والولايات المتحدة تحولات مهمة خلال السنوات الإحدى عشرة الفاصلة بين زيارتي الدولة اللتين أجراهما شي إلى واشنطن، غير أن فهم هذه التحولات لا يقتصر على تحليل التنافس الثنائي بين البلدين، بل يتطلب النظر إلى المشهد الدولي الأوسع، حيث أوجدت الاضطرابات الجيوسياسية وتبدّل المواقف تجاه القيادة الأمريكية فرصاً دبلوماسية جديدة أمام بكين.

رئيس قيرغيزستان لدى استقباله شي في بيشكيك (أ ف ب)
رئيس قيرغيزستان لدى استقباله شي في بيشكيك (أ ف ب)

أسهمت الحرب التي يخوضها ترامب ضد إيران، وما اتسمت به من غياب الحسم والاضطراب، في زيادة القلق الدولي إزاء إدارات،  كما عمّقت حالة الاستياء القائمة عالمياً جراء الرسوم الجمركية وغيرها من التدابير القسرية التي استهدفت الشركاء والخصوم على حد سواء منذ بداية ولايته الثاني، حيث يشكّل ذلك أحد الأسباب الرئيسية لتحسّن صورة الصين على الساحة الدولية، ولا سيما لدى دول الجنوب العالمي.

وقد أوجدت هذه التطورات فرصة دبلوماسية سعت بكين إلى استثماره، إذ ويُعزى هذا التحول بدرجة أكبر إلى تراجع شعبية الولايات المتحدة منه إلى نجاح السياسات الصينية في جذب اهتمام العالم.

وفي موازاة ذلك، استثمرت بكين موارد كبيرة لتعزيز جاذبيتها الدولية من خلال التجارة وتطوير البنية التحتية والتبادل الثقافي والمبادرات الدبلوماسية، حيث هدفت مبادرة “الحضارة العالمية” التي أطلقها شي عام 2023  إلى تعزيز القوة الناعمة للصين، عبر تأكيد أهمية التنوع الثقافي وطرح رؤية للعلاقات الدولية تحدّ من هيمنة القيم السياسية الغربية، ومع ذلك، فإن تراجع شعبية القيادة الأمريكية أوجد بيئة مواتية بصورة خاصة لهذه الجهود الصينية.

تستفيد بكين من تحوّل التصورات الدولية لصالحها، إذ قد تجعل المواقف الأكثر إيجابية تجاه الصين الحكومات والمجتمعات أكثر انفتاحاً على شراكاتها الاقتصادية ومقترحاتها الدبلوماسية ومبادراتها المتعلقة بالمؤسسات الدولية.

لكن يبقى من غير الواضح ما إذا كان هذا التحول في التصورات سيؤدي إلى زيادة النفوذ الجيوسياسي الصيني، ورغم ذلك، فإنه يشير إلى اتساع الفرص المتاحة أمام بكين لتوسيع نفوذها دون تحدي واشنطن بصورة مباشرة.

تعكس استطلاعات الرأي الحديثة تحولات في المشهد الدولي؛ إذ ينظر المشاركون في مناطق عدة إلى النفوذ الصيني بوصفه أكثر إيجابية على المستوى العالمي مقارنةً بالنفوذ الأمريكي.

في أمريكا اللاتينية، شمل استطلاع “لاتينوباروميتر” لعام 2026، الذي نُشرت نتائجه في 2  أكتوبر 2026، 17  دولة، وأظهر أن 65 %  من المشاركين ينظرون بإيجابية إلى نفوذ الصين، مقابل 57 %  للولايات المتحدة، وهذه هي المرة الأولى التي تتقدم فيها الصين على الولايات المتحدة وفق هذا المعيار منذ انطلاق الاستطلاع عام 1995.

وفي 2020، بلغت نسبة التقييمات الإيجابية للنفوذ الصيني 48 %، مقابل 60 % للنفوذ الأمريكي؛ ما يعكس تحولاً ملحوظاً خلال ست سنوات فقط.

ويظهر تحول مماثل في مواقف صانعي الرأي في جنوب شرق آسيا، ففي تقرير “حالة جنوب شرق آسيا لعام 2026″، سأل معهد “إيسيس–يوسف إسحاق”، ومقره سنغافورة، المشاركين عن القوة التي ينبغي للمنطقة الاصطفاف معها إذا اضطرت إلى الاختيار بين بكين وواشنطن.

وحصلت الصين على 52 %  من الإجابات، مقابل 48 %  للولايات المتحدة، غير أن هذه التفضيلات شهدت تقلبات خلال السنوات الأخيرة؛ إذ تقدمت واشنطن بفارق ضئيل عام 2025، بينما سبقتها بكين عام 2024  بنسبة 50.5 %، مقابل 49.5 %  للولايات المتحدة.

وتشير ضآلة الفوارق إلى استمرار الانقسام في المواقف الإقليمية، بدلاً من انحياز المنطقة بصورة حاسمة إلى أي من القوتين.

في أفريقيا، تكشف استطلاعات “أفروباروميتر” عن تباين مماثل في التصورات المتعلقة بنفوذ البلدين، فقد تراجعت نسبة التقييمات الإيجابية للنفوذ الأمريكي من 59 %  خلال الفترة 2019–2021  إلى 49 %  خلال الفترة 2021–2023، قبل أن ترتفع بصورة محدودة إلى نحو 52 %  خلال الفترة2024–2025 ، وفي المقابل، ظلت التصورات الإيجابية للنفوذ الصيني مستقرة نسبياً خلال الفترة نفسها، عند نحو 62 %.

ومع ذلك، لا يمثل هذا التحول اتجاهاً عالمياً شاملاً؛ إذ لا تزال الشكوك تجاه الصين واسعة النطاق في أوروبا، على المستويين الرسمي والشعبي، ولا سيما بسبب الفائض التجاري الصيني مع الاتحاد الأوروبي.

وفي يوليو، أعلنت الحكومتان الفرنسية والألمانية خارطة طريق مشتركة لمعالجة هذه المسألة، لكن بكين لا تحتاج إلى اصطفاف هذه الدول معها حصرياً حتى تستفيد من تغير مواقفها تجاه الصين؛ إذ يمكن أن يسهم تزايد الانفتاح على الاستثمارات الصينية والمبادرات الدبلوماسية والمؤسسات البديلة في توسيع هامش تحرك بكين تدريجياً، ويجعل حشد واشنطن معارضة دولية موحّدة أكثر صعوبة.

تزايد الانفتاح على الاستثمارات الصينية والمبادرات الدبلوماسية والمؤسسات البديلة يسهم في توسيع تحرك بكين ويصعب على واشنطن حشد معارضة موحّدة

تكتسب النظرة الإيجابية المستقرة أو المتزايدة تجاه الصين في دول الجنوب العالمي أهمية كبيرة؛ فهي تعكس مكانة الصين بوصفها قوة تثير الرهبة، كما تعكس تبنّيها نهجاً أكثر حزماً في تعاملاتها الدولية، وكما تُظهر التجربة الأمريكية، قد تسعى القوة العظمى إلى الجمع بين إثارة الخشية ونيل الإعجاب لتعزيز مكانتها على الساحة الدولية.

لم تُلحق الصين هزيمة بالولايات المتحدة بأي معنى ملموس، لكن مسار التحولات في الرأي العام يحمل دلالات لافتة، ولا سيما في دول الجنوب العالمي، وقد شكّل هذا المسار عاملاً مؤثراً في خلفية جولات شي الخارجية.

في هذا السياق، تعمل بكين على توسيع شبكة علاقاتها الدولية، بما يعزز قدرتها على ممارسة النفوذ والاستفادة من روابط تتزايد استقلاليتها عن القوة الأمريكية.

شي بين حلفائه  

تعمل الصين على استثمار هذه التحولات تدريجياً وبحذر، متجنّبةً إظهار أي نزعة إلى الاحتفاء بالانتصار قد تثير غضب ترامب، فبدلاً من استغلال هذه التطورات للترويج لنفسها بوصفها شريكاً بديلاً يتسم بالاستقرار، حرص شي على إيصال هذه الرسالة بأسلوب أكثر حذراً وضمنية.

ألقى شي خطابين، أحدهما خلال قمة منظمة شنغهاي للتعاون في بيشكك، والآخر خلال قمة مجموعة “بريكس” في دلهي، ففي كليهما، استحضر صيغة مألوفة مفادها أن “تحولات لم يشهد العالم مثيلاً لها منذ قرن تتسارع في مختلف أنحاء العالم”.

كما تناول دور الصين في قيادة الجهود الرامية إلى إقامة نظام دولي أكثر توازناً، يمنح الدول خارج المنظومة الغربية دوراً أكبر في الشؤون الدولية، لكنه حرص على عدم تصوير هذا التحول صراحةً على أنه يأتي على حساب الولايات المتحدة أو أوروبا، وكذلك، جاءت إشاراته إلى عودة “الهيمنة الأحادية الجانب والنزعة الحمائية” في صورة انتقادات غير مباشرة لإدارة ترامب، لا إدانة صريحة لواشنطن.

من اللافت أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس الإيراني مسعود بزشكيان شاركا في القمتين؛ إذ أضفى حضورهما عليهما طابعاً ينطوي على تحدٍّ للمساعي الأوروبية الرامية إلى عزل روسيا، والجهود الأمريكية الهادفة إلى عزل إيران.

لم يكن شي بحاجة إلى الإدلاء بتصريحات مثيرة للجدل بشأن أي من القضيتين؛ فمجرد جمع هذا العدد من قادة الدول والحكومات البارزين بصورة منتظمة خارج نطاق المنظومة التي تقودها الدول الغربية يحمل في حد ذاته رسالة سياسية.

ورغم أن الصين لا تمتلك تكتلاً رسمياً أو شبكة تحالفات تضاهي تلك التي تقودها الولايات المتحدة، إلا أن ذلك لا ينتقص من نفوذها الدولي، حيث أسهمت التجارة الثنائية بين الصين وكل من روسيا وإيران في مساعدة البلدين على مواصلة أنشطتهما الاقتصادية والعسكرية رغم العقوبات الغربية.

التجارة الثنائية بين الصين وكل من روسيا وإيران أسهمت في مساعدة البلدين على مواصلة أنشطتهما الاقتصادية والعسكرية رغم العقوبات الغربية

يكشف ذلك حجم التحول الذي طرأ على العلاقات الدولية مقارنةً بالعقود التي أعقبت الحرب الباردة، حين كان تنسيق الضغوط الاقتصادية الغربية يتيح، في كثير من الأحيان، فرصاً أكبر لعزل الحكومات التي تعارضها الدول الغربية.

في النهج الصيني لإدارة شؤون الدولة، تُعد القدرة على إيصال الرسائل من دون الإفصاح صراحةً عن جميع دلالاتها ميزةً مهمة، ولا سيما عند مقارنتها بالخطاب الأكثر تصادمية لإدارة ترامب.

وتتجلى هذه المقاربة في العبارات التي يكررها شي؛ إذ دعا منظمة شنغهاي للتعاون إلى “العمل معاً من أجل إقامة عالم متعدد الأقطاب يتسم بالمساواة والنظام”، كما أعرب عن تطلعه إلى “بناء مجتمع ذي مستقبل مشترك للبشرية”.

قد تبدو هذه العبارات عرضة للتجاهل أو السخرية، خصوصاً أنها نادراً ما تقترن بمقترحات سياسية محددة، غير أن تكرارها على مدى سنوات أسهم في ترسيخ صورة شي والصين بوصفهما طرفين يتسمان بقدر نسبي من الثبات والقدرة على توقّع سلوكهما في العلاقات الدولية.

ولم يخرج شي، عموماً، عن هذا النهج الدبلوماسي المتحفظ إلا عند تناول قضيتين تحظيان بأهمية خاصة لدى بكين: مستقبل تايوان، وتزايد الإنفاق العسكري الياباني.

ومع ذلك، لم تحظَ أي من القضيتين بحضور بارز في تصريحاته العلنية خلال قمتي منظمة شنغهاي للتعاون ومجموعة “بريكس”، وعلى الرغم من استمرار التوتر بشأنهما خلال زيارته اللاحقة إلى واشنطن، ظلتا إلى حد كبير بعيدتين عن صدارة التصريحات العلنية المتبادلة بينه وبين ترامب.

من المرجح أن تظهر بعض المكاسب العملية لهذه اللقاءات الدبلوماسية تدريجيا، ومن الأمثلة على ذلك تطوير أنظمة دفع مترابطة بين الاقتصادات الكبرى خارج المنظومة الغربية، بما قد يقلل بمرور الوقت اعتمادها على النظام المالي الدولي الذي تهيمن عليه الدول الغربية، ويحدّ من تعرضها لنقاط الاختناق التي يمكن استخدامها لتقييد المعاملات المالية.

وتسعى الصين كذلك إلى تحويل تحركاتها الدبلوماسية على المستوى المؤسسي إلى دور أوسع في صياغة منظومة الحوكمة الدولية، وفي هذا السياق، استهدف “منتدى الحوكمة العالمية الأول”، الذي عُقد في منطقة شيونغآن الجديدة أواخر أكتوبر، ترسيخ مكانة بكين بوصفها منصة جامعة لطرح رؤى بديلة بشأن الحوكمة العالمية، ولا سيما الرؤى التي تتبناها الدول غير الغربية.

في الوقت نفسه، تواصل الشركات الصينية إقامة علاقات تجارية في مختلف أنحاء دول الجنوب العالمي من خلال مبادرة “الحزام والطريق” القائمة منذ سنوات، إذ تعكس هذه الجهود مجتمعة طموح بكين طويل الأمد إلى ترسيخ مكانتها بوصفها قطباً رئيسياً بديلاً في النظام الدولي.

لقاء شي وترامب من موقع قوة

وصل الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى واشنطن في 23 سبتمبر 2026، لإجراء زيارة دولة، بعد وقت قصير من مشاركته في قمة مجموعة “بريكس”، حيث وكان لديه ما يدعوه إلى الثقة بمكانة الصين الدولية مقارنةً بالولايات المتحدة، ففي 2025، أثبتت بكين قدرتها على الرد على القيود التجارية الأمريكية، عندما لوّحت بتقييد صادراتها من المعادن الحيوية.

أثبتت بكين في 2025 قدرتها على الرد على القيود التجارية الأمريكية عندما لوّحت بتقييد صادراتها من المعادن الحيوية

تمحورت الرسالة الرئيسية لزيارة شي حول دعوته إلى بناء علاقة بنّاءة بين الصين والولايات المتحدة، قائمة على الاستقرار الاستراتيجي، إذ جاءت الخطوة استكمالاً لمسار تهدئة العلاقات بين البلدين، الذي بدأ بلقاء الزعيمين على هامش قمة منتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادئ “أبيك”، في مدينة بوسان بكوريا الجنوبية، في أكتوبر2025.

ولم تسفر زيارة الدولة عن مكاسب ملموسة أو تنازلات تُذكر، ما جعل أهميتها ترتبط إلى حد كبير بالرسائل الدبلوماسية التي حملتها والمكاسب الاستراتيجية الأقل وضوحاً، فمن اللافت أن الزعيمين نحّيا عدداً من القضايا الخلافية جانباً، وبدلاً من ذلك ركّزا على تقديم صورة عامة تعكس استقرار العلاقات الأمريكية الصينية.

وخلال قمة البيت الأبيض، دعا شي ترامب إلى إعلان معارضته رسمياً لاستقلال تايوان، وحثّه على عدم إبرام مزيد من صفقات بيع الأسلحة الأمريكية للجزيرة، حيث ظلت التوترات محدودة نسبياً، ويُعزى ذلك جزئياً إلى أن إحدى القضايا التي كان من شأنها تعقيد المباحثات حُيّدت في مايو، عندما علّقت واشنطن حزمة أسلحة لتايوان بقيمة 14  مليار دولار، ووصف ترامب هذه الحزمة بأنها ورقة تفاوض جيدة جداً في تعاملاته مع الصين.

ترامب يطلع شي على مهبط الروحيات الجديد في البيت الأبيض (أ ف ب)
ترامب يطلع شي على مهبط المروحيات الجديد في البيت الأبيض (أ ف ب)

على الأقل، حرص شي وترامب خلال الزيارة على تقديم مشهد دبلوماسي مدروس بعناية، أظهر إمكانية تعايش القوتين العظميين، ما أتاح لمنتقدي ترامب في الداخل اتهامه بإبداء قدر مفرط من المجاملة تجاه شي، غير أن الأجواء التصالحية قد تعكس أيضاً تزايد الكلفة الدبلوماسية والاقتصادية للمواجهة مع بكين.

بالنسبة إلى واشنطن، شكّلت استضافة شي بحفاوة لافتة وسيلة أكثر عملية لإدارة العلاقة مع الصين، مقارنةً بالمواجهات الكلامية التي ميّزت جوانب أخرى من السياسة الخارجية لترامب.

الصين وأمن الشرق الأوسط

تعكس مراعاة واشنطن لبكين أيضاً ما تواجهه من ضغوط في الشرق الأوسط، حيث تبيّن أن إنهاء الحرب التي تشنّها بالتعاون مع إسرائيل على إيران ليس بالأمر اليسير.

وخلال زيارة الدولة التي أجراها شي إلى مصر مطلع سبتمبر، والتي لم تحظَ بتغطية إعلامية واسعة، طرح مبادرة لإنشاء منظومة جديدة للأمن الإقليمي في الشرق الأوسط.

بالنظر إلى كون الصين شريكاً اقتصادياً رئيسياً لدول تقف على أطراف مختلفة من المواجهة الإقليمية، فإنها تتمتع بموقع يتيح لها بحث إمكانية الاضطلاع بدور دبلوماسي خلف الكواليس في أي ترتيبات قد تنشأ في مرحلة ما بعد الحرب.

تتمتع الصين كونها شريكاً اقتصادياً رئيسياً لأطراف مختلفة بموقع يتيح لها إمكانية الاضطلاع بدور دبلوماسي خلف الكواليس في أي ترتيبات

أسفرت زيارة شي إلى القاهرة أيضاً عن خطوات عملية؛ إذ اتفقت مصر والصين على تعزيز التعاون في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، التي تشكّل موطئ قدم تجارياً مهماً لبكين بالقرب من أحد أكثر الممرات البحرية أهميةً من الناحية الاستراتيجية في العالم.

وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة في ظل تصاعد الصراع في اليمن مؤخراً، وتزايد تهديدات الحوثيين للملاحة في البحر الأحمر، ولا سيما في مضيق باب المندب.

واتفق البلدان كذلك على زيادة استخدام اليوان والعملات المحلية الأخرى في معاملاتهما التجارية الثنائية، بما ينسجم مع عضوية مصر في مجموعة “بريكس” وتوجّه المجموعة عموماً نحو تقليص الاعتماد على الدولار.

ولا تمثل هذه الاتفاقات تحولاً حاسماً في ميزان القوى في الشرق الأوسط؛ لكنها تُظهر كيف توظّف بكين شراكاتها الاقتصادية لتوسيع حضورها الإقليمي، دون تحمّل الالتزامات العسكرية التي ارتبطت تقليدياً بالنفوذ الأمريكي.

خصوصية النهج الصيني

تكشف الجولات الخارجية الأربع التي أجراها شي، عند النظر إليها مجتمعةً، عن صورة أشمل تساعد على فهم تنامي مكانة الصين الدولية.

ورغم الأهمية المحورية التي تحتلها العلاقات مع الولايات المتحدة في حسابات بكين، واستمرار الخلافات العميقة بين القوتين بشأن تايوان والتوسع العسكري الياباني وقضايا استراتيجية أخرى، فإن طموحات الصين الدبلوماسية تتجه بصورة متزايدة نحو فضاء دولي أوسع.

قد يُنظر إلى النهج الصيني في إدارة العلاقات الدولية على أنه يفتقر إلى أهداف محددة بوضوح، وينصبّ أساساً على منافسة طويلة الأمد مع واشنطن لا تتبلور معالمها بصورة دقيقة.

كما يصعب أحياناً رصد آثاره العملية، لأنها تتراكم تدريجياً، غير أن جولات شي الخارجية الأربع توضح كيف تسعى بكين إلى استثمار أخطاء واشنطن دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة معها، بالتوازي مع تعزيز مكانتها لدى أطراف مؤثرة في العالم غير الغربي.

ورغم الاهتمام الكبير الذي تحظى به المنافسة التكنولوجية بين الصين والولايات المتحدة ومستقبل تايوان، فإن بكين تنظر بوضوح إلى التنافس الدولي باعتباره أوسع نطاقاً من هاتين القضيتين؛ إذ تظل الدبلوماسية التقليدية إحدى الأدوات المهمة في إدارته.

وربما رأى شي في استقباله خلال زيارته إلى واشنطن ومعاملته على قدم المساواة مكسباً دبلوماسياً، لكن الدلالة الأوسع لتحركه الدبلوماسي تكمن في مسار آخر، فالصين توسّع تدريجياً شبكة علاقاتها ومؤسساتها التي تتيح لها ممارسة النفوذ على الساحة الدولية، حتى في الحالات التي لا تكون فيها واشنطن طرفاً في تلك العلاقات أو محوراً رئيسياً لها.

سمير بوري الدكتور والمؤلف السياسي
سمير بوري

الدكتور سمير بوري، مؤلف كتاب "بلا غرب: إعادة التوازن العالمي الكبير"، ومحاضر زائر في دراسات الحرب بكلية كينغز كوليدج لندن، شغل في عام 2025 منصب المدير المؤسس لمركز الحوكمة والأمن العالميين في تشاتام هاوس.

اشترك مجاناً في تقارير إيغل إنتيلجنس

رؤى وتقارير حصرية

تمتّع بإمكانية الوصول إلى تحليلات متعمّقة، ومعلومات استخباراتية حصرية، وتقارير خبراء مُصمّمة خصيصاً لتبقى على اطلاع دائم، وفي صدارة المتابعين لأهم التطورات العالمية.

بالاشتراك، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا.

موضوعات أخرى
رئيس شركة أنثروبيك ومؤسس ميسترال إيه آي خلال اجتماع مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة حول الذكاء الاصطناعي (أ ف ب)
تقرير
عمال في إحدى مناجم نيجيريا (أ ف ب)
تقرير
رئيس الوزراء الإسباني خلال جلسة "أسئلة للحكومة" في البرلمان (أ ف ب)
تقرير
ترامب مستقبلا شي في البيت الأبيض (أ ف ب)
تقرير
جندي عراقي وسط عناصر أخرين يرفع علامة النصر خلال الاحتفال بمناسبة انسحاب القوات الأمريكية (أ ف ب)
تقرير
جنود دنماركيون في غرينلاند(أ ف ب)
تقرير
تقرير
محمد بن سلمان وترامب في منتدى الاستثمار الأمريكي السعودي في واشنطن (أ ف ب)
تقرير

اشترك مجاناً في تقارير إيغل إنتيلجنس

رؤى وتقارير حصرية

تمتّع بإمكانية الوصول إلى تحليلات متعمّقة، ومعلومات استخباراتية حصرية، وتقارير خبراء مُصمّمة خصيصاً لتبقى على اطلاع دائم، وفي صدارة المتابعين لأهم التطورات العالمية.

بالاشتراك، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا.

ايغل انتيلجنس ريبورتس
Privacy Overview

This website uses cookies so that we can provide you with the best user experience possible. Cookie information is stored in your browser and performs functions such as recognising you when you return to our website and helping our team to understand which sections of the website you find most interesting and useful.