هل تُقسّم صفقة ترامب وشي آسيا؟

تقرير
ترامب مستقبلا شي في البيت الأبيض (أ ف ب)
ترامب مستقبلا شي في البيت الأبيض (أ ف ب)
ﺷﺎرك

من المرجح أن يتجه كل من دونالد ترامب وشي جين بينغ نحو تفاهم جديد بشأن كيفية إدارة الولايات المتحدة والصين لتنافسهما، من خلال وضع قواعد تضبط علاقاتهما وتعزز التزامهما بضبط النفس، غير أن هذا التفاهم يثير تساؤلاً جوهرياً: هل تستطيع القوتان الاتفاق على حدود التنافس من دون المساس بسيادة الدول الأخرى أو التأثير في استقلالية قراراتها؟.

عندما غادر شي واشنطن، لم تكن زيارته الرسمية الأولى إلى الولايات المتحدة منذ أكثر من عقد قد أسفرت عن اختراق جوهري في العلاقات بين البلدين، إذ اتفقت الحكومتان على تمديد الهدنة التجارية شهرين إضافيين، وإنشاء قناة للتواصل بشأن الحوادث المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، وتسريع العمل على آليات الاتصال العسكري المخصصة لاحتواء الأزمات.

لكن التطور الأكثر أهمية تمثّل في تعديل طفيف على الصيغة المشتركة التي يستند إليها البلدان في إدارة علاقاتهما، ففي بكين، خلال مايو، اتفق الزعيمان على بناء علاقة بنّاءة قائمة على الاستقرار الاستراتيجي، تستند إلى الإنصاف والمعاملة بالمثل.

أما في واشنطن، فقد أُضيفت كلمة الاحترام إلى هذه الصيغة، وسرعان ما أوضح وزير الخارجية الصيني وانغ يي أن المقصود بها هو احترام سيادة كل طرف وسلامة أراضيه ونظامه الاجتماعي، فضلاً عن مصالحه الجوهرية وشواغله الرئيسية.

نظراً إلى أن هذه العبارة نشأت في الفكر الاستراتيجي الصيني، ثم تبنّاها دبلوماسيون أمريكيون، فقد رأى منتقدون في واشنطن أنها تمثل تنازلاً لبكين، لكن المسألة الأساسية لا تتعلق بمن صاغ العبارة، بل بما إذا كانت واشنطن وبكين ستبدآن بالفعل في إرساء مجموعة من القواعد غير الرسمية لإدارة تنافس لا يتوقع أي من الطرفين أن ينتهي في المستقبل المنظور.

لم تتخلَّ أي من الحكومتين عن السياسات التي يعدّها الطرف الآخر تهديداً لمصالحه، فما زالت واشنطن تعتبر وجودها العسكري المتقدم في المنطقة ركيزة أساسية للنظام الإقليمي، في حين تنظر بكين إلى تايوان باعتبارها قضية تتعلق بسلامة الأراضي الصينية، وتسعى إلى الحد من الدعم العسكري الأمريكي للجزيرة.

ولا تعكس هذه الصيغة تقارباً بين واشنطن وبكين، ولا تعني قبول الصين بنظام إقليمي في آسيا تقوده الولايات المتحدة، فالأدق فهمها بوصفها محاولة لاحتواء التنافس المتصاعد بين القوتين ضمن قواعد تضبط مساره، من خلال تحديد خطوط واضحة يستطيع الطرفان فهمها، حتى وإن لم يتفقا على مشروعيتها أو يقبلا بها.

لا يعكس التفاهم الصيني-الأمريكي تقارباً أو قبولاً بنظام إقليمي في آسيا تقوده واشنطن بل محاولة لضبط التنافس بين القوتين ضمن حدود واضحة

هنا يبرز السؤال الذي سيتوقف عليه نجاح هذه التجربة أو إخفاقها: ما المصالح الاستراتيجية التي يتوقع كل طرف من الآخر الاعتراف بمشروعيتها؟، ومتى يتحول هذا الاعتراف إلى إقرار ضمني بوجود مجال نفوذ خاص بإحدى القوتين؟.

 مفهوم جديد للعلاقات بين القوى الكبرى

استند مفهوم شي بشأن نوع جديد من العلاقات بين القوى الكبرى، الذي طرحه للمرة الأولى خلال زيارته إلى واشنطن بصفته نائباً للرئيس عام 2012، وجعله محور قمته مع الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما في صاني لاندز عام 2013، إلى ثلاثة مبادئ أساسية: عدم الصراع أو المواجهة، والاحترام المتبادل، بما يشمل احترام المصالح الجوهرية، والتعاون القائم على المنفعة المتبادلة.

رحّبت واشنطن بالمبدأ الأول، لكنها تعاملت بحذر مع الثاني، خشية أن يُفسَّر الاحترام المتبادل باعتباره إقراراً بالمطالب الصينية بشأن تايوان وبحر الصين الشرقي وبحر الصين الجنوبي.

يبدو التعريف الذي يطرحه شي حالياً مألوفاً؛ إذ يُفترض أن يظل التعاون ركيزة أساسية للعلاقات، وأن تبقى المنافسة ضمن حدود مناسبة، مع إدارة الخلافات بين الطرفين.

لكن المشهد تغيّر بدرجة أكبر من تغيّر المصطلحات نفسها، ففي عام 2013، كانت واشنطن لا تزال تأمل في استيعاب صعود الصين ضمن نظام دولي صاغت قواعده إلى حد كبير، أما بحلول عام 2026، فقد باتت كلتا القوتين تمتلكان أدوات قادرة على إلحاق أضرار جسيمة بالطرف الآخر.

لقد أمضت الولايات المتحدة نحو عقد من الزمن في تقييد وصول الصين إلى التكنولوجيا المتقدمة، فيما أظهرت بكين، خلال حرب الرسوم الجمركية عام 2025، أن هيمنتها على معالجة المعادن الأرضية النادرة تتيح لها تعطيل قطاعات من الصناعة الأمريكية.

جاءت الهدنة التي توصل إليها الطرفان في بوسان في أكتوبر الماضي لتوقف هذا التصعيد، وهكذا، باتت الصيغة التي استُحدثت في الأصل لطمأنة قوة صاعدة تُستخدم اليوم بين قوتين تتوقعان استمرار التنافس بينهما، حتى وإن شدد شي، لدى وصوله إلى واشنطن، على ضرورة أن تكون الدولتان شريكتين لا خصمين.

رفضت الصين الدعوات الأمريكية للدخول في مفاوضات رسمية ثلاثية بشأن الحد من الأسلحة النووية (أ ف ب)
رفضت الصين الدعوات الأمريكية للدخول في مفاوضات رسمية ثلاثية بشأن الحد من الأسلحة النووية (أ ف ب)

تنطوي هذه الصيغة على قدر من الغموض من زاوية أكثر تحديداً، ففي القاموس الاستراتيجي الأمريكي، ارتبط مفهوم الاستقرار الاستراتيجي تقليدياً، قبل كل شيء، بالاستقرار النووي؛ أي بوجود توازن في القدرات والعقائد العسكرية لا يمنح أيّاً من الطرفين حافزاً لشن ضربة استباقية.

في القاموس الأمريكي ارتبط مفهوم الاستقرار الاستراتيجي تقليدياً بالنووي أي بوجود توازن في القدرات والعقائد العسكرية لا يمنح أيّاً من الطرفين حافزاً لشن ضربة استباقية

حتى الآن، رفضت الصين الدعوات الأمريكية بالدخول في مفاوضات رسمية ثلاثية بشأن الحد من الأسلحة النووية، بمشاركة واشنطن وموسكو، معتبرةً أن التفاوت في حجم الترسانات النووية يجعل إجراء مثل هذه المفاوضات سابقاً لأوانه.

كما لم تُسفر أي من القمتين اللتين عُقدتا هذا العام عن اتفاق بشأن القوات النووية، وبذلك، توسّع الصيغة الجديدة مفهوم الاستقرار الاستراتيجي ليتجاوز معناه النووي التقليدي، ليعبّر عن محاولة وضع ضوابط للتنافس السياسي والعسكري والاقتصادي بين القوتين، من دون التوصل أولاً إلى تسوية بشأن موازين القوى القائمة بينهما.

تبدو القراءة الأمريكية لهذا المفهوم ضيقة نوعاً ما؛ إذ تركز بيانات البيت الأبيض على الإنصاف والمعاملة بالمثل وتحقيق نتائج ملموسة، وفي مقارنة بين البيانين الصادرين عقب قمة بكين، أجرتها زونغيوان زوي ليو لصالح مجلس العلاقات الخارجية، خلصت إلى أن الحكومتين استخدمتا العبارة نفسها، لكنهما حمّلتاها مضامين مختلفة.

لقد عرضت واشنطن قائمة من النتائج التجارية الملموسة، بينما قدّمت بكين إطاراً ينظّم العلاقة بين البلدين برمّتها، فمن منظور بكين، يرتبط هذا التفاهم بالمكانة الدولية، وضبط النفس المتبادل، والقواعد التي تحكم إدارة التنافس.

أما واشنطن، فتنظر إليه بمنظور أكثر عملي وبراغماتي، باعتباره إطاراً للتفاوض والحفاظ على أوراق الضغط، والحيلولة دون أن تؤدي الخلافات المنفردة إلى تقويض العلاقة الأوسع بين البلدين.

ولا يتطلب الاستقرار وجود رؤية مشتركة للنظام الدولي، بل يكفي قدر من التوافق في التوقعات يحول دون تحوّل الخلافات المعتادة إلى اختبارات لإرادة كل طرف وقدرته على الصمود.

تُظهر المؤسسات التي أُقرّ إنشاؤها خلال قمة مايو 2026  في بكين، وبدأ تشغيلها في واشنطن، كيف يمكن تنظيم هذا القدر من التوافق بين البلدين، إذ يتولى مجلس التجارة إدارة التبادل التجاري في السلع غير الحساسة، فيما يوفر مجلس الاستثمار قناة لمعالجة النزاعات المتعلقة بالاستثمارات.

في واشنطن، اتفق مجلس التجارة على توصيات بشأن تطبيق تعريفات جمركية تفضيلية على تجارة السلع غير الحساسة، بقيمة تبلغ 30  مليار دولار في كل اتجاه، كما أضفت الحكومتان طابعاً رسمياً على الحوار بشأن الذكاء الاصطناعي المتقدم، وفتحتا قناة للتواصل بشأن الحوادث المرتبطة به.

يفصل كل ترتيب من هذه الترتيبات بين المجالات التي يمكن إخضاع التنافس فيها لضوابط، وتلك التي لا يُبدي أي من الطرفين استعداداً لتقديم تنازلات بشأنها، وبذلك، تُدار تجارة السلع الاستهلاكية بمعزل عن القيود المفروضة على أشباه الموصلات، كما يُبحث أمن الذكاء الاصطناعي بصورة منفصلة عن سباق الهيمنة على هذه التكنولوجيا.

لا يبدو هذا النهج أقرب إلى المصالحة بقدر ما يشبه سلسلة من الاختبارات المتبادلة لمدى قدرة الطرفين على الصمود والالتزام، إذ ينفّذ كل طرف التزاماً محدوداً، ويراقب مدى تجاوب الطرف الآخر، ثم ينتقل إلى الملف التالي مع الاستعداد لاحتمال حدوث انتكاسات.

ينسجم تحديد مدة قصيرة للهدنة التجارية مع هذا المنطق؛ حيث سعت واشنطن إلى الاحتفاظ بأوراق الضغط على بكين، التي كانت بدورها تسعى إلى قدر أكبر من القدرة على التنبؤ بمسار العلاقات، فعندما وصل شي إلى واشنطن، كانت بعض الالتزامات التجارية التي جرى الاتفاق عليها في مايو لا تزال غير مكتملة، فيما كانت بعض الشركات الصينية المورّدة قد قلّصت شحنات المعادن الأرضية النادرة خلال الأسابيع السابقة.

لن تنجح استراتيجية الفصل بين الملفات إلا ما دام الإخفاق في أحد المجالات لا يمتد إلى المجالات الأخرى، وهو أمر يصعب ضمانه عندما يرى أي من الطرفين أن مصالح جوهرية له باتت على المحك.

ونظراً إلى الدور المحوري الذي تؤديه تايوان في الإنتاج العالمي لأشباه الموصلات، فإن أي أزمة بشأن الجزيرة قد تكشف سريعاً حدود هذا النهج، إذ يمكن أن تتحول التنازلات التجارية والقيود التكنولوجية من أدوات لاحتواء الخلافات وتحقيق الاستقرار في العلاقات إلى وسائل للضغط والإكراه، وفي مثل هذه الظروف، قد تخضع حتى الاتفاقات المصممة لتحييد العلاقات الاقتصادية عن التنافس الاستراتيجي لاعتبارات المواجهة العسكرية وحساباتها.

يُعدّ قطاع التكنولوجيا المجال الذي يصعب فيه استيفاء هذا الشرط أكثر من غيره، فواشنطن تسعى إلى الحفاظ على تفوقها في أكثر التقنيات حساسية، في حين ترى بكين أن ضوابط التصدير الواسعة النطاق تهدف إلى عرقلة تطورها، وتحتفظ في الوقت نفسه بأوراق ضغط من خلال سلاسل إمداد المعادن الحيوية.

ومع ذلك، قد يظل التوصل إلى قواعد محدودة ممكناً إذا استطاع الطرفان التمييز بين نطاق ضيق ومحدد لمتطلبات الأمن القومي واستراتيجية عامة تهدف إلى حرمان الصين من التكنولوجيا.

كما توضح آلية التواصل بشأن حوادث الذكاء الاصطناعي طبيعة الهدف الأكثر تواضعاً الذي قد يكون بالإمكان تحقيقه؛ فهي لا تحدّ من قدرات أي من الطرفين، لكنها قد تقلل خطر أن يؤدي استخدام هذه القدرات إلى تصعيد غير مقصود.

أما الإكراه الاقتصادي، فسيكون التعامل معه أكثر صعوبة، كونه يُمارَس عبر الشركات وتراخيص التصدير وسلاسل الإمداد، لا من خلال أسلحة يمكن تحديدها أو عقائد عسكرية واضحة.

يصعب التعامل مع الإكراه الاقتصادي كونه يُمارَس عبر الشركات وتراخيص التصدير وسلاسل الإمداد لا عبر أسلحة يمكن تحديدها أو عقائد عسكرية واضحة

المصالح الاستراتيجية أم مناطق النفوذ؟

تريد بكين أن تُعامَل قضية تايوان بوصفها القضية السياسية المحورية في العلاقات الثنائية، وأن تقتصر القيود الأمريكية على التكنولوجيا على نطاق أمني ضيق، وألا تتحول التحالفات الأمريكية إلى تكتل متكامل لمواجهة الصين.

في المقابل، تطالب واشنطن بكين بالتعايش مع الوجود العسكري الأمريكي المستمر، والامتناع عن ممارسة الإكراه ضد تايوان وحلفاء الولايات المتحدة، وقبول ضوابط التصدير المحددة باعتبارها سياسة أمنية مشروعة.

هذه المطالب ليست متطابقة في طبيعتها، فالفارق الجوهري لا يقتصر على تضارب المصالح الأمنية الأمريكية والصينية، بل يمتد إلى التمييز بين ترتيبات تحافظ على حرية دول المنطقة في اتخاذ قراراتها، وأخرى تُخضع هذه القرارات لموافقة القوى الكبرى.

تقوم شبكة التحالفات الأمريكية على خيارات اتخذتها دول ذات سيادة، لكنها تتيح أيضاً ترسيخ الوجود العسكري الأمريكي بالقرب من السواحل الصينية، وفي المقابل، قد تنطلق بكين من اعتبارات أمنية حين تتحدث عن المصالح الجوهرية، لكنها قد تتوسع لتتحول إلى مطالبة الأطراف الأخرى بالإذعان لمواقفها.

لذلك، سيتوقف الاستقرار الاستراتيجي على قدرة الطرفين على التمييز بين المصالح التي يتوقع كل منهما من الآخر مراعاتها، والقرارات التي يدّعي كل طرف أن له حق التحكم فيها.

لا تستلزم ترتيبات إدارة الأزمات والقيود المتبادلة على السلوك العسكري أو الاقتصادي المساس بسيادة الدول الأخرى، إنما ينشأ الخطر عندما تبدأ هذه التفاهمات في تحديد ما يُسمح لتلك الدول بفعله.

عملياً، يتوقف الأمر على ما إذا كانت واشنطن ستتشاور مع بكين قبل الموافقة على بيع أسلحة لتايوان، وما إذا كانت الاعتراضات الصينية ستؤثر في انتشار القوات الأمريكية، أو ما إذا كانت حكومات المنطقة ستجد خياراتها الأمنية مقيّدة بتفاهمات أُبرمت دون مشاركتها أو علمها.

تُعقّد إدارة ترامب هذا التمييز، حيث منحت استراتيجيتها الصادرة في ديسمبر 2025  أولوية لنصف الكرة الغربي، وأعادت إحياء مبدأ مونرو صراحةً، وهذا لا يجعل المطالب الأمريكية والصينية متكافئة، لكنه يصعّب على واشنطن رفض فكرة المصالح الإقليمية المتميزة من حيث المبدأ، حين تستند إليها بكين في آسيا.

يتحول النفوذ إلى هيمنة عندما لا تكتفي القوة الكبرى بحماية أمنها، بل تسعى إلى فرض قراراتها على الدول المجاورة، فتحدد الجهات التي يمكنها شراء الأسلحة منها، والدول التي يجوز لها التحالف معها، والقوات الأجنبية التي يُسمح لها باستضافتها على أراضيها.

يتحول النفوذ إلى هيمنة عندما لا تكتفي القوة الكبرى بحماية أمنها بل تسعى إلى فرض قراراتها على الدول المجاورة فتحدد من سيشتري الأسلحة منها أو يتحالف معها

تايوان وإشكالية حق النقض

تُظهر قضية تايوان مدى سرعة تلاشي هذا الفاصل، ففي ديسمبر 2025، وافقت إدارة ترامب على حزمة أسلحة للجزيرة بقيمة 11  مليار دولار، وهي الأكبر من نوعها على الإطلاق، كما أقرّ الكونغرس في يناير 2026  حزمة ثانية بقيمة نحو 14 مليار دولار، تشمل صواريخ اعتراضية لمنظومة باتريوت وصواريخ للدفاع الجوي من طراز “ناسامس”، ولا تزال بحاجة إلى موافقة الرئيس.

وبعد زيارته إلى بكين، قال ترامب إنه يُبقي الحزمة معلّقة، وإن القرار يعتمد على الصين، واصفاً إياها بأنها ورقة تفاوضية جيدة جداً، وأقرّ أيضاً بأنه ناقش مبيعات الأسلحة مع شي جين بينغ بالتفصيل الشديد.

وبعد أسبوع، قدّم القائم بأعمال وزير البحرية تفسيراً آخر، إذ أبلغ أعضاء مجلس الشيوخ بأن تعليق الصفقة يهدف إلى الحفاظ على مخزونات الذخائر اللازمة للحرب ضد إيران، إذ لا يتعارض التفسيران بالضرورة، لكن التفسير الأول وحده يجعل مبيعات الأسلحة ورقةً للتفاوض مع بكين.

وقبل القمة الأمريكية-الصينية في واشنطن، أفادت تقارير بأن بكين ذهبت إلى أبعد من ذلك، فبحسب وكالة أنباء عالمية، طلبت من واشنطن وقف تسليم الأسلحة التي سبق أن طلبتها تايوان، وكانت تستعد للضغط من أجل تبنّي تفسيرها للبيان المشترك الصادر عام 1982، الذي أعلنت فيه الولايات المتحدة عزمها على تقليص مبيعات الأسلحة لتايوان تدريجياً.

لكن الضمانات الستة الصادرة في العام نفسه، والتي لم تُرفع عنها السرية إلا في عام 2020، توثّق أن واشنطن لم توافق على التشاور المسبق مع بكين بشأن مبيعات الأسلحة لتايوان.

يمكن أن يستند ضبط النفس المتبادل إلى تفاهم تلتزم بموجبه واشنطن بعدم دعم إعلان أحادي الجانب لاستقلال تايوان، وتتعهد بكين بعدم تغيير الوضع القائم بالقوة أو الإكراه، ومن شأن هذا التفاهم أن يقلل خطر اندلاع الحرب من دون حسم مسألة السيادة.

ولا يعني التفاوض بشأن توقيت صفقة أسلحة بعينها أو نطاقها، في حد ذاته، منح بكين حق النقض، لكن تكرار التنازلات، أو ترسيخ مبدأ التشاور المسبق معها، قد يؤدي تدريجياً إلى تكريس نفوذ صيني على قرارات تخص واشنطن وتايبيه.

لذلك، يتطلب تحقيق استقرار استراتيجي قابل للاستمرار ضبطاً متبادلاً للنفس، من دون أن يمتلك أي من الطرفين حق النقض على قرارات الآخر، حيث سيشكّل القرار المرتقب بشأن حزمة الأسلحة البالغة 14  مليار دولار مؤشراً مبكراً على مدى إمكانية الحفاظ على هذا التمييز.

طائرة مقاتلة من طراز "إف-16" تابعة للقوات الأمريكية في تايوان (أ ف ب)
طائرة مقاتلة من طراز “إف-16” تابعة للقوات الأمريكية في تايوان (أ ف ب)

 ثمن الاستقرار الثنائي

لا يعني أيٌّ من ذلك إقامة إدارة مشتركة للنفوذ بين القوتين، فالتنافس يتصاعد في المجالات التي ستحدد موازين القوة بينهما، وهي القدرات العسكرية، والذكاء الاصطناعي، وأشباه الموصلات، والموارد الحيوية، والقدرات الصناعية.

لكن ما قد يكون آخذاً في التغير هو الآلية التي يُدار بها هذا التنافس، فبعد سنوات من التصعيد الذي أعقبته محاولات ارتجالية لاحتواء التوتر، تسعى الحكومتان إلى بناء قنوات تواصل تستمر حتى في الفترات الفاصلة بين الأزمات، بدءاً من مجالس التجارة وحوارات الذكاء الاصطناعي، وصولاً إلى الخطوط العسكرية الساخنة والاجتماعات الدورية على مستوى القادة.

يمكن لهذه القنوات أن ترسّخ توقعات متبادلة، وإن لم تكن كفيلة ببناء الثقة، غير أن استمراريتها ستعتمد على بقاء ضبط النفس خياراً يصب في مصلحة القوتين، لا سيما مع تطور التوازن العسكري والتكنولوجي بينهما بمرور الوقت.

استمرارية قنوات التواصل ستعتمد على بقاء ضبط النفس خياراً يصب في مصلحة القوتين لا سيما مع تطور التوازن العسكري والتكنولوجي بينهما

لا تزال المعطيات غير كافية للجزم بما إذا كان ذلك يؤذن بنهاية حقبة الهيمنة الأمريكية، لكنها تشير إلى أن واشنطن لم تعد قادرة على افتراض أن حدود نفوذها الإقليمي ستظل تُرسم إلى حد كبير ضمن نظام دولي قائم على التفوق الأمريكي، فهذه الحدود نفسها باتت على نحو متزايد موضوعاً للتفاوض مع قوة منافسة ندّية.

الاختبارات المقبلة باتت وشيكة، فالصين ستستضيف قمة منتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادئ “أبيك” في شينزين خلال نوفمبر، فيما تستضيف الولايات المتحدة قمة مجموعة العشرين في وقت لاحق من العام، كما تنتهي الهدنة التجارية في يناير 2027، ولا تزال حزمة الأسلحة المخصصة لتايوان بانتظار القرار بشأنها، وستكشف كل هذه المحطات ما يقصده الطرفان بالحدود المقبولة.

أما الاختبار الأقل إلحاحاً، لكنه قد يكون أكثر دلالة، فيتمثل في مسألة خلافة الدالاي لاما، حيث أناط الدالاي لاما بمؤسسة صندوق غادين بودرانغ وحدها صلاحية الاعتراف بخليفته، في حين تصر بكين على أن تخضع عملية تحديد الدالاي لاما المقبل لموافقة السلطات الصينية وفقاً للقانون الصيني.

ونظراً إلى وجود المؤسسة ومؤسسات التبت في المنفى في الهند، فقد يشكّل هذا النزاع اختباراً لمدى ما يُتوقع من الحكومات الأخرى أن تراعي تعريف بكين لمصالحها الجوهرية.

لا يزال من غير الواضح ما إذا كانت القضية ستصبح موضوعاً للمساومة بين الولايات المتحدة والصين، لكن المبدأ الأساسي يظل واحداً: الاعتراف بوجود هواجس استراتيجية لدى دولة ما لا يعني الإقرار بحقها في التحكم بقرارات تُتخذ خارج حدودها.

كما أفرزت قمة واشنطن سابقة محدودة، تمثلت في مثال آخر على تأثير التفاهمات الثنائية في دول ثالثة، حيث اتفق ترامب وشي جين بينغ على أنه لا يجوز لأي دولة فرض رسوم عبور على الممرات المائية الدولية، وهو مبدأ طُرح في وقت تؤكد فيه إيران سيطرتها على مضيق هرمز.

وعلى خلاف ترتيبات مناطق النفوذ، يستند الدفاع عن حرية الملاحة إلى قاعدة دولية عامة واجبة التطبيق على الجميع، ولهذا التمييز أهمية كبيرة؛ إذ إن التعاون بين القوى الكبرى لا ينبغي أن يكون على حساب الدول الأصغر، حتى عندما يتعلق الأمر بتنظيم سلوكها.

إذا قيّدت واشنطن وبكين سلوكهما، وأبقتا قنوات التواصل مفتوحة أثناء الأزمات، والتزمتا بضبط النفس المتبادل، فقد تتمكنان من جعل تنافسهما الخطير أكثر قابلية للتوقع، من دون المساس بالضرورة بسيادة الدول الأصغر.

أما تحقيق الهدوء في العلاقات الثنائية مقابل منح أي من القوتين حق التأثير في قرارات الدول الأخرى، فسيؤدي إلى تقسيم آسيا إلى مناطق نفوذ غير رسمية، تُرسم حدودها عبر تفاهمات تُبرم بمعزل عن طوكيو ومانيلا وسيول وتايبيه، ومن دون مشاركتها في تقرير مصيرها.

في المحصلة، إن تشابك التحالفات والروابط الاقتصادية في المنطقة يجعل من غير المرجح أن يستمر هذا التقسيم طويلاً، وإن كان لا يستبعد محاولة فرضه، حيث سيتوقف ما إذا كان الاستقرار الاستراتيجي البنّاء سينجح في احتواء التنافس أم سينتهي إلى تقسيم القارة، لا على حجم التنازلات المتبادلة بين واشنطن وبكين بقدر ما سيتوقف على ما تحاول كل منهما التنازل عنه نيابةً عن الدول الأخرى.

 لن يتوقف الاستقرار الاستراتيجي البنّاء على التنازلات المتبادلة بين واشنطن وبكين بقدر ما سيتوقف على ما تقدّمانه من تنازلات نيابةً عن الدول الأخرى

Alexander Dubowy
ألكسندر دوبوي

الدكتور ألكسندر دوبوي، محلل مقيم في فيينا متخصص في المخاطر الجيوسياسية والأمن في أوروبا الشرقية وروسيا والمنطقة ما بعد السوفيتية، ويتمتع بخبرة تزيد عن 20 عاماً في مجال البحث والاستشارات والتحليلات السياسية، ويعمل مع معاهد بحثية ومراكز فكرية دولية رائدة. يُضفي دوبوي على تحليلاته رؤى جيوسياسية وقانونية معمقة، بخبرة إقليمية واسعة، ووجهات نظر عملية.

اشترك مجاناً في تقارير إيغل إنتيلجنس

رؤى وتقارير حصرية

تمتّع بإمكانية الوصول إلى تحليلات متعمّقة، ومعلومات استخباراتية حصرية، وتقارير خبراء مُصمّمة خصيصاً لتبقى على اطلاع دائم، وفي صدارة المتابعين لأهم التطورات العالمية.

بالاشتراك، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا.

موضوعات أخرى
جندي عراقي وسط عناصر أخرين يرفع علامة النصر خلال الاحتفال بمناسبة انسحاب القوات الأمريكية (أ ف ب)
تقرير
جنود دنماركيون في غرينلاند(أ ف ب)
تقرير
تقرير
محمد بن سلمان وترامب في منتدى الاستثمار الأمريكي السعودي في واشنطن (أ ف ب)
تقرير
طائرة مسيّرة من طراز "دي جي آي" فوق مدينة يانتاي شرقي الصين (أ ف ب)
تقرير
طاقم غواصة بقاعدة فاسلين البحرية في اسكتلندا. (أ ف ب)
تقرير
ترامب ومسؤولون في ولاية ويسكونسن يضعون حجر الأساس لمنشأة تابعة لشركة "فوكسكون" في 2018 (أ ف ب)
تقرير
الرئيس ترامب يزور شركة لتصنيع السفن (أ ف ب)
تقرير

اشترك مجاناً في تقارير إيغل إنتيلجنس

رؤى وتقارير حصرية

تمتّع بإمكانية الوصول إلى تحليلات متعمّقة، ومعلومات استخباراتية حصرية، وتقارير خبراء مُصمّمة خصيصاً لتبقى على اطلاع دائم، وفي صدارة المتابعين لأهم التطورات العالمية.

بالاشتراك، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا.

ايغل انتيلجنس ريبورتس
Privacy Overview

This website uses cookies so that we can provide you with the best user experience possible. Cookie information is stored in your browser and performs functions such as recognising you when you return to our website and helping our team to understand which sections of the website you find most interesting and useful.