عندما فرضت بكين قيوداً على صادرات المعادن الأرضية النادرة في أبريل 2025، اضطرت شركات صناعة السيارات خارج الصين إلى خفض إنتاجها، ومنذ ذلك الحين، بدأت واشنطن تكثّفت جهودها للبحث عن المعادن الحيوية في مناطق تتجاوز بكثير نطاق شركائها التقليديين، التي امتدت إلى نيجيريا في سبتمبر 2026.
نجاح الولايات المتحدة في فتح قنوات دبلوماسية أتاح لها دخول قطاع المعادن النيجيري، غير أن الوصول إلى مكامن هذه المعادن لا يكفي وحده لضمان سلاسل إمداد آمنة ومستقرة، فما زال يتعين على واشنطن تمويل عمليات الاستخراج، وتطوير قدرات المعالجة، وحماية استثماراتها في منطقة سبقت فيها رؤوس الأموال الصينية إلى ترسيخ حضورها.
وُقّع هذا الإطار في نيويورك يوم 23 سبتمبر، من قِبل وزير تنمية المعادن الصلبة النيجيري ديلي ألاكي، ونائب وزير الخارجية الأمريكي كريستوفر لانداو، حيث يؤسس الاتفاق أرضية للتعاون في مجالات الاستكشاف الجيولوجي، ومعالجة المعادن، وتطوير البنية التحتية، وبناء القدرات الفنية.
ويهدف الاتفاق إلى تهيئة الظروف الملائمة لجذب استثمارات القطاع الخاص وتيسيرها، بدلاً من الإعلان عن إتمام صفقة تعدين فعلية.
يمثّل الرقم المتداول، البالغ 700 مليار دولار، تقديراً رسمياً لقيمة الموارد المعدنية في نيجيريا، وليس القيمة المالية للاتفاق، إذ لم يتضمن الإعلان الحكومي أي التزام استثماري محدد.
كما ينبغي عدم الخلط بين هذا التقدير والاحتياطيات المعدنية التي جرى التحقق منها بصورة مستقلة، وثبتت جدواها التجارية وإمكانية استخراجها اقتصادياً.
يكشف هذا التباين في طبيعة المصالح عن التحدي الاستراتيجي المحوري الذي يواجه الاتفاق، فواشنطن تسعى إلى إيجاد مصادر بديلة للمعادن الحيوية، في حين تطمح أبوجا إلى تطوير قدرات المعالجة المحلية، وتوفير فرص العمل، وتعزيز التنمية الصناعية، ورغم وجود تقاطع بين مصالح الطرفين، إلا أن أولوياتهما التجارية وهياكل الاستثمار التي يفضّلانها قد لا تتوافق دائماً.

ومن ثم، تكمن أهمية الاتفاق في مدى قدرة الحكومتين على تحويل التعاون الدبلوماسي إلى مشروعات مجدية اقتصادياً ومستدامة، من دون إعادة إنتاج مواطن الضعف في سلاسل الإمداد التي تسعى واشنطن إلى تجاوزها.
أهمية الاتفاق تكمن في مدى قدرة الحكومتين على تحويل التعاون الدبلوماسي إلى مشروعات مجدية من دون إعادة مواطن الضعف في سلاسل الإمداد
حدود الوصول إلى المعادن
تتجاوز الميزة الاستراتيجية للصين السيطرة على مكامن المعادن، إذ تستند إلى بنية تحتية متطورة للمعالجة، وخبرات فنية، وتكامل صناعي، وشبكات علاقات راسخة تربط بين شركات التعدين والتكرير والتصنيع.
وفقاً لتقرير الوكالة الدولية للطاقة بعنوان “آفاق المعادن الحيوية لعام 2026″، لا تزال الصين الدولة الرائدة في تكرير معظم المعادن الرئيسية المرتبطة بقطاع الطاقة، حيث ازداد تركز أنشطة التكرير لديها خلال العامين الماضيين، رغم جهود الاقتصادات المنافسة لتنويع مصادر الإمداد.
وتقدّر الوكالة أن القيود الأوسع نطاقاً التي أعلنتها الصين على المعادن الأرضية النادرة في أكتوبر 2025، ثم علّقتها، قد تعرّض إنتاجاً سنوياً خارج الصين بقيمة 6.5 تريليون دولار للخطر إذا طُبّقت بالكامل.
وقد أظهرت أزمة أبريل 2025 كيف يمكن للسيطرة على عمليات المعالجة والمواد المتخصصة أن تتحول إلى أداة نفوذ اقتصادي، حتى من دون امتلاك جميع المناجم الواقعة في المراحل الأولى من سلسلة التوريد.
قد تسهم الإمكانات الجيولوجية لنيجيريا في تنويع مصادر الحصول على المعادن، غير أن استخراج الليثيوم النيجيري وشحنه إلى منشآت معالجة خاضعة للسيطرة الصينية لن يسهم كثيراً في معالجة مشكلة الاعتماد الأمريكي الأساسية.
رسّخت رؤوس الأموال الصينية حضورها بالفعل في قطاع الليثيوم النيجيري، حيث أنشأت شركتا جيولينغ ليثيوم وكانماكس تكنولوجيز، وهما شركتان صينيتان، مصنعاً لمعالجة الليثيوم بقيمة 250 مليون دولار في ولاية ناساراوا، وافتُتح في يوليو 2026.
وفي منطقة غرب أفريقيا، تدير شركة غانفنغ الصينية منجم غولامين لليثيوم في مالي، وتمتلك حصة تبلغ 65 % فيه، ومن ثم، فإن أي مشروع لمعالجة الليثيوم بدعم أمريكي سيواجه منافسة من مصانع صينية قائمة بالفعل داخل نيجيريا.
يتطلب التنويع الفعلي استثمارات تشمل مراحل متعددة، من التقييمات الجيولوجية الموثوقة والمناجم المجدية تجارياً، إلى مصانع المعالجة والمعدات المتخصصة والخبرات الفنية، وصولاً إلى إيجاد مشترين موثوقين، حيث تنطوي كل مرحلة على مخاطر مالية وتشغيلية لا يمكن لإطار دبلوماسي وحده معالجتها.
وتكتسب هذه التحديات أهميتها من أن أسواق المعادن لا تواجه نقصاً موحداً في الإمدادات، حيث وثّق تقييم الوكالة الدولية للطاقة لعام 2025 انخفاض أسعار الليثيوم بأكثر من 80 % منذ عام 2023، عقب موجة من زيادة المعروض، وفي المقابل، سجّل تقرير الوكالة لعام 2026 انتعاشاً في أسعار المعادن الحيوية خلال عام 2025 ومطلع عام 2026.
وتزيد هذه التقلبات من صعوبة اتخاذ القرارات الاستثمارية المتعلقة بالمنشآت مرتفعة التكلفة التي تستغرق فترات طويلة لتطويرها وتشغيلها.
وبناءً على ذلك، يواجه المستثمرون الأمريكيون معضلة تجارية؛ فالمشروعات التي تخدم أهداف واشنطن في تأمين إمدادات المعادن قد لا تحقق عوائد استثمارية جذابة من دون تمويل حكومي أو ضمانات أو التزامات شراء طويلة الأجل.
وتُقدّم المحفظة الاستثمارية المتنامية لمؤسسة تمويل التنمية الدولية الأمريكية في قطاع المعادن الحيوية بأفريقيا، التي تتجاوز قيمتها حالياً 3 مليارات دولار، مثالاً على أحد الحلول الممكنة، غير أن اتساع طموحات المؤسسة الاستثمارية لا يعني أن مشروعات محددة في نيجيريا قد حصلت بالفعل على التمويل.
يتمثل الاختبار الأساسي في قدرة واشنطن على دعم مشروعات قد يراها المستثمرون من القطاع الخاص محفوفة بالمخاطر، من دون تكريس اعتماد دائم على الدعم الحكومي.
الاختبار الأساسي يتمثل في قدرة واشنطن على دعم مشروعات قد يراها المستثمرون محفوفة بالمخاطر من دون تكريس اعتماد دائم على الدعم الحكومي
موقف نيجيريا التفاوضي
تخوض نيجيريا هذه المفاوضات انطلاقاً من مصالح تتجاوز تلبية احتياجات الشركات الأمريكية من المعادن، حيث يتمثل هدفها الأساسي في تحقيق قيمة اقتصادية مضافة أكبر من استغلال مواردها المعدنية، من خلال تطوير عمليات المعالجة محلياً، وتوفير فرص العمل في القطاع الصناعي، وتعزيز القدرات الفنية.
وأكد وزير تنمية المعادن الصلبة النيجيري، ديلي ألاكي، هذا التوجه خلال مراسم توقيع الاتفاق، مشدداً على أن نيجيريا لا تعتزم الاكتفاء بدور المورّد للمواد الخام التي تُخلق قيمتها المضافة في دول أخرى، كما حدّد بيانه الرسمي المعالجة المحلية وإتاحة الفرص أمام الشركات النيجيرية بوصفهما هدفين أساسيين للاتفاق.
يمنح هذا التوجه أبوجا أساساً للتفاوض بشأن شروط الاستثمار، حيث تمتلك الحكومة بالفعل أداة رسمية للضغط في هذا المجال؛ ففي يوليو 2024، وجّه الرئيس بولا تينوبو بعدم إصدار تراخيص تعدين جديدة إلا إذا ارتبطت بمتطلبات تحقيق قيمة مضافة محليًا.
ويمكن لنيجيريا السعي إلى الحصول على التزامات تتعلق بإنشاء منشآت للمعالجة، وتدريب القوى العاملة، وتبادل المعلومات الجيولوجية، وتطوير البنية التحتية، وإتاحة فرص المشاركة أمام الشركات المحلية.
غير أن القوة التفاوضية تعتمد على وجود بدائل واقعية وموثوقة، فامتلاك مكامن معدنية لا يضمن وحده قبول المستثمرين الدوليين بشروط التوطين المكلفة، ولا سيما في ظل استمرار المخاطر المرتبطة بالبنية التحتية والتشغيل.
امتلاك مكامن المعادن وحده لا يضمن قبول المستثمرين الدوليين بشروط التوطين المكلفة ولا سيما في ظل استمرار المخاطر المرتبطة بالبنية التحتية والتشغيل
ومن الخيارات المتاحة أمام أبوجا هو التمييز بين المعادن التي يمكن استخراجها تجارياً في المدى القريب، وتلك التي تتطلب استثمارات طويلة الأجل في المعالجة، حيث يمكن للالتزامات الصناعية المرحلية أن توفّق بين طموحات التنمية المحلية والجدوى الاقتصادية الواقعية للمشروعات.
كما يمكن لنيجيريا الحفاظ على علاقاتها التجارية مع المستثمرين الصينيين، بالتوازي مع استقطاب رؤوس الأموال والتكنولوجيا الأمريكية، دون أن يستلزم ذلك الانحياز الحصري إلى أحد الطرفين في التنافس الجيوسياسي.
ومع ذلك، فإن تنويع الشراكات لا يؤدي تلقائياً إلى تنويع سلاسل الإمداد؛ إذ تتحدد الجهات التي تمارس النفوذ التجاري وفقاً لهياكل الملكية، والوجهات التي تُنقل إليها المعادن لمعالجتها، واتفاقيات ترخيص التكنولوجيا، وعقود الشراء.
تُبرز المفاوضات الأخيرة بين الولايات المتحدة وزامبيا بشأن المعادن بُعداً آخر من أبعاد القوة التفاوضية للدول الأفريقية، حيث فصلت لوساكا مفاوضات المعادن الحيوية عن اتفاق تمويل صحي بقيمة 1.5 مليار دولار، وقّعته في أكتوبر 2026، بينما ظلت صفقة المعادن قيد التفاوض، حيث أظهرت هذه الخطوة أهمية تفاوض الحكومات على مصالحها الوطنية المختلفة بصورة مستقلة، وفقاً لشروطها الخاصة.

وبالنسبة إلى نيجيريا، تكمن الفرصة الأساسية في تحويل تنافس القوى الخارجية على مواردها إلى اتفاقيات تجارية ملزمة وقابلة للتنفيذ، تعزز القدرات الصناعية المحلية، مع الحفاظ على جاذبية الاستثمار وتنافسيته.
الفرصة الأساسية لنيجريا تكمن في تحويل تنافس القوى الخارجية على مواردها إلى اتفاقيات تجارية ملزمة وقابلة للتنفيذ تعزز القدرات الصناعية المحلية
الأمن كعائق أمام الاستثمار
يمثّل الوضع الأمني عقبة قد تكون أكبر من حالة عدم اليقين الجيولوجي، إذ تواجه مناطق التعدين في نيجيريا تحديات متداخلة، تشمل الاستخراج غير القانوني، وأعمال العنف الإجرامي، والنزاعات حول حق الوصول إلى مواقع التعدين، وضعف إنفاذ القوانين.
وفي فبراير 2026، أفادت وزارة تنمية المعادن الصلبة الاتحادية في نيجيريا بمقتل أحد أفراد الدفاع المدني خلال دورية لملاحقة مشتبه بهم في تهريب المعادن بولاية النيجر، حيث أظهرت الحادثة المخاطر التي تواجه السلطات أثناء محاولاتها تنظيم أنشطة الاستخراج وفرض الرقابة عليها.
تشمل استجابة الحكومة نشر وحدات متخصصة من حراس التعدين، المنتمين إلى هيئة الدفاع المدني والأمن النيجيرية، حيث أفاد مسؤولون باستعادة السيطرة على مواقع تعدين وتوقيف مشتبه بهم في ممارسة أنشطة تعدين غير قانونية، غير أن نجاح عمليات إنفاذ القانون لا يعني بالضرورة تحقيق أمن مستدام في تلك المناطق.
وفي سبتمبر، توفي 37 شخصاً يُشتبه في ممارستهم التعدين غير القانوني أثناء احتجازهم لدى الهيئة نفسها في مدينة مينا، عاصمة ولاية النيجر، حيث أثارت الوفيات احتجاجات واتهامات بسوء المعاملة، ما دفع الهيئة وشرطة الولاية إلى فتح تحقيقين في الحادثة.
بالنسبة إلى المستثمرين الأجانب، يؤدي انعدام الأمن إلى ارتفاع تكاليف التشغيل نتيجة الحاجة إلى توفير حماية إضافية، وتأمين المنشآت، وترتيبات النقل، فضلاً عن احتمالات تعطل الإنتاج، فقد يعرقل الحصول على التمويل، إذ يشترط المقرضون وجود ضمانات موثوقة تتعلق بالبيئة والمسؤولية الاجتماعية والأمن.
وقد تساعد تقنيات المراقبة الخاصة وشركات الأمن التجاري في حماية المنشآت الفردية، إلا أن هذه التدابير لا يمكن أن تكون بديلاً عن مؤسسات عامة فاعلة، وحقوق تعدين مشروعة، وعلاقات مستقرة مع المجتمعات المحلية المحيطة بمواقع التعدين.
لا يُفضي الإطار الخاص بالمعادن، في حد ذاته، إلى إرساء وجود عسكري أمريكي موسّع، حيث نُشر مدربون عسكريون أمريكيون في نيجيريا في فبراير 2026، لأداء مهام غير قتالية، بناءً على طلب أبوجا وخارج نطاق اتفاق المعادن، إذ تُعدّ النفقات الأمنية التجارية، وإجراءات إنفاذ القانون التي تتولاها الحكومة النيجيرية، والانتشارات الأمنية الأمريكية المباشرة ترتيبات منفصلة، يتطلب كل منها أدلة وتفويضًا مستقلين.
ويتمثل الخطر الأكبر في احتمال استمرار عمليات التعدين المعزولة والمحمية بإجراءات أمنية مشددة في العمل تجارياً، من دون أن تسهم في تعزيز الاستقرار في المنطقة الأوسع، ومن شأن هذه النتيجة أن تحدّ من المكاسب الصناعية التي تحققها نيجيريا، في حين تُعرّض الاستثمارات الأمريكية لمخاطر سياسية ومخاطر تتعلق بالسمعة، قد تستمر على المدى الطويل.
الخطر الأكبر يتمثل في احتمال استمرار عمليات التعدين المعزولة والمحمية بإجراءات أمنية مشددة في العمل تجارياً من دون أن تسهم بتعزيز استقرار المنطقة
من الاتفاق إلى النفوذ الاستراتيجي
ستتوقف الأهمية النهائية للاتفاق على تطورات لا تزال غير محسومة، تشمل تحديد مشاريع بعينها، وتأمين التمويل اللازم، وتحديد مواقع المعالجة، وترتيبات الأمن، وإبرام عقود تجارية ملزمة وقابلة للتنفيذ.
وبالنسبة إلى واشنطن، يتمثل النجاح في تأمين إمدادات موثوقة من المعادن عبر شبكات معالجة أقل عرضة للقيود الصينية، أما أبوجا، فيتطلب النجاح تحقيق مكاسب ملموسة وقابلة للإثبات في القدرات الصناعية المحلية، بدلاً من الاكتفاء بزيادة صادرات المعادن.
هذه الأهداف متوافقة، لكنها ليست متطابقة، وستحدد كيفية التوفيق بينها ما إذا كانت الشراكة ستُحقق قيمة استراتيجية مستدامة، أم ستظل إطاراً دبلوماسياً آخر ينتظر التفعيل التجاري، كما أن القيمة التقديرية لرواسب المعادن في نيجيريا ستكون أقل أهمية من قدرة المستثمرين على إنشاء عمليات تعدين ومعالجة آمنة وتنافسية ومتقدمة تقنياً، تتوافر لدى كلا البلدين حوافز اقتصادية تضمن استمراريتها.
وإلى أن تتوافر هذه الشروط، يظل الاتفاق فرصة لتنويع العلاقات الاستراتيجية، وليس دليلاً على حدوث تراجع ملموس في اعتماد الولايات المتحدة على سلاسل إمداد المعادن الصينية.




