اشتدت حدة التنافس الدولي على أفريقيا، لكن ذلك لم يُترجم إلى زيادة مماثلة في استقلالية حكوماتها، فالقارة باتت تحظى بشركاء دبلوماسيين أكثر، ومستثمرين متنافسين، واهتمام جيوسياسي غير مسبوق منذ انتهاء الحرب الباردة، ومع ذلك، لم تفضِ هذه الوفرة بعد إلى منح دولها القدرة الفعلية على فرض شروطها وتحديد مسار علاقاتها الخارجية.
عبّر الرئيس الغاني جون دراماني ماهاما عن هذا الموقف بوضوح خلال مقابلة تلفزيونية في أغسطس، داعياً القارة إلى التخلص مما وصفه بـ”متلازمة التبعية”، وقال: “إن الشراكات مرحب بها، شريطة أن تكون العواصم الأفريقية هي من يحدد شروطها”، مشدداً على أن امتلاك الموارد يجب أن يقترن بدور حقيقي في تحديد كيفية استخدامها، إذ تطرح مبادرته “إعادة ضبط أكرا”، التي أطلقها في المنتدى الاقتصادي العالمي في يناير الماضي، رؤية لتعزيز الاستقلال الاقتصادي لأفريقيا، وترسيخ صوتها في عملية صنع القرار على الساحة الدولية.
يكشف هذا الطرح عن إحدى أبرز المفارقات التي تحدد موقع أفريقيا في النظام العالمي الناشئ، حيث اتسعت فرص الوصول إلى رأس المال والتكنولوجيا والأسواق بصورة كبيرة، من دون أن يواكب ذلك ازدياد في القدرة على التحكم فيها، فقد تتمكن دولة ما من الاقتراض من 25 جهة دائنة، لكنها تظل عاجزة عن رفض شروط أيٍّ منها، فتنوع العلاقات واتساع نطاقها أمر، وامتلاك أوراق النفوذ الحقيقية أمر آخر.
تكتسب هذه التفرقة أهمية خاصة، لأن المشكلة الجيوسياسية لأفريقيا أصبحت أكثر تعقيداً، فالنقاش التقليدي حول الاختيار بين الغرب والتوجه شرقاً بات يحجب جوهر التنافس الحقيقي، إذ إن تعدد الشراكات، من دون امتلاك قوة إنتاجية حقيقية، قد يتحول إلى مجرد تنويع لمصادر التبعية، حيث يمكن للحكومات الأفريقية توسيع علاقاتها مع بكين وواشنطن وبروكسل وموسكو وأنقرة ودول الخليج، لكنها قد تظل في الوقت نفسه معتمدة على أطراف خارجية لتمويل البنية التحتية، وتصنيع المعادن، وتوفير التكنولوجيا، وضمان الوصول إلى الأسواق، أو تأمين دولها.
تكشف هذه التبعيات عن ثلاثة أشكال من الاستقلالية كثيراً ما يجري الخلط بينها، فـالاستقلالية الدبلوماسية تعني حرية اختيار الشركاء، بينما تتمثل استقلالية صنع السياسات في القدرة على وضع قواعد ملزمة لهم، أما الاستقلالية الإنتاجية فتتمثل في القدرة على تحويل هذه القواعد إلى مكاسب فعلية من خلال التصنيع، والتكنولوجيا، والتمويل، والبنية التحتية، والوصول إلى الأسواق، حيث يمكن تحقيق الشكلين الأول والثاني على طاولة المفاوضات، أما الثالث فلا بد من بنائه على أرض الواقع.
يمكن تحقيق الاستقلالية الدبلوماسية وصنع السياسات على طاولة المفاوضات أما الاستقلالية الإنتاجية فلا بد من بنائها
تقدم غانا اختباراً مهماً لمدى إمكانية تحقيق الاستقلالية الإنتاجية، فهي أكبر منتج للذهب في أفريقيا، ومن أبرز منتجي الكاكاو عالمياً، حيث يُظهر تاريخها الاقتصادي الحديث أن امتلاك السلع الاستراتيجية لا يعني تلقائياً امتلاك استقلالية استراتيجية.
يُظهر السجل المالي الحديث لغانا مدى سرعة تراجع استقلالية صنع السياسات، حيث فقدت البلاد قدرتها على الوصول إلى أسواق رأس المال الدولية خلال أزمتها الاقتصادية في عام 2022، وتعثرت في سداد معظم ديونها الخارجية، قبل أن تدخل برنامجاً مع صندوق النقد الدولي بقيمة 3 مليارات دولار.
في 27 يوليو، أكمل الصندوق المراجعة السادسة والأخيرة للبرنامج، وأفرج عن نحو 371 مليون دولار، مشيراً إلى تحسن الاحتياطيات والأداء المالي واستدامة الدين، ثم طلبت أكرا الاستفادة من أداة تنسيق السياسات لمدة 36 شهراً، وهي آلية للمتابعة والمراقبة لا تتضمن تقديم قروض، إذ يمثل هذا التعافي تطوراً مهماً، لكن الأزمة كشفت من منظور جيوسياسي عن قيد أساسي: فحتى الدولة الغنية بالموارد يمكن أن تفقد قدراً كبيراً من هامش المناورة في صنع سياساتها عندما يتوقف التمويل الخارجي.
اليوم، يعزز إعادة هيكلة الديون هذه الفكرة، ففي يونيو 2025، أقرّ البرلمان اتفاقاً لإعفاء غانا من ديون بقيمة 2.8 مليار دولار، بمشاركة 25 دولة دائنة، من بينها الصين وفرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة، حيث يعكس تنوع الدائنين طبيعة التوجه نحو تعدد الشراكات في النظام الدولي الراهن، فيما تكشف الحاجة إلى التفاوض معهم لاستعادة الاستقرار المالي عن حدود هذا التوجه.
الذهب اختباراً للسيادة
يوفر الذهب الآن أوضح مؤشر على إدراك أكرا لهذه المفارقة، إذ أنتجت غانا 4.8 ملايين أوقية من الذهب في عام 2024، وفقاً لغرفة المناجم الغانية، ما عزز موقعها كأكبر منتج للذهب في أفريقيا، ثم ارتفعت عائدات الصادرات إلى 20.9 مليار دولار في عام 2025، أي نحو ضعف مستواها في العام السابق، لكن إنتاج سلعة استراتيجية والسيطرة على سلسلة القيمة المرتبطة بها يمثلان شكلين مختلفين من القوة.
اعتباراً من سبتمبر الجاري، ستمنع غانا تصدير الذهب الخام غير المكرر من إنتاج التعدين الحرفي، عبر شركات التجميع الممولة ذاتياً، وستلزم بتكريره محلياً، وتقول هيئة الذهب الغانية، وهي الجهة الحكومية المسؤولة عن شراء الذهب: إن “هذا الإجراء يهدف إلى ضمان تكرير الذهب محلياً وتعزيز القيمة المضافة داخل البلاد”، حيث لا يقتصر الأمر على كونه قراراُ في إطار السياسة الصناعية، بل يمثل محاولة لتغيير موقع تحقيق القيمة، بحيث تحتفظ غانا بجزء أكبر من العوائد داخل اقتصادها.
لكن مسألة الاعتماد تكشف حدود هذه المحاولة، فلا توجد، على ما يبدو، أي مصفاة ذهب غانية مدرجة في قائمة التسليم الجيد التابعة لجمعية سوق السبائك في لندن (LBMA)، فيما تظل مصفاة راند ريفاينري في جنوب أفريقيا المنشأة الأفريقية الوحيدة المعتمدة، وقد يخضع الذهب الخارج من مصفاة غير معتمدة لاختبارات إضافية أو لإعادة الصهر في منشأة أخرى قبل أن يقبله المشترون الدوليون بالقيمة الكاملة، إذ يتطلب الحصول على الاعتماد صافي أصول ملموسة بنحو 20 مليون دولار، وتكرير ما لا يقل عن 10 أطنان مترية من الذهب سنوياً، وممارسة النشاط لمدة خمس سنوات، كما يتعين على المتقدمين اجتياز عمليات تدقيق مستقلة بموجب برنامج الجمعية للتوريد المسؤول، الذي يشمل التحقق من مصدر الذهب الذي تقوم المصافي بتكريره.
لا توجد أي مصفاة ذهب غانية مدرجة في قائمة التسليم الجيد التابعة لجمعية سوق السبائك في لندن فيما تظل “راند ريفاينري” المنشأة الأفريقية الوحيدة المعتمدة
يُظهر هذا التوجيه أيضاً مدى صعوبة تحقيق السيادة الاقتصادية من خلال التنظيم وحده، فقبل أيام من بدء تطبيق قرار التكرير، تحدثت مصادر في القطاع عن توقف مشتري هيئة الذهب الغانية عن العمل لأسابيع بسبب نقص التمويل، ما أدى إلى تعطيل عمليات الشراء، لكن الهيئة نفت وجود أزمة تمويل، موضحة أنها جمعت أكثر من 450 مليون دولار من البنوك وشركات شراء الإنتاج منذ مارس، في إطار انتقالها من الاعتماد على تمويل البنك المركزي إلى تمويل عملياتها من ميزانيتها الخاصة.
توفر هذه الواقعة مقياساً عملياً لمدى الاستقلالية، فغانا تسيطر على استخراج الذهب، وأصبحت قادرة على فرض تكريره محلياً، لكنها لم تتمكن بعد من تمويل عمليات الشراء محلياً بصورة موثوقة، أو الحصول على الاعتماد الذي يشترطه المشترون الدوليون، أو تسويق الذهب المكرر دون مصادقة خارجية، وطالما ظلت هذه الشروط غير متحققة، فإن امتلاك المعدن نفسه لا يوفر سوى قدر محدود من السيادة الاقتصادية.

مفارقة الكاكاو
تكشف صناعة الكاكاو المشكلة الهيكلية بصورة أوضح، حيث بلغت الطاقة الاستيعابية لمصانع طحن الكاكاو في غانا نحو 505 آلاف طن متري في عام 2025، مقابل متوسط إنتاج سنوي يقترب من 600 ألف طن، ومع ذلك، لم يتجاوز متوسط الكمية التي جرى تصنيعها فعلياً نحو 220 ألف طن سنوياً بين عامي 2023 و2025، وفق بيانات وزارة الزراعة الأمريكية، فالمصانع موجودة بالفعل، لكنها تعمل بأقل من نصف طاقتها الاستيعابية بكثير.
يُحدث التصنيع تحولاً جوهرياً في المعادلة الاقتصادية، حيث ارتفعت صادرات غانا من منتجات الكاكاو بنحو 90% لتصل إلى 1.8 مليار دولار في عام 2025، مدفوعةً بشكل رئيسي بمعجون الكاكاو وزبدته، غير أن هذه المنتجات تظل سلعاً وسيطة تُباع للمصنعين الأجانب، وليست منتجات ذات علامات تجارية تُطرح مباشرةً للمستهلكين.
تكمن الأهمية هنا في أن المسألة لا تقتصر على ضرورة أن تصنع أفريقيا مزيداً من الشوكولاتة، بل في أن القيمة الجيوسياسية لأي مورد تتحدد عبر سلسلة القيمة المحيطة به، من التمويل وتكنولوجيا التصنيع، إلى الخدمات اللوجستية، وبناء العلامات التجارية، والتوزيع، والوصول إلى المستهلكين.
حتى السياسات التجارية يمكن أن تُبقي على هذا التسلسل الهرمي، حيث وثّقت الأونكتاد ظاهرة التصاعد الجمركي في صادرات الدول النامية، إذ تُفرض رسوم أعلى على السلع المصنعة مقارنة بالمواد الخام التي تدخل في إنتاجها، ويحظى الكاكاو الخام بنفاذ أكثر تفضيلاً إلى الأسواق من الشوكولاتة، ما يضعف قدرة المنتجين على الانتقال إلى مراحل أعلى من سلسلة القيمة، وهكذا تعمل التبعية عبر بنية الأسواق وقواعد التجارة، بدلاً من أن تُفرض من خلال إدارة خارجية مباشرة.
يحظى الكاكاو الخام بنفاذ أكثر تفضيلاً إلى الأسواق من الشوكولاتة بما يعكس تبعية تُفرض عبر بنية الأسواق وقواعد التجارة لا عبر إدارة خارجية مباشرة
لا تقتصر المشكلة على غانا، بل تمتد إلى معظم أنحاء القارة، فوفقاً لبيانات الأونكتاد، شكّلت السلع الأولية 76.7% من صادرات أفريقيا السلعية في عام 2025، كما أظهرت أبحاث أوسع للمنظمة أن الاعتماد على السلع الأولية لا يزال مرتفعًا بصورة خاصة في الاقتصادات النامية والأقل نمواً.
تجربتان في غرب أفريقيا
تتبلور الدبلوماسية الاقتصادية لغانا بالتوازي مع تجربة مختلفة جذرياً في مفهوم السيادة، ففي منطقة الساحل، اتبعت مالي وبوركينا فاسو والنيجر مساراً لتحقيق الاستقلالية الاستراتيجية، قائماً بالأساس على القطيعة السياسية والأمنية، حيث انسحبت الدول الثلاث رسمياً من المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (إيكواس) في يناير 2025، وعززت تحالف دول الساحل بعد تدهور علاقاتها مع فرنسا، وذهبت النيجر إلى أبعد من ذلك في يونيو 2025، عندما أعلنت تأميم شركة سومير العاملة في مجال اليورانيوم والتي تديرها شركة أورانو الفرنسية إذ جاءت هذه الخطوة بعد مواجهة مطولة بين الحكومة العسكرية والشركة النووية الفرنسية.
لكن امتلاك الأصول لم يُترجم إلى عائدات، حيث ظلت أكثر من ألف طن متري من الكعكة الصفراء محملة على شاحنات بالقرب من مطار نيامي، فيما تقول النيجر إنه لم تُنجز أي صفقة بيع حتى الآن، كما ظل ممر بنين مغلقاً منذ عام 2023، بينما أدت شكاوى جنائية فرنسية، اعتبرت الشحنة بضائع مسروقة، إلى إغلاق الطريق عبر توغو.
وعلى النقيض من ذلك، توسع الحضور الأمني الروسي مع تراجع النفوذ العسكري الفرنسي والغربي، ففي مالي، عززت موسكو علاقاتها العسكرية بالتوازي مع تنامي مصالحها في قطاعي الذهب والطاقة، رغم أن تدهور الوضع الأمني أثار تساؤلات حول فعالية روسيا كشريك أمني.
أنشأت باماكو، بالتعاون مع شركة يادران الروسية، شركة سورما-سا، التي تمتلك الدولة 62% منها، لبناء مصفاة بطاقة 200 طن متري بالقرب من العاصمة، غير أن مصافي مالي تفتقر أيضاً إلى اعتماد لندن، وتأتي الشراكة الروسية جزئياً بهدف الحصول عليه.
أما الليثيوم المالي، فلم يذهب إلى أيٍّ من القوتين الداعمتين؛ إذ تولت شركة غانفنغ الصينية تشغيل منجم غولامينـا، بينما تُنقل إنتاجاته شرقاً، وهذا ما يجعل من غرب أفريقيا مختبراً جيوسياسياً فريداً، فغانا تسعى إلى توسيع هامش مناورتها مع الحفاظ على علاقاتها بالمؤسسات الغربية، والتمويل متعدد الأطراف، والاستثمارات المتنوعة، أما حكومات الساحل العسكرية، فقد سعت إلى تحقيق قدر أكبر من الاستقلالية عبر القطيعة السياسية، والقومية في إدارة الموارد، وبناء شراكات أمنية بديلة.
لكن أياً من النموذجين لا يضمن السيادة تلقائياً، فإخراج قوات أجنبية من البلاد والاعتماد في المقابل على قوة أجنبية أخرى لا يعني بالضرورة تحقيق استقلال أمني حقيقي، كما أن تأميم منجم من دون توفير التمويل والخبرات والبنية التحتية والوصول إلى الأسواق اللازمة لتشغيله بكفاءة وتنافسية، قد يُبقي شكلاً آخر من أشكال التبعية قائماً.
عند تطبيق الاختبارات الثلاثة على كلا النموذجين، نصل إلى النتيجة نفسها، فكلاهما يتمتع باستقلالية دبلوماسية، وكلاهما مارس قدراً من الاستقلالية في صنع السياسات؛ غانا من خلال قرار فرض التكرير محلياً، والنيجر من خلال مصادرة الأصول، لكن أياً منهما لم يحقق استقلالية إنتاجية، إذ لا تزال الدولتان تواجهان العوائق نفسها على مستوى الاعتماد والتمويل والوصول إلى الأسواق، وبالمثل، فإن جذب مستثمرين من ست قوى متنافسة بدلاً من قوتين لا يمنح الحكومات نفوذاً حقيقياً إلا إذا امتلكت قدرات محلية كافية لفرض شروط ذات جدوى، ومن ثم، فإن السؤال الأهم ليس عدد الشركاء الذين تمتلكهم الدولة الأفريقية، بل ما الذي تستطيع إنجازه من دونهم.
السؤال الأهم ليس عدد الشركاء الذين تمتلكهم الدولة الأفريقية بل ما الذي تستطيع إنجازه من دون الاعتماد عليهم
من تعدد الشراكات إلى القوة الإنتاجية
يوفر ذلك معياراً أكثر دقة لاختبار مفهوم متلازمة التبعية الذي طرحه ماهاما، حيث يمكن قياس الاستقلالية الاستراتيجية عبر ستة مجالات رئيسية: التصنيع، والتكنولوجيا، والبنية التحتية، والتمويل، والوصول إلى الأسواق، وحرية صنع السياسات.
على الاقتصادات الأفريقية أن تعمل على تحويل مواردها المعدنية قبل تصديرها، واكتساب التقنيات اللازمة للارتقاء إلى مراحل أعلى من سلاسل القيمة، كما يتعين عليها تمويل البنية التحتية الاستراتيجية من دون الوقوع مجدداً في أزمات مديونية، ونقل السلع بكفاءة عبر الحدود الأفريقية، والوصول إلى الأسواق الكبرى بشروط تنافسية، وفي الوقت نفسه، يجب أن تتمكن الحكومات من اتخاذ قراراتها المالية وخياراتها في السياسة الخارجية من دون أن يكتسب دائن خارجي، أو مزود أمني، أو سوق تصدير مهيمن نفوذاً يفوق حجمه.
وفقاً لهذه المعايير، لا يمكن للدبلوماسية وحدها أن تحقق الاستقلالية، ومن هنا تكتسب مبادرة ماهاما، البالغة قيمتها 4 مليارات دولار، “اقتصاد الـ24 ساعة وبرنامج تسريع تنمية الصادرات”، التي أُطلقت في يوليو 2025، أهمية خاصة، فطموحها المعلن يرتكز بوضوح على تعزيز القدرات الإنتاجية، من خلال بناء سلاسل قيمة متكاملة، وتطوير التصنيع والبنية التحتية والخدمات اللوجستية، وتعزيز القدرة التنافسية للصادرات، حيث يهدف البرنامج إلى تقليل الاعتماد على الواردات وتعزيز الإنتاج المحلي، لكن غانا وحدها لا تستطيع معالجة مشكلة هيكلية تمتد على مستوى القارة بأكملها.

البعد القاري للتجارة
هنا تكتسب منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية بُعداً جيوسياسياً يتجاوز كونها مجرد اتفاق تجاري، فوفقاً للأونكتاد، لا تتجاوز التجارة البينية الأفريقية حالياً نحو 16% من إجمالي تجارة القارة، ولم تتغير هذه النسبة كثيراً منذ بدء تطبيق الاتفاق في عام 2021.
كانت أبحاث سابقة للأونكتاد قد أظهرت أن السلع المصنعة وشبه المصنعة تشكل نحو 61% من الصادرات الأفريقية داخل القارة، وهي نسبة أعلى بكثير من حصة هذه السلع في صادرات أفريقيا إلى خارج القارة.
يشير ذلك إلى أن التجارة الإقليمية يمكن أن تحقق هدفاً استراتيجياً تعجز صادرات السلع الأولية غالباً عن تحقيقه، وهو خلق أسواق للسلع المصنعة أفريقياً، حيث قدّر البنك الدولي في عام 2020 أن التطبيق الكامل للاتفاق يمكن أن يرفع دخل أفريقيا بنحو 450 مليار دولار، أي ما يعادل 7%، بحلول عام 2035، غير أن هذا التقدير يفترض تنفيذاً كاملاً لم يتحقق بعد.
لكن الأهمية الاستراتيجية تتجاوز مجرد زيادة الناتج المحلي، فمن شأن قيام سوق أفريقية متكاملة فعلياً أن يمنح الدول الأفريقية نطاقاً أوسع للإنتاج الصناعي، وتطوير البنية التحتية العابرة للحدود، وبناء سلاسل إمداد إقليمية، وتعزيز قدرتها الجماعية على التفاوض.
تتمثل أبرز العقبات في الجوانب الإدارية والتنظيمية، فلا تزال قواعد المنشأ غير محسومة في قطاعات المنسوجات والأغذية المصنعة وعدد من الصناعات الأخرى، وهي قطاعات تمثل جوهر عملية تعزيز القيمة المضافة، كما أن إجراءات التخليص الجمركي لا تزال تستغرق أياماً أو أسابيع، في حين تختلف المعايير والمواصفات بين الدول، وظلت التجارة في إطار المبادرة الموجّهة محدودة مقارنة بإجمالي التجارة الأفريقية.
من دون تنسيق قاري، قد يفضي التنافس الجيوسياسي إلى تنوع دبلوماسي لافت، دون أن يغيّر موقع أفريقيا في الاقتصاد العالمي، حيث تموّل الصين خطاً للسكك الحديدية، وتوفر أوروبا نفاذاً إلى الأسواق، وتستثمر الولايات المتحدة في المعادن الحيوية، وتموّل دول الخليج الموانئ، بينما تقدم روسيا تعاوناً أمنياً، وقد تكون كل من هذه العروض ذات قيمة، كما أن التنافس بينها يمكن أن يعزز القدرة التفاوضية للدول الأفريقية، لكن لا شيء منها يمكن أن يحل محل بناء القدرات الإنتاجية.
يفرض النظام الدولي متعدد الأقطاب الناشئ على أفريقيا فرصة وفخاً في آن واحد، فتعدد القوى المتنافسة يمنح الحكومات الأفريقية خيارات أوسع مما كانت تتمتع به خلال فترات الهيمنة الغربية الطاغية، لكن إذا واصلت هذه الحكومات تصدير السلع الأولية، واستيراد التكنولوجيا، والاعتماد على الاقتراض الخارجي، والتفاوض بشكل منفرد، فقد ينتهي بها الأمر إلى مجرد توزيع تبعياتها على عدد أكبر من القوى الداعمة.
من هنا، يتجاوز التحدي الذي طرحه ماهاما حدود غانا، فالخيار الجيوسياسي الحاسم أمام أفريقيا ليس الانحياز إلى الشرق أو الغرب، كما أن السيادة لا تتحقق ببساطة باستبدال باريس بموسكو، أو واشنطن ببكين، أو دائن واحد بخمس، فالمنافسة الأعمق تدور بين قوتين: تنافس القوى الخارجية من جهة، وقدرة الأفارقة على التنسيق فيما بينهم من جهة أخرى، فالأولى يمكن أن تخلق نفوذاً تفاوضياً، لكن الثانية وحدها قادرة على تحويل هذا النفوذ إلى قوة مستدامة.
المنافسة الحاسمة أمام أفريقيا هي بين تنافس القوى الخارجية وتنسيق الدول فيما بينها فالأول يمكن أن يمنحها نفوذاً تفاوضياً والثاني يحول النفوذ إلى قوة
في المحصلة، ما لم تفرض أفريقيا سيطرتها على عمليات التصنيع والتمويل والتكنولوجيا والبنية التحتية والأسواق المرتبطة بأصولها الاستراتيجية، فإن تعدد الشراكات قد يغيّر الجهات التي تتعامل معها القارة من دون أن يغيّر موقعها في هرم الاقتصاد العالمي، ولن يكون ذلك تحرراً من التبعية، بل مجرد تبعية تمنحها خيارات أكثر.


