تجدد الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران قد يعيد رسم ملامح المرحلة الانتقالية السياسية في إسرائيل رغم الخسائر الانتخابية التي مُني بها نتنياهو
حذّر المسؤول الاستخباراتي الإسرائيلي السابق، الدكتور أفنر بارنيا، من أن تجدد الحملة العسكرية الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران قد يمنح رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو فرصة لإطالة أمد مسيرته السياسية، رغم الانتكاسة الانتخابية الكبيرة التي مُني بها.
وربط في مقابلة خاصة مع “إيغل إنتليجنس ريبورتس”، مخاطر التصعيد بحالة عدم اليقين المحيطة بتشكيل الحكومة الإسرائيلية المقبلة.
تأتي تصريحات بارنيا في أعقاب الانتخابات البرلمانية الإسرائيلية التي جرت في 27 أكتوبر، وأسفرت عن حصول معسكر نتنياهو اليميني على 53 مقعداً في الكنيست، المؤلف من 120 مقعداً، مقارنة بـ68 مقعداً في البرلمان المنتهية ولايته.
وفي المقابل، حصل معسكر المعارضة على 48 مقعداً، فيما حصدت الأحزاب العربية 19 مقعداً، في حصيلة قياسية، وفقاً للنتائج النهائية لفرز الأصوات، حيث لم يتمكن أي من المعسكرين من بلوغ عتبة الـ61 مقعداً اللازمة لتحقيق الأغلبية.
ويرى بارنيا أن هذه النتائج تمثل رفضاً واسعاً للائتلاف الحاكم بقيادة نتنياهو، رغم احتفاظ حزب الليكود بموقعه بوصفه أكبر حزب منفرد في إسرائيل.
وقال بارنيا: “لقد خسر 15 مقعداً في الكنيست”، واصفاً هذه الخسارة بأنها كبيرة للغاية، مرجعاً ذلك إلى الهجوم الذي شنّته حركة حماس في 7 أكتوبر 2023، والحروب التي تلته، والضغوط الاقتصادية، وتفاقم الانقسامات الاجتماعية، وتراجع ثقة الجمهور برئيس الوزراء.
ومع ذلك، يرى بارنيا أن استمرار نتنياهو في قيادة الحكومة خلال مفاوضات تشكيل الائتلاف يتيح نافذة زمنية حاسمة لاحتمال شنّ عمل عسكري ضد إيران، فبموجب القانون الإسرائيلي، يُمنح أول عضو في الكنيست يُكلَّف بتشكيل الحكومة مهلة 28 يوماً لإنجاز المهمة، مع إمكانية تمديدها 14 يوماً إضافياً، حيث تظل الحكومة المنتهية ولايتها في السلطة إلى حين تولي حكومة جديدة مهامها، ما يعني أن المرحلة الانتقالية قد تستمر فترة أطول بكثير من 40 يوماً.
بارنيا يرى أن استمرار نتنياهو في قيادة الحكومة خلال مفاوضات تشكيل الائتلاف يتيح نافذة زمنية حاسمة لاحتمال شنّ عمل عسكري ضد إيران
وقال: “سيظل نتنياهو في السلطة إلى حين تشكيل الحكومة الجديدة، ولذلك، يمكنه اتخاذ قرار بالانضمام إلى ترامب، الذي تربطه به علاقة صداقة وثيقة، لشن هجوم على إيران”.
وأشار بارنيا إلى أن توقيت هذه الخطوة قد يحمل أهمية سياسية، معتبراً أن الرئيس دونالد ترامب قد يفضّل التنسيق مع نتنياهو لتنفيذ عملية عسكرية جديدة قبل تولي حكومة إسرائيلية مختلفة مهامها، إذ قد تكون الحكومة الجديدة أقل استعداداً للمشاركة في مثل هذه العملية.
وأضاف: “إن نتنياهو يعتقد أن تنفيذ عملية ناجحة أخرى ضد إيران قد يساعده على البقاء في السلطة، فوفقاً لتقديره، يرى نتنياهو في تجدد الصراع وسيلة محتملة لتأجيل الانتقال السياسي في إسرائيل”.
وقال: “إنه يعتقد أنه إذا حاول مجدداً، فربما ينجح ويتمكن من البقاء في السلطة لفترة أطول، لأنه لا يمكن تغيير الحكومة بينما تتعرض إسرائيل لهجوم”.
يأتي تقييمه في ظل تقارير تفيد بأن مسؤولين أمريكيين وإسرائيليين أعدّوا خيارات لشنّ ضربات عسكرية جديدة، عقب انتخابات التجديد النصفي الأمريكية المقررة في 3 نوفمبر.
وحذّر من أن تجدد القتال قد يستدعي رداً انتقامياً واسع النطاق ضد إسرائيل، ما قد يؤدي إلى تعطيل الرحلات الجوية الدولية، وإلحاق أضرار بالبنية التحتية، وفرض أعباء اقتصادية إضافية.
وقال: إن “الرحلات الجوية متوقفة، فلا يستطيع الناس مغادرة إسرائيل أو الوصول إليها”، مستحضراً تداعيات المواجهات السابقة مع إيران.
وحذّر من أن أي مواجهة جديدة قد تؤدي مجدداً إلى عزل البلاد فعلياً عن العالم لفترة طويلة.
كما شكّك بارنيا في المبررات الاستراتيجية لشنّ ضربات إضافية، مشيراً إلى أن نتنياهو سبق أن صوّر العمليات العسكرية السابقة على أنها نجحت في إضعاف القدرات النووية الإيرانية.
وتابع: “هذه هي النقطة الأساسية، فالأمر ليس ضرورياً للأمن القومي الإسرائيلي”.
وأضاف: “إن اهتمام نتنياهو بتجدد العمل العسكري قد يكون مرتبطاً بآمال إضعاف الحكومة الإيرانية أو الإطاحة بها”، وهو هدف يشكك بارنيا في إمكانية تحقيقه من خلال حملة قصف أخرى.
وبعيداً عن المواجهة مع إيران، وصف بارنيا نتائج الانتخابات بأنها مؤشر على تغير مواقف الإسرائيليين تجاه ائتلاف نتنياهو وسياساته حيال الفلسطينيين.
وقال: “لم يعد الإسرائيليون يريدون حكومة يمينية متطرفة، بل يتطلعون إلى التغيير”، مشيراً إلى تزايد أعداد الناخبين الراغبين في إيجاد بدائل للصراع الممتد، وإعطاء أولوية أكبر للاتفاقات الدبلوماسية.
لم يعد الإسرائيليون يريدون حكومة يمينية متطرفة بل يتطلعون إلى التغيير وتزايد أعداد الناخبين الراغبين في إيجاد بدائل للصراع يشير إلى إعطاء أولوية أكبر للاتفاقات الدبلوماسية
كما أدان بارنيا ما وصفه بالإرهاب اليهودي الشديد ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية، متهماً الحكومة المنتهية ولايتها بدعم الاعتداءات على التجمعات السكانية الفلسطينية.
ورأى أن معارضة هذه السياسات كانت من بين العوامل التي أسهمت في رد الفعل الانتخابي الرافض لائتلاف نتنياهو.
وأكد أن شريحة واسعة من المجتمع الإسرائيلي تؤيد التوصل، في نهاية المطاف، إلى اتفاق مع الفلسطينيين، مع إقراره بأن البلاد لا تزال تشهد انقساماً عميقاً بشأن قضايا الأراضي والأمن.
وكانت مشاركة المواطنين العرب عاملاً رئيسياً آخر في تفسيره لنتائج الانتخابات، حيث ربط بارنيا تصاعد حراكهم السياسي بمخاوف تتعلق بالجريمة والأمن العام، وعدم المساواة في توزيع الموارد، وطريقة تعامل الحكومة المنتهية ولايتها مع المجتمعات العربية.
وقال، واصفاً ما اعتبره دوافع الناخبين العرب: “لقد قالوا: لقد سئمنا، وكفى، لا يمكننا العيش في بلد ينظر إلينا فيه باعتبارنا أعداء”.
ووصف مشاركة الناخبين العرب بأنها الأعلى منذ قيام إسرائيل عام 1948 وبينما شهدت نسبة إقبالهم ارتفاعاً ملحوظاً، وحصلت الأحزاب العربية على رقم قياسي بلغ 19 مقعداً في الكنيست، إذ لم يتسنَّ التحقق بشكل مستقل من أن نسبة المشاركة كانت الأعلى تاريخياً.
قد يكون للمقاعد الـ19 التي فازت بها الأحزاب العربية تأثير حاسم في عملية تشكيل الائتلاف الحكومي، غير أن التعاون بين هذه الأحزاب ومعسكر المعارضة الأوسع المناهض لنتنياهو لا يزال موضع خلاف سياسي، ما يعني أن مجموع مقاعدها البرلمانية لا يترجم تلقائياً إلى أغلبية تتيح تشكيل الحكومة.
ورغم هذه العقبة، كان بارنيا حاسماً في تقييمه لمستقبل نتنياهو السياسي، حيث قال: “أعتقد أن إسرائيل تدخل حقبة جديدة، وأرى أن المسيرة السياسية لنتنياهو قد انتهت هنا”.
وتوقّع بارنيا أن ينتقل نتنياهو في نهاية المطاف إلى صفوف المعارضة، وأن تتمكن حكومة جديدة من العمل على تحسين العلاقات مع الدول الأوروبية، وتعزيز المصالحة الداخلية، واعتماد مقاربات دبلوماسية جديدة تجاه سوريا ولبنان والفلسطينيين.
بارنيا يتوقّع أن ينتقل نتنياهو إلى صفوف المعارضة وأن تتمكن حكومة جديدة من العمل على تحسين العلاقات مع أوروبا وتعزيز المصالحة الداخلية واعتماد مقاربات دبلوماسية تجاه سوريا ولبنان والفلسطينيين
وأضاف بارنيا: “إن الإطاحة بحكومة نتنياهو قد تُحدث تحولاً جذرياً في علاقات إسرائيل الدولية وآفاقها الاقتصادية”.
وبالنسبة إلى شركاء إسرائيل وخصومها في المنطقة، يتمثل السؤال الملحّ فيما إذا كانت المرحلة الانتقالية السياسية ستكتمل قبل اندلاع مواجهة جديدة مع إيران.
ويُبرز تحذير بارنيا كيف يمكن لتزامن التخطيط العسكري الأمريكي، ومفاوضات تشكيل الائتلاف الحكومي الإسرائيلي التي لم تُحسم بعد، ومستقبل نتنياهو السياسي، أن يؤثر في قرارات تتجاوز تداعياتها حدود إسرائيل بكثير.





