تستند القوة الاقتصادية والعسكرية لألمانيا إلى نوعين من الاعتماد يصعب عليها تحمّلهما أو التخلص منهما بسهولة؛ إذ تهيمن الصين على إمدادات مدخلات الإنتاج الصناعية الحيوية، فيما يشكّل الوجود العسكري الأمريكي ركيزة أساسية لأمنها.
لكن مع توظيف بكين نفوذها الاقتصادي كورقة ضغط، وتزايد الشكوك بشأن موثوقية واشنطن، تواجه برلين معضلة استراتيجية جوهرية؛ إذ يتطلب تعزيز قدرتها على الصمود دعماً أوروبياً، في حين تهدد السياسات الصناعية للاتحاد الأوروبي بتقويض الشراكات ذاتها التي تسعى ألمانيا إلى تعزيزها.
قضى المستشار الألماني فريدريش ميرتس الأسبوع الأخير من أكتوبر في جولة شملت سنغافورة وطوكيو وسيؤول، دعا خلالها إلى تعزيز التجارة الحرة والانفتاح التجاري، لكن قبل أقل من أسبوعين، كانت برلين وباريس قد اقترحتا قواعد أوروبية لصناعة السيارات من شأنها حرمان المركبات المصنّعة في اليابان وكوريا الجنوبية من الدعم الحكومي.
ورغم هذا التناقض، أسفرت الجولة عن إعلانات مشتركة بشأن الأمن الاقتصادي والمواد الخام مع طوكيو، والارتقاء بمستوى الشراكة مع سيؤول، إلى جانب إبداء ألمانيا اهتماماً بالانضمام إلى برنامج بريطاني-إيطالي-ياباني لتطوير طائرات مقاتلة.
تسهم هذه المكاسب في تنويع مورّدي ألمانيا وشركائها، لكنها لا تشكّل بديلاً عن ركيزتي اعتمادها الأساسيتين: معالجة المعادن الحيوية في الصين، والمظلة النووية الأمريكية، حيث تشترك اليابان وكوريا الجنوبية في الاعتماد على هاتين الركيزتين أيضاً.
وقد يحدّ تنويع الشراكات من مواطن ضعف ألمانيا، لكن بناء قدرة أكبر على الصمود على المدى الطويل يتطلب سياسات أوروبية فاعلة، بقدر ما يتطلب تعزيز الشراكات مع العواصم الآسيوية، غير أن مساعي برلين إلى توسيع شراكاتها مع آسيا تصطدم داخل بروكسل بسياسات صناعية أوروبية تستهدف حماية المنتجين المحليين.
مساعي برلين إلى توسيع شراكاتها مع آسيا تصطدم داخل بروكسل بسياسات صناعية أوروبية تستهدف حماية المنتجين المحليين
اعتمادان ومنطقان مختلفان
يختلف اعتماد ألمانيا على الصين والولايات المتحدة من حيث طبيعته وأبعاده، فعلى مدى عقدين، استند نموذجها الاقتصادي والأمني إلى الغاز الروسي، والطلب الصيني، والحماية الأمريكية، لكن الركيزة الأولى انهارت عام 2022، فيما تشهد الركيزتان الأخريان تحولات متسارعة، وجاءت جولة ميرتس لتعكس استجابة برلين لهذه التحولات.
حدّد المستشار الألماني في طوكيو هدفه المتمثل في الحد من الاعتماد أحادي الجانب، وهو توجه ينطوي على استراتيجيتين مختلفتين، تتمثل الأولى في تنويع مصادر الإمداد، بما يخفّض كلفة أي انقطاع في التوريد ويحدّ من قدرة المورّد على استخدام نفوذه للضغط، أما الثانية، فتقوم على الاستبدال، أي توفير بدائل تحل محل ما يقدمه الطرف الذي تعتمد عليه ألمانيا، بما قد يزيل نفوذه بالكامل.
ويمكن لتنويع المصادر أن يعزز القدرة على مواجهة الأزمات من دون تحقيق الاستغناء الفعلي عن المورد الأساسي، غير أن تحقيق الاستقلال الاستراتيجي يتطلب تقليص أوجه الاعتماد إلى مستوى لا تعود معه الضغوط الخارجية قادرة على توجيه خيارات ألمانيا السياسية.

يتحول اعتماد ألمانيا على الصين من الطلب إلى الإمدادات العرض، فوفقاً للمكتب الاتحادي للإحصاء الألماني، ارتفعت الواردات من الصين بنسبة 8.8% لتصل إلى 170.6 مليار يورو في عام 2025، في حين تراجعت الصادرات الألمانية إليها بنسبة 9.7% لتسجل 81.3 مليار يورو، وبذلك، تراجعت الصين إلى المرتبة السادسة بين أكبر الأسواق المستقبلة للصادرات الألمانية.
وفي المقابل، انخفضت حصة الصين من واردات ألمانيا من العناصر الأرضية النادرة، من حيث الكميات، من 65.4% إلى 55.4% في عام 2025، وفقاً لبيانات المكتب ذاته، ومع ذلك، لا تزال الصين تستحوذ على ثلثي قيمة واردات ألمانيا من العناصر الأرضية النادرة النقية، وهي الأنواع التي خضعت لعمليات معالجة وتصنيع متقدمة.
بمعنى آخر، تنوّعت مصادر الإمداد من حيث الكميات، لكن الاعتماد على الصين في المنتجات المعالجة ظل قائماً.
أما بطاريات الليثيوم، فسلكت مساراً معاكساً، حيث صنّفتها الاستراتيجية الألمانية الخاصة بالصين، الصادرة عام 2023، ضمن السلع الحيوية، ومع ذلك، ارتفعت حصة بكين من واردات برلين من بطاريات الليثيوم، من حيث الوزن، من 49.7% في ذلك العام إلى 66.5% في عام 2025، وهكذا، تعمّق الاعتماد على الصين في قطاع استهدفت السياسة الألمانية تقليصه.
أما الاعتماد على الولايات المتحدة، فيتعلق بالردع العسكري، وهو أمر لا يمكن تعويضه عبر الأسواق أو الشراكات التجارية، فحتى اتفاق التعاون النووي الذي توصل إليه ميرتس مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في 2 مارس، من شأنه أن يعزز الترتيبات القائمة في إطار حلف شمال الأطلسي (الناتو)، لا أن يحل محلها، وهي ترتيبات تستند أساساً إلى القدرات النووية الأميركية.
وفي مايو وبعد أيام من انتقاد ميرتس لطريقة إدارة واشنطن الحرب على إيران، أعلنت وزارة الدفاع الأمريكية سحب نحو 5 آلاف جندي من ألمانيا، حيث عكست هذه الخطوة مؤشراً على أن الضمانة الأمنية الأمريكية، التي ظلت لعقود ركيزة أساسية لأمن ألمانيا، باتت فجأة مرتبطة بشروط وحسابات سياسية متغيرة.
في المقابل، تمارس واشنطن ضغوطاً تجارية على جميع الاقتصادات التي شملتها جولة ميرتس، حيث طالت الرسوم الجمركية الأمريكية المفروضة بموجب المادة 301، والتي أُقرت في يوليو على خلفية تطبيق القواعد المتعلقة بالعمل القسري، كلاً من الاتحاد الأوروبي واليابان وكوريا الجنوبية، كما يشمل تحقيق أمريكي مرتقب بشأن الطاقة الإنتاجية الفائضة الهيكلية الاقتصادات الثلاثة، إلى جانب سنغافورة.
تختلف سبل المعالجة، فمخاطر انقطاع الإمدادات يمكن الحد منها عبر تنويع المصادر، وبناء المخزونات الاستراتيجية، واتخاذ تدابير للدفاع التجاري، بينما لا يمكن تقليص الاعتماد الأمني إلا من خلال تعزيز القدرات العسكرية الأوروبية.
وتواجه برلين مهمة مزدوجة تتمثل في حماية أوروبا من فائض الطاقة الإنتاجية الصينية، مع الحفاظ على انفتاحها أمام الشركاء الآسيويين، وتعزيز قدراتها الدفاعية من دون خسارة المظلة الأمنية الأمريكية التي لا تملك بديلاً عنها حتى الآن.
وتكمن المعضلة في أن كلا المسارين بات يمر بصورة متزايدة عبر بروكسل؛ إذ يمكن للأدوات الأوروبية المشتركة أن تعزز شراكات ألمانيا الآسيوية، لكن السياسات الصناعية التفضيلية قد تحدّ في الوقت نفسه من المكاسب التي تحققها هذه الشراكات.
تكمن المعضلة في أن المسارين يمران عبر بروكسل إذ يمكن للأدوات الأوروبية أن تعزز شراكات ألمانيا الآسيوية لكن السياسات الصناعية قد تحدّ من مكاسب الشراكات
ما الذي تقدمه طوكيو وسيؤول؟
أسفرت محطتا اليابان وكوريا الجنوبية عن نتائج ملموسة في مجالات التكنولوجيا والمكونات الصناعية والصناعات الدفاعية، ففي طوكيو، أصدر ميرتس ورئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي بيانين مشتركين بشأن الأمن الاقتصادي والتكنولوجيات المستقبلية.
وحذّر أحد البيانين من القيود التعسفية على الصادرات، من دون تسمية الصين أو الولايات المتحدة، وهو انتقاد يمكن قراءته، رغم ذلك، على أنه يستهدف البلدين معاً.
كما رحّب الجانبان بإعلان نوايا للتعاون في مجال المواد الخام، وأعلنا خططاً لتوسيع قاعدة مصادر إمداد شركات صناعة السيارات لديهما بالعناصر الأرضية النادرة.
تمتلك اليابان خبرة تفتقر إليها ألمانيا في هذا المجال، فبعد أن قيّدت الصين صادرات العناصر الأرضية النادرة إلى اليابان عام 2010، أمضت طوكيو 15 عاماً في بناء بدائل، شملت توفير التمويل لشركة ليناس الأسترالية المنتجة لهذه العناصر.
وبحلول مطلع العام الجاري، تراجعت حصة الإمدادات الصينية إلى نحو 60% من إجمالي واردات اليابان من العناصر الأرضية النادرة، حيث توفر هذه التجربة لبرلين نموذجاً عملياً يمكن الاستفادة منه، يشمل بناء المخزونات الاستراتيجية، وإعادة التدوير، وتطوير تصاميم للمغناطيسات تقلّل استخدام العناصر الأرضية النادرة الثقيلة.
توفر كوريا الجنوبية قاعدة صناعية متقدمة في مجالات البطاريات وأشباه الموصلات والصناعات الدفاعية، حيث وقّع ميرتس والرئيس الكوري الجنوبي لي جاي ميونغ إطاراً للشراكة الاقتصادية والتكنولوجية المتقدمة، واتفقا على تعزيز التعاون في مجال المعادن الحيوية وأمن الطاقة.
كما تعهدا بالإسراع في إبرام اتفاق لحماية المعلومات العسكرية السرية، بما يؤسس إطاراً مؤسسياً لتوسيع التعاون في الصناعات الدفاعية.
تُعد شركات الصناعات الدفاعية الكورية منافساً محتملاً بقدر ما هي شريك محتمل، حيث أوفدت شركتا هانوا إيروسبيس وكوريا إيروسبيس إندستريز، اللتان تجهّزان القوات البولندية بمدافع هاوتزر ومقاتلات خفيفة، كبار مسؤوليهما التنفيذيين إلى حفل العشاء الرسمي في سيؤول.
ومنذ عام 2022، حوّلت الصفقات البولندية لشراء الدبابات والمدفعية الكورية الجنوبية صناعة الدفاع في سيؤول إلى منافس للمورّدين الألمان في سباق إعادة تسليح أوروبا.
أما الإشارة الأبرز فكانت في مجال القوة الجوية، ففي يونيو، تخلّت فرنسا وألمانيا عن المقاتلة التي تشكّل محور برنامج نظام القتال الجوي المستقبلي(FCAS)، وهو المشروع الدفاعي الأبرز للبلدين منذ عام 2017.
ويقول ميرتس الآن إن برلين تدرس المشاركة في البرنامج العالمي للقتال الجوي (GCAP)، الذي تقوده اليابان وبريطانيا وإيطاليا، إذ قد يسد البرنامج الفجوة التي خلّفها تعثر مشروع FCAS، لكن ألمانيا ستنضم متأخرة إلى مفاوضات توزيع حصص العمل، التي وصفها ميرتس بأنها قطعت شوطاً متقدماً.
شركاء يواجهون المخاطر نفسها
يحدّ تشارك طوكيو وسيؤول المخاطر ذاتها من قدرتهما على معالجة مواطن الضعف الأساسية في اعتماد ألمانيا، حيث أضفى الحظر الصيني على صادرات المنتجات ذات الاستخدام المزدوج إلى المؤسسة العسكرية اليابانية، الذي فُرض في 6 يناير على خلفية تصريحات تاكايتشي بشأن تايوان في نوفمبر، طابعاً رسمياً على ضغوط كانت قائمة بالفعل.
وأظهرت بيانات الجمارك الصينية عدم شحن أي كميات من أكسيد الديسبروسيوم أو التيربيوم إلى اليابان خلال الفترة من نوفمبر إلى مايو.
وجاء الضغط الصيني انتقائياً ومتواصلاً؛ إذ تراجعت صادرات الصين من سبعة أنواع من العناصر الأرضية النادرة الخاضعة للرقابة إلى اليابان بنسبة 51% في النصف الأول من العام، مقابل انخفاض نسبته 16% على مستوى العالم، كما ظلت الشحنات المتجهة إلى اليابان شبه معدومة في سبتمبر، بعد مرور ثمانية أشهر على فرض الحظر رسمياً.
تكشف تجربة اليابان نفسها حدود تنويع مصادر الإمداد، حيث تحققت مكاسبها أساساً في العناصر الأرضية النادرة الخفيفة، فيما لا يزال مصنعو المغناطيسات فيها يعتمدون بدرجة كبيرة على الصين في تأمين العناصر الثقيلة.
أما كوريا الجنوبية، فيتركز اعتمادها الأشد على قطاع البطاريات، إذ يأتي أكثر من 90% من وارداتها من الغرافيت من الصين، وفي فبراير، سعت سيؤول إلى إنشاء خط اتصال مباشر مع بكين لتسريع واردات العناصر الأرضية النادرة، في إشارة إلى تفضيلها التفاهم على المواجهة.
يمكن للتعاون بين ثلاثة بلدان تعتمد على الاستيراد في صناعاتها التحويلية أن يعزز قدرتها على الصمود أمام اضطرابات الإمدادات، لكنه يُبقي مصدر ضعف مشتركاً يتمثل في بكين.
يمكن للتعاون بين ثلاثة بلدان تعتمد على الاستيراد في صناعاتها أن يعزز قدرتها على الصمود أمام اضطرابات الإمدادات لكن تبقي بكين مصدر ضعف مشتركاً
يمكن للمخزونات الاستراتيجية المشتركة ورصد سلاسل الإمداد تقليص مدة اضطراب الإمدادات والحد من تكلفته، لكنهما لا يستطيعان تجريد بكين من أوراق الضغط التي استخدمتها مؤخراً ضد طوكيو.
يحمل التقارب مع طوكيو مخاطر سياسية أيضاً، ففي سنغافورة، أكد ميرتس مجدداً التزام ألمانيا بسياسة الصين الواحدة، في إشارة إلى نأي برلين بنفسها عن الخلاف الذي دفع بكين إلى ممارسة ضغوط على اليابان، إذ قد تسعى بكين إلى اختبار قدرة ألمانيا على الموازنة بين استمالة قطاع الصناعة الياباني وتجنب الانخراط في نزاع طوكيو معها.
قالت تاكايتشي في طوكيو إن الأمن في منطقتي أوروبا والأطلسي وفي منطقة المحيطين الهندي والهادئ لا ينفصلان، وربط لي بين المنطقتين بالطريقة نفسها في سيؤول، حيث جعلت مشاركة قوات كورية شمالية وذخائر في الحرب الروسية على أوكرانيا هذا الترابط واقعاً ملموساً.
وتعتمد المنطقتان على الولايات المتحدة بوصفها الضامن الأمني نفسه، ما قد يضعهما في منافسة على القدرات الصناعية الدفاعية الأمريكية المحدودة في أوقات الأزمات.
الدور المتميز لسنغافورة
تتمثل مساهمة سنغافورة في هيكلية التجارة، حيث تتمتع الدولة المدينة بثقل صناعي، إذ يقول مجلس التنمية الاقتصادية فيها إنها تنتج شريحة من كل عشر شرائح إلكترونية في العالم، لكنها لا تستطيع أن تحل محل الصين في تكرير المواد الخام، أو الولايات المتحدة في توفير الردع.
وتستند مكانتها إلى عضويتها في اتفاقية الشراكة الشاملة والتقدمية عبر المحيط الهادئ (CPTPP)، والشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة (RCEP)، التي تضم الصين.
تجمع سنغافورة بين علاقاتها الأمنية الوثيقة مع واشنطن وعلاقاتها التجارية العميقة مع بكين، بما يجسد النهج الذي يدعو إليه ميرتس حالياً، وفي محاضرة سنغافورة التاسعة والأربعين، قدّم ميرتس أبرز طرح فكري خلال جولته، قائلاً: إن “السياسة الحكيمة تجاه الصين تبدأ من الداخل”، ورفض فك الارتباط مع الصين، واصفاً إياه بالخطأ، ودعا إلى اتخاذ تدابير لمعالجة اختلالات المنافسة الناجمة عن فائض الطاقة الإنتاجية.
اقترح ميرتس إبرام اتفاق بين الاتحاد الأوروبي واتفاقية الشراكة الشاملة والتقدمية عبر المحيط الهادئ (CPTPP)، يربط بين المنطقتين، ووفقاً لتقديراته، يمثل الطرفان معاً أكثر من ثلث التجارة العالمية، كما دعا الاتحاد الأوروبي إلى مواءمة اتفاقياته الثنائية المنفصلة مع دول المنطقة.
غير أن تنفيذ المقترحين يعود إلى بروكسل، لأن السياسة التجارية من الاختصاصات الحصرية للاتحاد الأوروبي، ولا تستطيع ألمانيا الانضمام إلى اتفاقية CPTPP بمفردها.
جدّد رئيس الوزراء السنغافوري لورانس وونغ الشراكة الاستراتيجية الثنائية مع ميرتس، ورحّب بتنامي انخراط ألمانيا مع رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان)، وسمّى ميرتس إندونيسيا وفيتنام ضمن الشركاء الذين تسعى برلين إلى توثيق علاقاتها معهم.
لكن بروكسل هي التي تحدد شروط التعامل التجاري مع هذين البلدين أيضاً؛ إذ يسري بينها وبين فيتنام اتفاق تجاري، كما أبرمت اتفاقاً مماثلاً مع إندونيسيا في عام 2025.
لم تُجنّب سياسة سنغافورة الحذرة في الموازنة بين القوى نفسها ضغوطاً أمريكية، حيث شمل تحقيق واشنطن بشأن فائض الطاقة الإنتاجية سنغافورة، رغم أن الولايات المتحدة تسجل فائضاً تجارياً معها في السلع، وفقاً للأرقام الأميركية التي استشهدت بها وزارة التجارة السنغافورية.
وبالنسبة إلى دولة مصدّرة تجد نفسها عالقة بين الرسوم الجمركية الأمريكية وفائض الطاقة الإنتاجية الصيني، تظل القدرة على التأثير في قواعد التجارة الآسيوية أمراً مهماً، وفي هذا المسعى، تبدو سنغافورة الشريك الطبيعي لبرلين، فيما يكمن الجانب الصناعي من هذه الموازنة في طوكيو وسيؤول.
بالنسبة إلى دولة مصدّرة تجد نفسها عالقة بين الرسوم الجمركية الأمريكية وفائض الطاقة الإنتاجية الصيني تظل القدرة على التأثير في قواعد التجارة الآسيوية أمراً مهماً
التكامل مع بروكسل أم تقويض دورها؟
تقع الأدوات الكفيلة بجعل هذه الموازنة مستدامة ضمن اختصاص الاتحاد الأوروبي، بدءاً من اتفاقياته التجارية مع الدول الثلاث التي زارها ميرتس، حيث يهدف قانون المواد الخام الحرجة إلى الحد، بحلول عام 2030، من اعتماد الاتحاد على أي دولة ثالثة بما لا يتجاوز 65% من استهلاكه لكل مادة خام استراتيجية، في كل مرحلة من مراحل معالجتها.
يمر التعاون الدفاعي عبر بروكسل أيضاً، حيث تقدمت اليابان وكوريا الجنوبية بطلبين للانضمام بصفة شريكين إلى برنامج “العمل الأمني من أجل أوروبا” (SAFE)، وهو آلية الاتحاد الأوروبي لتقديم قروض دفاعية بقيمة 150 مليار يورو، وإلى حين البت في طلبيهما، تخضع مساهمة شركاتهما لحد أقصى يبلغ 35% للمكونات الواردة من دول غير مرتبطة بالبرنامج.
ولا يقوّض التعاون الثنائي التكامل الأوروبي بالضرورة، بل يمكن أن يعزز أهداف الاتحاد من خلال إتاحة موردين إضافيين وقدرات صناعية جديدة للمبادرات الأوروبية. ويبرز التوتر عندما تقيّد القواعد الأوروبية المشتركة فرص وصول الشركاء أنفسهم الذين تسعى برلين إلى توثيق علاقاتها معهم.
تكشف ممارسات برلين نفسها هذا التناقض، ففي 16 أكتوبر، توصلت ألمانيا إلى اتفاق مع باريس بشأن موقف مشترك من السيارات في مشروع قانون تسريع الصناعة (IAA) الذي طرحه الاتحاد الأوروبي.
وبموجب المقترح، يجب أن تُصنّع في أوروبا مكونات المركبات، باستثناء البطاريات، بما لا يقل عن 70% من قيمتها، حتى تكون مؤهلة للحصول على الدعم أو الفوز بالعقود الحكومية.
كانت برلين قد دعت إلى توسيع دائرة الشركاء الموثوق بهم، لكنها قبلت في النهاية صيغة لا تتجاوز بريطانيا والنرويج وعدداً محدوداً من الدول الأوروبية المجاورة.
وفي المقابل، دعمت فرنسا المطالب الألمانية بتخفيف الحظر الأوروبي المقرر على محركات الاحتراق الداخلي بحلول عام 2035، حيث تعكس هذه المقايضة تقدّم المصالح الصناعية المحلية على الدبلوماسية الرامية إلى بناء الشراكات.
واجه ميرتس اعتراضات في كل مكان من محطات جولته، حيث اعترض مسؤولون يابانيون على استبعاد السيارات المصنّعة في اليابان، فيما طالب لي بمنح السيارات والبطاريات والصلب الكوري معاملة متساوية.
وتعهد ميرتس بنقل مخاوفهم من موجة جديدة من الحمائية الأوروبية إلى بروكسل، حيث انصبت أبرز مطالبهم على قواعد الاتحاد الأوروبي، ما يشير إلى أنهم ينظرون إلى برلين أساساً بوصفها صوتاً مدافعاً عن مصالحهم داخل الاتحاد.
يُكمل المسار الثنائي سياسة الاتحاد الأوروبي، ولا سيما عندما يوسّع خيارات الاتحاد، كما هو الحال مع مقترح الشراكة مع اتفاقية CPTPP والتعاون في مجال المواد الخام بما يساعد على تحقيق هدف الحد من الاعتماد على أي دولة ثالثة عند 65%.
لكنه يثير توترات عندما تؤدي التفضيلات الصناعية الأوروبية إلى استبعاد شركاء موثوق بهم، أو عندما تتسبب المشاريع الوطنية المتنافسة في تجزئة جهود الدفاع المشتركة.

ويُعد برنامج القتال الجوي العالمي(GCAP) الحالة الأكثر تعقيداً؛ إذ قد تؤدي مشاركة برلين فيه إلى وضعها وباريس في مشروعين متنافسين لتطوير المقاتلات، في ظل دراسة شركة داسو للطيران إنشاء برنامج بديل بقيادة فرنسية.
تنبع قدرة أوروبا على ممارسة الضغوط من خلال التهديد بتقييد الوصول إلى السوق الموحدة، وهي أداة لا يمكن لأي إعلان ثنائي أن يوفرها، ففي 5 أكتوبر، اقترح ميرتس وماكرون آلية تتيح تقييد الوصول إلى السوق، حتى قطعه فوراً، حيث يُفترض تفعيلها ما لم تتمكن أغلبية مؤهلة من الحكومات من عرقلتها.
ويمثل هذا التوجه تحولاً في موقف برلين، التي صوّتت ضد فرض الاتحاد الأوروبي رسوماً جمركية على السيارات الكهربائية الصينية في عام 2024، وحذّرت من اندلاع حرب تجارية، فمن شأن اعتماد مبدأ التحرك التلقائي أن يضيّق هامش التردد أمام مثل هذه الخطوات.
لكن التجارب السابقة تدعو إلى الحذر؛ إذ لم يستخدم الاتحاد الأوروبي قط أداة مكافحة الإكراه، التي دخلت حيز التنفيذ في ديسمبر 2023.
مؤشرات الأشهر المقبلة
ستكشف أربعة قرارات خلال الأشهر المقبلة مدى جدوى هذه الموازنة، أولها قرار بكين، التي يُفترض أن ينتهي في 10 نوفمبر تعليقها للقيود على صادرات العناصر الأرضية النادرة، التي فرضتها في أكتوبر 2025.
ولم يشمل تمديد الهدنة الأوسع مع واشنطن، في سبتمبر، هذه القيود، وإذا أعادت بكين فرضها، فستمتد آثارها إلى أجزاء من سلاسل الإمداد اليابانية والكورية التي تصل إلى ألمانيا، إذ ستخضع للتراخيص الصينية، لأن القواعد تشمل السلع المصنّعة في الخارج إذا احتوت على عناصر أرضية نادرة صينية.
أما القرار الثاني فيتعلق بقانون تسريع الذكاء الاصطناعي (IAA)، إذ تسعى أيرلندا، التي تتولى الرئاسة الدورية لمجلس الاتحاد الأوروبي، إلى التوصل لاتفاق بشأنه بحلول منتصف نوفمبر، على أن تصدر الموافقة النهائية العام المقبل.
وسيختبر هذا الجدول الزمني مدى التزام ميرتس بتعهد نقل المخاوف الآسيوية إلى بروكسل، فمن المرجح أن تقيس اليابان وكوريا الجنوبية موقف برلين بنتيجة المفاوضات، لأن حصر تعريف الإنتاج الأوروبي في نطاق ضيق سيحدّ من المكاسب الصناعية العملية للشراكات الجديدة.
أما القرار الثالث، فيتعلق برد المفوضية الأوروبية على الدعوات إلى استحداث أدوات تجارية جديدة، وهي دعوات أيدها قادة الاتحاد خلال قمتهم في منتصف أكتوبر، حيث تعمل المفوضية على إعداد حزمة لتنويع الشراكات التجارية، من المقرر طرحها في ديسمبر.
أما القرار الرابع، فيتعلق ببرنامج القتال الجوي العالمي (GCAP)، إذ ترغب طوكيو في الحصول على قرار ألماني بحلول مطلع عام 2027، فيما أشار ميرتس إلى أن الأمر قد يستغرق وقتاً أطول، ومن شأن انضمام ألمانيا إلى البرنامج أن يقيّد خيارات مشترياتها الدفاعية لعقود، متجاوزاً في أثره الزمني جميع النتائج الأخرى للجولة.
وبعيداً عن هذه القرارات، يُرجح أن تقتصر النتائج على خطوات تدريجية، تشمل إجراء أبحاث مشتركة في مجال المغناطيسات، وتنسيق بناء المخزونات الاستراتيجية، وإبرام اتفاقيات في الصناعات الدفاعية مع شركات كورية جنوبية.
وقد تسهم هذه التدابير في الحد من تعرض ألمانيا لاضطرابات الإمدادات، لكنها لن تغير على الأرجح، تغييراً جوهرياً، اعتمادها على المدخلات المعالجة في الصين أو على الردع النووي الأميركي قبل نهاية العقد.
وبذلك، قد تعزز الشراكات الآسيوية قدرة برلين على الصمود أمام المخاطر، من دون أن تحقق لها استقلالية استراتيجية، غير أن قيمتها على المدى الأطول ستتوقف على قدرة ألمانيا على تحويل التعاون الثنائي إلى قدرات أوروبية وأدوات نفوذ اقتصادي جماعي.
قد تعزز الشراكات الآسيوية صمود برلين لكن استقلاليتها الاستراتيجية تظل رهناً بتحويل التعاون الثنائي إلى قدرات أوروبية ونفوذ اقتصادي جماعي
اقتصادياً، يتطلب ذلك الموازنة بين حماية الصناعة وإتاحة فرص حقيقية للشركاء الآسيويين، مع دعم الأدوات التجارية الأوروبية حتى إن ترتبت على ذلك كلفة على الصناعة الألمانية.
ودفاعياً، يمكن لتعميق التعاون مع الشركاء الآسيويين توسيع القدرات، لكن تقليص الاعتماد على واشنطن يستلزم تعزيزاً كبيراً للقدرات العسكرية الأوروبية.
في المحصلة، من دون إحراز تقدم في المسارين، قد تعزز هذه الموازنة قدرة ألمانيا على مواجهة الضغوط الخارجية، مع بقاء مواطن اعتمادها الأساسية على حالها، فالمشكلة في جوهرها نوعية وليست كمية فحسب؛ إذ لا يمكن لبرلين التخلص من التبعية الاستراتيجية بمجرد تنويع الشركاء.





