تكشف خطة رئيس الوزراء البريطاني، كير ستارمر، للإنفاق الدفاعي، عن تناقض واضح مع رؤيته المعلنة. فقد وصف الطائرات المسيّرة والأنظمة ذاتية التشغيل بأنها “التكنولوجيا الفاصلة في الحروب الحديثة”، إلا أن خطته تمنح هذه التقنيات تمويلاً أقل بكثير من البرنامج الرئيس المتمثل في تطوير مقاتلة شبح مأهولة يُتوقع دخولها الخدمة في أواخر ثلاثينيات هذا القرن.
ويشكّل هذا التفاوت في التمويل جوهر التناقض في الخطة. فقد تحدث ستارمر عن تهديد وشيك، منخفض الكلفة، وغير مأهول، لكنه خصص الجزء الأكبر من الموارد لقدرات عسكرية بعيدة الأمد، مرتفعة الكلفة، وتعتمد على الطواقم البشرية. ويعكس هذا الخيار مفاضلة أساسية في استراتيجية الإنفاق الدفاعي، بين الاستجابة لطبيعة التهديدات التي تواجهها الدولة، والحفاظ على الصناعات الدفاعية والتحالفات التي لا تستطيع التفريط بها. وفي نهاية المطاف، رجحت الأولويات الصناعية كفتها في المجال الجوي.
أرقام خلف الخطاب
ترفع خطة الاستثمار الدفاعي ” DIP” الإنفاق الدفاعي السنوي بشكل حاد، وتُلزم بريطانيا بتحقيق أهداف حلف شمال الأطلسي “الناتو” المتعلقة بزيادة الناتج المحلي الإجمالي حتى ثلاثينيات القرن الحالي. وقد رحب الأمين العام لحلف الناتو، مارك روته، بهذه الخطة، بينما حثّ الحلفاء على تجنب تحميل العقد المقبل بأكبر الزيادات. إلا أن الأموال المخصصة لهذه الخطة ليست مستقرة كما يوحي الإعلان. فنحو ثلث الزيادة لا يملك مصدر تمويل، وينتظر ميزانية الخريف، وهو قرار متروك لخليفة ستارمر.
الأموال المخصصة لهذه الخطة ليست مستقرة كما يوحي الإعلان فنحو ثلث الزيادة لا يملك مصدر تمويل وينتظر ميزانية الخريف وهو قرار متروك لخليفة ستارمر
أما التعويضات، فلها أبعادها السياسية الخاصة، إذ تُستمد من تخفيضات في ميزانيات وزارات أخرى ومشاريع النقل والطاقة. وتعتمد الخطة، التي رُوّج لها على أنها ضمانة للصناعة، جزئياً على خيارات لم يتخذها أحد بعد.
وفي إطار التسوية المالية التي تقترب قيمتها من “300 مليار جنيه إسترليني” على مدى أربع سنوات، يحصل برنامج الطيران القتالي العالمي “جي كاب”، وهو مقاتلة الجيل السادس المأهولة التي تطورها بريطانيا بالتعاون مع إيطاليا واليابان لتحل محل مقاتلات “تايفون”، على “8.6 مليارات جنيه إسترليني”.
أما الطائرات المسيّرة والأنظمة ذاتية التشغيل، التي وصفها ستارمر بأنها “التكنولوجيا الفاصلة في الحروب الحديثة”، فتحصل مجتمعة على ما يزيد قليلاً على “5 مليارات جنيه إسترليني”. وبذلك يحصل البرنامج المأهول على تمويل أكبر بكثير من الجهود غير المأهولة. وتُستثنى من ذلك استثمارات أخرى ضمن برنامج الاستثمار الدفاعي، من الذخائر إلى البنية التحتية البحرية. كما يُستثنى تجديد الردع النووي، الذي يفصله غرضه الاستراتيجي عن استثمارات القوات التقليدية.

ولا تتجاهل بنود الخطة ما كشفته ساحات القتال؛ فميزانية الذخائر تعكس أبرز دروس الحرب الأوكرانية، والمتمثل في أن حجم المخزونات تحدد القدرة على الصمود. لكن ميزانية القوات الجوية فتكشف اتساع الفجوة بين العقيدة العسكرية وأولويات الإنفاق. وتظهر الفجوة الأكبر داخل هذه الميزانية تحديداً؛ إذ تقدم وزارة الدفاع البريطانية برنامج “جي كاب” باعتباره جزءاً من منظومة أوسع، يعمل إلى جانب طائرات قتالية تعاونية ذاتية التشغيل.
تعكس ميزانية الذخائر أبرز دروس الحرب الأوكرانية وهو أن حجم المخزونات ما يحدد القدرة على الصمود لكن موازنة القوات الجوية فتكشف اتساع الفجوة بين العقيدة العسكرية وأولويات الإنفاق
إلا أن الخطة تخصص لهذه الطائرات “300 مليون جنيه إسترليني” فقط، مقابل “8.6 مليارات جنيه إسترليني” لبرنامج “جي كاب” وبالتالي، فإن فكرة “منظومة الأنظمة” تستند إلى اختلالٍ في التوازن بنسبة 30 إلى 1 تقريبًا داخل المنظومة نفسها.
رؤية متناقضة للتهديد
تتناقض الأمثلة التي استشهد بها ستارمر مع جعل القدرات المأهولة محوراً رئيسياً للخطة. فقد صعدت قوات مشاة البحرية الملكية إلى ناقلة النفط التابعة لأسطول الظل” سمرتوس” في القناة الإنجليزية قبل أسبوعين من إلقاء الخطاب، في عملية اعتمدت على فرق اقتحام وسفن دعم. وفي أبريل، تابعت فرقاطات، من بينها “إتش إم إس سانت ألبانز”، إلى جانب مروحيات “ميرلين” وطائرات “بي-8 بوسيدون” ، عملية روسية سرية لغواصة قرب مسارات الكابلات شمال بريطانيا. ولم تتطلب أي من المهمتين استخدام مقاتلة.
ويشير نزاعان قائمان إلى الاتجاه نفسه؛ فقد تمكنت أوكرانيا من إضعاف جيشاً روسياً يفوقها عدداً بكثير من خلال دمج الطائرات المسيّرة وتسريع الإنتاج. كما تقر الخطة نفسها بأن الأنظمة الدقيقة ذات الإنتاج الكمي أصبحت تهيمن على ساحات القتال. وتزوّد بريطانيا كييف بأعداد كبيرة من الطائرات المسيّرة، وهو تعهد يستشهد به الوزراء باعتباره دليلاً على تحولهم في هذا الاتجاه.
كما عززت الحرب ضد إيران البعد الاقتصادي لهذا التحول؛ إذ أطلقت طهران أسراباً من الطائرات المسيّرة والصواريخ الباليستية عبر المنطقة، بما في ذلك هجوم استهدف قاعدة سلاح الجو الملكي “أكروتيري”. ودفع هذا القصف سلاح الجو الملكي البريطاني إلى تسليح مقاتلات “تايفون” بصواريخ “إيه بي كيه دبليو إس” الرخيصة الموجهة بالليزر، لمواجهة أهداف كانت تتطلب سابقاً صواريخ تبلغ كلفتها مئات الآلاف من الجنيهات.
وسجلت مقاتلة بريطانية من طراز “إف-35 بي” أول إسقاط قتالي لها فوق الأردن، عندما أسقطت طائرة مسيّرة باستخدام صاروخ صُمم أساساً لمواجهة مقاتلات معادية. كما دمرت مقاتلة “تايفون” تابعة لسلاح الجو الملكي، كانت تعمل ضمن السرب المشترك البريطاني-القطري 12، طائرة مسيّرة أخرى كانت تستهدف قطر. وهكذا، حققت أكثر الطائرات تطوراً في الخدمة البريطانية أولى انتصاراتها القتالية عبر إسقاط أرخص سلاح في ترسانة إيران.
حققت أكثر الطائرات تطوراً في الخدمة البريطانية أولى انتصاراتها القتالية عبر إسقاط أرخص سلاح في ترسانة إيران
وتمتد الشكوك بشأن توازن الخطة إلى داخل أروقة الحكومة نفسها. فقد استقال وزير القوات المسلحة، آل كارنز، ووزير الدفاع، جون هيلي، في أوائل يونيو، على خلفية الترتيبات المالية التي تستند إليها الخطة. ورأى كارنز أن معظم مخصصات الميزانية تذهب إلى منصات عسكرية تقليدية لن تدخل الخدمة قبل مرور عقد من الزمن. كما حذّر هيلي في رسالة استقالته من تركّز الزيادات الكبيرة في الإنفاق خلال ثلاثينيات هذا القرن. ومع ذلك، سارت الخطة في الاتجاه ذاته، إذ أبقت مستويات الإنفاق ثابتة حتى أواخر العقد الحالي، وأرجأت الزيادات الأكبر إلى السنوات البعيدة المقبلة.
في المقابل، انتقد وزير الدفاع في حكومة الظل، جيمس كارتليدج، الخطة من زاوية مختلفة، مشيراً إلى أنها لا توفر سوى نحو نصف مبلغ “28 مليار جنيه إسترليني” الذي يُعتقد أن رئيس أركان الدفاع، السير ريتش نايتون، كان قد طلبه. وينصب أحد الانتقادات على تركيبة الإنفاق، بينما يركز الآخر على حجمه. ويشير التوافق بين هذين الانتقادين إلى أن اختلال التوازن في الخطة مشكلة هيكلية، وليست مجرد خلاف حزبي.
استثناء جزئي في البحر
تُظهر البحرية الملكية البريطانية نموذجاً مختلفاً عن المسار العام للخطة. فقد ألغت الحكومة مشروع المدمرة “تايب 83” المخطط لها، واستبدلته بسفن قتالية مشتركة قابلة للتكيف، تعمل كمراكز قيادة لطائرات ومركبات غير مأهولة فوق سطح البحر وتحته. ووصف ستارمر النتيجة بأنها “بحرية هجينة”، تضم فرقاطات مأهولة تعترض سفينة روسية، فيما تحيط بها وسائل غير مأهولة للدعم والاستطلاع. كما ستتولى فرقاطات جديدة مضادة للغواصات، يجري بناؤها بالتعاون مع النرويج، مهمة تعقب الغواصات الروسية في المياه الشمالية المشتركة.
ويُعد المجال البحري أوضح مثال في الخطة على مواءمة التهديدات مع الإنفاق. فمشروع “حصن الأطلسي” الذي أُطلق في ديسمبر 2025، جاء استجابة مباشرة لسفينة التجسس الروسية “يانتار” ولأسطول ” جوجي” الروسي السري. وقد أمكن إعادة توجيه المسار في المجال البحري لأن أياً من العوامل لم يكن يقيّده؛ إذ كان مشروع “تايب 83” لا يزال مجرد تصور على الورق، ولم يكن مرتبطاً بالتزامات تجاه حلفاء، وبالتالي فإن إلغاءه لم يترتب عليه سوى تكلفة محدودة داخلياً وخارجياً. أما المجال الجوي فلا يوفر هذه المرونة، وهذا الاختلاف يفسر بدرجة كبيرة حالة عدم الاتساق الظاهرة في الخطة.
لماذا تستمر المنصات التقليدية؟
تفسر عوامل هيكلية وأخرى ظرفية معاً سبب استمرار البرامج العسكرية المتقدمة لفترة أطول من التهديدات التي برّرت ظهورها في الأصل. وتشمل العوامل الهيكلية المعاهدات الملزمة، والاعتماد على الصناعات الدفاعية، والادعاءات المتعلقة بامتلاك قدرات سيادية، وهي عوامل تتجاوز عمر أي حكومة. أما العوامل الظرفية في هذه الحالة، فتتمثل في ضعف موقف رئيس الوزراء والموعد المحدد للقمة.
تفسر عوامل هيكلية وأخرى ظرفية معاً سبب استمرار البرامج العسكرية المتقدمة لفترة أطول من التهديدات التي برّرت ظهورها في الأصل
يجسّد برنامج المقاتلة “جي كاب” هذه المعضلة الهيكلية؛ إذ تربط المعاهدة بريطانيا بإيطاليا واليابان، اللتين تحتاجان إلى هذه الطائرة بحلول منتصف ثلاثينيات القرن الحالي، وقد تنظران إلى أي تأخير بريطاني باعتباره إخلالاً بالالتزام. كما يدعم البرنامج آلاف الوظائف المتخصصة، ويحافظ على آخر مطالبة لبريطانيا بامتلاك قدرة سيادية على تصميم الطائرات القتالية. وسيؤدي التخلي عنه إلى نقل هذه القدرة بشكل دائم إلى الحلفاء.
ويمتلك المدافعون عن القوة الجوية المأهولة حجة عسكرية حقيقية؛ إذ لا تزال أي منظومة ذاتية التشغيل غير قادرة على اختراق مجال جوي محمي في مواجهة قوة جوية ندّية. وقد يتطلب ردع روسيا حتى أربعينيات هذا القرن امتلاك مثل هذه القدرات. لكن حتى مع التسليم بهذه الحجة، فإن ترتيب الأولويات يظل موضع إشكال؛ فالتهديد الذي وصفه ستارمر بأنه قائم حالياً يحدث دون المستوى الذي تستطيع مقاتلة لن تدخل الخدمة قبل عام 2035 التعامل معه. فأساليب الضغط في المنطقة الرمادية لا تنتظر ظهور طائرات شبحية.
كما أن التجربة التاريخية تثير الشكوك بشأن الجداول الزمنية؛ فقد حلّقت الطائرة التجريبية لمقاتلة تايفون عام 1986، لكنها لم تدخل الخدمة إلا عام 2003. ويواجه برنامج “جي كاب” خطر تكرار الفجوة نفسها، أي امتداد عقود بين التهديد الذي برّر تطويره وبين القدرة العسكرية التي ستصل فعلياً إلى الخدمة.
لقد ساهمت الظروف السياسية الآنية في حسم شكل الاتفاق النهائي. فكان ستارمر بحاجة إلى إقرار الخطة قبل افتتاح قمة “الناتو” في أنقرة في 7 يوليو 2026، وهو موعد لم يكن يسمح بإعادة فتح الالتزامات القائمة، بل دفع نحو الحفاظ عليها. وبقيت مخصصات الطيران العسكري كاملة دون خفض. في المقابل، تواجه طائرات الاستطلاع “شادو آر 1” ومروحيات “شينوك” الأقدم إحالة مبكرة إلى التقاعد، مع نقل مهام جمع المعلومات الاستخباراتية التي كانت تضطلع بها إلى الطائرات المسيّرة. وهكذا، تتبنى الخطة الأنظمة الذاتية في مهام الاستطلاع، لكنها تحافظ على المقاتلة المأهولة في مهام القتال الجوي.
ساهمت الظروف السياسية الحالية في حسم شكل الاتفاق النهائي فكان ستارمر بحاجة إلى إقرار الخطة قبل قمة أنقرة وهو موعد لم يكن يسمح بإعادة فتح الالتزامات القائمة بل دفع نحو الحفاظ عليها
وتحافظ الخطة على منصات المستقبل جزئياً من خلال تقليص قدرات القوة الحالية. وقد توقع وزير الدفاع البريطاني السابق بن والاس هذا المسار قبل نشر الخطة، معتبراً أن وزارة الخزانة لا تستطيع تمويل الغواصات، والمقاتلة الجديدة، والجيش في الوقت نفسه. لذلك، رأى أن النتيجة المرجحة ستكون تآكلاً تدريجياً للقدرات العسكرية يُقدَّم على أنه إعادة تموضع استراتيجي. وتشير قرارات الإحالة المبكرة إلى التقاعد إلى أن تقديره كان قريباً من الواقع.
ويمتد هذا النمط أيضاً إلى قدرات الضربات بعيدة المدى؛ إذ تتجه الخطة إلى إحالة صاروخ ستورم شادو التقليدي إلى التقاعد، والانتقال نحو قدرات ضرب دقيقة أقل تكلفة وأكثر عدداً. أما خليفته، عائلة صواريخ “إم بي دي إيه ستراتوس”، فما زال قيد المراجعة حتى سبتمبر.
تحذير “أجاكس”
يشكّل برنامج مركبة الاستطلاع العسكرية “أجاكس”، الذي يعاني من مشكلات متكررة، مثالاً تحذيرياً يكتمل به مشهد الاختلال في الخطة. فقد فازت شركة “جنرال دايناميكس” بالعقد عام 2010، وكان من المقرر تسليم المركبات ابتداءً من عام 2017، إلا أن مشكلات الضوضاء والاهتزاز تسببت في إصابة أفراد الطواقم خلال عقد من الاختبارات. وأعلن الجيش البريطاني تحقيق القدرة التشغيلية الأولية للمركبة في نوفمبر 2025، قبل أن يعلّق تشغيل الأسطول بعد أسابيع قليلة، إثر إبلاغ جنود عن ظهور أعراض صحية خلال تدريبات ميدانية.
وقال آل كارنز أمام البرلمان قبل استقالته إن برنامج “أجاكس” تجاوز الميزانية، لكنه عاد وصحح تصريحه بعد أيام، موضحاً أن البرنامج لم يتجاوز تكلفته المقررة، وإنما كانت متطلباته مصاغة بشكل مبالغ فيه. وأضاف أن الحرب في أوكرانيا أظهرت أن الحروب الحديثة تتجاوز بكثير الاعتماد على المركبات المدرعة.
وبمجرد إبرام العقود وتخصيص الأموال، يصبح إلغاء البرامج مكلفاً ولا يتيح استرداد سوى جزء محدود من النفقات، ما يؤدي إلى تحول التفاؤل المؤسسي إلى سياسة فعلية، واستمرار البرامج المتعثرة في مسارها. وقد وثّق مكتب التدقيق الوطني ولجنتان في مجلس العموم هذا النمط على مدى سنوات، من دون أن يؤدي ذلك إلى تغييره.
راينميتال الألمانية نموذجاً موازياً
لا تنفرد بريطانيا بهذا الوضع؛ إذ يشبه موقف شركة “ بي إيه إي سيستمز ” في بريطانيا وضع شركة راينميتال في ألمانيا، فهي مقاول دفاعي رئيسي يعتمد سجل طلباته على برامج تمتد لعقود، وتبقى قائمة رغم تعاقب الحكومات. وهناك أيضاً يتكرر الصراع بين الشركات الراسخة والمنافسين الجدد، ولكن بصورة أكثر حدّة.
يشبه موقف شركة ” بي إيه إي سيستمز ” في بريطانيا وضع شركة راينميتال في ألمانيا فهي مقاول دفاعي رئيسي يعتمد سجل طلباته على برامج تمتد لعقود وتبقى قائمة رغم تعاقب الحكومات
ويكشف سجل المشتريات الدفاعية في برلين ما الذي تمنحه المكانة الراسخة للشركات الكبرى. ففي أواخر عام 2025، وزّعت القوات المسلحة الألمانية طلبية كبيرة للذخائر الانتحارية بين شركة راينميتال وشركتين ناشئتين هما هيلسينغ وستارك ديفنس. إلا أن الاختبارات الميدانية كشفت نقاط ضعف لدى الشركات الثلاث؛ إذ أخفقت طائرة فيرتوس التابعة لشركة “ستارك” إصابة أهدافها خلال تجارب في كينيا وبالقرب من مونستر، حيث تحطمت إحدى الطائرات واشتعلت النيران في أخرى. أما تصميم “هيلسينغ ” الأحدث فكان أداؤه أفضل، لكنه لم يحقق النتائج المطلوبة بالكامل.
وبحسب تقارير، لم تكن “راينميتال” قد قدمت نموذجاً تجريبياً عاملاً حتى يناير 2026، رغم المضي قدماً في العقود التي منحت الشركتين الناشئتين مبالغ كبيرة. ويشير ذلك إلى أن النفوذ والموقع المؤسسي، وليس الأداء وحده، ساهما في تحديد مسار التمويل.
ويمتد نفوذ راينميتال في برلين إلى ما هو أبعد من العقود؛ إذ يعتمد وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس على الشركة ضمن خطته لجعل القوات المسلحة الألمانية “البوندسفير” أكثر استعداداً للحرب. كما ترتبط سلسلة توريد الشركة بشكل متزايد بصناعة السيارات الألمانية المتراجعة، حيث يأتي جزء كبير من مورديها داخل ألمانيا من قطاع السيارات.
وفي وقت لاحق، خفّض المشرعون الألمان بنحو النصف إطاراً طويل الأمد لشراء الطائرات الهجومية المسيّرة، بسبب المخاوف من الالتزامات المالية المفتوحة. وفي المقابل، تعمل “راينميتال”، التي تمتلك سجلاً ضخماً من الطلبات، على دخول مجال الطائرات المسيّرة نفسها للحفاظ على موقعها. ويمتد هذا الجدل إلى بريطانيا من خلال الخطة الدفاعية، التي تلزم لندن بالتعاون مع ألمانيا في تطوير قدرات الضربات الدقيقة، ما يعني انتقال جزء من السياسة الصناعية الألمانية إلى منظومة المشتريات الدفاعية البريطانية.

معيار القوى العظمى
بالمقارنة مع الولايات المتحدة والصين، تبدو النقاشات الأوروبية حول الإنفاق الدفاعي محدودة الطموح. فوزارة الدفاع الأمريكية تضخ عشرات المليارات من الدولارات في تقنيات الحرب الذاتية والطائرات المسيّرة، بهدف واضح يتمثل في إغراق أي مواجهة محتملة في مضيق تايوان بأعداد كبيرة من الأنظمة القتالية الذاتية.
وفي الوقت نفسه، تخطط أوكرانيا لإنتاج طائرات مسيّرة هذا العام بوتيرة لا تضاهيها أي دولة أوروبية. أما الولايات المتحدة، فتتجاوز المعضلة التي تواجهها أوروبا بفضل ضخامة ميزانيتها، إذ تستطيع تمويل المنصات العسكرية المتطورة مرتفعة الكلفة، إلى جانب الأنظمة منخفضة التكلفة وعالية الكثافة، في آنٍ واحد.
وحتى ألمانيا، رغم الجدل الدائر حول سياسات المشتريات الدفاعية فيها، تعتزم إنفاق نسبة من ناتجها المحلي الإجمالي على الدفاع تفوق ما تخطط له بريطانيا. ومع ذلك، فإن المبالغ التي تخصصها كل من برلين ولندن للطائرات المسيّرة، رغم وصفها محلياً بأنها “تاريخية”، لا تمثل سوى محاولة لتعويض سنوات من نقص التمويل، ولا ترقى إلى مستوى الاستثمارات التي تضخها القوى المنافسة.
وتشير مبادرة بريطانيا الجديدة لتمويل صادرات الصناعات الدفاعية، إلى جانب مشاركتها في الآلية الدفاعية متعددة الأطراف، إلى أن لندن تدرك أهمية المنافسة الصناعية في المجال العسكري، إلا أن تطوير القدرات العسكرية الفعلية لا يزال متأخراً عن هذا الإدراك.
رهان مؤجل
تنطوي الخطة على رهان ضمني مفاده أن بريطانيا ستظل بحاجة إلى مقاتلة شبحية مأهولة من الجيل السادس عند دخول برنامج “جي كاب” الخدمة في أواخر ثلاثينيات القرن الحالي. لكن إذا استمرت تقنيات الأنظمة الذاتية في التطور بالوتيرة الحالية، فقد تجد لندن نفسها تستثمر في منصة صُممت لتلبية متطلبات مرحلة سابقة من تطور الحروب. ففي الوقت الذي ينجح فيه المصنعون الأوكرانيون في تطوير نماذج جديدة من الطائرات المسيّرة خلال أشهر، تستغرق “وايتهول” سنوات لإعادة تقييم القدرات العسكرية. ويمثل هذا التفاوت بين سرعة الابتكار وبطء منظومة المشتريات الدفاعية المشكلة البنيوية الأساسية التي لم تعالجها الخطة، أكثر من أي قرار يتعلق ببرنامج تسليح بعينه.
إذا استمرت تقنيات الأنظمة الذاتية في التطور بالوتيرة الحالية فقد تجد لندن نفسها تستثمر في منصة صُممت لتلبية متطلبات مرحلة سابقة من تطور الحروب
ويقدّم ستارمر هذه الخطة باعتبارها الحد الأدنى الذي سيرثه خليفته، المتوقع أن يكون “آندي بورنهام” خلال أسابيع. وسيواجه الأخير تحديات عدة، أبرزها توفير التمويل للثلث غير الممول من الزيادة في الإنفاق الدفاعي، وحسم مصير برنامج “أجاكس”، وإدارة الانقسام داخل الحزب بشأن حجم الإنفاق الدفاعي.
ومن المرجح أن تعيد كل مراجعة مستقبلية للإنفاق الدفاعي فتح النقاش حول الفجوة بين طبيعة التهديدات التي تواجهها بريطانيا والقدرات العسكرية التي تستثمر فيها. كما أن أي محاولة لإعادة توجيه الإنفاق ستصطدم بالضغوط نفسها التي شكلت هذه الخطة، سواء من جانب إيطاليا واليابان الساعيتين إلى حماية التزاماتهما في برنامج “جي كاب”، أو من جانب شركة ” بي إيه إي” الحريصة على الحفاظ على سجل طلباتها.
وفي المحصلة، التزمت بريطانيا بإنفاق يقارب “300 مليار جنيه إسترليني” لإعادة تسليح قواتها المسلحة، لكن ما إذا كانت قد حققت التوازن الصحيح بين متطلبات المستقبل واحتياجات الحاضر، فهو سؤال لن تحسمه إلا السنوات المقبلة ما لم تحسمه الحرب القادمة قبل ذلك.



