مغامرة الناتو الدستورية على الجناح الشمالي

تقرير
طاقم غواصة بقاعدة فاسلين البحرية في اسكتلندا. (أ ف ب)
طاقم غواصة بقاعدة فاسلين البحرية في اسكتلندا. (أ ف ب)
ﺷﺎرك

بدأت حركة الملاحة البحرية تتجه تدريجياً نحو الشمال، في ظل استمرار إغلاق مضيق هرمز إلى حدٍّ كبير، وفرض جماعة الحوثي قيوداً على حركة الشحن السعودية عبر مضيق باب المندب، عقب سيطرتها على الساحل اليمني المطل على البحر الأحمر، حيث شرعت شركات شحن صينية في اعتماد ممرات بحرية جديدة تربط بين شرق آسيا وأوروبا، مروراً بالمياه القريبة من روسيا.

ومع تراجع موثوقية الممرات البحرية التقليدية في الجنوب، تزداد الأهمية الاستراتيجية للممرات الشمالية، وهنا تبرز اسكتلندا بوصفها نقطة جغرافية بالغة الأهمية بالنسبة إلى حلف شمال الأطلسي “الناتو” لمراقبة حركة الملاحة القادمة عبر تلك الممرات، غير أن هذا التحول الجغرافي يتزامن مع عودة حالة من عدم اليقين السياسي والدستوري داخل المملكة المتحدة، في ظل تجدد النقاش حول مستقبل اسكتلندا وويلز وأيرلندا الشمالية.

في 14 سبتمبر 2026، وقّع أربعة من قادة أبرز الأحزاب في اسكتلندا وويلز وأيرلندا الشمالية مذكرة تفاهم في كارديف، دعوا فيها الحكومة البريطانية إلى الاستعداد لتغيير دستوري، من دون أن تفرض المذكرة أي التزام على أطرافها.

وقد استبعدت الحكومة البريطانية بالفعل إجراء أي استفتاء قبل توقيعها، إذ تكمن أهميتها في توقيتها وما تتزامن معه، حيث تواصل بريطانيا وحلفاؤها ضخ استثمارات في بنية تحتية دفاعية يصعب التراجع عنها في أراضٍ أُعيد فتح النقاش حول وضعها الدستوري، بالتزامن مع تزايد القيمة الاستراتيجية للممرات الشمالية.

تواصل بريطانيا وحلفاؤها ضخ استثمارات دفاعية يصعب التراجع عنها في أراضٍ أُعيد النقاش حول وضعها الدستوري بالتزامن مع تزايد القيمة الاستراتيجية للممرات الشمالية

تمتد خطط الدفاع لسنوات وعقود مقبلة، فيما لن تدخل الالتزامات التي جرى التعهد بها هذا العام حيز التنفيذ الفعلي قبل ثلاثينيات القرن الحالي، وفي ظل غياب موعد نهائي واضح لحسم هذه المسألة، يجد المخططون أنفسهم أمام صعوبة في تقدير تكلفتها بدقة، أو تحديد انعكاساتها على خطط الدفاع والإنفاق المستقبلية.

 الثقل العملي للإعلان

يحمل الموقّعون على الإعلان ثقلاً سياسياً أكبر من الوثيقة نفسها، فجوني سويني يقود الحزب الوطني الاسكتلندي ويشغل منصب رئيس وزراء اسكتلندا، أما رَهون أب يورورث، فيقود حزب بلايد كيمرو، وأصبح رئيساً لوزراء ويلز في مايو، كما تشغل ميشيل أونيل منصب رئيسة وزراء أيرلندا الشمالية ونائبة رئيس حزب شين فين، حيث وقّعت إلى جانبهم ماري لو ماكدونالد، رئيسة شين فين وزعيمة المعارضة في البرلمان الأيرلندي.

وقّع رؤساء الوزراء الثلاثة على الإعلان بصفتهم قادة أحزاب، ما يُبقي الوثيقة خارج نطاق السياسة الحكومية الرسمية، حيث يتناول نص المذكرة الاقتصاد والطاقة والتعاون الدولي وتقرير المصير، حيث اتهمت إيما ليتل-بنغيلي، نائبة رئيسة وزراء أيرلندا الشمالية، أونيل باستخدام منصبها من دون تفويض من السلطة التنفيذية.

تبدو الأرقام الداعمة للاستقلال اليوم متماسكة، وإن كانت لا تمنح مؤيديه أغلبية حاسمة، ففي اسكتلندا، حصل الحزب الوطني الاسكتلندي على 58 مقعداً من أصل 129 في البرلمان الاسكتلندي هوليرود خلال انتخابات مايو، بفارق سبعة مقاعد عن تحقيق الأغلبية، حيث يعزز أعضاء حزب الخضر، المؤيدون للاستقلال، ثقل هذا المعسكر داخل البرلمان.

أما في ويلز، فيحكم حزب بلايد كيمرو من موقع حكومة الأقلية، إذ يشغل 43 مقعداً من أصل 96 في البرلمان الويلزي “السنيد”.

لكن الحكومة البريطانية أغلقت هذا المسار، حيث قال رئيس الوزراء آندي بيرنهام أمام مجلس العموم: إن “إجراء استفتاء اسكتلندي جديد يمكن أن يمضي قدماً إذا توافر توافق شعبي واضح”، وذلك قبل أن يبعث برسالة إلى سويني يؤكد فيها عدم وجود مثل هذا التوافق.

من دون إصدار “أمر المادة 30″، وهي الآلية التي تنقل صلاحيات إجراء الاستفتاء إلى إدنبرة، لا يستطيع هوليرود سن تشريع لإجراء استفتاء ملزم، حيث أقر هوليرود مذكرة تطالب بإصدار الأمر بأغلبية 72 صوتاً مقابل 55، دون أن يترتب على ذلك أي تغيير، وعقب توقيع إعلان كارديف، أعادت الحكومة البريطانية التأكيد على أن إجراء الاستفتاءات لا يزال مستبعداً.

ما يغيّره هذا الإعلان هو الإطار الزمني للنزاع؛ فالقضية التي كانت محصورة إلى حدٍّ كبير في السابق داخل أروقة السياسة الاسكتلندية، باتت اليوم حاضرة بصورة مستمرة على أجندات ثلاث إدارات، لكل منها جدول زمني مختلف.

حدد سويني عام 2031 موعداً مستهدفاً، فيما استبعد أب يورورث إجراء استفتاء في ويلز قبل عام 2030، أما أيرلندا الشمالية، فتسير وفق جدول زمني ثالث تحكمه الأطر القانونية، وهذا التباين يؤدي في المواعيد إلى إطالة أمد الفترة التي يتعين خلالها على المخططين التعامل مع مسألة التسوية الدستورية باعتبارها ملفاً مفتوحاً لم يُحسم بعد.

جغرافيا بلا بديل

يفرض نظام الردع النووي البريطاني القيد الأكثر تعقيداً، وهو ما تفرضه الجغرافيا ذاتها، فعندما اتُّخذ القرار الأول بشأن مواقع تمركز المنظومة عام 1963، جرى تحديد عشرة مواقع اعتُبرت صالحة لاستضافتها؛ ستة منها في اسكتلندا، وواحد في ويلز، في ميلفورد هافن، وثلاثة في إنجلترا، حيث لا تزال فاسلين وكولبورت المنشأتين البريطانيتين الوحيدتين القادرتين على استضافة الغواصات النووية ورؤوسها الحربية لفترات زمنية ممتدة.

لا تزال فاسلين وكولبورت المنشأتين البريطانيتين الوحيدتين القادرتين على استضافة الغواصات ورؤوسها الحربية لفترات زمنية ممتدة

تزداد المهمة تعقيداً عند التعامل مع الرؤوس الحربية، إذ يقع رصيف مناولة المتفجرات في كولبورت على بُعد نحو ميلين من أقرب التجمعات السكنية، فمن غير المرجح أن تسمح الجهات التنظيمية بتنفيذ عمليات مماثلة في ديفونبورت، نظراً إلى وقوعها داخل مدينة يبلغ عدد سكانها نحو 250 ألف نسمة، أما ميلفورد هافن، فلن تكون قادرة على الاضطلاع بهذا الدور إلا في حال إغلاق منشآت النفط والغاز القائمة فيها.

الغواصة "إتش إم إس فيجيلانت" من فئة "فانغارد" في قاعدة "كلايد" البحرية الملكية. (أ ف ب)
الغواصة “إتش إم إس فيجيلانت” من فئة “فانغارد” في قاعدة “كلايد” البحرية الملكية (أ ف ب)

تفرض تجربة البرنامج الأصلي إطاراً زمنياً واضحاً؛ فقد استغرق إنشاء منشآت “ترايدنت” في فاسلين وكولبورت 13 عاماً، بتكلفة بلغت نحو 1.9 مليار جنيه إسترليني بأسعار عام 1994، ولم يتجاوزها آنذاك من حيث التكلفة سوى مشروع نفق القناة.

منذ ذلك الحين، ازدادت مسافات الأمان المطلوبة للتعامل مع المتفجرات، في حين باتت منشآت التخزين اللازمة اليوم تتطلب مساحة تفوق ما خُصص لمنظومة “بولاريس”، حيث تتزامن أي عملية لنقل المنظومة مع مرحلة يُتوقع أن يشهد فيها الإنفاق النووي ارتفاعاً كبيراً، إذ قد يستحوذ القطاع النووي على ما بين 20% و25% من إجمالي ميزانية الدفاع بحلول أواخر عشرينيات القرن الحالي.

على النقيض من ذلك، يطرح الوزراء الاسكتلنديون موقفاً مختلفاً، فهم يؤكدون أن اسكتلندا تضم 62% من المياه الإقليمية للمملكة المتحدة، رغم أنها لا تستضيف أي سفن سطحية تابعة للبحرية الملكية، وأن أمنها التقليدي عومل باعتباره مسألة ثانوية، ويُواجه هذا الطرح باعتراض، إذ تتمركز زوارق الدورية وقوات مكافحة الألغام في منطقة كلايد، ومع ذلك، فإنه يعطي مؤشراً على أولويات أي حكومة لاحقة، حيث تقضي خطط الحزب الوطني الاسكتلندي بتحويل فاسلين إلى مقر قيادة بحرية تقليدية.

يظل الانتقال عبر التفاوض خياراً ممكناً، لكنه يبقى هشاً ومعقداً، حيث استأجرت روسيا قاعدة سيفاستوبول عام 1997 بموجب اتفاقية تمتد 20 عاماً، قبل أن تُمدد لاحقاً حتى عام 2042، غير أن العلاقات بين الجانبين انهارت عام 2014.

يرى محللون، منذ سنوات، أن الردع النووي البريطاني سيظل متمركزاً على نهر كلايد لنحو عقد أو أكثر بعد أي تصويت، ما يجعل هذه الفترة موضع الخطر الأكبر؛ إذ ستبقى قضايا الوصول، والاختصاص القضائي، وعضوية التحالفات، من بين الملفات التي لم يُحسم وضعها بعد.

استثمارات كبيرة وسياسة غير محسومة

تتعارض الاستثمارات بصورة مباشرة مع هذا الانكشاف السياسي، إذ تتعهد خطة الاستثمار الدفاعي بإنفاق 298 مليار جنيه إسترليني على مدى أربع سنوات، مع تثبيت الإنفاق الأساسي المؤهل وفق معايير الناتو عند 2.7% من الناتج المحلي الإجمالي اعتباراً من 2027-2028.

وكان جون هيلي، الذي يشغل الآن منصب وزير الخزانة، قد استقال من منصب وزير الدفاع في يونيو، حيث قال في خطاب استقالته: إن “رئيس الوزراء لم يتمكن من الالتزام بالموارد التي تحتاج إليها البلاد، وإن وزارة الخزانة لم تكن مستعدة لذلك”.

تستحوذ اسكتلندا على النصيب الأكبر من البنية التحتية الناجمة عن هذه الاستثمارات، حيث تحصل قاعدة “إتش إم إن بي كلايد” البحرية الملكية على 15.1 مليار جنيه إسترليني ضمن برنامج بقيمة 26 مليار جنيه إسترليني لتطوير القواعد البحرية، في موقع يعمل فيه أكثر من 6,500 شخص، وتموّل هذه الاستثمارات البنية التحتية الخاصة بغواصات فئة “دريدنوت” وغواصات الهجوم”SSN-AUKUS” إلى جانب ثلاثة أرصفة عائمة في فاسلين.

كما اشترت وزارة الدفاع محطة فينارت النفطية بهدف توسيع القدرة السيادية على تخزين الوقود، وأكدت عقوداً بقيمة 240 مليون جنيه إسترليني لأعمال الإدامة الخاصة بالطائرات المتمركزة في لوسيماوث، ويتميز هذا النوع من الإنفاق الرأسمالي بارتباطه بمواقع محددة، ولا يمكن نقله بسهولة بعد ضخ الاستثمارات، حيث لم يُموَّل أي موقع بديل كإجراء تحوطي.

 الإنفاق الرأسمالي من هذا النوع يتميز بارتباطه بمواقع محددة ولا يمكن نقله بسهولة بعد ضخ الاستثمارات ولم يُموَّل أي موقع بديل كإجراء تحوطي

تمتد آفاق التصنيع على مدى زمني طويل، ما يعمّق هذا التباين، إذ يستغرق بناء كل فرقاطة من طراز “تايب 26” نحو 66 شهراً، وتتوقع شركة “بي إيه إي سيستمز” تسليم فرقاطة واحدة سنوياً اعتباراً من السفينة الخامسة، حيث توازن الشركات الموردة بين الاستثمار في زيادة قدراتها الإنتاجية وبين آفاق العقود الممتدة لهذه المدة.

أما العمالة الماهرة فتتجه إلى المواقع التي يُنظر إليها باعتبارها أكثر استقراراً، حيث يضع الشركاء في دول الحلفاء المخاطر السياسية في الحسبان عند تحديد جداول تسليم لا يملكون التحكم فيها.

تمتد آثار نظام الحكم المفوض بالفعل إلى برامج تقع ضمن اختصاص الحكومة المركزية، ففي إحدى الحالات، رفضت “إنتربرايز إسكتلندا” منحة بقيمة 2.5 مليون جنيه إسترليني لإنشاء منشأة للحام الغواصات على نهر كلايد، استناداً إلى سياسة الذخائر، قبل أن تتولى الحكومة البريطانية تمويل المشروع، وفي سبتمبر 2025، رفعت حكومة سويني القيود المفروضة، إلا أن الشركات اضطرت إلى الانتظار أربعة أشهر للحصول على التوجيهات اللازمة لتنفيذ القرار، إذ لا يتطلب أيٌّ من هذه الإجراءات إجراء تغيير دستوري.

ثلاثة انفصالات وثلاثة تحديات

تُفضي حالات الانفصال الثلاث إلى خسائر مختلفة، وتخضع كل منها لجدول زمني مغاير، حيث يُعد الانفصال الاسكتلندي الأكثر تأثيراً، إذ سيؤدي إلى فقدان قاعدة الردع، وحوض بناء السفن الذي يتولى بناء الفرقاطات المضادة للغواصات لصالح الحلف، والعقدة الجوية في لوسيماوث التي تعمل منها أسطول طائرات الدوريات البحرية في الممرات الشمالية.

الانفصال الاسكتلندي يُعد الأكثر تاثيراً حيث سيؤدي إلى فقدان قاعدة الردع وحوض بناء السفن الذي يتولى بناء الفرقاطات المضادة للغواصات لصالح الناتو في لوسيماوث

كما تستضيف منطقة “هبريدس رينج” قبالة الجزر الغربية من اسكتلندا مناورة “فورميدابل شيلد”، وهي أكبر مناورة أوروبية للدفاع الجوي والصاروخي المتكامل، بالتزامن مع منطقة أندويا في النرويج، حيث يجري الحلف تدريباته على الدفاع الجوي في شمال أوروبا انطلاقاً من الأراضي الاسكتلندية.

يأتي انفصال ويلز بوتيرة أبطأ وعلى نطاق أضيق، فموعد 2030 يضع القضية خارج نطاق معظم قرارات المشتريات الحالية، ما يقلل من وزنها دون أن يلغيها، ويتمثل موطن الانكشاف في مناطق التدريب العسكري، بما في ذلك “سيني بريدج” في “بريكون بيكونز”، وميادين تدريب المدرعات في “كاسلمارتن”؛ وهي أراضٍ لا تستطيع منشآت التدريب في إنجلترا استيعابها.

كما قدمت وزارة الدفاع في ربيع 2026 طلباً للحصول على موافقة تخطيطية لتركيب 27 هوائياً للرادار في ثكنات “كاودور” بمقاطعة بيمبروكشاير، حيث يمثل هذا التركيب المساهمة البريطانية في شبكة لمراقبة الفضاء تُبنى بالتعاون مع الولايات المتحدة وأستراليا، فيما تقع صلاحية الموافقة على المشروع ضمن اختصاص مجلس المقاطعة.

تختلف أيرلندا الشمالية عن باقي مكونات المملكة المتحدة، ليس في مضمون القضية فحسب، بل في الآلية التي تحكم مسارها أيضاً، فبموجب اتفاق الجمعة العظيمة، يتعين على لندن الدعوة إلى استفتاء بشأن وضع الحدود عندما تبدو هناك مؤشرات على احتمال وجود أغلبية تؤيد الوحدة الأيرلندية، وبذلك، لا يخضع إطلاق هذا المسار لتقدير وستمنستر وحدها، بل تتأثر مواعيده أيضاً بالتحولات الديموغرافية التي لا تملك الحكومة البريطانية التحكم فيها.

في بلفاست، تتولى شركة ثاليس تجميع صاروخ NLAW، الذي صممته شركة ساب، كما تنتج صواريخ الدفاع الجوي البريطانية قصيرة المدى، وتشمل صفقة دفاعية بقيمة 1.6 مليار جنيه إسترليني مخصصة لأوكرانيا أكثر من 5 آلاف صاروخ خفيف متعدد المهام.

ومن شأن إعادة توحيد أيرلندا أن تُحدث تغييراً في البيئة الأمنية الإقليمية أيضاً، حيث أنفقت أيرلندا 0.24% من ناتجها المحلي الإجمالي على الدفاع في عام 2024، وهي النسبة الأدنى بين 38 دولة أوروبية شملها المسح، في وقت لا تزال فيه ملتزمة بسياسة عدم الانحياز العسكري، كما لا يزال مشروع قانون يهدف إلى تخفيف القيود المفروضة على نشر القوات معروضاً أمام البرلمان الأيرلندي.

خلال زيارة إلى أيرلندا، قبل يومين من انعقاد القمة، قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب: إنه “سيرحب بالوحدة”، فمن شأن إعادة توحيد أيرلندا، بالتزامن مع استقلال اسكتلندا، أن تغيّر المشهد الأمني في المنطقة؛ إذ ستصبح دولتان غير منضمتين عسكرياً إلى التحالفات، هما أيرلندا واسكتلندا، واقعتين على جانبي البحر الأيرلندي، وهو ما سيطرح ترتيبات أمنية ودفاعية جديدة أمام المملكة المتحدة وحلفائها.

وحدها الحالة الاسكتلندية تجمع بين تأثير الانفصال المحتمل عن منظومة الردع النووي وشبكة المراقبة الشمالية في آنٍ واحد، أما في حال انفصال ويلز أو حدوث تغيير دستوري في أيرلندا الشمالية، فستترتب تكاليف كبيرة أيضاً، مع بقاء البنية الأساسية للمنظومة الدفاعية قائمة إلى حد كبير، وهذه التركيبة تحديداً هي ما يصعب على التخطيط الدفاعي استيعابه، ولا سيما في ظل تحرك هذه الملفات ضمن أقصر إطار زمني.

المراقبة الشمالية

تتزايد أهمية المياه الشمالية مع إغلاق طرق الملاحة الجنوبية إلى حد كبير، حيث أدى إعلان الحوثيين بشأن باب المندب إلى دفع أسعار النفط فوق مستوى 100 دولار للبرميل في يوليو، فيما سيطرت الجماعة على المخا وجزيرة بريم في سبتمبر، وانتقل البديل الشمالي من مجرد فكرة إلى جدول زمني فعلي، حيث بدأ خط ملاحي صيني خدمة لنقل الحاويات تربط نينغبو بفيليكستو عبر طريق البحر الشمالي، ما يقلص مدة الرحلة من نحو 40 يوماً إلى نحو 20 يوماً، حيث تروّج بكين لهذا المسار باعتباره “طريق الحرير القطبي”.

لا تزال أحجام النقل محدودة؛ إذ بلغ إجمالي الشحن 37 مليون طن متري في عام 2025، مقارنة بـ464 مليون طن عبر قناة السويس، فيما لم يعبر الطريق بأكمله سوى 3.2 مليون طن، وتتولى شركة “روس آتوم” إصدار التصاريح، وتحتاج السفن التي لا تستوفي التصنيف الجليدي المطلوب إلى مرافقة كاسحات جليد روسية، فيما لم تتحقق الاستثمارات الصينية المتوقعة في الموانئ القطبية.

يكتسب اتجاه الحركة أهمية أكبر من حجمها، فممر موسمي يجمع بين البنية التحتية الروسية والبضائع الصينية ينتهي في شمال المحيط الأطلسي، فيما تخضع المياه المؤدية إلى هذه النقطة للمراقبة من اسكتلندا، وتتزايد القدرات البريطانية في المياه نفسها، حيث يُعد “أتلانتيك باستيون”، الذي أُطلق ضمن مراجعة الدفاع في يونيو 2025، البرنامج المخصص لمواجهة النشاط الروسي ضد الكابلات وخطوط الأنابيب البحرية.

ينتهي ممر موسمي في شمال المحيط الأطلسي فيما تخضع المياه المؤدية إلى هذه النقطة للمراقبة من اسكتلندا

تمثل “أتلانتيك نت” المرحلة الأولى من البرنامج وطبقة الاستشعار التابعة له، إذ يتضمن البرنامج نشر أعداد كبيرة من المركبات غير المأهولة تحت الماء في منطقة الفجوة البحرية الممتدة بين غرينلاند وأيسلندا والمملكة المتحدة، فمن المقرر أن تدخل القدرة التشغيلية الأولية في هذه المياه حيز الخدمة بحلول نهاية عام 2026، على أن تُستكمل القدرات التشغيلية خلال العام التالي، مع توسيع نطاق التغطية ليشمل بحر النرويج وفجوة جزيرة بير.

وفي أبريل 2026، حلّقت طائرات بريطانية لأكثر من 450 ساعة في مهام هدفت إلى تتبع ثلاث غواصات روسية شمال المملكة المتحدة.

يمتد الاعتماد ذاته إلى مسألة الاختصاص على قاع البحر، إذ يجري إنشاء مشروع “إيسترن غرين لينك 2” بين بيترهيد ودراكس، فيما يخضع مشروع ربط ثانٍ بين أبردينشاير ونورفولك لإجراءات الحصول على الموافقات، ويحدد الاختصاص على المنطقة الاقتصادية الخالصة الجهة التي تمنح التراخيص وتُجري عمليات التفتيش وتفرض الرقابة على هذه الأصول، ومن شأن الاستقلال نقل هذه الصلاحيات إلى إدنبرة، في حين سيبقى عبء المراقبة على عاتق الحلف.

تحالف بلا آلية

لم تحظَ تداعيات هذا الوضع على الحلفاء بالاهتمام الكافي، رغم أن النرويج طلبت ما لا يقل عن خمس فرقاطات من طراز “تايب 26″، بقيمة تقارب 10 مليارات جنيه إسترليني، في واحدة من أكبر الاستثمارات الدفاعية في تاريخها، فمن المقرر بناء جميع الفرقاطات في غوفان وسكوتستون بالتوازي مع سفن البحرية الملكية، على أن تُسلَّم أولى السفن إلى النرويج عام 2030.

غير أن تقارير تجارية تشير إلى أن أوسلو تحتاج إلى تسلُّم أولى فرقاطاتها قبل ذلك بعام، ما قد يفتح الباب أمام نقل سفينة واحدة على الأقل من البحرية الملكية إلى الخدمة تحت العلم النرويجي، وفي المقابل، ضمنت بريطانيا التزاماً صناعياً نرويجياً يعادل القيمة الإجمالية للصفقة، بما يربط تنفيذ المشروع بترتيبات أوسع للتعاون الصناعي والدفاعي بين البلدين.

عناصر شرطة ومتظاهرون خارج قاعدة "كلايد" البحرية الملكية. (أ ف ب)
عناصر شرطة ومتظاهرون خارج قاعدة “كلايد” البحرية الملكية. (أ ف ب)

بالتالي، تستند القدرة الرئيسية للناتو على مكافحة الغواصات في شمال الأطلسي إلى موقع بناء واحد في مدينة واحدة، حيث تقع هذه المدينة ضمن ولاية قضائية يقودها حزب حاكم حدد عام 2031 موعداً مستهدفاً لإجراء استفتاء، إذ لا يمتلك الحلف آلية محددة للتعامل مع هذا الوضع، فالمادة العاشرة من معاهدة شمال الأطلسي تنص على انضمام الدول بدعوة بالإجماع، فيما تنظم المادة 13 الانسحاب من الحلف، ولا تتناول أي من المادتين مسألة انقسام أراضي دولة عضو.

تحتاج أي دولة إلى موافقة جميع أعضاء الحلف للانضمام إليه، ما يمنح لندن حق النقض، وهو حق قد تفضّل عدم استخدامه علناً، حيث تتقاطع بعد ذلك جداول زمنية عدة، فمن المقرر أن تبلغ “أتلانتيك نت” كامل قدراتها التشغيلية في نهاية عام 2027، فيما يراجع الناتو مسار إنفاقه في عام 2029، كما يجب إجراء الانتخابات العامة البريطانية المقبلة بحلول ذلك العام، وتبدأ عمليات تسليم الفرقاطات إلى النرويج في عام 2030، فيما تدخل غواصة “دريدنوت” الخدمة في أوائل ثلاثينيات القرن الحالي.

يظل الاستقلال غير مرجح وفق الآليات الحالية، أما التداعيات التي يمكن قياسها خلال السنوات الخمس المقبلة، فتتعلق بسلوك التخطيط أكثر ما تتعلق بالحدود، فبريطانيا تنفذ منظومة المراقبة الشمالية ضمن مهلة تمتد لعامين، وتموّل برنامجاً للقواعد يمتد لعقود، وتتركز عمليات الإنتاج المخصصة للحلفاء في مدينة واحدة، وفي الوقت نفسه، يظل الوضع الدستوري لهذه المدينة مفتوحاً، ويتجه ممر الملاحة شمالاً، بينما تصبح الأرض التي تقوم عليها الجبهة الشمالية موضع نزاع.

لا تقتصر المشكلة الأوسع على بريطانيا وحدها؛ إذ باتت الجغرافيا الدفاعية للغرب تعتمد بصورة متزايدة على أقاليم تخضع لولايات قضائية قد يقرر ناخبوها إعادة النظر في وضعها داخل الدولة، ومع ذلك، لم يضع الحلف آلية واضحة للتعامل مع احتمال حدوث مثل هذا التغيير الدستوري.

أصبحت الجغرافيا الدفاعية الغربية تعتمد على ولايات قضائية يمكن لناخبيها إعادة النظر في عضويتهم داخل الدولة فيما لم يضع الحلف أي آلية للتعامل مع مثل هذا التغيير

في المقابل، تعمل روسيا والصين على ترسيخ وجودهما على امتداد “طريق الحرير القطبي”، من دون مواجهة نزاع مماثل بشأن السيادة على الأراضي، أو تمركز القوات، أو مواقع المنشآت الصناعية.

في المحصلة، تكمن هنا المفارقة الاستراتيجية الأبرز؛ فالجناح الشمالي يتحول في الوقت الراهن إلى مسرح أكثر أهمية بالنسبة إلى الأمن الأطلسي، في اللحظة نفسها التي تزداد فيها حالة عدم اليقين بشأن مستقبل بعض الدول التي تشكّل هذا الجناح.

وفي هذا السياق، سيكون على الحلف أن يأخذ في الحسبان احتمال حدوث تغييرات دستورية داخل بعض دوله، وما قد تفرضه من أعباء على خططه الدفاعية، فكلما تأخر التعامل مع هذه الاحتمالات، زادت صعوبة التخطيط للانتشار العسكري والبنية التحتية الدفاعية، وقد تتسع الفجوة بين المتطلبات الاستراتيجية للحلف والتغيرات السياسية التي تشهدها دوله.

توماس فالك - ايجل
توماس فالك

توماس فالك، صحفي ومحلل مقيم في لندن، يركّز على العلاقات عبر الأطلسي، والشؤون الأمريكية، والأمن الأوروبي. وبخبرته الطويلة في التقارير السياسية والتحليل الاستراتيجي، يعتمد على أبحاث معمّقة، ورؤى تاريخية، وتطورات ميدانية لاستكشاف القوى التي تُشكّل المشهد الجيوسياسي الحالي.

اشترك مجاناً في تقارير إيغل إنتيلجنس

رؤى وتقارير حصرية

تمتّع بإمكانية الوصول إلى تحليلات متعمّقة، ومعلومات استخباراتية حصرية، وتقارير خبراء مُصمّمة خصيصاً لتبقى على اطلاع دائم، وفي صدارة المتابعين لأهم التطورات العالمية.

بالاشتراك، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا.

موضوعات أخرى
ترامب ومسؤولون في ولاية ويسكونسن يضعون حجر الأساس لمنشأة تابعة لشركة "فوكسكون" في 2018 (أ ف ب)
تقرير
الرئيس ترامب يزور شركة لتصنيع السفن (أ ف ب)
تقرير
صقلية، مركز بحري استراتيجي في البحر الأبيض المتوسط (أ ف ب)
تقرير
موظفون في شركة لتصنيع أشباه الموصلات (أ ف ب)
تقرير
زيلينسكي لدى استقباله بيرنهام (أ ف ب)
تقرير
مركز بيانات أمازون لخدمات الويب بالقرب من منازل في ستون ريدج، فيرجينيا (أ ف ب)
تقرير
لقطة من فيديو نشره الجيش الأمريكي تظهر لحظة ضرب سفينة إيرانية قرب هرمز (أ ف ب)
تقرير
تقرير

اشترك مجاناً في تقارير إيغل إنتيلجنس

رؤى وتقارير حصرية

تمتّع بإمكانية الوصول إلى تحليلات متعمّقة، ومعلومات استخباراتية حصرية، وتقارير خبراء مُصمّمة خصيصاً لتبقى على اطلاع دائم، وفي صدارة المتابعين لأهم التطورات العالمية.

بالاشتراك، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا.

ايغل انتيلجنس ريبورتس
Privacy Overview

This website uses cookies so that we can provide you with the best user experience possible. Cookie information is stored in your browser and performs functions such as recognising you when you return to our website and helping our team to understand which sections of the website you find most interesting and useful.