استعادة القيادة مع الحفاظ على التحالف

تقرير
مسؤولان عسكريان كوري جنوبي وأمريكي خلال الإعلان عن مناورات "درع الحرية 2026" في سيؤول(أ ف ب)
مسؤولان عسكريان كوري جنوبي وأمريكي خلال الإعلان عن مناورات "درع الحرية 2026" في سيؤول(أ ف ب)
ﺷﺎرك

ما زالت كوريا الجنوبية، بعد مرور 75 عاماً على تأسيس تحالفها العسكري مع الولايات المتحدة، تفتقر إلى السيطرة الكاملة على قواتها في زمن الحرب، فإذا اندلع نزاع في شبه الجزيرة الكورية غداً، فستقاتل قواتها تحت قيادة جنرال أمريكي، لكن الرئيس لي جاي ميونغ يسعى إلى تغيير هذا الواقع، ففي أواخر مايو 2026، جعل تعزيز القدرات الدفاعية الذاتية حجر الأساس في استراتيجيته الوطنية، متعهداً باستعادة القيادة العملياتية في زمن الحرب (OPCON)  من الولايات المتحدة.

بالنسبة لدولةٍ تصنع مقاتلاتها الحربية بنفسها وتمتلك واحداً من أكثر الجيوش كفاءةً وقدرةً في آسيا، يبدو هذا المطلب متأخراً ومستحقاً منذ زمن، وقد يرى بعض المراقبين أن هذه الخطوة توحي بأن حليفاً تقليدياً بدأ يبتعد تدريجياً عن المظلة الأمريكية.

غير أن تعهّد لي جاي ميونغ يعكس تحولاً أعمق في الاستراتيجية الكورية الجنوبية، فالجدل الدائر حول استعادة القيادة العملياتية في زمن الحرب، لا يقتصر على مسألة من يقود القوات أثناء الحرب، بل يمتد ليشمل قضايا أكثر جوهرية، مثل السيادة الوطنية، وكلفة الاعتماد على الحلفاء، ومدى موثوقية واستمرارية الحماية الأمريكية في شمال شرق آسيا.

استعادة القيادة العملياتية في زمن الحرب لا تتعلق فقط بالقيادة العسكرية بل تمتد إلى السيادة وكلفة الاعتماد على الآخرين واستدامة الحماية الأمريكية في شمال شرق آسيا

لم يأتِ طرح هذا المطلب في هذا التوقيت بمحض الصدفة، إذ برزت الدعوات لاستعادة القيادة العملياتية في أعقاب الأزمة السياسية التي شهدتها كوريا الجنوبية في ديسمبر 2024، عندما فرض الرئيس يون سوك يول الأحكام العرفية لفترة وجيزة، متهماً قوى المعارضة بأنها تضم عناصر معادية للدولة تسعى إلى تقويض النظام الديمقراطي، حيث أدت هذه الخطوة إلى فقدانه منصبه، كما خلّفت أزمة ثقة وشرعية داخل البلاد، إذ عمّقت تلك الأحداث شكوك كثير من الكوريين الجنوبيين تجاه أشكال الاعتماد الموروثة، بما في ذلك ترتيبات القيادة العسكرية التي لا تزال تخضع، في أوقات الحرب، لقيادة أجنبية.

يعكس التوجه الجديد تجاه استعادة القيادة العملياتية في زمن الحرب (OPCON) تنامي مخاوف كوريا الجنوبية بشأن الالتزامات الأمنية الأمريكية من زاويتين أساسيتين.

الأولى تتعلق بالقدرة العسكرية؛ إذ إن الولايات المتحدة، المنخرطة في عدد متزايد من الساحات والأزمات حول العالم، قد تجد نفسها مضطرة إلى تقليص وجودها العسكري أو إعادة توزيع قواتها في شبه الجزيرة الكورية.

أما الثانية فتتعلق بالثقة السياسية؛ فإدارة يقودها دونالد ترامب، والتي تنظر إلى التحالفات من منظور المصلحة والمعاملات المتبادلة، قد لا تلتزم بالدفاع عن حلفائها بالقدر المتوقع عندما تحين لحظة الاختبار.

ومع ذلك، فإن هذه المخاوف لا تعني أن سيؤول تسعى إلى فك ارتباطها بواشنطن أو التخلي عن التحالف القائم بينهما، بل تتبنى نهجاً تحوطياً يهدف إلى تعزيز قدرتها على الدفاع عن نفسها بصورة مستقلة إذا تراجع الالتزام الأمريكي مستقبلًا، مع الحفاظ في الوقت ذاته على التحالف الذي لا يزال يشكل الركيزة الأساسية لأمنها وحمايتها.

غير أن هذه الاستراتيجية تنطوي على مفارقة؛ فالسعي إلى الاعتماد على الذات قد يضعف قوة الردع التي يُفترض أن يعززها، وذلك في وقت تواصل فيه كوريا الشمالية توسيع ترسانتها العسكرية وتعزيز موقعها الجيوسياسي.

مراجعة مرتكزات التحالف

يعكس هذا التقييم الاستراتيجي الجديد في سيؤول جدلاً متنامياً داخل النخبة السياسية الكورية الجنوبية بشأن مدى استمرارية وموثوقية المظلة الأمنية الأمريكية، فعلى مدى عقود، استند إطار التحالف الثنائي إلى افتراض مفاده أن الولايات المتحدة ستتدخل عسكرياً بصورة تلقائية وواسعة النطاق وبدرجة عالية من التكامل في حال وقوع أي طارئ في شبه الجزيرة الكورية.

لكن التطورات الجيوسياسية المعاصرة والتحولات السياسية الداخلية في الولايات المتحدة أضعفت هذه الافتراضات، وباتت المؤسسة الأمنية الكورية الجنوبية تدرك أن الأصول العسكرية الأمريكية، رغم بقائها كبيرة ومؤثرة، فإن نشرها الاستراتيجي ليس أمراً مضموناً، بل يعتمد على الديناميكيات السياسية الداخلية في واشنطن، كما يواجه قيوداً متزايدة نتيجة التزامات أمريكية متنافسة في مسارح عالمية أخرى.

وقد زادت عودة ترامب إلى البيت الأبيض عام 2025 من حدة هذه المخاوف، إذ طرحت إدارته فكرة خفض القوات الأمريكية المنتشرة في الخارج، بما في ذلك القوات الأمريكية في كوريا الجنوبية ” USFK”، مع ممارسة ضغوط على سيؤول لتحمل حصة أكبر من الأعباء المالية، في إشارة إلى احتمال الابتعاد عن سياسة الانتشار العسكري المتقدم المفتوح الأمد.

ومع ذلك، فإن المحفز الأعمق الذي منح مسألة القيادة العملياتية في زمن الحرب هذا الزخم السياسي برز من الأزمة الداخلية التي شهدتها كوريا الجنوبية، حيث كشف إعلان يون سوك يول الأحكام العرفية في ديسمبر 2024، والذي لم يدم سوى ساعات قبل أن يتراجع عنه البرلمان، عن هشاشة مؤسسية انعكست آثارها على النقاشات الأمنية، وأثارت الأزمة تساؤلات جوهرية بشأن الرقابة المدنية على الجيش وشرعية السلطة الحاكمة، وبالنسبة للقوى التقدمية التي عادت إلى السلطة لاحقاً بقيادة لي جاي ميونغ، شكّلت هذه الحادثة دليلاً على المخاطر المترتبة على تركّز الصلاحيات التنفيذية في القضايا الأمنية.

الأزمة الداخلية في كوريا الجنوبية تعد المحفز الأعمق الذي منح مسألة القيادة العملياتية في زمن الحرب الزخم السياسي

وتتقاطع هذه الصدمة الداخلية مع المخاوف المتزايدة بشأن التحالف الخارجي، فإذا كانت المؤسسات الداخلية عرضة للاهتزاز، في وقت يبدو فيه الالتزام الأمريكي مشروطاً لا مطلقاً، فإن الاعتماد على قيادة أجنبية في زمن الحرب يضاعف حجم المخاطر، ومن ثمّ، تحوّل الجدل حول القيادة العملياتية في زمن الحرب إلى أداة لمعالجة هواجس السيادة والقدرة المؤسسية على الصمود في آن واحد، حيث لم يعد الأمر مجرد مسألة تتعلق بالتخطيط العسكري التقني، بل أصبح قضية سياسية مشحونة ترتبط بمدى استقلالية الدولة.

كما أدى هذا الإدراك إلى تعميق الانقسامات الحزبية التقليدية في السياسة الدفاعية الكورية الجنوبية، وأشعل نقاشاً داخلياً حول إدارة المخاطر الاستراتيجية، فلطالما دافع المعسكر التقدمي عن الإسراع في نقل القيادة العملياتية في زمن الحرب باعتباره تجسيداً لحق الدولة في تقرير مصيرها.

وعلى النقيض من ذلك، رأى المعسكر المحافظ أن بقاء هذه الصلاحية بيد قائد القوات المشتركة الكورية الجنوبية-الأمريكية ” CFC” يشكل آلية للحفاظ على التحالف وضمان انخراط الولايات المتحدة في أي مواجهة محتملة، وبينما يعتزم لي استكمال نقل الصلاحيات والقدرات بالكامل بحلول عام 2028، تندد قوى المعارضة بهذا الهدف، معتبرة أنه مقامرة ذات دوافع سياسية على حساب الأمن القومي.

ويثير المنتقدون مخاوف من احتمال إضعاف التحالف الكوري الجنوبي-الأمريكي، مشيرين إلى تناقضات في السياسة الدفاعية لسيؤول. فعلى الرغم من سعي الحكومات المتعاقبة إلى تعزيز الاستقلالية الاستراتيجية عبر نقل القيادة العملياتية في زمن الحرب، ركزت كوريا الجنوبية استثماراتها العسكرية على القدرات التقليدية وكثيفة النيران، بدلاً من تطوير الأصول الاستراتيجية المتخصصة اللازمة لتحقيق الاكتفاء العسكري الذاتي.

رغم أن ميزانية الدفاع تتجاوز 2.5 % من الناتج المحلي الإجمالي، لا تزال سيؤول تعتمد على القدرات الأمريكية في مجالات حيوية، تشمل منظومات الاستطلاع والمراقبة والاستخبارات ” ISR”، وأنظمة الدفاع ضد التهديدات البيولوجية والكيميائية، فضلاً عن المظلة النووية التي تشكل عنصر الردع الرئيسي في مواجهة الترسانة النووية المتنامية لكوريا الشمالية.

بدورها، تبدي المؤسسة الأمنية الأمريكية تحفظات إزاء أي ترتيبات قيادية قد تُخضع الأفراد الأمريكيين لقيادة أجنبية أثناء العمليات العسكرية الفعلية، وينعكس ذلك في إصرار الجيش الأمريكي على الالتزام بعملية صارمة من ثلاث مراحل للتحقق من الجاهزية، تشمل: القدرة التشغيلية الأولية “IOC “، والقدرة التشغيلية الكاملة  ” FOC”، والقدرة الكاملة على تنفيذ المهام ” FMC”.

ووفقاً لخارطة الطريق التي قدمها قائد القوات الأمريكية في كوريا الجنرال كزافييه برونسون إلى البنتاغون والكونغرس، فإن استيفاء هذه الشروط لن يتحقق قبل مطلع عام 2029، وليس بحلول عام 2028 كما تأمل سيؤول، ورغم تأكيد وزير الدفاع الكوري الجنوبي آن غيو-باك أن 94 % من المتطلبات قد أُنجزت، إلا أن المضي في عملية نقل متسارعة قبل استكمال التحقق الفني الكامل قد يؤدي إلى احتكاكات داخل التحالف.

رغم تأكيد وزير الدفاع الكوري أن 94 % من المتطلبات قد أُنجزت إلا أن المضي في عملية نقل متسارعة قبل التحقق الفني الكامل قد يؤدي إلى احتكاكات داخل التحالف

من جهة أخرى، تنظر واشنطن إلى الجدول الزمني الذي تطرحه سيؤول بقدر من التشكيك العملي، فبينما يدعم الجيش الأمريكي رسمياً تقاسم الأعباء بين الحلفاء، حذر برونسون من أن “الاعتبارات السياسية” يجب ألا تتجاوز المعايير الصارمة القائمة على استيفاء الشروط، والتي تهدف إلى ضمان قدرة سيؤول على إدارة صراع عالي الحدة بصورة مستقلة وفعالة.

تطوير القدرات والغموض الاستراتيجي

تؤكد حكومة لي أن استعادة سلطة القيادة لا تمثل تراجعاً عن التحالف مع الولايات المتحدة، بل تهدف إلى تعزيز هامش المناورة الاستراتيجية وضمان الاستقلالية العملياتية ضمن إطار الدفاع المشترك، حيث يستند هذا التوجه إلى استثمارات رأسمالية كبيرة في أنظمة وتسليح محلية متطورة، صُممت للعمل إلى جانب قدرات الردع الموسع الأمريكية، أو بصورة مستقلة عند الضرورة.

ويُعد ترسيخ منظومة الدفاع المعروفة باسم “المحاور الثلاثة” محوراً أساسياً في هذه المقاربة، إذ تجمع هذه المنظومة بين منصة “سلسلة القتل” للضربات الاستباقية، ونظام الدفاع الجوي والصاروخي الكوري ” KAMD” للاعتراض متعدد الطبقات، وخطة العقاب والرد الكوري الشامل ” KMPR”.

ولدعم هذه القدرات، تعهدت حكومة لي برفع الإنفاق الدفاعي إلى 3.5 % من الناتج المحلي الإجمالي، وفقاً للخطط الاستراتيجية متوسطة المدى لوزارة الدفاع، فمن شأن هذه الزيادة تمويل برامج تسليح تشمل تطوير أقمار صناعية عسكرية محلية للاستطلاع، وإنتاج 120 مقاتلة من طراز” KF-21″ بحلول عام 2032، وتعزيز قدرات الغواصات التقليدية المتقدمة، كما دخلت سيؤول في محادثات مع واشنطن بشأن إمكانية الحصول على غواصات تعمل بالطاقة النووية.

في المقابل، يرى منتقدون أن كوريا الجنوبية لا تزال تعتمد هيكلياً على الولايات المتحدة في مجالات الاستخبارات الاستراتيجية والدعم اللوجستي وبنية القيادة والسيطرة عالية المستوى، ويضع هذا الاعتماد قيوداً على طموحات سيؤول الرامية إلى تحقيق قدر أكبر من الاكتفاء الذاتي الدفاعي في إطار الحروب المشتركة، إذ تتمثل إحدى أبرز المخاوف العملياتية في احتمال انقسام هياكل القيادة، بما يتعارض مع المبدأ العسكري القائم على وحدة القيادة.

وتؤكد وزارة الدفاع الكورية الجنوبية أن قيادة القوات المشتركة ” CFC” ستُعاد هيكلتها لتصبح “قيادة القوات المشتركة المستقبلية”، على أن يتولى قيادتها جنرال كوري جنوبي برتبة أربع نجوم بعد نقل القيادة العملياتية في زمن الحرب، غير أن محللين يحذرون من أن الإسراع في عملية النقل قبل استيفاء الشروط المتفق عليها قد يدفع واشنطن إلى المطالبة بإنشاء هياكل قيادة وطنية منفصلة على غرار نموذج القوات الأمريكية في اليابان، وفي ظل الحروب الحديثة ذات الوتيرة العملياتية العالية، فإن تعدد مراكز القيادة قد يؤدي إلى إبطاء عملية اتخاذ القرار وإضعاف الكفاءة القتالية.

التحوّط لا الانفصال

تكتسب المصطلحات هنا أهمية خاصة، لأن التحوّط الاستراتيجي وفك الارتباط وإعادة التموضع السياسي تشير إلى مسارات مستقبلية مختلفة تماماً، وحتى الآن، لا تزال الأدلة الداعمة لفكرة التحوّط الاستراتيجي قوية ومقنعة، فسيؤول تواصل توسيع اندماجها المؤسسي مع الهياكل العسكرية الأمريكية، بالتوازي مع تطوير قدراتها الذاتية المستقلة.

سيؤول تواصل توسيع اندماجها المؤسسي مع الهياكل العسكرية الأمريكية بالتوازي مع تطوير قدراتها الذاتية المستقلة

وفي هذا السياق، حافظت مناورات “درع الحرية” التي أُجريت في مارس 2026 على استمرارية مؤسسية مهمة، بمشاركة نحو 18 ألف عسكري كوري جنوبي في تدريبات ومحاكاة معقدة متعددة المجالات، كما لا تزال آلية الإنذار المبكر الثلاثية في الوقت الفعلي الخاصة بالصواريخ، والتي تربط كوريا الجنوبية والولايات المتحدة واليابان منذ ديسمبر 2023، تنقل بيانات إطلاق الصواريخ الكورية الشمالية عبر منصة مشتركة، ما يعمّق مستويات التنسيق بين الأطراف الثلاثة.

وعلاوة على ذلك، لم تسعَ كوريا الجنوبية إلى تقليص الوجود العسكري الأمريكي على أراضيها، بل ركزت جهودها على التفاوض بشأن حجم مساهمتها المالية في تمويل القوات الأمريكية المتمركزة في كوريا الجنوبية، حيث تشير هذه العوامل مجتمعة إلى أن سيؤول تنظر إلى القدرات الدفاعية المستقلة بوصفها مكملة لبنية التحالف، لا بديلاً عنها، وبذلك، تستخدم سياسة الاعتماد الدفاعي على الذات كأداة للتحوّط في مواجهة حالة عدم اليقين الاستراتيجي، مع الحفاظ في الوقت نفسه على الركائز الأساسية للهيكل العسكري المشترك مع الولايات المتحدة.

جرى تأطير تطوير القدرات من قبل المسؤولين الدفاعيين بوصفه إجراءات لتعزيز التحالف، ووفقاً لخارطة الطريق الاستراتيجية المُحدَّثة لوزارة الدفاع الوطني، تُبقي سيؤول صراحةً على هياكل القيادة المشتركة بدلاً من الدعوة إلى تفكيكها، ومع ذلك، تشير عوامل أخرى إلى مسارات محتملة طويلة الأمد نحو قدر أكبر من الاستقلالية، إذ تعمل برامج التسلح المحلية في كوريا الجنوبية على تقليص الاعتماد على الولايات المتحدة لصالح الاعتماد على الذات تقنياً.

كما يمنح نظام الصواريخ الباليستية “هيونمو”، سيؤول خيارات ضرب مستقلة وعالية الدقة تُكرّر قدرات الحلفاء بدل أن تُكمّلها، و الذي سارعت إلى تطويره بعد إنهاء المبادئ التوجيهية الثنائية للصواريخ عام 2021،  ويكشف الاستثمار الحكومي في البحث والتطوير بمجال الدفع النووي البحري عن طموحات لامتلاك قدرات مستقلة للعمل في أعالي البحار، وتوفّر هذه الأنظمة، رغم قابليتها للتشغيل الهيكلي حالياً، بنية تحتية لوضع دفاعي مستقل خارج الأطر المشتركة القائمة.

اليوم، يعزّز الخطاب السياسي هذا المسار، إذ استخدم سياسيون من الحزب الديمقراطي التقدمي تأطيراً قائماً على الاستقلالية، معتبرين أن تأجيل نقل القيادة العملياتية إلى أجل غير مسمى يُحوّل البلاد إلى ما يشبه محمية عسكرية، وداعين إلى استعادة السيادة العسكرية الكاملة، حيث قال لي في اجتماعات مجلس الوزراء: “يجب على الأمة أن تدافع عن نفسها؛ فلماذا الاعتماد على الآخرين؟، لماذا تعيشون القلق وكأن الدفاع عن النفس صعب من دون قوات أجنبية؟”، حيث تطرح هذه الخطابات تحدياً مزدوجاً: فهي قد تُحدث توتراً مع واشنطن، حيث وصف بعض أعضاء الكونغرس الحكومة التي يقودها لي بأنها مؤيدة للصين، وفي الوقت نفسه تشير إلى رغبة طويلة الأمد في إعادة هيكلة ترتيبات القيادة المدمجة.

إدارة ترامب والأولويات المتضاربة

يعكس تسارع نقاش نقل القيادة العملياتية تعديلات مؤسسية داخل الجهاز الأمني الأمريكي، ولا سيما نهج إدارة ترامب القائم على البراغماتية التبادلية، إذ تتحول الاستراتيجية الدفاعية الوطنية للإدارة من نموذج “المركز والأذرع” إلى نموذج الدفاع الجماعي على امتداد “السلسلة الأولى من الجزر”، وفي إطار هذا التصور، يُتوقع من الحلفاء تحمّل المسؤولية الرئيسية عن الدفاع التقليدي ضمن محيطهم المباشر، في حين تركز الولايات المتحدة على التمكين الاستراتيجي والردع النووي وإسقاط القوة.

ويتجلى ذلك في الخلافات المتعلقة بتقاسم أعباء الدفاع، حيث وقّعت سيؤول وواشنطن الاتفاق الحادي عشر الخاص بالتدابير الخاصة  للفترة 2026–2030 خلال إدارة بايدن، إذ حُددت مساهمة كوريا الجنوبية الأولية لعام 2026 عند 1.519 تريليون وون، بزيادة قدرها 8.3%.

ومنذ ذلك الحين، أشارت إدارة ترامب إلى نيتها إعادة فتح المفاوضات، حيث يعكس ذلك إعادة تقييم أمريكية أعمق لمهمة القوات الأمريكية في كوريا، مع اعتبار هذه القوات أداة مرنة لاحتواء الصين في الخطوط الأمامية، وتؤكد تصريحات برونسون التي وصف فيها كوريا الجنوبية بأنها “الخنجر في قلب آسيا” في مواجهة الصين هذا التحول، وتتماشى حسابات ترامب مع فكرة تسريع نقل القيادة العملياتية في زمن الحرب، فإذا تولت كوريا الجنوبية القيادة العملياتية، تستطيع واشنطن تبرير تقليص وجودها التقليدي، وخفض حجم المناورات المشتركة، ونقل جزء أكبر من تكاليف دفاع شبه الجزيرة إلى سيؤول.

يحمل هذا الأمر تداعيات على العلاقات بين الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية، وكذلك على ديناميكيات العلاقة بين أمريكا وكوريا الشمالية، فالإصرار على زيادة التكاليف، إلى جانب دعم تسريع نقل القيادة العملياتية في زمن الحرب يؤدي إلى تغيير موازين القوة داخل التحالف، ويدفع سيؤول إلى النظر إلى العلاقة مع واشنطن من منظور قائم على المصالح والمعاملات.

أما على صعيد العلاقات بين الولايات المتحدة وكوريا الشمالية، فإن أي تقليص محتمل للوجود العسكري الأمريكي التقليدي أو تعديل هيكل القيادة قد يشجع بيونغ يانغ على تبني مواقف أكثر تصعيداً، حيث سعت القيادة الكورية الشمالية منذ فترة طويلة إلى تفكيك القيادة المشتركة للقوات (CFC) وانسحاب القوات الأمريكية من شبه الجزيرة، وإذا رأت بيونغ يانغ أن واشنطن تسرّع هذه الخطوات مقابل تنازلات مالية، فقد تعتبر ذلك مؤشراً على تراجع الالتزام الأمريكي، ما قد يزيد من مخاطر سياسة حافة الهاوية.

أي تقليص محتمل للوجود العسكري الأمريكي التقليدي في شبه الجزيرة الكورية أو تعديل هيكل القيادة قد يشجع بيونغ يانغ على تبني مواقف أكثر تصعيداً

غير أن الكونغرس اتخذ تدابير مضادة، حيث أقرّ بنوداً تقييدية ضمن قانون تفويض الدفاع الوطني تحظر استخدام الأموال الفيدرالية لتقليص قوات الولايات المتحدة في أو تسهيل نقل القيادة العملياتية دون مراجعة وموافقة الكونغرس.

ويعكس هذا الحاجز التشريعي الانقسام المؤسسي داخل واشنطن؛ إذ تميل السلطة التنفيذية إلى استخدام نقل القيادة العملياتية كأداة ضغط مرتبطة بالمساهمات الدفاعية أو بإعادة تموضع عسكري، في حين يسعى الفرع التشريعي إلى الإبقاء على الوضع العسكري القائم لضمان الاستقرار الاستراتيجي ومنع أي فراغات قد تستغلها القوى الإقليمية المنافسة.

ويكشف هذا التوتر تحولاً أوسع في البنية الجيوسياسية العالمية، إذ يواجه الجيش الأمريكي قيوداً مادية ولوجستية ودبلوماسية في دعم عملياته في الشرق الأوسط، وفي الوقت نفسه، تُخصّص موارد حيوية لردع السيناريوهات المحتملة عبر مضيق تايوان، حيث تمثل التحديثات العسكرية السريعة للصين تحدياً للهيمنة الأمريكية في غرب المحيط الهادئ، وفي هذا السياق، تراجع ترتيب شبه الجزيرة الكورية في أولويات تخصيص الموارد داخل واشنطن.

مقاتلة KF-21 خلال رحلة تجريبية في معرض سيؤول الدولي للفضاء والدفاع (أ ف ب)
مقاتلة KF-21 خلال رحلة تجريبية في معرض سيؤول الدولي للفضاء والدفاع (أ ف ب)

من التبعية إلى الشراكة المُتحوطة

يمثل نقاش السيطرة العملياتية، عند تجريده من جوهره، تحولاً جذرياً في فهم سيؤول لاستدامة التحالف على المدى البعيد، فافتراض أن التدخل الأمريكي سيكون تلقائياً وحاسماً لم يعد يحظى بالقدر نفسه من الثقة داخل دوائر التخطيط الكورية الجنوبية، وحلّ محلّه حسابات أكثر واقعية كثر تقوم على التزام مشروط وموارد محدودة.

وفي هذا السياق، تتحوّط سيؤول ضد خطرين مختلفين: الولايات المتحدة المنهكة التي قد تفتقر إلى القدرة على نشر قواتها في الخطوط الأمامية، وحليف تتأثر درجة التزامه بتقلبات الدورات الانتخابية، حيث يُعد الاستثمار في القدرات العسكرية رداً على الخطر الأول، فيما يُنظر إلى استعادة القيادة العملياتية باعتبارها استجابة للخطر الثاني، ولهذا السبب تعمل حكومة لي في الوقت ذاته على تعميق التعاون الثلاثي وبناء قدراتها الضاربة الذاتية.

وفي ضوء هذه المعطيات، يمكن استشراف سيناريوهين رئيسيين لمستقبل نقل القيادة العملياتية وتداعياته على التحالف الأمريكي-الكوري الجنوبي:

الأول: نقل مُدار للقيادة العملياتية

تتفق سيؤول وواشنطن على نقل مشروط للقيادة العملياتية، مع تحديد عام 2028 موعداً مستهدفاً يرتبط باستكمال التحقق من القدرة التشغيلية الكاملة للبعثة،  ويصادق الطرفان على شروط مُعدّلة للقيادة المشتركة، تنص على تولي كوريا الجنوبية قيادة العمليات في زمن الحرب، على أن يتولى جنرال أمريكي برتبة أربع نجوم منصب نائب القائد، كما يخفف الكونغرس القيود المفروضة على هيكل قوات الولايات المتحدة في كوريا.

وفي هذا الإطار، تُسرّع سيؤول وتيرة اقتناء قدرات الاستطلاع والمراقبة والاستخبارات، وتُنجز نشر منظومة الدفاع الجوي والصاروخي بعيدة المدى، وتصل بمقاتلة ” KF-21 ” إلى القدرة التشغيلية الأولية بحلول عام 2029.

وفي المقابل، تنتقل واشنطن تدريجياً من دور القيادة العملياتية المباشرة إلى دور التمكين الاستراتيجي، على أن يخضع هذا الدور لتقييم واعتماد سنويين، ومع ذلك، قد تؤدي الاستفزازات الكورية الشمالية أو مطالب الكونغرس بزيادة المساهمات المالية الكورية الجنوبية إلى إبطاء هذا الجدول الزمني.

الثاني: تآكل التحالف والانحراف الاستراتيجي

تتعثر المفاوضات بسبب الخلافات حول الجداول الزمنية للتحقق من الجاهزية وتقاسم الأعباء المالية، إذ ترفض سيؤول أي زيادات إضافية في اتفاق التدابير الخاصة، بينما تمتنع واشنطن عن المضي في نقل القيادة العملياتية قبل استكمال التحقق الكامل من القدرة التشغيلية للبعث، ومع مرور الوقت، يبدأ كل طرف في التشكيك علناً في موثوقية الطرف الآخر.

وفي هذا السياق، تشرع الولايات المتحدة في مراجعات لتموضع قواتها تتضمن احتمال خفض عديد قواتها في كوريا، بينما تدفع سيؤول نحو اعتماد هياكل قيادة وطنية موازية على غرار النموذج الأمريكي-الياباني، ورغم تمسك الطرفين بمعاهدة التحالف، إلا أن مستوى التكامل العسكري بينهما يبدأ بالتراجع، مع تقليص واشنطن للمناورات المشتركة وبدء انسحابات تدريجية تحت شعار إعادة تحسين الانتشار العسكري العالمي، ومع ذلك، فإن المخاوف من إرسال إشارات ضعف إلى كوريا الشمالية والصين تبطئ وتيرة هذا التراجع، كما أن استمرار تأييد الرأي العام الكوري الجنوبي للتحالف يرفع الكلفة السياسية للانجراف بعيدًا عنه.

ويمثل نقل القيادة العملياتية محاولة لتحويل التحالف من علاقة تقوم على الاعتماد غير المتكافئ إلى شراكة قائمة على تقاسم الأعباء، بما يضمن استدامته من خلال إعادة توزيع المسؤوليات، غير أن النتيجة النهائية ستعتمد على كيفية التنفيذ لا على النوايا، فإذا جرى النقل استناداً إلى قدرات مثبتة واستمرار التكامل العسكري، فقد يصبح التحالف أكثر توازناً وقدرة على الاستمرار، أما إذا تم التعجيل به لأغراض سياسية قبل أن تتمكن سيؤول من قيادة القوات المشتركة ومواجهة الترسانة النووية الكورية الشمالية بصورة مستقلة، فقد يتيح ذلك لبيونغ يانغ فرصة طالما سعت إليها.

ستحدد نتيجة هذا المسار ما هو أبعد من مستقبل التحالف بين الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية، فإذا نجح نقل القيادة العملياتية (OPCON)، فقد يشكل نموذجاً لكيفية تعامل حلفاء الولايات المتحدة مع تزايد حالة عدم اليقين بشأن الالتزامات الأمنية الأمريكية، من دون قطع الروابط الاستراتيجية الراسخة التي جمعتهم لعقود.

وفي نهاية المطاف، قد يحدد ذلك ما إذا كان تعزيز استقلالية القوى المتوسطة سيصبح مصدراً لتعزيز الصمود داخل منظومة التحالفات الأمريكية، أم أنه سيكون الخطوة الأولى نحو تفككها التدريجي.

إذا نجحت عملية نقل القيادة العملياتية فقد تشكل نموذجاً لكيفية تعامل حلفاء أمريكا مع تزايد حالة عدم اليقين بشأن الالتزامات الأمنية من دون قطع الروابط الاستراتيجية

 

 

Seong-Hyeon-Choi
سونغ هيون تشوي

باحث في المعهد المركزي الأوروبي للدراسات الآسيوية (CEIAS)، ومتخصص في الشؤون العسكرية الصينية، والسياسة الخارجية والنووية لكوريا الشمالية، والتعاون الدفاعي بين كوريا الجنوبية وأوروبا.

اشترك مجاناً في تقارير إيغل إنتيلجنس

رؤى وتقارير حصرية

تمتّع بإمكانية الوصول إلى تحليلات متعمّقة، ومعلومات استخباراتية حصرية، وتقارير خبراء مُصمّمة خصيصاً لتبقى على اطلاع دائم، وفي صدارة المتابعين لأهم التطورات العالمية.

بالاشتراك، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا.

موضوعات أخرى
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير

اشترك مجاناً في تقارير إيغل إنتيلجنس

رؤى وتقارير حصرية

تمتّع بإمكانية الوصول إلى تحليلات متعمّقة، ومعلومات استخباراتية حصرية، وتقارير خبراء مُصمّمة خصيصاً لتبقى على اطلاع دائم، وفي صدارة المتابعين لأهم التطورات العالمية.

بالاشتراك، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا.