هل يصنع ترامب “عقد إيران”؟

تقرير
دونالد ترامب ووزير الدفاع بيت هيغسيث يؤديان التحية العسكرية أثناء مرور قتلى الجيش الأمريكي (أ ف ب)
دونالد ترامب ووزير الدفاع بيت هيغسيث يؤديان التحية العسكرية أثناء مرور قتلى الجيش الأمريكي (أ ف ب)
ﺷﺎرك

أدى تحوّل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من التصعيد العسكري إلى الخنق الاقتصادي، بهدف إجبار طهران على تقديم تنازلات جوهرية، إلى تصاعد الجدل حول ما سيحدث إذا تمكنت إيران من التكيف مع الضغوط والاستمرار في الصمود أمامها حتى نهاية ولاية ترامب، المتوقعة بعد نحو عامين، إلا أن القضية المهمة تتمثل فيما ستخلفه هذه المواجهة في واشنطن إذا فشلت الولايات المتحدة في تحويل تفوقها العسكري الساحق إلى نتيجة سياسية مستدامة.

يتمثل هذا الإرث فيما يمكن تسميته بـ”عقد إيران”، وهو ليس مجرد إحجام علني عن خوض حرب، بل قناعة نفسية ومؤسسية طويلة الأمد لدى صانعي السياسات بأن الولايات المتحدة قد تكون قادرة على إلحاق أضرار جسيمة بإيران، إلا أنها  تظل عاجزة عن التحكم في مدة المواجهة، أو منع تصعيدها إقليمياً، أو حسم الصراع قطعياً.

ربما يكون لمثل هذا العقد تداعيات تتجاوز واشنطن بكثير، فإذا خلصت إيران إلى أن الولايات المتحدة تمتلك القدرة على إلحاق دمار هائل بها، مع ضعف الثقة بأن التصعيد يمكن أن يفضي إلى نتيجة نهائية مقبولة، فإن هذا التصور بحد ذاته قد يتحول إلى ورقة استراتيجية في يد طهران.

إذا خلصت طهران إلى أن الولايات المتحدة تمتلك القدرة على إلحاق دمار هائل بها مع ضعف الثقة بأن التصعيد يمكن أن يفضي إلى نتيجة نهائية مقبولة فإن هذا التصور قد يتحول إلى ورقة استراتيجية في يد طهران

منذ عام 1979، تمكّن النظام الإيراني من الصمود أمام جولات متكررة من العقوبات والعزلة الدبلوماسية والضغوط العسكرية، ونجح في البقاء دون تقديم تنازلات جوهرية في نهجه السياسي والعسكري، وخلال الفترة نفسها، لم تقتصر إيران على توسيع أنشطتها في تخصيب اليورانيوم، بل طوّرت أيضاً قدراتها الصاروخية وفي مجال الطائرات المسيّرة، بالتزامن مع بناء شبكة من الوكلاء القادرين على التدخل والتأثير في الشؤون السياسية في جميع أنحاء المنطقة.

وعليه، فإن السؤال الذي يواجه ترامب لا يتعلق بمجرد حجم الأضرار التي تستطيع الولايات المتحدة إلحاقها بإيران؛ فالتفوق العسكري الأمريكي لم يكن يوماً موضع شك جدي، وإنما تكمن القضية في أنه إذا انتهت ولاية ترامب من دون أن يتمكن من تحقيق تسوية واضحة ونهائية للصراع، أو على الأقل الحصول على ضمان حقيقي بأن النظام الإيراني سيغيّر سلوكه ونهجه في المنطقة، فلن يورّث ترامب خلفه مجرد تهديد إيراني مستمر، بل قد يسلّمه تهديداً أكثر قوة، قادراً على استغلال الوضع الأمريكي الجديد في واشنطن لابتزاز المنطقة.

لا يمكن قياس نتائج الحرب بحجم الخسائر التي أُلحقت بإيران، وإنما بمدى قدرة واشنطن على تحقيق أهدافها: التحقق من تفكيك البرنامج النووي الإيراني، وتحييد القدرات الصاروخية، وضمان تراجع مستمر في قدرة إيران على دعم الجماعات المسلحة المزعزعة للاستقرار في المنطقة.

لا ترقى النجاحات التكتيكية، المتمثلة في تدمير المنشآت واغتيال القادة، إلى مستوى الحسم الاستراتيجي، ما دامت إيران لا تزال قادرة على إعادة بناء قدراتها ومواصلة تهديد أمن المنطقة، فمن هذه الفجوة، التي بين التفوق العسكري والنتائج السياسية، قد ينشأ ما يمكن تسميته “عقد إيران”.

لا تُعدّ النجاحات التكتيكية من تدمير المنشآت واغتيال القادة حسماً استراتيجياً ما دامت إيران قادرة على إعادة بناء قدراتها ومواصلة تهديد المنطقة

من “عقد فيتنام” إلى “عقد إيران”

تُعد المقارنة مع فيتنام مفيدة، إلا أن النسخة الإيرانية المحتملة من هذا العقد لن يكون نسخة طبق الأصل، حيث خلّفت حرب فيتنام في الوعي السياسي الأمريكي نفوراً عميقاً من الحروب الخارجية الممتدة، التي تبدأ بأهداف كبرى ثم تنزلق إلى حرب استنزاف من دون تحقيق نصر سياسي واضح، ورغم أن حرب فيتنام أدت أيضاً إلى تحولات كبيرة في التفكير الاستراتيجي الأمريكي، إلا أن تأثيرها في السياسة الخارجية للولايات المتحدة ظل راسخاً ولا يمحى، حيث بقي النفور من الحروب البرية الطويلة بصورة أكبر بعد حرب العراق، التي أضافت درساً آخر يقول: “إسقاط نظام سياسي لا يعني بالضرورة القدرة على بناء دولة مستقرة بعد ذلك”.

بعدها جاءت حرب أفغانستان لتؤكد أن خوض حرب على مدى 20 عاماً، والحفاظ على وجود عسكري، والانخراط في بناء مؤسسات الدولة، يمكن أن ينتهي بانسحاب فوضوي وعودة الخصم نفسه إلى السلطة، رغم إنفاق تريليونات الدولارات وسقوط آلاف القتلى.

لكن “عقد إيران”، إذا ما ظهرت، فستمثل تطوراً إضافياً لهذا النمط، ومن المرجح أن تنشأ حتى من دون هزيمة عسكرية أمريكية تقليدية، أو غزو بري واسع النطاق، أو احتلال شامل، حيث سيكون جوهرها أكثر تعقيداً؛ إذ ستتمثل في تنامي حالة من التشاؤم الاستراتيجي بشأن مدى قدرة أدوات الإكراه نفسها، العسكرية والاقتصادية، على إجبار دولة خصم تتمتع بقدرة عالية على الصمود على القبول بالنتيجة السياسية التي تسعى واشنطن إلى تحقيقها، إذ قد تتمكن الولايات المتحدة من شن ضربات عسكرية وتدمير القدرات الإيرانية، لكنها لا تستطيع ضمان السيطرة على حدود المواجهة أو مدتها أو مآلاتها السياسية النهائية.

في حالة فيتنام، ارتبط العقد بصورة أساسية بالخوف من التورط في مستنقع حرب برية وما يترتب عليه من خسائر بشرية، أما حرب العراق، فقد عمّقت الشكوك بشأن كلفة تغيير الأنظمة ومدى جدواه، وكذلك بشأن عملية بناء الدولة، ثم جاءت أفغانستان لتقوّض الثقة في قدرة الولايات المتحدة على تحويل وجود عسكري طويل الأمد إلى نظام سياسي مستدام.

أما في حالة إيران، فقد ينشأ العقد من إدراك مفاده بأن القوة العسكرية والاقتصادية الأمريكية الهائلة، رغم تفوقها، قد لا تكون كافية لانتزاع استسلام سياسي من دولة قادرة على توزيع كلفة المواجهة على امتداد المنطقة والاقتصاد العالمي، لذلك يبقى السؤال المطروح: هل ستُنتج إيران عقيدة جديدة لاستخدام القوة الأمريكية بشكل أكثر فعالية، أم ستُؤدي إلى فقدان أعمق للثقة في قدرة هذه القوة على تحقيق نتائج سياسية حاسمة بتكلفة مقبولة؟، غير أن الظروف المهيئة للاحتمال الثاني قد تكون بدأت تتشكل بالفعل.

حاملة الطائرات الأمريكية "يو إس إس جيرالد آر فورد" بعد مشاركتها في عمليات حرب الشرق الأوسط (أ ف ب)
حاملة الطائرات الأمريكية “يو إس إس جيرالد آر فورد” بعد مشاركتها في عمليات حرب الشرق الأوسط (أ ف ب)

إذا غادر ترامب منصبه بينما لا تزال الحرب مستمرة، أو انتهى الصراع بتسوية لا تحقق الحد الأدنى من الأهداف الأمريكية، فإن الإدارة التالية ستتعامل مع إيران من منظور تجربة أثبتت أن بدء مواجهة مع إيران أمر سهل، لكن الوصول بها إلى نهاية حاسمة أمر بالغ الصعوبة.

في كل أزمة لاحقة، لن يكون السؤال المحوري في واشنطن: هل تستطيع القوات الأمريكية توجيه ضربة إلى إيران؟، بل، ماذا سيحدث بعد الضربة؟، وهل ستمتد الحرب إلى دول الخليج؟، وهل ستتعرض القواعد الأمريكية للاستهداف؟، وهل تستطيع واشنطن حماية منشآت النفط والغاز والموانئ؟، وهل يمكنها ضمان سلامة الملاحة عبر مضيق هرمز؟، وماذا ستفعل إذا تمكن النظام الإيراني من امتصاص الضربة ورفض الاستسلام؟.

هذه الأسئلة ستُطرح أمام أي إدارة أمريكية جديدة، وعندما تتحول هذه التساؤلات المهمة إلى افتراضات استراتيجية راسخة، فقد يبدأ عقد جديد في الانتشار داخل مؤسسات الدولة الأمريكية.

من الشعور العام إلى المؤسسات

لا تتحول الحرب إلى “عقد” لمجرد طول أمدها أو ارتفاع كلفتها، وإنما تصبح كذلك عندما تتحول تجربتها إلى افتراضات مؤسسية راسخة تستند إليها مؤسسات الدولة في تقييم المخاطر المستقبلية، فإذا انتهت الحرب من دون تحقيق نتيجة سياسية واضحة، فإن الدروس المستخلصة منها ستنعكس على تقديرات أجهزة الاستخبارات، وخطط وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون)، وحسابات الكونغرس، وخطابات المرشحين السياسيين، وكذلك على التفكير الاستراتيجي لحلفاء الولايات المتحدة.

لا تتحول الحرب إلى “عقد” لمجرد طول أمدها أو ارتفاع كلفتها وإنما تصبح كذلك عندما تتحول تجربتها إلى افتراضات مؤسسية راسخة تستند إليها مؤسسات الدولة في تقييم المخاطر المستقبلية

لن ينتقل هذا العقد من إدارة أمريكية إلى أخرى بوصفها مجرد شعور عابر، بل ستتجسد في تقديرات أكثر تشاؤماً، وخطط عسكرية أكثر حذراً، ومعارضة أقوى داخل الكونغرس، وحساسية أكبر تجاه الخسائر البشرية وتقلبات أسعار الطاقة، فضلاً عن تردد الحلفاء في السماح باستخدام أراضيهم لتنفيذ عمليات عسكرية أمريكية جديدة.

سيتعين على كل استراتيجية أمريكية لاحقة أن تجيب بالضرورة عن أسئلة لم تعد افتراضية، من بينها: كيف سترد إيران خارج حدودها؟، وهل تستطيع واشنطن حماية قواعدها ومنشآت الطاقة، مع الحفاظ في الوقت نفسه على الضمانات الأمنية المقدمة لشركائها؟، وماذا سيحدث إذا تمكن النظام الإيراني مرة أخرى من الصمود أمام الهجوم وإعادة بناء قدراته، بدلاً من الدخول في مفاوضات؟، فمن هذا المنظور، فإن “عقد إيران” لا يعني الخوف من القوة الإيرانية في حد ذاتها، بقدر ما يعكس فقدان الثقة في قدرة القوة الأمريكية على تحقيق نتيجة سياسية يمكن التحكم في مسارها ومآلاتها.

الأهم من ذلك، أنه رغم بقاء الخطط العسكرية قائمة، إلا أن العتبة السياسية لاستخدامها سترتفع، وسينخفض سقف الأهداف المنشودة، وستميل الإدارات الأمريكية المستقبلية بدرجة أكبر إلى إدارة التهديد بدلاً من السعي إلى حسمه.

التهديد ثم التراجع

لن يقتصر خطر قرارات ترامب المترددة على الداخل الأمريكي، إذ إن هذه القرارات لا تحظى بالمراقبة داخل الولايات المتحدة وحدها، بل تتابعها القيادة الإيرانية ودول المنطقة عن كثب أيضاً، ففي أكثر من مناسبة، رفع ترامب سقف تهديداته، وتحدث عن توجيه ضربات مدمرة أو شن عمليات عسكرية أوسع، ثم ما لبث أن علّق الهجمات أو حدّ من نطاقها، متذرعاً بالمخاوف الإقليمية أو بضرورة منح المفاوضات فرصة.

قد يرى البعض في هذا الحذر حكمة أو ضبطاً للنفس أو محاولة استراتيجية لاحتواء تداعيات المواجهة، لكن تكرار التهديد بسحق إيران ثم التراجع عنه يبعث برسالة مختلفة إلى طهران: “إن الولايات المتحدة تخشى العواقب الإقليمية لحملة عسكرية حاسمة أكثر ما تخشى طهران خوض مواجهة طويلة الأمد”.

في هذا السياق، لا تبقى حالة التردد مجرد سمة من سمات أسلوب ترامب في اتخاذ القرار، بل تتحول إلى عامل مؤثر في معادلة الردع، فكل تهديد أمريكي لا يُنفَّذ، وكل ضربة لا تليها رؤية سياسية واضحة لمسار ما بعد الهجوم، يتيح لطهران اختبار السقف الحقيقي للإرادة الأمريكية وقياس مدى استعداد واشنطن لتحمل تبعات التصعيد.

عرض صاروخ سجيل وقدر-ح الباليستيين الإيرانيين في ساحة بهارستان، طهران (أ ف ب)
عرض صاروخ سجيل وقدر-ح الباليستيين الإيرانيين في ساحة بهارستان، طهران (أ ف ب)

اليوم، لا تحتاج إيران إلى هزيمة الولايات المتحدة في مواجهة عسكرية مباشرة؛ إذ يكفيها أن تقنع واشنطن بأن تكلفة ضربها لن تقتصر على الأراضي الإيرانية، وإنما ستمتد إلى القواعد الأمريكية، ودول الخليج، ومنشآت الطاقة، وطرق الملاحة البحرية، بل وإلى الاقتصاد العالمي برمته، وبذلك تكون إيران قد نجحت في نقل جوهر المسألة من التساؤل عما إذا كانت قادرة على تحمّل الضربات، إلى التساؤل عما إذا كانت الولايات المتحدة قادرة على تحمّل عواقبها، وعندما يحدث ذلك، يمكن لمعادلة الردع أن تميل لمصلحة إيران، من دون أن يطرأ أي تغيير جوهري على ميزان القوى القائم.

من العقد الأمريكي إلى الابتزاز الإيراني

هنا تبرز التداعيات الأكثر خطورة؛ فإذا ترسخ “عقد إيران” في دوائر صنع القرار الأمريكي، فلن تبقى مشكلة داخلية تخص الولايات المتحدة وحدها، بل ستتحول إلى مصدر قوة في يد طهران، ولن يقوم الردع الإيراني الجديد على منع الولايات المتحدة من توجيه الضربات فحسب، وإنما على إقناع واشنطن بأن مواصلة هذه الضربات إلى أن تتحقق الأهداف السياسية ستفرض عليها تكاليف لا يمكن قبولها.

إذا أدركت إيران أن الإدارة الأمريكية المقبلة ستتردد طويلاً قبل الدخول في مواجهة عسكرية واسعة، فإنها ستحاول التحرك دون تجاوز عتبة الحرب الشاملة، وستعمل تدريجياً على إعادة بناء قدراتها، واستعادة نفوذها داخل الدول الهشة، وتفعيل وكلائها المسلحين، وتهديد خطوط الملاحة ومنشآت الطاقة كلما تعرضت مصالحها للخطر.

لن تحتاج إيران إلى إغلاق مضيق هرمز بصورة دائمة، أو خوض حرب شاملة ضد دول الخليج؛ إذ يكفي أن تمتلك قدرة موثوقة على إحداث اضطراب واسع، وأن تدرك دول المنطقة أن المظلة الأمنية الأمريكية قد ترد على الهجمات، لكنها تفتقر إلى الاستعداد والإرادة لمواصلة المواجهة حتى نهايتها.

هنا تكمن أهمية هذا التمييز، فمنع واشنطن من التصعيد يُشكّل ردعاً، أما توظيف هذا التردد الأمريكي للتأثير في سلوك الدول المجاورة فيحوّل الردع إلى أداة نفوذ وإكراه،  وعند هذه النقطة، تصبح الرسالة الإيرانية إلى المنطقة بسيطة وواضحة: “إن المشاركة في ممارسة الضغوط على طهران، أو السماح باستخدام القواعد العسكرية والمجال الجوي في حرب جديدة، سيجعل البنية التحتية لدول الخليج جزءاً من ساحة المعركة”، وبالتالي، قد يورّث ترامب خلفه أكثر من مجرد  تعرض إيران للضرر وما تزال صامدة؛ فقد يترك وراءه إيران أكثر إدراكاً لحدود القوة الأمريكية، ومنطقة أكثر عرضة للضغوط والإكراه، وواشنطن أكثر حذراً من تكرار مواجهة لم تنجح في تحقيق أهدافها.

ترامب قد يورّث خلفه إيران أكثر إدراكاً لحدود القوة الأمريكية ومنطقة أكثر عرضة للضغوط والإكراه وواشنطن أكثر حذراً من تكرار مواجهة لم تنجح في تحقيق أهدافها

ماذا عن المنطقة؟

ربما تقع أسوأ تداعيات “عقد إيران” على دول الخليج، فاستراتيجيات التنمية الوطنية فيها تعتمد بدرجة كبيرة على الاستقرار، وجذب الاستثمارات، وأمن صادرات الطاقة، والثقة بقدرتها على البقاء بمنأى عن تداعيات الصراعات، ومن شأن بقاء النظام الإيراني، بالتزامن مع وصول إدارة أمريكية جديدة أكثر حذراً بكثير في مواجهة إيران، أن يهيئ الظروف لممارسة إكراه اقتصادي إيراني مستدام في مختلف أنحاء المنطقة، وهو ما من شأنه أن يهدد الأسس التي تقوم عليها الرفاهية والازدهار الخليجيان، وأن يحرم المنطقة من أحد أهم مصادر الجاذبية التي تمتعت بها على مدى عقود.

لا تحتاج إيران إلى إخراج الولايات المتحدة من الخليج؛ إذ يكفيها أن تقنع دول المنطقة بأن الرد الأمريكي سيكون محدوداً، وأن واشنطن ستسعى إلى احتواء الهجوم أكثر من سعيها إلى القضاء على مصدر التهديد نفسه، حيث تجد دول الخليج نفسها عندئذٍ مضطرة إلى تعديل سياساتها، أو تقليص مستوى تعاونها مع واشنطن في بعض الملفات، أو تجنّب اتخاذ خطوات تعتبرها طهران تهديداً مباشراً، خشية الانجرار إلى مواجهة لا يوجد ما يضمن أن الولايات المتحدة ستواصلها حتى النهاية.

هنا يطرح السؤال: هل كانت دول الخليج محقّة فعلاً عندما دفعت بقوة نحو الحلول الدبلوماسية، وعارضت السعي إلى حسم الصراع عسكرياً؟، إذ تعتمد الإجابة على ما ستؤول إليه التطورات خلال الأشهر المقبلة، فإذا تمكن النظام الإيراني من التكيف مع العقوبات القاسية، أو قبل ترامب باتفاق مماثل لـخطة العمل الشاملة المشتركة، أو تمكن النظام من البقاء حتى نهاية ولاية ترامب من دون إحداث تغيير جوهري في سلوكه، فقد تكون المنطقة قد دفعت ثمن الحرب من دون أن تنجح في القضاء على مصدر التهديد.

في الوقت نفسه، لا يمكن تجاهل أن دول الخليج كانت تخشى اندلاع حرب واسعة قد تؤدي إلى تدمير منشآتها وموانئها ومكتسباتها الاقتصادية، ومن ثم، كان الخيار أمامها يتمثل في المفاضلة بين خطرين: حرب شاملة قد تقوّض الاستقرار بصورة فورية، وتهديد إيراني طويل الأمد قد يعمل تدريجياً على تقويضه، إلا أن السيناريو الأخطر يتمثل في أن تنتهي الحرب بإيران أضعف عسكرياً، لكنها أكثر جرأة سياسياً، بعد أن تخلص إلى أن واشنطن قادرة على توجيه الضربات إليها، لكنها غير قادرة، أو غير راغبة، في مواصلة المواجهة حتى نهايتها.

ترامب أمام اختبار النهاية

لا تكمن مشكلة ترامب في مجرد أنه بدأ حرباً مع إيران، بل في الفجوة بين الأهداف التي أعلنها والأدوات المتاحة له لتحقيقها، فضلاً عن تردده في الانتقال إلى مستوى من استخدام القوة يكون قادراً على فرض التسوية التي تعهّد بتحقيقها، حيث تراوحت خطابات ترامب بين التهديدات العسكرية، والسعي إلى التوصل إلى اتفاق، والعودة إلى توجيه الضربات، ثم تعليقها، قبل أن يتحول مجدداً نحو ممارسة الضغوط الاقتصادية، وهذا المسار تحديداً هو ما يمكن أن يؤدي إلى نشوء “العقد”: أهداف كبرى، وقرارات متغيرة، وحرب ممتدة، وتراجع في الدعم الداخلي، وخصم لا يزال صامداً.

لكن هذه المعضلة لا تعني بالضرورة أن الحل يكمن في التصعيد ومواصلة السعي إلى حسم عسكري، بغض النظر عن التكلفة، فمثل هذا الافتراض يفترض ضمناً وجود مستوى من القوة قادر، بصورة تلقائية، على إنتاج النتيجة السياسية المطلوبة؛ وهو أمر لم تثبته الحرب حتى الآن، لذلك، يجد ترامب نفسه أمام عدة مسارات صعبة: تسوية قابلة للتحقق تقيّد بصورة مستدامة التهديدات التي تمثلها إيران؛ أو سياسة احتواء طويلة الأمد تحدّ من قدرة إيران على إعادة بناء قدراتها وممارسة الابتزاز الإقليمي؛ أو تصعيد عسكري أوسع قد تتجاوز تكلفته النتائج التي يمكن تحقيقها واقعياً.

إذا تمكن ترامب من تجاوز مجرد توجيه الضربات، ونجح فعلياً في التوصل إلى حل سياسي، فسيكون بمقدوره القول إنه عزز الردع الأمريكي وأثبت أن التحدي الإيراني يمكن احتواؤه وحسمه من دون أن تفرض واشنطن على نفسها قيداً استراتيجياً جديداً، أما إذا انتهت ولايته وإيران لا تزال صامدة، وتعيد بناء قدراتها، وقادرة على تهديد جيرانها، فلن يترك ترامب لخلفه مجرد ملف لم يُحسم، بل سيترك وراءه إرث حرب بدأت بالحديث عن سحق الخصم، ثم انزلقت إلى الجمود والتردد والبحث عن مخرج مقبول.

في ظل هذه الظروف تحديداً، قد يترسخ “عقد إيران”، ومن ثم، فإن ترامب لا يقرر فقط كيف ستنتهي الحرب التي بدأها، بل قد يكون أيضاً بصدد تحديد الكيفية التي ستنظر بها الإدارات الأمريكية المستقبلية إلى استخدام القوة ضد الخصوم، وكيف ستتعامل مع إيران في السنوات المقبلة.

في المحصلة، ستحدد هذه التجربة ما إذا كانت إيران ستُنظر إليها بوصفها تهديداً يمكن ردعه والتعامل معه بحسم، أم باعتبارها فخاً تستطيع واشنطن الدخول إليه، لكنها لا تعرف كيف تخرج منه، ويبقى السؤال الذي سيحدد إرث ترامب هو: هل سينهي ترامب الحرب التي بدأها، أم سيخلق لإيران مصدراً جديداً للقوة الردعية، مستمداً من خشية الولايات المتحدة من تكرار هذه التجربة؟.

يبقى السؤال الذي سيحدد إرث ترامب هو: هل سينهي ترامب الحرب التي بدأها، أم سيخلق لإيران مصدراً جديداً للقوة الردعية، مستمداً من خشية الولايات المتحدة من تكرار هذه التجربة؟

عمر القاسم

المؤسس ورئيس تحرير منصة إيغل إنتيلجنس ريبورتس، المتخصصة في التحليل السياسي والاستراتيجي المعمّق. يمتلك خبرة طويلة في العمل الإعلامي، ويقدّم قراءات تحليلية تغطي قضايا الجغرافيا السياسية، الصراعات الدولية، والتحولات في موازين القوى العالمية.

اشترك مجاناً في تقارير إيغل إنتيلجنس

رؤى وتقارير حصرية

تمتّع بإمكانية الوصول إلى تحليلات متعمّقة، ومعلومات استخباراتية حصرية، وتقارير خبراء مُصمّمة خصيصاً لتبقى على اطلاع دائم، وفي صدارة المتابعين لأهم التطورات العالمية.

بالاشتراك، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا.

موضوعات أخرى
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير

اشترك مجاناً في تقارير إيغل إنتيلجنس

رؤى وتقارير حصرية

تمتّع بإمكانية الوصول إلى تحليلات متعمّقة، ومعلومات استخباراتية حصرية، وتقارير خبراء مُصمّمة خصيصاً لتبقى على اطلاع دائم، وفي صدارة المتابعين لأهم التطورات العالمية.

بالاشتراك، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا.

ايغل انتيلجنس ريبورتس
Privacy Overview

This website uses cookies so that we can provide you with the best user experience possible. Cookie information is stored in your browser and performs functions such as recognising you when you return to our website and helping our team to understand which sections of the website you find most interesting and useful.