حصري
في الأيام التي سبقت وصول أحد أكبر الوفود الاستثمارية الإماراتية منذ سنوات إلى لبنان في أواخر أغسطس، لم تكن السعودية تكتفي بمراقبة التحرك المتجدد لأبوظبي نحو بلد جعله انهياره الاقتصادي في أمسّ الحاجة إلى رؤوس الأموال الأجنبية والاستثمارات الإقليمية.
ووفقاً لمصادر مطّلعة وموثوقة على الاتصالات التي جرت قبيل انعقاد منتدى الأعمال الإماراتي–اللبناني، تواصل المبعوث السعودي إلى لبنان، يزيد بن محمد بن فرحان، مع عدد من الشخصيات السياسية اللبنانية، وحثها على التحرك ضد المؤتمر، بهدف صريح هو عرقلة المخرجات السياسية والاستثمارية المتوقعة للمؤتمر.
وقالت المصادر لـ”إيغل إنتيلجنس ريبورتس”: إن “ابن فرحان حثّ الشخصيات التي تواصل معها على تأطير معارضتها للمؤتمر تحت شعار رفض “أموال التطبيع”، في إشارة إلى علاقة الإمارات بإسرائيل“.
وبحسب المصادر، كان الهدف من ذلك جعل الاستثمارات الإماراتية المستقبلية ذات كلفة سياسية أكبر داخل لبنان، من خلال نقل النقاش من القيمة التجارية للمشروعات الفردية إلى مسألة مشروعية قبول رؤوس الأموال القادمة من دولة تربطها علاقات رسمية بإسرائيل، فمن شأن هذا الطرح أن يجعل السياسيين والمسؤولين اللبنانيين والشركاء المحليين أكثر تردداً في تسهيل تنفيذ المشروعات الإماراتية، حتى بعد انتهاء المؤتمر نفسه.
استمر الاهتمام السعودي بعد اختتام المنتدى، ووفقاً للمصادر، طلب ابن فرحان لاحقاً من السفير السعودي لدى لبنان، فهد بن عبدالرحمن الدوسري، إعداد تقرير مفصل عن الشخصيات السياسية اللبنانية التي حضرت الفعالية، أو دعمتها، أو رحبت علناً بمخرجاتها.
وأضافت المصادر: “إن الهدف من ذلك كان تقييم وتصنيف الأطراف السياسية وفقاً لمدى دعمها للمبادرة الإماراتية، ومساعدة الرياض على تحديد مواقف الشخصيات اللبنانية، في وقت كانت فيه أبوظبي توسّع حضورها الاقتصادي والمؤسسي في البلاد”.
ولم يتمكن “إيغل إنتيلجنس ريبورتس” من التحقق بصورة مستقلة من مضمون تلك الاتصالات.
تشير هذه الواقعة إلى تحوّل أوسع في طبيعة التنافس السعودي-الإماراتي، حيث ظلّ التنافس بين الرياض وأبوظبي واضحاً منذ فترة طويلة في ملفات عدة، من بينها اليمن والسودان وسياسات الطاقة والموانئ والتجارة والنفوذ الإقليمي، إلا أن الحالة اللبنانية توحي بنموذج أكثر تأثيراً؛ إذ لا يقتصر الأمر على التنافس لتقديم قدر أكبر من رأس المال، أو دعم سياسي أقوى، أو فرص وصول تجاري أفضل، بل يمتد إلى السعي للحد من قدرة الطرف المنافس على ترسيخ نفوذه في دولة عربية ثالثة.
الحالة اللبنانية توحي بنموذج أكثر تأثيراً إذ لا يقتصر الأمر على التنافس لتقديم قدر أكبر من رأس المال أو دعم سياسي أقوى أو فرص وصول تجاري أفضل بل يمتد إلى السعي للحد من قدرة الطرف المنافس على ترسيخ نفوذه في دولة عربية ثالثة
هذا الفرق مهم، لأنه يغيّر الجهة التي تتحمل الكلفة، فعندما تتنافس الرياض وأبوظبي عبر تقديم تمويل أفضل، أو شروط تجارية أكثر جاذبية، أو مشاريع أكثر طموحاً، يمكن لدولة مثل لبنان أن تستفيد من تعدد الخيارات المتاحة أمامها، أما عندما تسعى إحدى العاصمتين إلى عرقلة مبادرات الأخرى، فإن كلفة هذا التنافس تنتقل إلى الدولة التي تستضيفه، وتصبح القرارات الاستثمارية متشابكة مع حسابات النفوذ والسياسة الإقليمية.
منتدى أعمال بدلالات سياسية أوسع
انعقد منتدى الأعمال الإماراتي-اللبناني في بيروت يومي 26 و27 أغسطس، تحت رعاية رسمية رفيعة المستوى على نحو غير معتاد، حيث ترأس الوفد الإماراتي وزير الدولة للتجارة الخارجية، ثاني بن أحمد الزيودي، وضم عشرات المسؤولين التنفيذيين وقادة قطاع الأعمال، ممثلين لأكثر من 50 شركة، فيما ضم الجانب اللبناني شخصيات بارزة من القطاع الخاص وخمسة وزراء.
بحلول نهاية اليوم الأول من المنتدى، وُقّعت أربع مذكرات تفاهم، من بينها مذكرة لإنشاء مجلس الأعمال الإماراتي-اللبناني، الذي عقد أول اجتماع له فور تأسيس، كما تضمنت اتفاقيات أخرى شراكة بين غرفة أبوظبي وغرفة بيروت وجبل لبنان، إلى جانب التعاون في مجالي الزراعة والأمن الغذائي بين مؤسسات إماراتية ولبنانية، وفي اليوم التالي، وقّع وزير الاقتصاد اللبناني، عامر بساط، ووزير التجارة الخارجية الإماراتي، ثاني بن أحمد الزيودي، مذكرة تفاهم خامسة أنشأت إطاراً حكومياً مشتركاً لتوسيع نطاق التجارة والاستثمارات.

استقبل الرئيس اللبناني جوزيف عون الوفد في قصر بعبدا، ووصف الزيارة بأنها “رسالة أمل”، فيما منحت حكومة رئيس الوزراء نواف سلام المنتدى دعماً سياسياً كاملاً، حيث حملت الزيارة أيضاً أهمية سياسية كبيرة، إذ كانت بيروت وأبوظبي على تواصل في الفترة التي سبقت وصول الوفد مباشرة، بينما كان ممثلو الإمارات يبحثون فرصاً في قطاعات تشمل الجمارك، وتشغيل المطارات والموانئ، ومنشآت الطاقة، والزراعة، والسياحة، والبنية التحتية الرقمية.
وانعقد المنتدى في ظل غياب رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام، الذي يُنظر إليه على أنه قريب من السعودية، الذي لم يحضر أيضاً الاجتماع مع الوفد الإماراتي، رغم أهمية الزيارة للبنان، مبرراً غيابه بقضاء إجازة عائلية خارج البلاد.
مع ذلك، أسفرت الزيارة عن وضع أطر ومؤسسات للتعاون أكثر مما أسفرت عن استثمارات رأسمالية فورية، فلم يُعلن عن أي التزام ملزم بضخ مليارات الدولارات، كما أن أياً من مذكرات التفاهم لم يكن قد تحوّل، حتى نهاية الفترة التي يغطيها التقرير، إلى مشروع ممول بالكامل.
توفر مذكرات التفاهم قنوات وفرصاً للتعاون، لكن المرحلة الأكثر أهمية تبدأ لاحقاُ، عندما تحدد دراسات الجدوى، وإجراءات التوريد، وآليات التمويل، والموافقات التنظيمية، وترسية العقود، أياً من هذه المبادرات سيمضي قدماً على أرض الواقع.
وهي أيضاً المرحلة التي تتوافر فيها فرص أكبر بكثير لممارسة الضغوط السياسية والتأثير في مسار المشاريع، فالحيلولة دون انعقاد مؤتمر بارز كانت ستتطلب مواجهة علنية، وكان من الصعب القيام بذلك بعدما تبنّت الحكومة اللبنانية الزيارة رسمياً، أما إبطاء تحويل مذكرات التفاهم إلى عقود أو تعقيد هذه العملية، فهو أقل وضوحاً للعلن، وقد يكون أكثر فاعلية، ولا سيما في لبنان، حيث توفر المنافسة السياسية، والتأخيرات البيروقراطية، والمخاطر المصرفية، وإجراءات المشتريات العامة نقاطاً متعددة يمكن أن تتعثر عندها المشاريع.
لماذا يحمل توصيف “أموال التطبيع” أهمية سياسية؟
المعلومات المنسوبة إلى ابن فرحان تحمل دلالة سياسية قوية، لأن التطبيع مع إسرائيل لا يزال من أكثر القضايا حساسية في الحياة العامة اللبنانية، إذ أن ربط رأس المال الإماراتي بالتطبيع يغيّر طبيعة السؤال المطروح أمام صنّاع القرار اللبنانيين؛ فبدلاً من التساؤل عما إذا كان المشروع مجدياً من الناحية التجارية أو مفيداً للاقتصاد، يمكن دفعهم إلى مواجهة سؤال آخر: هل ينطوي قبول الاستثمار بحد ذاته على كلفة سياسية؟، إذ يوفّر توصيف “أموال التطبيع” وسيلة لثني الاستثمارات من دون الطعن في الجدوى الاقتصادية لكل مشروع على حدة.
يوفّر توصيف “أموال التطبيع” وسيلة لثني الاستثمارات من دون الطعن في الجدوى الاقتصادية لكل مشروع على حدة
قد يجد وزير لبناني، أو زعيم سياسي، أو شريك تجاري يفكر في المشاركة في مبادرة إماراتية نفسه مضطراً إلى موازنة الأمر، ليس فقط من حيث العائد الاقتصادي المحتمل، وإنما أيضاً من حيث التبعات السياسية والسمعة المترتبة على تصويره باعتباره مساهماً في أجندة أوسع للتطبيع.
ظهرت مؤشرات على وجود معارضة داخلية بالتزامن مع سير الزيارة الإماراتية، فبعد يومين من مغادرة الوفد بيروت، نشرت “أساس ميديا” مقالاً بعنوان: “غرفة تجارة أم غرفة تطبيع؟”، شكك في التداعيات السياسية للانفتاح الإماراتي، ورأى أن أي انخراط خليجي كبير مجدداً في لبنان يتطلب توافقاً عربياً أوسع، تمثل السعودية ركيزته الأساسية.
الأهم من ذلك، أن المقال تناول أولوية السعودية ليس بوصفها مجرد واقع قائم في إطار الانخراط الخليجي مع لبنان، بل باعتبارها مبدأً ينبغي أن يحدد هامش التحرك المتاح للعواصم الخليجية الأخرى للعمل بصورة مستقلة، كما ربط المقال بين التحرك التجاري الإماراتي وسياسات التطبيع، محوّلاً ما قُدّم علناً على أنه مبادرة استثمارية إلى قضية تتعلق بالاصطفاف الإقليمي والشرعية السياسية.
كما اتهم صحفي لبناني جهةً إقليمية، في إشارة ضمنية إلى الإمارات، بإنفاق الأموال على وسائل الإعلام اللبنانية ومسؤولين لبنانيين بهدف الترويج للتطبيع، فرغم أن هذا الطرح ظل محدود الانتشار، إلا أنه عكس مدى سرعة إعادة تأطير المبادرة الإماراتية، من انفتاح اقتصادي إلى اختبار سياسي يتداخل فيه ملف إسرائيل، والنفوذ الخليجي، والولاءات السياسية الداخلية في لبنان.
لماذا يكتسب لبنان أهمية لكلٍّ من الرياض وأبوظبي؟
لا يمكن تفسير الحساسية المحيطة بالمنتدى بحجم الأموال التي أُعلن عنها، إذ لم يُلتزم سوى بقدر محدود نسبياً من رؤوس الأموال بصورة ملزمة، حيث تكمن أهمية المنتدى، بدلاً من ذلك، في الهيكل المؤسسي الذي تسعى أبوظبي إلى بنائه، فإنشاء مجلس أعمال مشترك، وإقامة روابط مباشرة بين غرف التجارة، وإبرام شراكات متخصصة في قطاعات محددة، واستمرار التواصل بين الشركات والوزارات، كلها عوامل من شأنها أن تُنشئ شبكة تتجاوز في عمرها العلاقات السياسية الفردية، وإذا ما نضجت هذه الشبكة، فقد تمنح الإمارات دوراً مستداماً في تشكيل قائمة المشاريع المطروحة، وتحديد فرص الاستثمار، والتأثير في الهيكل التجاري لعملية تعافي لبنان وإعادة إعمار البلاد في نهاية المطاف.

يختلف هذا النهج عن نموذج النفوذ الخليجي المرتبط تاريخياً بلبنان، والذي لعبت فيه الرعاية السياسية، والعلاقات الشخصية، والروابط مع أحزاب أو زعماء محددين دوراً محورياً في كثير من الأحيان.
بالنسبة إلى السعودية، التي أمضت عقوداً بوصفها الطرف الخليجي الأكثر تأثيراً في السياسة اللبنانية، فإن المسألة لا تقتصر على ما إذا كانت الإمارات ستوقّع مذكرة تفاهم أو تموّل مشروعاً بعينه، فالسؤال الأكثر استراتيجية هو ما إذا كانت أبوظبي تعمل على بناء بوابة موازية إلى لبنان، من شأنها أن تقلّص قدرة الرياض التقليدية على التأثير في الوصول الخليجي السياسي والاقتصادي إلى البلاد.
كانت السعودية نفسها تعمل على استعادة حضورها في لبنان، لكن وفق جدول زمني مختلف وبتركيز مغاير، ففي يونيو، أمر ولي العهد السعودي محمد بن سلمان باستئناف الصادرات اللبنانية إلى المملكة، بعد سنوات من القيود، فيما كثّف ابن فرحان انخراطه الدبلوماسي في بيروت، في إطار سياسة سعودية ربطت استئناف الانخراط الأوسع في لبنان بقضايا سيادة الدولة، والإصلاح المؤسسي، ومسألة السلاح الخارج عن سيطرة الحكومة.
وعليه، جاءت العودة السعودية تدريجية ومشروطة وذات طابع سياسي قوي، أما العودة الإماراتية، فجاءت بوتيرة أسرع، وأكثر اعتماداً على الأطر التجارية والمؤسسية، وأكثر تركيزاً بصورة واضحة على الشركات وغرف التجارة واستكشاف المشاري، فمن منظور لبنان، يمكن أن يتعايش النهجان بل وأن يكمل أحدهما الآخر، لكنهما يتحولان إلى مصدر توتر عندما ينظر أحد الطرفين إلى توسع الطرف الآخر باعتباره انتقاصاً من هامشه الاستراتيجي.
من التنافس إلى الفيتو السعودي
لم يعد التنافس السعودي-الإماراتي مجرد موضوع للتكهنات والتحليلات، فعلى مدى السنوات الماضية، أصبحت الخلافات بين الرياض وأبوظبي أكثر وضوحاً في ملفات عدة، من بينها اليمن والسودان والبحر الأحمر وسياسات الطاقة والموانئ والخدمات اللوجستية والمنافسة التجارية الإقليمية، حيث كشفت هذه الخلافات عن اتساع الفجوة بين حكومتين كان يُنظر إليهما، حتى وقت قريب، على أنهما تتحركان ضمن الكتلة الاستراتيجية نفسها.
ليس التنافس بين القوى الإقليمية الطموحة أمراً غير مألوف، ولا هو بالضرورة عاملاً مزعزعاً للاستقرار، بل يمكن أن يكون مفيداً للدول الأصغر أو الأكثر هشاشة اقتصادياً، عندما تسعى القوى المتنافسة إلى تعزيز نفوذها من خلال تقديم شروط تمويل أكثر جاذبية، وإتاحة وصول أفضل إلى الأسواق التجارية، وتوفير بنية تحتية أقوى، أو طرح آليات استثمار أكثر كفاءة، إذ أن المشكلة تبدأ عندما يتوقف التنافس عن أن يكون قائماً على تقديم عرض أفضل، ويتحول بدلاً من ذلك إلى محاولة حرمان الطرف المنافس من الوصول.
المشكلة تبدأ عندما يتوقف التنافس عن أن يكون قائماً على تقديم عرض أفضل ويتحول بدلاً من ذلك إلى محاولة حرمان الطرف المنافس من الوصول
ثمة فرق جوهري بين أن تردّ السعودية على التحرك التجاري الإماراتي في بيروت بإيفاد وفد استثماري سعودي أكبر، وبين أن تسعى إلى إقناع شخصيات سياسية لبنانية بعرقلة المبادرة الإماراتية، فالخيار الأول يوسّع الخيارات المتاحة أمام لبنان ويعزز المنافسة على سوقه، بينما يضيّق الخيار الثاني هذه البدائل، من خلال جعل الوصول إلى رأس المال الأجنبي مرهوناً بحسابات سياسية إقليمية.
وعليه، تطرح الحالة اللبنانية سؤالاً أوسع بشأن الاستراتيجية الإقليمية للسعودية: هل بدأت الرياض، في سعيها إلى الحفاظ على دور قيادي بات محل منافسة متزايدة من عواصم خليجية أخرى، تتعامل مع المبادرات المستقلة التي تطلقها تلك العواصم باعتبارها تحديات ينبغي احتواؤها، بدلاً من النظر إليها كفرص لانخراط تكاملي يخدم المصالح المشتركة؟.
من شأن هذا النهج أن يحمّل المنطقة تكاليف تتجاوز لبنان بكثير، فالدولة التي تسعى إلى جذب الاستثمارات لا ينبغي أن تضطر إلى الاختيار بين قبول رأس المال الإماراتي والحفاظ على علاقاتها مع السعودية، تماماً كما لا ينبغي أن يُفسَّر الانخراط في مبادرة اقتصادية عربية تلقائياً على أنه تحالف ضد عاصمة عربية أخرى.
عودة سياسة المحاور من طريق آخر
لا تملك لبنان مصلحة وطنية ملحّة في الاختيار بين الاستثمارات السعودية والإماراتية، فمصلحته الاقتصادية تكمن في جذب أكبر قدر ممكن من رؤوس الأموال الإقليمية الموثوقة، شريطة أن تستوفي المشاريع المتطلبات القانونية والمالية والاستراتيجية، حيث ينطبق المنطق نفسه على جزء كبير من العالم العربي، ولا سيما الدول التي تواجه احتياجات لإعادة الإعمار، وضغوطاً مالية، وفجوات في البنية التحتية، أو محدودية في الوصول إلى رأس المال الدولي.
السلوك الذي وصفته المصادر يخلق مجموعة مختلفة من الحوافز، فإذا أصبح حضور مؤتمر استثماري إماراتي عاملاً يدخل في تقييم السعودية للشخصيات السياسية اللبنانية، فإن المشاركة فيه قد تكتسب دلالة تتجاوز حدود الفعالية نفسها، وعندها يبدأ السياسيون في التفكير ليس فقط في مدى استفادة لبنان من المبادرة، بل أيضاً في كيفية تفسير مشاركتهم في الرياض، وما قد يترتب عليها بالنسبة إلى علاقاتهم السياسية أو المالية المستقبلية مع المملكة، وهكذا يمكن أن تعود سياسة المحاور الإقليمية إلى الظهور من دون الحاجة إلى إنشاء محاور رسمية.
في الأنظمة السياسية التي تعتمد بدرجة كبيرة على العلاقات المالية والدبلوماسية مع الخارج، يمكن للتوقعات أن تؤثر في السلوك قبل وقت طويل من ممارسة أي ضغوط صريحة، حيث يبدأ القادة السياسيون والوزراء ورجال الأعمال والمسؤولون في تجنّب مبادرات معينة، ليس لأنهم يعارضون المشاريع ذاتها، بل خشية التداعيات السياسية والإقليمية التي قد تُفسَّر على أساسها مشاركتهم.
في الأنظمة السياسية التي تعتمد بدرجة كبيرة على العلاقات المالية والدبلوماسية مع الخارج يمكن للتوقعات أن تؤثر في السلوك قبل وقت طويل من ممارسة أي ضغوط مباشرة
النتيجة هي عودة منطق مألوف من نوع “مع أي طرف تقف؟”، فُرض على قضايا لا يفترض أن تتطلب مثل هذا الاختيار، فقد تتحول صفقة امتياز لإدارة ميناء، أو استثمار زراعي، أو مجلس أعمال، أو مشروع لإعادة الإعمار، إلى مؤشر على التحالف الجيوسياسي، حتى عندما يكون القرار الاقتصادي الأساسي بعيداً في جوهره عن الخلاف بين العواصم الخليجية.
وبالنسبة إلى الدول العربية التي تسعى إلى تنويع شراكاتها، فإن النتيجة تتمثل في تراجع استقلاليتها الاستراتيجية، في وقت يفترض فيه أن تسهم زيادة الاستثمارات الإقليمية في توسيع هامش تحركها وقدرتها على المناورة.
عرقلة أبوظبي لا تعني بالضرورة استفادة الرياض
ثمة هناك خلل رئيسي في سياسة العرقلة باعتبارها استراتيجية إقليمية؛ فالسعودية لا تستحوذ تلقائياً على ما تخسره الإمارات، فإذا جرى عرقلة مشروع زراعي إماراتي في لبنان، فهذا لا يعني بالضرورة أن شركة سعودية ستحلّ محلها، وإذا جرى ثني مستثمر إماراتي عن الدخول في مشروع للموانئ أو السياحة أو الحصول على امتياز في قطاع الخدمات اللوجستية، فلا يوجد ما يضمن أن الرياض ستموّل بديلاً عن، فقد يختفي المشروع ببساطة.
يكتسب هذا الأمر أهمية خاصة في الاقتصادات عالية المخاطر مثل لبنان، حيث يواجه المستثمرون أصلاً ضعفاً مؤسسياً، وعدم استقرار مالي، وحالة من عدم اليقين السياسي، وإجراءات معقدة للمشتريات العامة، وقد تكون إضافة مخاطر جيوسياسية إلى هذه البيئة كافية لدفع رؤوس الأموال إلى وجهات أخرى، وفي مثل هذه الحالات، يكون الخاسر المباشر هو لبنان، وليس أبوظبي.
كما أن هذه النتيجة تتعارض مع السردية الإقليمية الأوسع التي روّجت لها حكومات الخليج نفسها خلال السنوات الأخيرة، ومفادها بأن التكامل الاقتصادي، وممرات التجارة، والاستثمار ينبغي أن تحلّ تدريجياً محل الصراعات بالوكالة والاستقطاب الأيديولوجي بوصفها مرتكزات أساسية لتنظيم العلاقات السياسية في الشرق الأوسط، إذ لا يمكن للتعاون الاقتصادي الإقليمي أن يؤدي دوره بفاعلية إذا كان يتعين على كل استثمار عربي كبير أن يجتاز أولاً اعتراضات استراتيجية تصدر عن أقوى عاصمة في المنطقة.
ما الذي كان يهدف إليه تقرير الشخصيات المشاركة؟
إعداد التقارير عن الشخصيات السياسية المحلية وعلاقاتها بالحكومات الأجنبية تُعدّ ممارسةً اعتيادية لدى السفارات، كما أن رسم خريطة للمشهد السياسي يُشكّل جزءاً طبيعياً من العمل الدبلوماسي، إلا أن أهمية هذا التقرير في هذه الحالة تكمن في الصلة بين التقييم المطلوب والجهود السابقة التي وصفتها المصادر لعرقلة المؤتمر والحد من نتائجه.
وفي هذا السياق، يصبح التقرير جزءاً من جهد أوسع لفهم أيّ الأطراف اللبنانية كانت مستعدة للتعاون مع أبوظبي رغم الاعتراضات السعودية، وكيف توزّع الدعم للمبادرة الإماراتية على امتداد المشهد السياسي اللبناني.
يمكن أن تترتب على هذا النوع من الرصد تداعيات حتى من دون فرض عقوبات رسمية أو توجيه تهديدات صريحة، حيث يصبح الفاعلون السياسيون الذين يدركون أن مشاركتهم تخضع للتقييم من منظور التنافس الخليجي أكثر حذراً إزاء المبادرات الإماراتية المستقبلية، ولا سيما إذا كانوا يعتمدون على الدعم السياسي السعودي، أو العلاقات المالية، أو إمكانية الوصول التي توفرها الرياض.
بعبارة أخرى، لا يحتاج الضغط إلى أن يتخذ شكل “فيتو” علني حتى يؤثر في السلوك؛ إذ إن مجرد إدراك السياسيين أن خياراتهم ستُسجَّل وتخضع للتفسير والتقييم يمكن أن يتحول بحد ذاته إلى أداة من أدوات النفوذ.
لبنان كاختبار مبكر
حتى الآن، لم تنجح الجهود الرامية إلى عرقلة المبادرة الإماراتي، حيث انعقد المنتدى في موعده، وظلت المشاركة اللبنانية الرسمية على مستوى مرتفع، وجرى توقيع خمس مذكرات تفاهم، كما أُنشئ مجلس الأعمال المشترك، ولم تتراجع الدولة اللبنانية عن المبادرة بعد ظهور الانتقادات، بينما غادرت الإمارات بيروت بإطار مؤسسي جديد لمتابعة الفرص المستقبلية، وهذا يجعل المرحلة المقبلة أهم من المؤتمر نفسه.
الاختبار الحقيقي سيكون ما إذا كان مجلس الأعمال سيواصل عقد اجتماعاته، وما إذا كانت دراسات الجدوى ستحرز تقدماً، وما إذا كانت ستُطرح المناقصات، وما إذا كانت الشركات الإماراتية ستنتقل من المناقشات الاستكشافية إلى تقديم عروض رسمية، وما إذا كانت أي من المشاريع ستتعثر في نهاية المطاف لأسباب تجارية أو بيروقراطية أو سياسية.
تكتسب هذه المرحلة أهمية خاصة لأن لبنان يعاني أصلاً ما يكفي من العقبات الداخلية التي يمكن أن تؤخر الاستثمارات أو تعرقلها، من دون الحاجة إلى تدخل خارجي، فإجراءات المشتريات العامة، والمخاطر المصرفية، والنزاعات القانونية، وضعف البنية التحتية، والتنافس بين الشبكات السياسية والتجارية المحلية، كلها عوامل يمكن أن تؤدي، كلٌّ على حدة، إلى إبطاء تنفيذ المشاريع.
لذا فإن تعثّر مذكرة تفاهم لن يثبت، بحد ذاته، نجاح الضغوط السعودية، تماماً كما أن توقيع مذكرات التفاهم لا يضمن بالضرورة تحقّق الاستثمارات الإماراتية على أرض الواقع، غير أن ما تكشفه واقعة بيروت بالفعل هو شكل أكثر حدة من التنافس على النفوذ الخليجي في لبنان، إذ يبدو أن الرياض باتت قلقة بصورة متزايدة، ليس فقط من إعادة بناء نفوذها هي، بل من التداعيات السياسية المترتبة على قيام أبوظبي ببناء نفوذ مستقل لها، حيث تكتسب هذه المسألة أهمية بالنسبة إلى لبنان، لأن تعافي البلاد يتطلب مصادر إضافية لرأس المال، لا تقليصها، كما أنها مهمة أيضاً لأن دفع الأطراف المحلية إلى التعامل مع الاستثمارات العربية باعتبارها اختباراً للولاء السياسي ينطوي على خطر إعادة إنتاج سياسة المحاور نفسها التي حدّت مراراً من قدرة المنطقة على التعاون عبر التحالفات المتنافسة.
تكتسب هذه المسألة أهمية لأن دفع الأطراف المحلية إلى التعامل مع الاستثمار العربي باعتباره اختباراً للولاء السياسي ينطوي على خطر إعادة إنتاج سياسة المحاور نفسها التي حدّت مراراً من قدرة المنطقة على التعاون عبر التحالفات المتنافسة
يمكن للسعودية أن تنافس الإمارات في لبنان من خلال زيادة استثماراتها، وتوسيع نطاق تجارتها، وتقديم شروط تمويل أقوى، وطرح شراكة اقتصادية أكثر جاذبية أمام المؤسسات اللبنانية، فمن شأن هذا النوع من التنافس أن يوسّع الخيارات المتاحة أمام لبنان، ويعزّز النفوذ السعودي من خلال ما يقدمه من أداء ونتائج، لا من خلال تقييد الطرف الآخر.
أما محاولة جعل الاستثمارات الإماراتية ذات كلفة سياسية، فتؤدي إلى نتيجة معاكسة؛ إذ تحوّل التنافس على القيادة إلى قيدٍ على خيارات الدول العربية ذاتها التي يدور التنافس على قيادتها، وفي منطقة تصف بصورة متزايدة التكامل الاقتصادي بأنه هدف استراتيجي، قد يكون ذلك من بين التداعيات الأكثر ضرراً لاتساع نطاق التنافس السعودي-الإماراتي.


