أقرت الولايات المتحدة هذا الأسبوع بأنها استخدمت نموذج الذكاء الاصطناعي “غروك” التابع لإيلون ماسك ضمن نظام عسكري لتحديد الأهداف، الذي ساعد القوات الأمريكية على توجيه أكثر من ألفي ضربة ضد أهداف في إيران، ما يعني أن نموذج ذكاء اصطناعي تجاري أصبح جزءاً من المنظومة التي تساعد القادة العسكريين على اتخاذ قرارات بشأن مواقع الضربات، حيث تُعد هذه التفاصيل، التي وردت في ملف قضائي لوزارة الدفاع الأمريكية “البنتاغون”، كأوضح مؤشر حتى الآن على انتقال الذكاء الاصطناعي إلى صلب أدوات القوة التي تمتلكها الدول.
يمثل هذا الحدث جرس إنذار للدول؛ فالذكاء الاصطناعي المتقدم يعيد تشكيل توازن القوى بينها، والأخطر أنه يجعل هذا التوازن أكثر غموضاً وأشد صعوبة في الرصد والتقييم، فعندما تعجز الدول عن تحديد الطرف الذي يمتلك التفوق، فإنها تتصرف بدافع الخوف لا استناداً إلى الحقائق، ومن ثم، فإن الخطر الحقيقي في هذا السباق لا يقتصر على التصعيد، بل يتمثل في سوء التقدير؛ أي المخاطر الناجمة عن نظام دولي يزداد انغماساً في معضلة أمنية متفاقمة.
يعيد الذكاء الاصطناعي المتقدم تشكيل توازن القوى بين الدول والأخطر أنه يجعل هذا التوازن أكثر غموضاً وأشد صعوبة في الرصد والتقييم
هذا ما يميز سباق التسلح الجديد في مجال الذكاء الاصطناعي عن حقبة الحرب الباردة، حيث كان بالإمكان إحصاء القدرات النووية والتحقق منها، أما قدرات الذكاء الاصطناعي فهي أكثر صعوبةً في القياس أو الاحتواء؛ إذ تنتشر في غضون ثوانٍ، ويمكن للنموذج ذاته أن يُستخدم في الهجوم أو الدفاع، ما يجعل الحجم الحقيقي لقدرات الخصوم مجرد تقديرات غير مؤكدة.
في الشهر الماضي، حذّرت رئيسة وكالة الاستخبارات البريطانية الحكومية للاتصالات، آن كيست-باتلر، في خطاب علني نادر، من أن خطر سوء التقدير بلغ أعلى مستوياته منذ ثلاثة عقود، وكانت تشير بذلك إلى حالة الضبابية التي تكتنف موازين القوة في عصر الذكاء الاصطناعي.
حماية أقوى نموذج
لنبدأ بالنموذج الذي يقف في قلب هذه التطورات، حيث طورت شركة أنثروبيك الأمريكية نموذج “ميثوس” بوصفه أقوى أنظمتها على الإطلاق، ثم قررت عدم طرحه للبيع، وتقول الشركة إن النموذج قادر على اكتشاف آلاف الثغرات البرمجية الخفية خلال أسابيع، وخلال الاختبارات، تمكن من كشف ثغرات في جميع أنظمة التشغيل والمتصفحات الرئيسية التي جرى فحصها.
بدلاً من إتاحته للعامة، شاركت أنثروبيك النموذج مع مجموعة محدودة ضمن برنامج يحمل اسم “مشروع غلاسوينغ”، حيث شملت الجهات الأولى التي حصلت على إمكانية الوصول إليه شركات “أمازون وآبل وإنفيديا”، إلى جانب الحكومة الأمريكية ووكالة الأمن السيبراني التابعة للاتحاد الأوروبي، ومنذ ذلك الحين، وسعت الشركة نطاق الوصول ليشمل أكثر من 150 مؤسسة تقنية وبنية تحتية خضعت للتدقيق في أكثر من 15 دولة، إذ يعكس هذا الحذر دلالة مهمة؛ فالأداة القادرة على اكتشاف نقاط الضعف على نطاق واسع يمكن استخدامها في الهجوم كما الدفاع، وعندما تجعل التكنولوجيا عمليات الهجوم أكثر سهولة، تتزايد مخاوف الدول وتبدأ سباقات التنافس بينها.
الأداة القادرة على اكتشاف نقاط الضعف يمكن استخدامها في الهجوم كما الدفاع وعندما تجعل التكنولوجيا الهجوم أكثر سهولة تتزايد مخاوف الدول وتبدأ سباقات التنافس
الذكاء الاصطناعي كسلاح استراتيجي
يفسر المنطق ذاته ما حدث لاحقاً، حيث أطلقت “أنثروبيك” مؤخراً نسخة عامة أكثر تقييداً تحمل اسم “فابل 5″، صُممت لرفض أكثر الطلبات خطورة، غير أن ذلك لم يدم طويلاً؛ فبعد 72 ساعة فقط، فرضت الحكومة الأمريكية قيوداً على الوصول إليها لأسباب تتعلق بالأمن القومي، مانعة المستخدمين الأجانب من استخدامها.
اليوم، يعيد ذلك إلى الأذهان الخلاف السابق بين واشنطن و”أنثروبيك” بشأن إمكانية استخدام نماذجها في أنظمة المراقبة والأسلحة ذاتية التشغيل، حيث باتت الإدارة الأمريكية تنظر إلى هذه التكنولوجيا باعتبارها قدرة استراتيجية ينبغي التحكم بها، لا مجرد مشروع تجاري آخر، وهكذا بدأت الاعتبارات العسكرية والأمنية تتفوق تدريجياً على الاعتبارات التجارية والأخلاقية.
هذا الشهر، أفادت صحيفة مختصة في الشأن المالي بأن شركة أنثروبيك أوفدت مهندسين إلى وكالة الأمن القومي الأمريكية ” NSA” للمساعدة في تشغيل نموذج “ميثوس”، حيث يأتي ذلك بعد تقارير سابقة تحدثت عن استخدام الوكالة للنموذج رغم وجود حظر فيدرالي على تقنية أنثروبيك، ويبدو أن وكالة الاستخبارات لجأت إلى أقوى أداة متاحة، حتى في الوقت الذي كانت فيه حكومتها تحاول إقصاء الشركة، إذ لم تؤكد وكالة الأمن القومي هذه التقارير أو تنفها، كما امتنعت أنثروبيك عن التعليق، ما يزيد الغموض المحيط بالقضية.
يمتد هذا التوجه الآن إلى ساحة المعركة، حيث ساعد “غروك”، روبوت المحادثة التابع لشركة “إكس إيه آي” المملوكة لإيلون ماسك، في تنفيذ أكثر من ألفي ضربة ذخائر خلال أربعة أيام فقط، ضمن العملية العسكرية الأمريكية ضد إيران التي حملت اسم “الغضب الملحمي”، إذ يعمل “غروك” ضمن نظام “مافن” العسكري لتحديد الأهداف، وهو نظام يعرض المعلومات الاستخباراتية أمام القادة العسكريين، فلا يتخذ النظام قرارات الاستهداف بشكل مستقل، بل يحدد الأهداف التي تبدو جديرة بالاستهداف، فيما يبقى القرار النهائي بيد العنصر البشري.
المعضلة الأمنية بين أمريكا والصين
تحت القيود المفروضة على نموذج “فابل” تكمن منافسة استراتيجية أعمق، فوفقاً لتقارير من واشنطن، لم يكن الدافع الحقيقي وراء تقييد النموذج مرتبطاً بعيوبه المحتملة، بل بمسألة الوصول إليه، إذ سمحت شركة أنثروبيك بانتشار نموذج “ميثوس” على نطاق أوسع مما كانت الحكومة الأمريكية تسمح به، وكان من بين الجهات التي حصلت عليه شركة يُشتبه في ارتباطها بالصين، لذلك تحرك المسؤولون سريعاً لاستعادة السيطرة على التكنولوجيا، إذ لم يكن القلق من فشل النموذج، بل من امتلاك منافس له.
يمثل ذلك أوضح صور المعضلة الأمنية بين الولايات المتحدة والصين؛ إذ يسعى كل طرف إلى حرمان الآخر من تحقيق تفوق في مجال الحرب السيبرانية المدعومة بالذكاء الاصطناعي، فيما يفترض كل جانب الأسوأ بشأن نوايا وقدرات الطرف الآخر، وبما أن أياً من القوتين لا يستطيع قياس القوة الحقيقية لمنافسه بدقة، فإن كليهما يتصرف بدافع الخوف، والخوف هو البيئة التي تولد سوء التقدير، حيث تزداد احتمالات الحرب عندما يعتقد القادة، بالخطأ، أن الهجوم يمنح أفضلية حاسمة، كما أن السباق ذاته يدفع القوتين إلى تبني مواقف استباقية قد تزعزع الاستقرار الأمني العالمي.
تزداد احتمالات الحرب عندما يعتقد القادة بالخطأ أن الهجوم يمنح أفضلية حاسمة فالسباق ذاته قد يدفع الصين وأمريكا إلى تبني مواقف استباقية قد تزعزع الاستقرار الأمني العالمي
السباق يُهمّش أوروبا
في الوقت الحالي، يتسع نطاق هذا الغموض بصورة متزايدة، حيث حذرت رئيسة الأمن السيبراني في ألمانيا، كلوديا بلاتنرمؤخراً من أن الشركات الصينية تبدو وكأنها تقترب من تطوير نموذج يماثل “ميثوس” في القوة، مضيفة: إن “بعض هذه الشركات أوقفت بهدوء تحديث أنظمتها المفتوحة، في إشارة إلى أن العمل يجري بعيداً عن الأنظار، وإذا انتقلت الصين إلى العمل في بيئة مغلقة، فسيفقد الغرب أوضح نافذة لديه لمراقبة مدى تقدمها، ما سيزيد من مساحة التخمين وعدم اليقين”.

وفي الوقت نفسه، تتوسع القدرات السيبرانية المعتمدة على الذكاء الاصطناعي بدلاً من أن تتركز في أيدي عدد محدود من الجهات، فروسيا تختبر الشبكات الأوروبية يومياً، كما أطلقت شركة “أوبن إيه آي” مؤخراً نموذجاً مخصصاً للمهام السيبرانية، بينما تستمر التكنولوجيا في الانتشار بدلاً من الاستقرار في مركز واحد.
أما أوروبا، فتظل إلى حد كبير خارج دائرة الوصول إلى نموذج “ميثوس”، وتعتمد على الشركاء البريطانيين والأمريكيين للحصول على الرؤى والمعلومات، وبهذا المعنى، فإنها الأكثر عرضة للمخاطر لأنها الأقل اطلاعاً، حيث أبرز قرار الولايات المتحدة تقييد الوصول إلى التكنولوجيا حجم هذا الخطر، إذ أظهر قدرة واشنطن على قطع الوصول عن حلفائها متى شاءت، ما دفع الحكومات الأوروبية إلى تعزيز مساعيها لبناء ما باتت تسميه “الذكاء الاصطناعي السيادي”، وفي هذا السياق، حذّر أحد المشرعين الهولنديين مؤخراً قائلاً: “إن أوروبا ليست على الطاولة”.
توازن خفي
لا يشبه هذا الوضع حالة الردع النووي خلال الحرب الباردة، التي كان توازن القوى فيها أكثر وضوحاً وشفافية نسبياً، إذ ساعدت الرؤية المتبادلة بين الطرفين بالحفاظ على الاستقرار، لأن كلاً منهما كان يدرك أنه لا يملك ما يكسبه من توجيه الضربة الأولى، أما التوازن الاستراتيجي في عصر الذكاء الاصطناعي، فهو أكثر صعوبة من حيث الرصد والفهم، وهذا الغموض يفتح الباب أمام الأخطاء وسوء التقدير.
في المحصلة، ضمن سباق التسلح القائم على الذكاء الاصطناعي، لن تكون الأفضلية بالضرورة لمن يطوّر أقوى نموذج، بل لمن يتمكن من معرفة ما يمتلكه الآخرون فعلياً من قدرات، ومن هذا المنطلق، قد تكون المنافسة الحاسمة في جوهرها استخباراتية أكثر من أن تكون سباقاً في هندسة الذكاء الاصطناعي، فما يحدد موازين القوة اليوم ليس امتلاك القدرة فحسب، بل إمكانية رؤيتها وقياسها بدقة.
ما يحدد موازين القوة ليس امتلاك القدرة فحسب بل إمكانية رؤيتها وقياسها فقد تكون المنافسة الحاسمة في جوهرها استخباراتية أكثر منها سباقاً في هندسة الذكاء الاصطناعي



