اختبار الحليف الهادئ لروسيا

تقرير
اختبار الحليف الهادئ لروسيا
بوتين يتحدث مع لوكاشينكو خلال قمة الاتحاد الاقتصادي الأوراسي (أ ف ب)
ﺷﺎرك

حوّلت روسيا جمهورية بيلاروسيا إلى منصة متكاملة لحربها على أوكرانيا، فرغم أن نظام لوكاشينكو لا يرسل جنوداً للقتال، إلا أن الطرق والمصانع والمجال الجوي البيلاروسي جميعها تخدم العمليات العسكرية الروسية، غير أن هذا التحفّظ العسكري يتيح في الوقت نفسه هامشاً للمناورة، إذ تختبر واشنطن حالياً ما إذا كان الانخراط مع مينسك يمكن أن يوسّع هامش تحركها بعيداً عن موسكو.

اليوم، لا يزال من غير الواضح مدى قدرة هذا الترتيب على الصمود تحت الضغط، حيث أظهرت واقعة حديثة سبب أهمية هذا السؤال، ففي 19 يونيو 2026، منح فولوديمير زيلينسكي، الرئيس البيلاروسي ألكسندر لوكاشينكو مهلة أسبوع لإيقاف أربع محطات ترحيل روسية، وقالت أوكرانيا حينها: إن “هذه المحطات كانت تُستخدم لتوجيه الطائرات المسيّرة نحو شمالها وغربها”.

وبعد خمسة أيام، توقفت المحطات عن العمل، لكن كييف لم تتمكن من تحديد الجهة التي أوقفتها، أو حتى ما إذا كانت قد أُزيلت بالفعل، فقد يكون لوكاشينكو قد تدخل، أو ربما أوقفت موسكو العملية مؤقتاً أو أن المعدات توقفت عن العمل ببساطة، فهذه الضبابية أهم من معرفة الإجابة نفسها؛ إذ لا يستطيع أحد تحديد أين تنتهي قرارات بيلاروسيا وتبدأ قرارات روسيا.

في الوقت الراهن، لا تمثل مسألة ما إذا كانت بيلاروسيا ستدخل الحرب رسمياً سوى جانب واحد من السؤال؛ فالأهم هو ما تقدمه بالفعل، وما الوظائف التي لا يزال لوكاشينكو قادراً على حجبها عن روسيا، وإلى أي مدى يمكن توسيع هذا الترتيب مع إبقاء قواته خارج القتال، أما الاختبار الحقيقي، فيتعلق بمدى إمكانية إحداث تغيير استراتيجي، وما إذا كان بوسع أي من أدوات الضغط، من العقوبات إلى الدبلوماسية، أن يغيّر واقع النفوذ والسيطرة الذي تفرضه موسكو بالفعل على الأرض.

لا تمثل مسألة دخول بيلاروسيا الحرب رسمياً سوى جانب واحد من السؤال فالأهم هو ما تقدّمه بالفعل

ما الذي تقدمه بيلاروسيا بالفعل؟

يعمل تعاون بيلاروسيا مع روسيا على ثلاثة مستويات، يترك كلٌّ منها للوكاشينكو درجة مختلفة من السيطرة، حيث يتمثل المستوى الأول في الأراضي والبنية التحتية، حيث استخدمت القوات الروسية الطرق والسكك الحديدية والمطارات والمجال الجوي البيلاروسي لشن هجومها على كييف في فبراير 2022، وأطلقت الصواريخ وشغّلت الطائرات من الأراضي البيلاروسية، ورغم أن التشكيلات البرية الكبيرة انسحبت لاحقاً، إلا أن جزءاً كبيراً من البنية التحتية التي استخدمتها روسيا بقي قائماً.

لا تزال بيلاروسيا تمنح روسيا عمقاً استراتيجياً شمالي أوكرانيا، وباعتبارها منطقة محتملة لنشر القوات، تجبر بيلاروسيا كييف على الدفاع عن حدود يتجاوز طولها 1000 كيلومتر، حتى في حال عدم وجود قوة هجومية روسية على الجانب الآخر.

زرعت أوكرانيا الألغام وعززت تحصيناتها على الحدود، وأنشأت حواجز ونشرت منظومات للدفاع ضد الطائرات المسيّرة، حيث لا يمكن إعادة توظيف كثير من هذه الموارد بسهولة لمجرد أن مينسك لم تصدر أمراً بشن هجوم.

خلال نشر منظومة «أوريشنيك» الروسية للصواريخ فرط الصوتية القادرة على حمل رؤوس نووية في بيلاروسيا (أ ف ب)
خلال نشر منظومة «أوريشنيك» الروسية للصواريخ القادرة على حمل رؤوس نووية في بيلاروسيا (أ ف ب)

وتندرج محطات الترحيل ضمن هذا السياق أيضاً، فبحسب الرواية الأوكرانية، لم يكن أي جندي بيلاروسي يقود الطائرات المسيّرة، لكن المعدات الروسية الموجودة على الأراضي البيلاروسية جعلت تلك الطائرات أكثر فتكاً، وبحد أدنى، بموافقة ضمنية من مينسك.

أما المستوى الثاني يتمثل في الدعم الفعلي الذي تقدمه بيلاروسيا بعيداً عن المشاركة المباشرة في القتال، فالشركات البيلاروسية تعمل على إصلاح المعدات وتحديثها، وتصنيع مكونات مختلفة، وتقديم خدمات لسلاسل الإمداد التي ازدادت أهميتها في ظل العقوبات، كما يشارك أفراد بيلاروسيون في التدريبات العسكرية، ويتولون صيانة منظومات الدفاع الجوي والأسلحة المتمركزة في البلاد.

تقدّر الحكومة الأوكرانية أن أكثر من 3,000 شركة بيلاروسية تزود روسيا بآلات أو مكونات تعتبرها كييف بالغة الأهمية، وبعضها مرتبط بإنتاج الصواريخ، وهذا رقم رسمي صادر عن الحكومة الأوكرانية، وليس قائمة خضعت لتدقيق مستقل، كما أن الأهمية العسكرية لهذه الشركات تختلف بالتأكيد من شركة إلى أخرى.

مع ذلك، فإن اندماج الصناعة البيلاروسية في منظومة الصناعات الدفاعية والمشتريات العسكرية الروسية ليس موضع شك، كما أن القدرات البيلاروسية تساعد في تخفيف الاختناقات التي تواجهها روسيا، لكنها تظل محدودة للغاية بحيث لا تستطيع تعويض الخسائر الروسية في المعدات والذخائر.

أما المستوى الثالث، المتمثل في المشاركة المباشرة للتشكيلات القتالية البيلاروسية، فلم يتحقق حتى الآن، ففي أواخر مايو 2026، أفاد مسؤولون أوكرانيون عن مراقبة الحدود بعدم رصد أي تحركات للقوات باتجاه الحدود، أو أي حشد عسكري من شأنه أن يمكّن من شن هجوم.

ووفقاً لمراقبة مستقلة أجرتها الشبكة الدولية للعمل الاستراتيجي من أجل الأمن، بلغ عدد أفراد القوات الروسية الموجودين في بيلاروسيا نحو 2,200  عسكري في أوائل يونيو، إذ لا يتعارض غياب قوة غزو مع استمرار تجهيز البنية التحتية؛ فالطرق والمستودعات والمواقع المُعدّة يمكن أن تُستخدم للتدريب في الوقت الراهن، مع تسهيل عملية نشر القوات مستقبلاً، وهذا لا يعني أن هجوماً وشيكاً، لكنه يُظهر أن موسكو ومينسك تعتزمان الإبقاء على هذا الخيار مفتوحاً.

منصة مجمعة وليست مصممة

تمثل بيلاروسيا منصة استراتيجية لروسيا، لكنها ليست نتاج مخطط متكامل، فالقيمة العسكرية التي توفرها بيلاروسيا لموسكو تراكمت على مراحل، حيث تعود أقدم هذه المكونات إلى الإرث السوفيتي، الذي تعمّق عبر عقود من التكامل في إطار دولة الاتحاد، ومن خلال التخطيط العسكري المشترك الذي سبق الغزو الروسي لأوكرانيا بسنوات.

ثم أضافت الأزمة السياسية في عام 2020 طبقة جديدة من هذا التكامل، بعدما أصبح بقاء لوكاشينكو في السلطة أكثر اعتماداً على دعم الكرملين، أما الحرب نفسها، فقد أضافت أحدث هذه المكونات، بما في ذلك منشآت التحكم بالطائرات المسيّرة التي أُفيد بوجودها.

ما قد يبدو للوهلة الأولى تصميماً استراتيجياً متماسكاً، من الأفضل فهمه باعتباره تركيبة متراكمة من ترتيبات متفرقة تعلمت موسكو كيفية استغلالها وتوظيفها لصالحها، حيث تكتسب هذه التفرقة أهمية خاصة، لأن هذه التركيبة المتراكمة هي تحديداً ما يجعل الترتيب قابلاً للتوظيف وفعّالاً من الناحية العملية.

تستطيع روسيا تحقيق تأثيرات عسكرية انطلاقاً من الأراضي البيلاروسية، من دون نشر جيش كبير بما يكفي لتهديد سيطرة لوكاشينكو على السلطة، حيث تُبقي المطارات وخطوط السكك الحديدية خيارات الانتشار مفتوحة، بينما توفر المصانع أعمال الصيانة والمكونات، وتُهيئ التدريبات القيادات والكوادر لعمليات قد لا تُنفَّذ أصلاً.

تستطيع روسيا تحقيق تأثيرات عسكرية انطلاقاً من الأراضي البيلاروسية من دون نشر جيش كبير بما يكفي لتهديد سيطرة لوكاشينكو على السلطة

كما يمكن إدخال أنظمة أو تجهيزات لغرض معين، ثم سحبها عندما ترتفع كلفة إبقائها، أما نشر قوة احتلال دائمة فسيكون مكلفاً ومحفوفاً بالمخاطر السياسية، وسيجعل فقدان بيلاروسيا لجزء كبير من سيادتها أمراً يصعب إخفاؤه.

في المقابل، تكون مجموعة من الوظائف الأصغر حجماً أقل لفتاً للانتباه وأسهل إدارةً، إذ يمكن تقديم كل منها على أنها إجراء تقني أو دفاعي أو خطوة تندرج في إطار التحالف.

اليوم، تُظهر العلاقة النووية هذا النمط بأوضح صورة وأكثرها تعمداً، فقد أكدت موسكو ومينسك أن أسلحة نووية تكتيكية روسية نُشرت في بيلاروسيا، كما تدربت القوات البيلاروسية على إجراءات استخدامها المحتمل خلال مناورات أُجريت في مايو 2026، مع احتفاظ روسيا بالسيطرة عليها، لكن جهات المراقبة المستقلة لا تستطيع تأكيد موقع هذه الرؤوس النووية أو وجودها الدائم في بيلاروسيا، كما لا يمكنها التحقق بصورة مستقلة من وضع منظومة أوريشنيك متوسطة المدى.

هذا الغموض لا يعني أن عمليات الانتشار المعلنة ليست سوى استعراض، فحتى وجود نووي غير مؤكد يربط بيلاروسيا بالموقف الروسي حيال التصعيد، ويوسّع نطاق المواقع التي يتعين على حلف الناتو أخذها في الحسبان، ويعقّد عمليات جمع المعلومات الاستخباراتية، يتيح لموسكو ومينسك توجيه رسائل مشتركة من دون الكشف عن حقيقة ما هو موجود على الأرض.

قد تكون القيمة الردعية والإكراهية لهذا الانتشار أكبر من قيمته العسكرية، فروسيا قادرة أصلاً على الوصول إلى معظم الأهداف الأوروبية من أراضيها؛ وبالتالي، فإن نشر أسلحة في بيلاروسيا لا يضيف قدرة هجومية جديدة بقدر ما يعيد رسم الخريطة السياسية للتصعيد.

لا شيء من ذلك يمكن إنكاره فعلياً، فقد وُثّق استخدام روسيا للأراضي البيلاروسية في عام 2022، كما وُثّقت المناورات والتعاون الصناعي وعمليات التكامل العسكري بين البلدين، وما تحافظ عليه مينسك هو قابلية الفصل على المستوى الرسمي، فبوسع لوكاشينكو أن يقول: إن “بيلاروسيا لا تشارك في الحرب، ما دامت قواتها وتشكيلاتها العسكرية لا تقاتل داخل أوكرانيا”، وفي الوقت نفسه، يجري تقديم كل وظيفة داعمة على أنها إجراء دفاعي أو التزام في إطار دولة الاتحاد.

ولا يزال هذا التمييز يخدم مينسك سياسياً، لكنه لم يعد يعكس، من الناحية التحليلية، حقيقة الدور الذي تؤديه بيلاروسيا.

 قدرات لوكاشينكو

ليس لوكاشينكو حراً في المناورة بين روسيا والغرب بوصفه ندّاً لأيّ منهما، كما أنه ليس قادراً على رفض كل مطلب روسي، فهامش المناورة المتاح له ضيق، وقائم على المقايضة، ومتركز في عدد محدود من القرارات.

كان القرار الأهم الذي لا يزال لوكاشينكو قادراً على اتخاذه هو الامتناع عن إرسال تشكيلات عسكرية بيلاروسية إلى أوكرانيا، لكن أهمية هذا الرفض تكمن في المقام الأول في البعد الداخلي والسياسي، وليس العسكري، فالجيش البيلاروسي صغير، ومهمته الأساسية هي الدفاع عن الأراضي وحماية النظام، كما أن قدرته الهجومية محدودة، ومن المرجح أن تضيف وحداته القليل إلى القوة الروسية الموجودة أصلاً في أوكرانيا، والتي تواجه بدورها ضغوطاً كبيرة.

يجنّب عدم المشاركة لوكاشينكو خوض حرب تعارضها قطاعات من الشعب البيلاروسي، كما يحمي بلاده الصغيرة، ذات الروابط العائلية والاجتماعية الوثيقة، من سقوط ضحايا، وفي المقابل، فإن امتناع بيلاروسيا عن القتال لا يحرم موسكو من قوة قتالية تحتاج إليها فعلاً.

وتوصل محللون في برامج حديثة على إذاعات عالمية إلى الاستنتاج نفسه: فحتى مع الأخذ في الاعتبار القيود التي تفرضها طبيعة الحكم السلطوي على استطلاعات الرأي، لا توجد مؤشرات قوية على أن إرسال قوات بيلاروسية إلى الحرب سيحظى بتأييد شعبي واسع، أما الدعم التقني والصناعي، فمن الأسهل على المجتمع تحمّله؛ فمصانع الصيانة والمكونات والمناورات العسكرية تبقى بعيدة عن الحياة اليومية للمواطنين، أما الخسائر البشرية فلا يمكن إبعادها عنهم.

ولهذا السبب، فإن مسألة هامش النفوذ تتعارض مع الافتراضات التي تقوم عليها سياسة الانخراط الغربية، فالوظيفة الوحيدة التي يملك لوكاشينكو سيطرة واضحة عليها، إدخال قوات بيلاروسية إلى الحرب، هي في الوقت نفسه الوظيفة التي تحتاج إليها موسكو بأقل قدر، والتي تخشاها الدول الغربية بدرجة أقل.

الوظيفة الوحيدة التي يسيطر عليها لوكاشينكو بوضوح هي إدخال قواته إلى الحرب التي تعد الأقل أهمية لموسكو وإثارةً لمخاوف الغرب

أما الوظائف التي يرغب الغرب أكثر في الحد منها، فتتراوح بين إتاحة القواعد العسكرية والدفاع الجوي، وتوفير الإمدادات الصناعية، وتوجيه الإشارات النووية، فهذه هي الوظائف التي يمكن للجهات الروسية إدخالها وتوسيعها بسهولة أكبر، في إطار ترتيبات لا تترك للوكاشينكو سوى قدر محدود من السيطرة الفعلية عليها.

بعيداً عن مسألة إرسال القوات، فإن ما يستطيع لوكاشينكو التفاوض بشأنه يتمثل في الخطوة التالية: ما الوظيفة التي سيوافق على إتاحتها، وإلى أي مدى ستصبح هذه الوظيفة دائمة، وما إذا كانت ستظل محاطة بالغموض على المستوى العلني، وماذا ستقدم موسكو أو واشنطن في المقابل؟.

ليس من السهل تفكيك حالة الاعتماد المتبادل التي ترسخت بعد عام 2020، فروسيا توفر لبيلاروسيا الطاقة، والوصول إلى الأسواق، والقروض، والحماية السياسية، والتعاون الأمني، بينما توفر بيلاروسيا لروسيا الأراضي، والخدمات اللوجستية، والقدرات الصناعية، والموقع الاستراتيجي.

لكن اختلال موازين القوى هذا لا يخلو من كلفة على موسكو، فاستبدال لوكاشينكو أو إجبار الجيش البيلاروسي على خوض حرب لا تحظى بشعبية سيحملان مخاطر يفضّل الكرملين تجنبها، فموسكو تحصل بالفعل على تعاون واسع من نظام قادر على إدارة البلاد وقمع معارضيه، أما الاحتلال المباشر، فقد يمنحها مزيداً من السيطرة على الورق، لكنه قد يؤدي في الواقع إلى قدر أقل من الاستقرار.

بيلاروسيا والناتو

تعيد بيلاروسيا تشكيل الجغرافيا العملياتية لروسيا في مواجهة حلف الناتو، فهي تشترك في حدود مع بولندا وليتوانيا ولاتفيا، وتقع بالقرب من المحاور المؤدية إلى فيلنيوس، كما تقع إلى الشرق من ممر سوالكي، وهو الشريط البري الضيق الذي يربط بولندا بدول البلطيق، فمن شأن وصول روسيا إلى هذه المناطق أن يعزز قدراتها اللوجستية وحماية قواتها والمحاور المتاحة أمامها في حال تنفيذ أي عملية برية واسعة النطاق في تلك المنطقة.

لكن هذا لا يعني أن بيلاروسيا لا غنى عنها في كل أشكال التصعيد، فبوسع روسيا تهديد حلف الناتو انطلاقاً من أراضيها ومن كالينينغراد باستخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة والحرب الإلكترونية وأعمال التخريب والضغط على الحدود، من دون نقل أي قوات أو معدات عبر بيلاروسيا.

تكتسب بيلاروسيا أهميتها القصوى عندما تصبح السيطرة على الأرض عاملاً حاسماً؛ إذ ستكون أي عملية برية ضد ليتوانيا أو بولندا أو ممر سوالكي أسهل بكثير بفضل الطرق والمجال الجوي ومناطق تمركز القوات التي توفرها الأراضي البيلاروسية.

أما مشاركة القوات البيلاروسية في القتال، فستكون مسألة منفصلة، فمجرد إتاحة الوصول إلى الأراضي البيلاروسية سيكون مفيداً لروسيا، في حين أن الدعم اللوجستي والدعم النشط للدفاع الجوي سيكونان أكثر أهمية.

كما تجبر بيلاروسيا أوكرانيا وحلف الناتو على التخطيط لمواجهة سيناريوهات لم تُفعّلها روسيا بعد، فعلى كييف أن تبقي دفاعاتها الشمالية في حالة تأهب، بينما يتعين على الناتو أن يقيّم مدى سرعة قدرة روسيا على توسيع عملياتها في هذه المنطقة، وما إذا كانت المناورات العسكرية تخفي وراءها عمليات حشد للقوات، ودون بلوغ مستوى الحرب المباشرة، تواصل مينسك توجيه المهاجرين نحو بولندا وليتوانيا ولاتفيا، بما يفرض تكاليف متكررة على هذه الدول.

 اختبار واشنطن

أثمر انخراط واشنطن المتجدد مع مينسك عن نتائج إنسانية ملموسة، ففي مارس 2026، أفرجت بيلاروسيا عن 250  سجيناً بعد محادثات مع المبعوث الأمريكي جون كول، وفي المقابل، خففت الولايات المتحدة القيود المفروضة على القطاع المالي البيلاروسي، ورفعت ما تبقى من العقوبات عن كبار منتجي البوتاس، حيث أسفرت العملية الأوسع عن الإفراج عن مئات السجناء، في وقت يواصل فيه النظام اعتقال معارضيه.

تكتسب عمليات الإفراج أهمية بحد ذاتها، كما قد تمنح لوكاشينكو هامشاً أوسع للمناورة، بما يزيد من كلفة الامتثال التلقائي للمطالب الروسية، لكن واشنطن تختبر مقدار الاستقلالية التي لا تزال بيلاروسيا تتمتع بها، في حين ينظر الاتحاد الأوروبي إلى البلد نفسه من زاوية مختلفة.

مدّد الاتحاد الأوروبي، في حزمة العقوبات الحادية والعشرين التي أُقرت في يوليو 2026، مرة أخرى القيود التجارية والقيود المفروضة على الصناعات العسكرية المرتبطة بروسيا لتشمل بيلاروسيا أيضا، وبذلك، تعامل الاتحاد الأوروبي مع بيلاروسيا باعتبارها جزءاً من منظومة روسية-بيلاروسية متكاملة، وليس طرفاً ينبغي التعامل معه بصورة منفصلة.

يعكس التباين بين الانخراط الأمريكي والضغط الأوروبي قراءتين مختلفتين لهامش الاستقلالية الذي تتمتع به بيلاروسيا، فواشنطن ترى أن بالإمكان توسيع هذا الهامش من خلال التفاهمات والصفقات المتبادلة، بينما يشكك بروكسل في إمكانية فصل أي تخفيف للضغوط عن اقتصاد الحرب الروسي، ما دامت أوجه التكامل العسكري والجمركي والمالي بين روسيا وبيلاروسيا قائمة.

الواقع أن كلا الموقفين يلتقط جانباً من الحقيقة؛ إذ يمكن لتخفيف القيود أن يوسّع هامش الاستقلالية البيلاروسية أو أن يوفر دعماً غير مباشر للوصول الروسي، وما يحدد أي الاحتمالين سيتحقق هو القطاع المستفيد وشروط تخفيف القيود.

يمكن لتخفيف القيود أن يوسّع هامش الاستقلالية البيلاروسية أو أن يوفر دعماً غير مباشر للوصول الروسي ولكن ما يحدد أي الاحتمالين سيتحقق هو القطاع المستفيد وشروط تخفيف القيود

إن الإجراءات التي تفتح أمام بيلاروسيا مسارات مستقلة إلى الأسواق الغربية يمكن أن تقلل من اعتمادها على روسيا، حيث يُعد البوتاس أوضح مثال على ذلك من حيث المبدأ؛ فإذا عادت صادراته إلى المرور عبر بنية تحتية لا تعتمد على روسيا، فستخسر موسكو جزءًا من المكاسب اللوجستية والمالية التي تجنيها حاليًا من إعادة توجيه التجارة بفعل العقوبات.

لا تتوافر الظروف اللازمة لذلك في الوقت الراهن، لكن الآلية واضحة ومباشرة، أما الخطر المعاكس، فيظهر عندما يشمل تخفيف القيود القطاع المالي أو الطيران أو التقنيات التي يمكن أن تنتقل بسهولة إلى سلاسل الإمداد الروسية.

بيلاروسيا جزء من دولة الاتحاد والاتحاد الاقتصادي الأوراسي، كما أن جزءاً كبيراً من تجارتها يمر بالفعل عبر روسيا، ولذلك، قد يؤدي تقديم تنازل لمينسك إلى خفض تكاليف موسكو، من دون أن يخلق في المقابل أي مسافة إضافية بين بيلاروسيا وروسيا.

يمكن للدبلوماسية الإنسانية أن تنجح من دون فك الارتباط الاستراتيجي، ولا ينبغي الخلط بين الأمرين، فالاختبار الاستراتيجي الحقيقي يتمثل في معرفة ما إذا كان الانخراط مع مينسك سيحد من قدرة روسيا على توظيف الأراضي البيلاروسية لإحداث تأثيرات عسكرية؛ وهي مسألة لا تستطيع الاجتماعات أو عمليات الإفراج عن السجناء أو قنوات التواصل الدبلوماسي الإجابة عنها بمفردها.

وستكون مؤشرات التغيير الحقيقي ملموسة وواضحة، من بينها: عدم إنشاء وحدات هجومية دائمة جديدة، وزيادة الشفافية بشأن المواقع النووية والمواقع المرتبطة بمنظومة أوريشنيك، وفرض قيود على المناورات العسكرية المشتركة، وسيكون المؤشر الأخير هو فرض ضوابط على الصادرات والعمليات اللوجستية التي تغذي الإنتاج العسكري الروسي بالقرب من أوكرانيا ودول الناتو.

جندي أوكراني يقف على جسر مدمّر فوق نهر دنيبرو، الذي يشكّل الحدود بين أوكرانيا وبيلاروسيا (أ ف ب)
جندي أوكراني يقف على جسر مدمّر فوق نهر دنيبرو، الذي يشكّل الحدود بين أوكرانيا وبيلاروسيا (أ ف ب)

سيجد لوكاشينكو صعوبة في قبول كثير من هذه الإجراءات، بينما ستنظر موسكو إلى بعضها باعتباره مساساً بالبنية العسكرية لدولة الاتحاد، وهنا تكمن النقطة الأساسية: فأي إجراء يُبقي وصول روسيا إلى الأراضي البيلاروسية، وتكاملها معها، والبنية التحتية المُعدّة لخدمة عملياتها، من دون تغيير، لا يُرجح أن يمثل تغييراً استراتيجياً حقيقياً.

تشير واقعة محطات الترحيل إلى نهج يمكن اتباعه، كما تكشف في الوقت نفسه عن حدوده، إذ تستطيع واشنطن وكييف تحديد قدرة عسكرية بعينها تعمل انطلاقاً من الأراضي البيلاروسية، والمطالبة بوقفها، مع إبقاء العقوبات أو غيرها من أدوات الضغط خياراً مطروحاً في حال عودتها إلى العمل، وهذا النهج أضيق نطاقاً وأكثر قابلية للاختبار من محاولة فصل بيلاروسيا عن روسيا عبر صفقة شاملة واحدة.

لكن واقعة يونيو تحمل قدراً من التحذير بقدر ما تقدم نموذجاً يمكن الاستناد إليه، فقد لوحظ توقف إحدى القدرات عن العمل، لكن لم يكن بالإمكان تأكيد الجهة التي أوقفتها، أو ما إذا كانت قد فُككت بالفعل أم أُوقفت مؤقتاً، وبعبارة أخرى، كان الأثر قابلاً للرصد، بينما ظل سببه واستمراريته غير مؤكدين، حيث لا ينجح أي نهج يقوم على هذا المنطق إلا بقدر ما تسمح به إمكانية التحقق، وهي تحديدًا الحلقة الأصعب في هذه المعادلة.

تعميق الجبهة الهادئة

يرجح أن يكون المسار المقبل ليس دخول بيلاروسيا الحرب ولا التراجع عن دورها الحالي، بل تعميق النموذج القائم تدريجياً، ومن غير المرجح أن تدخل التشكيلات العسكرية البيلاروسية إلى أوكرانيا في المدى القريب، كما أن شن هجوم روسي كبير انطلاقاً من بيلاروسيا سيتطلب حشداً عسكرياً ضخماً يصعب إخفاؤه.

من الأرجح بدلاً من ذلك أن تشهد الترتيبات القائمة توسعاً تدريجياً ومتراكماً، فقد تصبح المناورات أكثر تعقيداً، ويتسع نطاق التعاون الصناعي ليشمل قطاعات أقل لفتًا للانتباه، وفي الوقت نفسه، قد تتصاعد الإشارات المرتبطة بالأسلحة النووية، بينما يظل وضع هذه الأسلحة غير واضح، كما قد يستمر تناوب الأفراد العسكريين الروس في بيلاروسيا من دون أن يتحول وجودهم إلى حامية عسكرية دائمة.

يشير هذا الاتجاه إلى تزايد القدرات العسكرية المتمركزة على مقربة من الجبهة، هناك ثلاثة تطورات قد تشير إلى تحول أكبر، مرتبة تقريباً بحسب درجة احتمال وقوعها.

أولها، وهو الأكثر ترجيحاً والأسرع في تقديم إنذار مبكر، يتمثل في عودة منشآت التحكم بالطائرات المسيّرة أو البنية التحتية الخاصة بالضربات الروسية بعد توقفها في يونيو، فهذا النوع من القدرات منخفض التكلفة، ومن الصعب تحديد الجهة المسؤولة عنه، وقد سبق اختباره بالفعل.

أما التطور الثاني، وهو أقل احتمالاً وأبطأ حدوثاً، فيتمثل في الانتقال من عمليات الانتشار بالتناوب إلى نشر تشكيلات قتالية روسية دائمة، أو إقامة مواقع صاروخية يمكن التحقق منها، فمن شأن ذلك تحويل الترتيب المرن والمتعدد الوظائف إلى وجود عسكري دائم.

أما التطور الثالث، وهو الأقل احتمالاً في الوقت الراهن، لكنه الأثقل عواقب، فيتمثل في تقديم المزيد من التنازلات الأمريكية في مجالات التمويل أو الطيران أو التكنولوجيا، بما يسمح لروسيا بالاستفادة منها من دون أن يقابل ذلك أي قدر مماثل من ضبط النفس البيلاروسي.

في هذا السياق يتمثل إنجاز لوكاشينكو في الحفاظ على المظهر الداخلي لبيلاروسيا كدولة تنعم بالسلام، مع منح روسيا معظم الأدوات والوظائف العملية التي تخدم الحرب، لكن ما لا يستطيع لوكاشينكو إقناع الغرب به هو أن بيلاروسيا دولة محايدة؛ لأن العلاقة العسكرية القائمة بين مينسك وموسكو تظل، في جوهرها، كما هي، وهذا تحديداً هو الاختبار الذي لم ينجح الانخراط الحالي في تجاوزه بعد.

في المحصلة، لن يسهم تخفيف العقوبات في تقليص قبضة موسكو إلا إذا ارتبط بقيود قابلة للقياس على وصول روسيا العسكري إلى بيلاروسيا، أما إذا جاء تخفيف العقوبات من دون هذه الشروط، فمن المرجح أن يؤدي إلى تمويل وتعزيز هذا الوصول الروسي بقدر لا يقل عن احتمال مساهمته في الحد منه.

Alexander Dubowy
ألكسندر دوبوي

الدكتور ألكسندر دوبوي، محلل مقيم في فيينا متخصص في المخاطر الجيوسياسية والأمن في أوروبا الشرقية وروسيا والمنطقة ما بعد السوفيتية، ويتمتع بخبرة تزيد عن 20 عاماً في مجال البحث والاستشارات والتحليلات السياسية، ويعمل مع معاهد بحثية ومراكز فكرية دولية رائدة. يُضفي دوبوي على تحليلاته رؤى جيوسياسية وقانونية معمقة، بخبرة إقليمية واسعة، ووجهات نظر عملية.

اشترك مجاناً في تقارير إيغل إنتيلجنس

رؤى وتقارير حصرية

تمتّع بإمكانية الوصول إلى تحليلات متعمّقة، ومعلومات استخباراتية حصرية، وتقارير خبراء مُصمّمة خصيصاً لتبقى على اطلاع دائم، وفي صدارة المتابعين لأهم التطورات العالمية.

بالاشتراك، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا.

موضوعات أخرى
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير

اشترك مجاناً في تقارير إيغل إنتيلجنس

رؤى وتقارير حصرية

تمتّع بإمكانية الوصول إلى تحليلات متعمّقة، ومعلومات استخباراتية حصرية، وتقارير خبراء مُصمّمة خصيصاً لتبقى على اطلاع دائم، وفي صدارة المتابعين لأهم التطورات العالمية.

بالاشتراك، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا.

ايغل انتيلجنس ريبورتس
Privacy Overview

This website uses cookies so that we can provide you with the best user experience possible. Cookie information is stored in your browser and performs functions such as recognising you when you return to our website and helping our team to understand which sections of the website you find most interesting and useful.