قادت مساعي شركة ألمانية إلى تحقيق السيادة الأوروبية في مجال الذكاء الاصطناعي إلى التوجه نحو الصين، ففي مطلع أكتوبر الحالي، أعلنت شركة محرك البحث الألماني “إيكوسيا” إنهاء شراكتها مع “ميسترال”، المطوّر الرائد في الاتحاد الأوروبي لنماذج الذكاء الاصطناعي الكبيرة، مشيرةً إلى مخاوف عدة، من بينها مستوى أداء النماذج.
قبل خمسة أشهر أنهت “إيكوسيا” شراكتها مع “أوبن إيه آي”، موضحة أن التعاون مع الشركات الأوروبية تدعم مهمتها الرامية إلى تطوير تكنولوجيا أوروبية مستقلة لا تخضع للتقلبات السياسية، حيث ستنتقل الآن إلى منصة “ميليوس” الألمانية، التي من المرجح أن تتيح لها الوصول إلى نماذج صينية وأخرى مفتوحة الأوزان عبر خوادم أوروبية.
وتعكس هذه الحالة جانباً من المعضلة التي تواجه أوروبا في سعيها إلى بناء قطاع مستقل للذكاء الاصطناعي، إذ لا تزال تواجه صعوبات في تطوير نماذج محلية قادرة على المنافسة، في وقت تجد فيه نفسها بين النماذج الأمريكية المتقدمة ومثيلتها الصينية مفتوحة الأوزان.
وتكشف هذه المعادلة عن تحدٍّ استراتيجي يتجاوز تطوير التكنولوجيا نفسها، يتمثل في تحديد المقومات التي تضمن السيادة الأوروبية في هذا المجال، فقد تكون القدرة على الاختيار بين النماذج المختلفة والانتقال من أحدها إلى آخر أكثر أهمية من تطوير نموذج أوروبي منافس، غير أن محاولة التخلص من الاعتماد على قوة عظمى واحدة قد تدفع أوروبا إلى الاعتماد على منافسها الرئيسي.
إذا تمكنت الحكومات والشركات الأوروبية من الانتقال بسهولة بين النماذج الأمريكية والصينية والأوروبية، فلن تتمكن أي شركة، أو الدولة التي تتخذ منها مقراً لها، من تحويل الاعتماد التكنولوجي إلى نفوذ استراتيجي مستدام بسهولة، لكن الحفاظ على حرية الاختيار هذه لن يكون أمراً يسيراً؛ فكلما ازداد اندماج الذكاء الاصطناعي في الاقتصادات، ارتفعت كلفة الانتقال من نموذج إلى آخر.
الانتقال بين النماذج الأمريكية والصينية والأوروبية فلن تتمكن أي شركة أو الدولة من تحويل الاعتماد التكنولوجي إلى نفوذ استراتيجي مستدام بسهولة
قد تسهم النماذج الصينية في تقليص الهيمنة الأمريكية، لكنها تنطوي على مخاطر خاصة بها، بدءاً من احتمال فرض قيود على المحتوى، وصولاً إلى قيود مستقبلية قد تفرضها واشنطن أو بكين، ومع ذلك، تظل الولايات المتحدة مهيمنة على البنية التحتية الأساسية اللازمة لتشغيل الذكاء الاصطناعي، بما في ذلك الرقائق الإلكترونية والحوسبة السحابية.
أجندة السيادة الأوروبية
تحتل السيادة حالياً موقع الصدارة في سياسة الاتحاد الأوروبي للذكاء الاصطناعي، إذ تجمع أجندتها بين الطموح إلى تحقيق مكاسب اقتصادية والحد من الاعتماد على الخارج، فعند إعلان المفوضية الأوروبية في يونيو عن حزمة تدابير السيادة التكنولوجية، حذّرت من أن الترابط المتبادل والنمو المدفوع بالتجارة يتحولان إلى مشهد تُنشئ فيه علاقات الاعتماد غير المتكافئة مواطن ضعف جيوسياسية.
وقد سلّطت ضوابط التصدير الانتقامية التي فرضتها بكين عام 2025 على عمليات شركة “نيكسبيريا” في الصين، وهي شركة لتصنيع الرقائق مقرها هولندا ومملوكة لشركة صينية، إلى جانب القيود التي فرضتها واشنطن في يونيو 2026 على أكثر نماذج “أنثروبيك” تطوراً، الضوء على مواطن الضعف هذه.
يكشف نهج الاتحاد الأوروبي عن تناقض داخلي، حيث صرّحت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، في سبتمبر، قائلة: “ليس من الضروري أن نكون نحن من يطوّر أحدث التقنيات المتقدمة كي نجني منها أكبر قيمة ممكنة”، وفي هذا السياق، تشجّع استراتيجية الاتحاد الأوروبي -تطبيق الذكاء الاصطناعي- الشركات على إعادة تنظيم أعمالها حول هذه التكنولوجيا، لكن في غياب بدائل محلية قادرة على المنافسة، يؤدي هذا التوجه إلى تعميق اندماج التكنولوجيا الأجنبية في الاقتصاد الأوروبي.
وتنطوي النماذج الأمريكية المغلقة، التي تطورها شركات مثل أنثروبيك وغوغل وأوبن إيه آي، على مخاطر أكثر حدة؛ إذ يعتمد الوصول إليها على اشتراكات مستمرة، ويمكن قطعه في أي وقت، تماماً كما يمكن إغلاق إمدادات الغاز عبر خطوط الأنابيب.
رغم الاستثمارات المحلية، لا يزال الاتحاد الأوروبي متأخراً في امتلاك التقنيات والمقومات الأساسية التي يقوم عليها الذكاء الاصطناعي، فوفقاً لمؤسسة “إيبوك إيه آي”، تستحوذ الولايات المتحدة على 75 % من القدرة الحاسوبية الفائقة المخصصة للذكاء الاصطناعي، مقابل أقل من 5 % للاتحاد الأوروبي.
وانطلاقاً من ذلك، يتبنى الاتحاد الأوروبي مفهوماً عملياً للسيادة التكنولوجية، لا يشترط امتلاك منظومة متكاملة محلياً، بل يركز على القدرة على اتخاذ القرارات والتحرك باستقلالية، والحد من مواطن الضعف في المجالات الحيوية.
كما يرى اتجاه بارز أن على الاتحاد الأوروبي الحفاظ على إمكانية الوصول إلى النماذج الأمريكية المتقدمة، بالتوازي مع تطوير بدائل محلية “جيدة بما يكفي”، وفق تعبير رئيسة البنك المركزي الأوروبي كريستين لاغارد.
وتتصدر شركة “ميسترال” الأوروبية مزودي نماذج الذكاء الاصطناعي متعددة الأغراض في أوروبا، إلا أن نموذجها “Large 4″، المقرر إطلاقه بالكامل في أواخر أكتوبر، لا يزال متأخراً عن النماذج الرائدة في الولايات المتحدة والصين.
وفي ألمانيا، وافقت شركة “أليف ألفا”، التي كانت قد قلّصت طموحاتها لتتركز على الجهات الحكومية وقطاع الأعمال، على الاستحواذ عليها من جانب شركة “كوهير” الكندية، أما “التحدي الأوروبي للذكاء الاصطناعي المتقدم”، وهو مبادرة عامة تهدف إلى تطوير نماذج متقدمة، فلم يُعلَن عن الجهة الفائزة به إلا في يونيو.
ويكمن التحدي في احتمال عجز النماذج المحلية الجيدة بما يكفي عن المنافسة في السوق المفتوحة، واقتصار استخدامها على مهام محددة تُعطى فيها الأولوية للأمن على حساب الأداء، مع اعتماد استمرارها جزئياً على الدعم الحكومي والمشتريات العامة.
ولا تتوقف مسألة السيادة على الجهة التي تطوّر نماذج الذكاء الاصطناعي، بل تتأثر أيضاً بكيفية إتاحتها للمستخدمين، وما توفره لهم من قدرة على التحكم فيها، فالنماذج مغلقة المصدر، مثل”GPT” التابع لشركة “أوبن إيه آي”، تُستخدم عادةً عن بُعد، وتُشغَّل على حواسيب الشركة المزودة للخدمة، أما النماذج المتقدمة التي تمثل أحدث ما توصلت إليه التكنولوجيا، فلا تزال مغلقة المصدر وتتمركز في الولايات المتحدة.

في المقابل، تتيح النماذج مفتوحة الأوزان، مثل “ديب سيك”، تنزيلها وتشغيلها على خوادم محلية، نظراً إلى إتاحة الأوزان التي تحدد سلوكها، وإن كانت شروط الترخيص تختلف من نموذج إلى آخر، وعندما تُشغَّل هذه النماذج على بنية تحتية مملوكة لأطراف أوروبية، فإنها تتيح لأوروبا الاحتفاظ بقدر أكبر من السيطرة على التكنولوجيا، حتى لو جرى تطويرها خارج القارة.
عند تشغيل النماذج مفتوحة الأوزان على بنية تحتية مملوكة لأطراف أوروبية يمكن لأوروبا الاحتفاظ بالسيطرة عليها حتى إن طُوّرت خارج أراضيها
السيادة من خلال قابلية الاستبدال
قد تتمثل إحدى الركائز الأساسية لتحقيق السيادة الفعلية في القدرة على استبدال نموذج للذكاء الاصطناعي بآخر، وفق مفهوم قابلية الاستبدال في علم الاقتصاد، ما يتطلب توافر بدائل متعددة، إلى جانب القدرة على الانتقال بينها.
تخضع أجزاء واسعة من سلسلة إمداد الذكاء الاصطناعي لهيمنة دولة واحدة أو شركة واحدة؛ إذ تهيمن الصين على العناصر الأرضية النادرة، وشركة “تي إس إم سي” على تصنيع الرقائق المتقدمة، وشركة “إيه إس إم إل” على آلات الطباعة الضوئية المتقدمة.
أما نماذج الذكاء الاصطناعي، فتتميز بتعدد الخيارات المتاحة منها، إذ تكمن الدلالة الجيوسياسية لذلك في أن قدرة أي طرف على توظيف مورد استراتيجي لتحقيق النفوذ تتوقف على مدى افتقار الأطراف الأخرى إلى بدائل.
في عام 2024، انضمت المفوضية الأوروبية إلى سلطات المنافسة في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة لإصدار بيان يؤيد التنوع والمنافسة بين النماذج، فإذا تمكن المستخدمون داخل الاتحاد الأوروبي من الاختيار بين النماذج والانتقال من أحدها إلى آخر، فسيعززون استقلاليتهم من خلال الحد من نقاط الاعتماد على مزود بعينه، حتى لو لم يكن أي من النماذج المستخدمة أوروبياً.
وقد بدأت الشركات والمؤسسات العامة بالفعل في تبني نهج يقوم على استخدام نماذج متعددة للحد من المخاطر، مدفوعاً جزئياً بالتأثيرات العملية للنزاعات التجارية، حيث أكدت شركتا “سيمنز”و “رينو” اعتمادهما استراتيجيات متعددة النماذج تشمل خيارات صينية، في توجه أفادت تقارير بأن ضوابط التصدير التي فُرضت في يونيو أسهمت في تسريع وتيرته.
وفي القطاع العام، صُممت منصات عدة، من بينها “كيبيتز” في ألمانيا، و”ألبرت إيه بي آي” في فرنسا، وحتى منصة “جي بي تي إي سي” التابعة للمفوضية الأوروبية، بحيث تتيح استخدام مجموعة متنوعة من النماذج.
تحديات الانتقال بين النماذج
لا يكفي توافر بدائل محلية أو أجنبية للحد من مواطن الضعف الجيوسياسية، ما لم يتمكن المستخدمون من الانتقال فعلياً إلى تلك البدائل، فقد تؤدي العوائق التعاقدية، مثل الرسوم والعقود الممتدة لسنوات عدة، إلى جانب القيود التقنية، إلى تكريس الارتباط بمزوّد معين، والحد من إمكانية استبدال نماذجه عملياً.
وقد تمثل مكانة الاتحاد الأوروبي بوصفه سوقاً كبيرة ذات إطار تنظيمي موحّد ميزة مهمة في معالجة هذه المشكل، حيث يوفر قانون البيانات الأوروبي الصادر عام 2023 نموذجاً يمكن الاستفادة منه في هذا المجال، رغم أن دوافعه الأصلية كانت اقتصادية.
سهّل القانون الانتقال بين مزوّدي خدمات الحوسبة السحابية من خلال إلزامهم بإتاحة نقل البيانات، بما يحد من العوائق التقنية، وتقليص رسوم الانتقال التي تشكّل عائقاً تعاقدياً، ففي أوائل عام 2024، أعفى أكبر ثلاثة مزوّدين لخدمات الحوسبة السحابية العملاء الذين يقررون مغادرة خدماتهم من رسوم نقل البيانات، حتى قبل دخول هذا الالتزام حيز التنفيذ الإلزامي.
في حين يمكن معالجة العوائق التعاقدية من خلال تدابير تنظيمية مباشرة، يطرح الذكاء الاصطناعي تحديات تقنية أكثر تعقيداً، فدمج النماذج في المنظومات التقنية، وعمليات التقييم، والبرامج النصية، وسير العمل، والأدوات المستخدمة، قد يجعل الانتقال إلى نموذج آخر أكثر صعوبة.
وفي استطلاع أجراه معهد “آي بي إم” لقيمة الأعمال في يونيو، أفاد 71 % من كبار المسؤولين التنفيذيين بأن الانتقال إلى نموذج آخر سيكون صعباً، فيما ذكر 56 % أن نقل أنظمة الذكاء الاصطناعي سيستغرق ستة أشهر على الأقل.
وتزداد سهولة الانتقال بين النماذج عند اعتماد بنية تقنية لا ترتبط بنموذج محدد، مثل المنصات المصممة لتشغيل نماذج متعددة، وقد يكون اشتراط اعتماد هذه البنية أكثر قابلية للتطبيق في إطار المشتريات الحكومية، بما يتيح للمؤسسات العامة تغيير النماذج المستخدمة دون الاضطرار إلى إعادة بناء أنظمتها التقنية بالكامل.
تزداد سهولة الانتقال بين النماذج عند اعتماد بنية تقنية لا ترتبط بنموذج محدد مثل المنصات المصممة لتشغيل نماذج متعددة وقد يكون اشتراط اعتماد هذه البنية أكثر قابلية للتطبيق في إطار المشتريات الحكومية
يستند قانون تطوير الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي (CADA)، المقترح في يونيو، إلى قانون البيانات الأوروبي، مع تركيز أكبر على البنية التحتية الأساسية، كما تتضمن حزمة السيادة التكنولوجية الأوسع تدابير تميل بصورة غير مباشرة إلى تفضيل الخيارات الأوروبية، من خلال تشجيع البرمجيات مفتوحة المصدر والسماح باعتماد معايير غير السعر في تقييم العطاءات ضمن المشتريات العامة.
ومع ذلك، لا تتضمن الحزمة أحكاماً جوهرية لمعالجة مسألة الانتقال بين نماذج الذكاء الاصطناعي، حيث كشفت وثيقة سياسات مستقلة بارزة بعنوان “استراتيجية تحوّلية للذكاء الاصطناعي في أوروبا” هذا القصور، وأوصت بفرض متطلبات تضمن قابلية نقل الأنظمة والبيانات، وإدراج شروط تتيح الاستعانة بمزوّدين متعددين في عقود شراء خدمات الذكاء الاصطناعي للقطاع العام.
ويشكّل عامل الوقت تحدياً أساسياً أمام أوروبا؛ إذ ستكون التدابير الرامية إلى الحد من الارتهان لمزوّد أو نموذج بعينه أكثر فاعلية إذا اعتُمدت قبل أن يتعمق اندماج الذكاء الاصطناعي في مختلف القطاعات.
كذلك، فإن القدرة على الانتقال بين النماذج تؤدي وظيفة دفاعية بالدرجة الأولى؛ فهي تحمي المؤسسات الأوروبية والمستهلكين من الضغوط الناجمة عن توظيف الاعتماد على التكنولوجيا الأجنبية لتحقيق مكاسب استراتيجية، لكنها لا تضمن توجّههم نحو البدائل المحلية، ووفقاً لمجموعة “سينرجي ريسيرش”، استقرت حصة المزوّدين الأوروبيين من سوق الحوسبة السحابية في أوروبا عند نحو 15 % منذ عام 2022، رغم تطبيق قانون البيانات الأوروبي.
التحوّط من واشنطن عبر بكين
في غياب نموذج أوروبي قادر على المنافسة، تنحصر الخيارات المتاحة على مستوى الدول في مسارين رئيسيين: النماذج الأمريكية مغلقة المصدر، والنماذج الصينية مفتوحة الأوزان.
وهكذا، تبرز الصين، في مفارقة لافتة، بوصفها خياراً بديلاً يمكن لأوروبا الاستناد إليه لتعزيز سيادتها التكنولوجية، في وقت تسعى فيه بروكسل إلى تقليص المخاطر في علاقاتها مع بكين، وفق التعبير الذي تستخدمه رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين.
توفر النماذج الأمريكية مغلقة المصدر أداءً متقدماً، وتوافقاً مع المنظومات التقنية القائمة، فضلاً عن الاستناد إلى تحالف أمريكي أوروبي راسخ منذ عقود، لكنها تترك لأوروبا هامشاً محدوداً من الاستقلالية والتحكم.
حتى إذا تمكنت الدول الأوروبية من التفاوض على اتفاقيات استخدام توفر ضمانات أقوى، فإن ذلك لن يغيّر جوهر الاعتماد على التكنولوجيا الأمريكية، و كذلك، لا يزال من غير المحسوم ما إذا كانت القدرات المتقدمة لهذه النماذج تبرر تكلفتها، أو في أي تطبيقات تكون هذه القدرات ضرورية، وإذا تبيّن أن النماذج المتقدمة لا غنى عنها في مجالي الأمن السيبراني والدفاع، فقد تجد أوروبا نفسها مضطرة إلى الاعتماد على النماذج الأمريكية في المجالات التي تكتسب فيها السيطرة المستقلة أهمية أكبر.
لا تعكس التصريحات الأمريكية حماساً يُذكر لطموحات الاتحاد الأوروبي في مجال السيادة التكنولوجية، ففي منتدى بروكسل للأمن الاقتصادي في يونيو، قال سفير الولايات المتحدة لدى الاتحاد الأوروبي، أندرو بوزدر، إن الاتحاد لن يتمكن من اللحاق بالركب بمفرده، مضيفاً أنه يمكنه اللحاق بالركب من خلال الشراكة مع الولايات المتحدة.
غير أن السياسات الأمريكية نفسها أسهمت بصورة أساسية في دفع أوروبا نحو تعزيز استقلالها التكنولوجي، فقد أفادت تقارير بأن شركة “مايكروسوفت” قطعت إمكانية وصول المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، كريم خان، إلى حساب بريده الإلكتروني، فيما نفت الشركة تعليق خدماتها المقدمة للمحكمة، وفي وقت لاحق، فرضت واشنطن قيوداً مؤقتة على تصدير أكثر نماذج شركة “أنثروبيك” تطوراً.
تتأخر الصين عن الولايات المتحدة في تطوير النماذج المتقدمة مغلقة المصدر، لكنها تتقدم في مجال النماذج مفتوحة الأوزان، إذ توفر نماذج منخفضة التكلفة تقل قدراتها بنحو ستة أشهر عن النماذج الأمريكية المتقدمة.
وبحسب حجم الرموز المعالَجة، وهو أحد المقاييس الشائعة لقياس استخدام النماذج، تتصدر النماذج الصينية بالفعل نظيراتها الأوروبية على منصات المطورين المفتوحة داخل الاتحاد الأوروبي.
كما تتمتع بعض النماذج الرئيسية، مثل “ديب سيك – V4” تراخيص مرنة تتيح للمؤسسات الأوروبية استضافتها وتعديلها بصورة مستقلة، وحتى من دون استخدامها فعلياً، تمنح هذه البدائل الصينَ ورقة ضغط تعزز الموقف التفاوضي للاتحاد الأوروبي في تعامله مع واشنطن والشركات الأمريكية.
ومع ذلك، تنطوي النماذج الصينية مفتوحة الأوزان على مخاطر خاصة بها، فاستضافة النماذج محلياً تحول دون إيقافها عن بُعد من جانب مزوّديها، لكن المستخدمين قد يظلون معتمدين عليهم في الحصول على التحديثات أو خدمات أخرى.
كذلك، تنعكس القيم السياسية والاجتماعية التي تتضمنها عملية تدريب النماذج على طريقة استجابتها للأسئلة، بما قد يشمل فرض قيود على المحتوى، وتُلزم التدابير الصينية المؤقتة لإدارة خدمات الذكاء الاصطناعي التوليدي، الصادرة عام 2023، هذه الخدمات بـ”التمسك بالقيم الاشتراكية الأساسية”، فقد تنتقل هذه الانحيازات إلى النماذج التي تُستخدم في أوروبا، ويزيد ضعف إمكانات التدقيق في هذه النماذج من صعوبة الاعتماد عليها في التطبيقات الحساسة.
وسبق للرئيس الصيني شي جين بينغ أن أيد مفهوم “الاستقلالية الاستراتيجية” الأوروبية، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بتقليص اعتماد أوروبا على الولايات المتحدة، غير أن بكين أبدت حرصاً أكبر على حماية أدوات نفوذها الاستراتيجية، بما في ذلك ضوابط التصدير المفروضة على العناصر الأرضية النادرة وتقنيات معالجتها.
وقد يعكس تساهل الصين النسبي إزاء مسألة السيادة الأوروبية على مستوى نماذج الذكاء الاصطناعي محدودية قدرتها على منافسة النماذج الأمريكية، مقابل تمتعها بموقع أقوى في أجزاء أخرى من سلسلة إمداد الذكاء الاصطناعي.
تساهل الصين إزاء مسألة السيادة الأوروبية على مستوى نماذج الذكاء الاصطناعي قد يعكس محدودية قدرتها على منافسة النماذج الأمريكية مقابل تمتعها بموقع أقوى في أجزاء أخرى من سلسلة الإمداد
في الوقت الراهن، تتيح النماذج الصينية مفتوحة الأوزان للاتحاد الأوروبي تعزيز سيادته التكنولوجية، من خلال توفير بديل عملي في العديد من الاستخدامات، غير أن هذا الوضع قد يتأثر بثلاثة تطورات محتملة: ظهور نماذج أمريكية قوية مفتوحة الأوزان، وتحوّل النهج الصيني نحو هذه النماذج، وفرض الولايات المتحدة قيوداً على النماذج الصينية مفتوحة الأوزان، حيث بدأت مؤشرات ملموسة بالظهور على التطورين الأول والثاني، فيما لا يزال الثالث يشكّل تهديداً محتملاً.
ورغم أن النماذج الأمريكية مفتوحة الأوزان لا تزال متأخرة عن نظيراتها الصينية، إلا أن شركات مثل “رفليكشن إيه آي” تعمل على استهداف سوق النماذج السيادية تحديداً.
في المقابل، تبدو الصين متجهة نحو فرض قيود أشد على التراخي، فقد برزت عائلة نماذج “كوين” التابعة لشركة “علي بابا” بوصفها من أبرز النماذج مفتوحة الأوزان، لكن معظم نماذجها الرائدة التي طُرحت مؤخراً كانت مغلقة المصدر، مع استثناء ملحوظ هو (Qwen3.8-Max).
وعلى صعيد السياسات الحكومية، تضمّنت مسودة ضوابط التصدير التي طرحتها بكين في أكتوبر أحكاماً من شأنها إلزام الجهات المعنية بتسجيل النماذج التي تتجاوز مستويات أداء محددة والحصول على تراخيص لتصديرها، وهو ما يشير إلى احتمال تشديد الرقابة على إصدارات النماذج الجديدة.
كما دفعت المخاوف الأمريكية بشأن الأمن القومي والملكية الفكرية المرتبطة بمطوّري الذكاء الاصطناعي الصينيين وزير الخزانة سكوت بيسنت إلى التهديد، في يوليو، بفرض عقوبات وإدراج جهات على قائمة الكيانات الخاضعة للقيود الأمريكية، وقد تنعكس العقوبات، على وجه الخصوص، على أوروبا بصورة غير مباشرة، إلا أنه لم تُفرض أي عقوبات أو تُدرج أي جهات على القائمة حتى أكتوبر.

تحوّلات النفوذ في الذكاء الاصطناعي
على مستوى الاتحاد الأوروبي، يبرز تطوران يستحقان المتابعة، يتمثل الأول في إمكانية ظهور نموذج أوروبي قادر على المنافسة فعلياً في المدى القريب، وهو أمر لا يزال مستبعداً، حيث تُعدّ شركة “ميسترال” المرشح الأبرز في هذا المجال، لكنها أشارت بالفعل إلى تحوّل استراتيجيتها نحو نموذج أوسع يرتكز على المنصات.
أما التطور الثاني، فيتمثل في النص الصريح على إمكانية الانتقال بين نماذج الذكاء الاصطناعي ضمن قانون الوصول إلى البيانات والتحكم فيها، إذ يعزّز احتمال إدراج هذا الخيار اعتماد استراتيجيات قائمة على استخدام نماذج متعددة، إلى جانب النقاش المستمر بشأن الانتقال من نموذج إلى آخر.
إذا تمكّن الاتحاد الأوروبي من تحقيق قابلية الاستبدال بين النماذج على نطاق واسع، فستتغيّر موازين النفوذ داخل منظومة الذكاء الاصطناعي، حيث تستفيد الشركات الأمريكية بالدرجة الأكبر من الهيمنة على مستوى النماذج، ومن قدرتها على ترسيخ ارتباط المستخدمين بمنظوماتها والحدّ من انتقالهم إلى البدائل.
غير أن المنافس لا يحتاج في نهاية المطاف إلا إلى السيطرة على نقطة اختناق واحدة لامتلاك ورقة ضغط مؤثرة، في حين يحتاج الاتحاد الأوروبي إلى معالجة مواطن الضعف في كل حلقة من حلقات سلسلة الإمداد، إذ يمكنه تحقيق ذلك عبر بناء قدرات محلية، مثل مصانع الذكاء الاصطناعي العملاقة التي يخطط الاتحاد لإنشائها، أو امتلاك أوراق ضغط مضادة من خلال نقاط اختناق استراتيجية، مثل آلات الطباعة الحجرية التي تنتجها شركة “إيه إس إم إل”، أو توفير بدائل قابلة للتطبيق على مستوى النماذج.
وفي ظل هذا التحول، سينتقل النفوذ إلى مستويات أعلى من منظومة الذكاء الاصطناعي، وتحديداً إلى مجال أداء النماذج المتقدمة، حيث تقلّ الخيارات المتاحة.
وتشير التحولات في استراتيجيات الشركات الصينية ومسودة ضوابط التصدير إلى احتمال تعامل بكين مع النماذج التي تقترب من مستوى النماذج الأكثر تقدماً باعتبارها أصولاً للأمن القومي، لا يُسمح بإتاحتها إلا في ظل قيود مشددة، وفي المقابل، أظهرت واشنطن بالفعل استعدادها لفرض قيود على النماذج لأسباب تتعلق بالأمن القومي.
سينتقل النفوذ أيضاً إلى المستويات الأدنى من سلسلة الإمداد التكنولوجية، ففي ظل الطلب الحالي، لا يُرجّح أن يمتلك الاتحاد الأوروبي القدرة الكافية لتشغيل النماذج الأجنبية مفتوحة الأوزان بالاعتماد حصراً على بنية تحتية مملوكة لأطراف أوروبية.
وهذا يعيد الرقائق الإلكترونية والحوسبة السحابية، اللتين تهيمن عليهما الولايات المتحدة، إلى صدارة نقاط الاختناق التي تحدّ من قدرة أوروبا على تحقيق الاستقلالية في مجال نماذج الذكاء الاصطناعي.
ورغم استمرار تفوق الولايات المتحدة في تطوير النماذج الأكثر تقدماً وتوفير خدمات الحوسبة السحابية، قد تكون الصين المستفيد الأكبر على المدى القصير من مساعي أوروبا إلى تحقيق السيادة التكنولوجية.
إن استراتيجية بكين القائمة على النماذج مفتوحة الأوزان لا تحقق لها إيرادات مباشرة، ولا تتيح لها تعطيل هذه النماذج بوسيلة تحكّم عن بُعد، غير أن اعتماد الاتحاد الأوروبي على النماذج الصينية يوسّع نطاق النفوذ الصيني، في وقت تحتفظ فيه بكين بموقع متقدم في مجالات رئيسية من منظومة التكنولوجيا.
ولا تقتصر هذه المعضلة على الاتحاد الأوروبي، بل تواجهها أيضاً دول أخرى تسعى إلى تحقيق السيادة التكنولوجية، فتطوير نماذج قوية يتطلب استثمارات ضخمة، وقد لا تحقق الاستثمارات المحلية نتائج تُذكر.
ومع ذلك، قد تظل السيادة التكنولوجية ممكنة في مستويات محددة من المنظومة، من خلال إتاحة بدائل يمكن الانتقال بينها، وتطوير خيارات محلية محدودة تلبي الاحتياجات الأساسية بكفاءة مقبولة.
ولتحقيق هذه الغاية، لا تحتاج أوروبا بالضرورة إلى الفوز بسباق الذكاء الاصطناعي؛ فقد يكفيها ضمان ألا تتمكن أي قوة خارجية، سواء كانت حليفة أم منافسة، من فرض نفسها بوصفها طرفاً لا غنى عنه، حيث سيظل هذا الإنجاز جزئياً، إذ قد تستفيد الصين منه على المدى القصير، بينما تواصل الولايات المتحدة هيمنتها على الحوسبة السحابية، فمن شأن ذلك أن يعزز قدرة أوروبا على مقاومة الضغوط والإكراه، لكنه لن يوفر لها بديلاً ثالثاً مستقلاً عن واشنطن وبكين.
في المحصلة، قد لا يكون هذا الوضع مثالياً، لكنه ربما يمثل الصيغة الأكثر واقعية للسيادة المتاحة أمام الدول الأخرى التي تجد نفسها في مواجهة نظام للذكاء الاصطناعي يتشكّل على أساس ثنائية قطبية.
لا تحتاج أوروبا إلى الفوز بسباق الذكاء الاصطناعي لتحقيق سيادة تكنولوجية مدروسة فقد يكفيها ضمان ألا تتمكن أي قوة خارجية حليفة كانت أم منافسة من فرض نفسها بوصفها طرفاً لا غنى عنه





