عندما يتوجه البرازيليون إلى صناديق الاقتراع في أكتوبر لاختيار رئيسهم، فإن أبرز المرشحين لن يختلفوا فقط في انتمائهم إلى شرائح ديموغرافية متباينة، بل سيختلفون أيضاً بشكل كبير بشأن موقع البرازيل الذي ينبغي أن تتموضع فيه في ظل المشهد الدولي سريع التغير، حيث سيقرر البرازيليون ما إذا كان الرئيس الحالي، لولا دا سيلفا، سيتمكن من الفوز بولاية ثانية متتالية، ستكون الرابعة له إجمالاً، إذ يتيح نهج لولا القائم على إقامة علاقات متوازنة مع أطراف دولية متعددة للبرازيل أفضل طريق نحو تعزيز استقلاليتها الاستراتيجية وزيادة نفوذها في النظام الدولي الناشئ.
لولا، عمل في مجال المعادن ودخل عالم السياسة من بوابة العمل النقابي، سيبلغ 81 عاماً في أكتوبر المقبل، حيث وجّه البرازيل نحو سياسة خارجية تعطي الأولوية للتعاون بين دول الجنوب، ولا سيما مع مجموعة “بريكس”، وبشكل خاص من خلال تعميق العلاقات الاقتصادية مع الصين، وفي مواجهته، يقف فلافيو بولسونارو، البالغ 45 عاماً، والوريث السياسي الأبرز لإرث والده السياسي، الرئيس السابق جايير بولسونارو، حيث لا يزال جايير نفسه قيد الإقامة الجبرية، وممنوعاً من الترشح للرئاسة مجدداً بعد إدانته بمحاولة تنفيذ انقلاب.
وعلى النقيض تماماً من لولا، أقام فلافيو بولسونارو علاقات وثيقة مع واشنطن، رغم تأكيده علناً أن سياسته الخارجية ستكون “براغماتية”، وإذا فاز، فمن المتوقع على نطاق واسع أن يعيد توجيه السياسة الخارجية للبرازيل لتصبح أكثر قرباً من الولايات المتحدة، وربما حتى أن يصطف مع بعض توجهات السياسة الخارجية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ولا يكمن الخطر هنا في أن تنجر البرازيل إلى صراع، بل في أن تنخرط في حروب تجارية أو أشكال أخرى من التصعيد دون مستوى الحرب، نتيجة سياسة خارجية أمريكية متقلبة.
يتمثل السؤال الأساسي فيما إذا كانت البرازيل قادرة على البقاء عموماً غير منحازة في نظام دولي متعدد الأقطاب آخذ في التشكل، أم أن الضغوط المتزايدة التي فرضها نهج “ترامب 2.0” على البرازيل، وعلى أمريكا اللاتينية عموماً، ستؤثر بشكل مباشر في مستقبل البرازيل القريب، إذ لن يبقى ترامب في منصبه سوى عامين آخرين، ومع ذلك، فإن الرهان الأكثر حكمة بالنسبة للبرازيل يتمثل في تعزيز مكانتها في العالم المتعدد الأقطاب الناشئ، بدلاً من التمسك بالنظام العالمي الذي هيمنت عليه الولايات المتحدة في الماضي.
الرهان الأكثر حكمة بالنسبة للبرازيل يتمثل في تعزيز مكانتها في العالم المتعدد الأقطاب الناشئ بدلاً من التمسك بالنظام العالمي الذي هيمنت عليه الولايات المتحدة في الماضي
تختلف رؤية لولا للسياسة الدولية والسياسة الخارجية اختلافاً كبيراً عن رؤية بولسونارو، حيث ينطوي انفتاح لولا على دول الجنوب العالمي على مخاطر، من بينها احتمال أن يؤدي توسيع الانخراط الاقتصادي مع الصين إلى نشوء أشكال جديدة من التبعية، لكن نهجه القائم على تعدد التحالفات يمنح البرازيل فرصاً أكبر لممارسة نفوذها، بل ولعب دور فاعل في تشكيل النظام الدولي المتعدد الأقطاب الناشئ، أما خطة منافسه، فتمثل طريقاً مسدوداً؛ إذ إن العودة إلى اصطفاف أوثق مع واشنطن ستحدّ من هذه الخيارات في اللحظة التي تتاح فيها للبرازيل فرصة لتوسيعها.
دأب لولا على تقديم سياسة عدم انحياز البرازيل باعتبارها مسألة تتعلق بالسيادة ومقاومة التدخل الخارجي، ومع ذلك، لا تزال البرازيل تعتمد على التكنولوجيا الغربية، في حين أصبحت الصين أكبر شريك تجاري ثنائي لها، فضلاً عن كونها مستثمراً رئيسياً في قطاعات الخدمات اللوجستية والبنية التحتية للطاقة والاتصالات، حيث ستحدد الانتخابات المقبلة ما إذا كان نهج برازيليا القائم على تعدد التحالفات سيستمر، أم سيفسح المجال أمام اصطفاف أوثق مع واشنطن، حتى في الوقت الذي تجعل فيه العلاقات الاقتصادية بين البرازيل وبكين أي تحول حاسم في هذا الاتجاه أمراً متزايد الصعوبة.
تصادم رؤى السياسة الخارجية
تُظهر متوسطات استطلاعات الرأي حالياً تقدم لولا على بولسونارو بنحو 6 نقاط في الجولة الأولى من الانتخابات، ورغم أن الانتخابات ستتركز بشكل أساسي على القضايا الداخلية، فإن رؤيتيهما المتنافستين للسياسة الخارجية تختلفان بشكل واضح، وحتى إذا لم يعد بولسونارو يتبنى في خطابه موقفاً مناهضاً للصين بالقدر نفسه الذي كان عليه قبل عدة سنوات، فإنه لا يزال متشككاً في مجموعة “بريكس”، حيث يرى أن من غير الحكمة أن تستخدم برازيليا التجارة والاستثمارات الصينية لتعزيز استقلاليتها عن واشنطن، لأن ذلك سيؤدي ببساطة إلى زيادة اعتمادها على بكين.
وأقام بولسونارو علاقة وثيقة مع إدارة ترامب، وأصبح تقاربه مع واشنطن بالفعل موضع جدل سياسي في البرازيل، ويكتسب ذلك أهمية خاصة في ضوء تولي والده الحكم بأسلوب زعيم قوي شبيه بترامب، خلال ولايته الوحيدة بين عامي 2019 و2023، ومن المرجح أن تسعى حكومة بولسونارو إلى جعل البرازيل الشريك الاستراتيجي الرئيسي للولايات المتحدة في أمريكا الجنوبية، متقدمة على منافستها الإقليمية الأرجنتين، التي نجحت في ترسيخ مكانة مفضلة لدى واشنطن في عهد خافيير ميلي، حيث تكتسب المقارنة أهمية لافتة، إذ منع ميلي الأرجنتين من الانضمام إلى مجموعة “بريكس”، إذ كانت البلاد تستعد للانضمام إلى المجموعة في يناير 2024 في عهد الرئيس السابق ألبرتو فرنانديز، لكن ميلي تولى منصبه قبل ذلك بشهر، وغيّر المسار برفض الدعوة رسمياً.
من المرجح أن تسعى حكومة بولسونارو إلى جعل البرازيل الشريك الاستراتيجي الرئيسي للولايات المتحدة في أمريكا الجنوبية متقدمة على منافستها الإقليمية الأرجنتين
رغم عدم وجود أدلة حتى الآن على أن بولسونارو سيحاول إخراج البرازيل من مجموعة “بريكس”، يبدو من المرجح جداً أن يؤدي انتخابه إلى تقليص اهتمام البرازيل بعلاقاتها مع دول الجنوب العالمي، مقابل إعادة بناء علاقاتها مع دول الشمال، ومن المرجح أن يحظى بولسونارو بترحيب في واشنطن، نظراً إلى توافقه الأيديولوجي العام مع حركة “لنجعل أمريكا عظيمة مجدداً”.

وعلى النقيض من ذلك، يختلف لولا، المنتمي إلى يسار الوسط، أيديولوجياً بشكل واضح عن ترامب، وقد تصاعدت التوترات بينهما بصورة مطردة، ومع ذلك، تمكن لولا حتى الآن من تجنب أي خلافات دبلوماسية علنية كبيرة مع ترامب، كما نجح في الاجتماع بالرئيس الأمريكي في المكتب البيضاوي في مايو من دون إثارة جدل، ولاحقاً، وصف ترامب لولا في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي بأنه “ديناميكي”، وقال: إن اللقاء كان “جيداً جداً”.
رغم أن الزعيمين تجنبا الدخول في خلاف كبير، إلا أنهما اقتربا من ذلك في أكثر من مناسبة، ففي أبريل 2026، انتقد لولا علناً إعلان ترامب أن جنوب أفريقيا لن تُدعى إلى قمة مجموعة العشرين في ميامي بولاية فلوريدا، وفي العام السابق، وخلال قمة “بريكس” التي عُقدت في ريو دي جانيرو، انتقد لولا بشدة سياسة ترامب الجمركية، وقال علناً إن ترامب لم يُنتخب ليكون “إمبراطور العالم”.
مكانة البرازيل في النظام المتعدد الأقطاب
بدلاً من الاستسلام لضغوط ترامب والاصطفاف إلى جانب الولايات المتحدة، فإن الخيار الأكثر حكمة أمام البرازيل هو مواصلة نهج رؤيتها طويلة الأمد، المتمثل في الاستفادة من العالم المتعدد الأقطاب والمساهمة في تشكيله. فالفوائد تفوق المخاطر بكثير.
باعتبارها عضواً مؤسساً في مجموعة “بريك”، أصبحت الصين في عام 2009، خلال الولاية الرئاسية السابقة للولا، أكبر شريك تجاري للبرازيل على المستوى الثنائي، حيث وجدت صادرات برازيلية، مثل فول الصويا، سوقاً واسعة في الصين، وينبغي للبرازيل أن تبذل مزيداً من الجهود لتنويع علاقاتها الرئيسية في اتجاهات أخرى، وهناك بالفعل مؤشرات على أنها تتخذ خطوات في هذا المسار، كما يمكن للتنويع أن يحول دون الوقوع في التبعية، وفي الوقت نفسه يتيح لبرازيليا تعزيز نفوذها على الساحة الدولية، ويمنحها مرونة دبلوماسية وقدرة أكبر على التفاوض مع القوى الكبرى خارج واشنطن وبكين.
يمكن للتنويع أن يحول دون الوقوع في التبعية ويتيح لبرازيليا تعزيز نفوذها دولياً ويمنحها مرونة دبلوماسية وقدرة أكبر على التفاوض مع القوى الكبرى خارج واشنطن وبكين
تبرز الهند مثالاً واضحاً على ذلك، فعندما أحدث ترامب اضطراباً في التجارة الدولية العام الماضي بفرض رسوم جمركية عقابية على نيودلهي، تدهورت علاقات كل من البرازيل والهند مع الولايات المتحدة، حيث أدى ذلك إلى تكثيف الاتصالات بين الهند والبرازيل، من خلال مكالمات واجتماعات مثمرة بين لولا وناريندرا مودي في عامي 2025 و2026.
ووصف لولا ذلك بقوله: “إنه لقاء بين صيدلية العالم وسلة غذاء العالم، وبين قوة عظمى رقمية وقوة عظمى في مجال الطاقة المتجددة، نحن بلدان شديدا التنوع، ومركزان للصناعات الثقافية، ونحن أيضاً مدافعان عن التعددية والسلام”، ومن خلال إقامة تحالفات انتقائية مع قوى عالمية مختلفة، تستطيع البرازيل تعزيز مصالحها الوطنية، وأن تصبح صوتاً أكثر تأثيراً في النظام الدولي الناشئ، بدلاً من أن تكون مجرد دولة عالقة بين قوتين عظميين.
من المرجح أن تنحاز البرازيل بقيادة بولسونارو بدرجة أكبر إلى الرؤية الأمريكية الحالية للعالم، ما سيقلص التزاماتها تجاه المبادرات العالمية المتعلقة بتغير المناخ وحل النزاعات، ويضيّق هامش المناورة أمامها، وبالنسبة إلى دولة تسعى إلى لعب دور عالمي أكبر، فإن نهج لولا المرن والقائم على تعدد التحالفات يوفر فرصة أكبر لتحقيق ذلك.
تعدد التحالفات
لطالما نظر المجتمع الدولي إلى البرازيل باعتبارها سوقاً ناشئة بالدرجة الأولى، وليس قوة استراتيجية، إلا أن هناك مؤشرات واضحة على أن هذا التصور بدأ يتغير، ومع ذلك، فإن برازيليا لن تتمكن من تحقيق كامل إمكاناتها الجيوسياسية إلا عبر الانخراط في العالم المتعدد الأقطاب الناشئ، بدلاً من التقارب مع أمريكا ترامب.
يتمثل أبرز مصادر نفوذ البرازيل في حجمها الكبير، فهي عاشر أكبر اقتصاد في العالم وسابع أكثر دول العالم سكاناً، فيما نما اقتصادها بنسبة 2.3% العام الماضي، وفي عهد لولا، سعت برازيليا إلى تحويل هذا الثقل إلى نفوذ دبلوماسي من خلال سياسة خارجية متعددة التحالفات، تحافظ على علاقاتها عبر الانقسامات الجيوسياسية التقليدية، حيث ساعد ذلك البرازيل على ترسيخ مكانتها كقوة محايدة قادرة على تحقيق التوازن في علاقاتها بين الشرق والغرب، كما مكّنها من تقديم نفسها كطرف موثوق به في جمع الأطراف، إذ استضافت خلال السنوات الأخيرة سلسلة من القمم الدولية الكبرى، بينها قمة مجموعة العشرين في 2024، وقمة “بريكس” في 2025، ومؤتمر الأطراف “كوب 30” في 2025.
لكن طموحات البرازيل تتجاوز مجرد لعب دور الطرف المحايد في نظام دولي يزداد انقساماً، وتتمثل فرصتها الأكبر في أن تصبح لاعباً مؤثراً داخل هذا النظام؛ فلا تقتصر على كونها دولة مرجحة تختار بين واشنطن وبكين، بل تصبح طرفاً فاعلاً حقيقياً قادراً على بناء التحالفات المتغيرة والتكيف معها وفقاً لمصالحها الخاصة.
تتسع هذه الفرصة مع مرور النظام العالمي بتحول عميق، لا يقتصر على الابتعاد عن الحقبة الأحادية القطبية التي هيمنت عليها الولايات المتحدة، بل يمتد إلى تحول أعمق يتمثل في الابتعاد عن حقبة الهيمنة الغربية التي سبقتها وكانت أطول منها بكثير، والمفارقة أن استخدام ترامب للرسوم الجمركية والضغوط الدبلوماسية والسياسات القسرية تجاه الحلفاء والخصوم على حد سواء قد يسرّع هذا الاتجاه، من خلال دفع الدول الأخرى إلى تنويع علاقاتها وتقليص اعتمادها على واشنطن وتقلبات سياساتها، كما أن ما تتسم به سياساته من مستويات كبيرة من الترهيب وسوء الكفاءة، من فنزويلا إلى غرينلاند وإيران، لن يؤدي إلا إلى تسريع ظهور عالم أقل اعتماداً على الولايات المتحدة.
تبدو المعادلة الأساسية بالنسبة إلى البرازيل واضحة، ففي نظام تهيمن عليه الولايات المتحدة بالكامل، تجد البرازيل صعوبة في إيصال صوتها المستقل، كما تظل قدرتها على التأثير في نتائج القضايا الدولية محدودة، أما العالم الأكثر تعدداً في الأقطاب، فيمنحها خيارات أوسع، من شركاء محتملين ومؤسسات وائتلافات يمكن لبرازيليا من خلالها ممارسة نفوذها، وحتى الآن، حاولت البرازيل بالفعل طرح مبادرات دبلوماسية مشتركة بشأن قضايا عالمية رئيسية، لكنها أخفقت، وإن كانت هناك فرصة لأن تحقق نجاحاً أكبر مستقبلاً.
وسعت البرازيل منذ فترة طويلة إلى تعزيز قدرتها على التحرك دبلوماسياً، لكنها افتقرت إلى النفوذ الذي يتيح لها تحقيق ذلك على مستوى النظام الدولي، ففي عام 2024، على سبيل المثال، طرحت البرازيل والصين بشكل مشترك خطة سلام من ست نقاط تهدف إلى إنهاء الحرب في أوكرانيا من خلال خفض التصعيد والحوار والتفاوض، حيث استغلت الدولتان اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك لحشد دعم دبلوماسيين من الدول النامية للخطة، لكنها فشلت في نهاية المطاف في اكتساب الزخم الكافي ولم تفضِ إلى نتيجة.
جاء مثال سابق في عام 2010، عندما شاركت البرازيل في عهد لولا مع تركيا في قيادة مبادرة للتوسط في اتفاق نووي مع إيران، عُرفت باسم “إعلان طهران”، وبموجب الاتفاق، وافقت طهران على مقترح يقضي بنقل اليورانيوم منخفض التخصيب إلى تركيا، بهدف بناء الثقة تمهيداً لمفاوضات مستقبلية.
ورفض حينها الرئيس باراك أوباما في نهاية المطاف المبادرة، حيث كشفت تلك الواقعة طموح البرازيل إلى التحرك كطرف دبلوماسي مستقل في قضايا لطالما كانت خاضعة لهيمنة القوى الكبرى، ومع ذلك، فإن المقترح مهّد، بصورة لافتة، للاتفاق الشامل المشترك بشأن البرنامج النووي الإيراني الذي أُبرم لاحقاً.

من شأن تبني البرازيل موقفاً قائماً صراحةً على تعدد التحالفات أن يمنحها النفوذ الذي تحتاج إليه على مستوى النظام الدولي لتحويل طموحاتها إلى واقع، فالنمو الاقتصادي للبرازيل ومكانتها الراسخة في الاقتصاد العالمي يفرضان ذلك، حيث لا يتعلق السؤال بمدى أهمية البرازيل على الساحة الدولية، بل بموعد بدء مبادراتها الدبلوماسية المشتركة مع دول أخرى غير غربية في إحداث تأثير على مستوى العالم.
لا يتعلق السؤال بمدى أهمية البرازيل على الساحة الدولية بل بموعد بدء مبادراتها الدبلوماسية المشتركة مع دول أخرى غير غربية في إحداث تأثير على مستوى العالم
التحرر من “الأخ سام”
مع ازدياد سعي الولايات المتحدة إلى فرض حضورها ونفوذها بقوة أكبر في أنحاء أمريكا اللاتينية، تتيح رؤية لولا للسياسة الخارجية للبرازيل الحفاظ على هامش للمناورة، فهي تطرح نموذجاً لبرازيل مستعدة للتكيف مع تعدد الأقطاب، وقادرة على الحفاظ على توازنها في مواجهة النفوذ الأمريكي الذي غالباً ما يتسم بالضغوط في أمريكا اللاتينية، وعلى تقديم صوتها الخاص في معالجة المشكلات العالمية، حيث ترتبط بعض هذه السمات بجذور عميقة في الوعي الوطني البرازيلي، بعد التجربة الصعبة التي خاضتها البلاد مع واشنطن خلال الحرب الباردة.
كان “الأخ سام” الاسم الرمزي لعملية عسكرية أمريكية هدفت إلى دعم الانقلاب الذي أطاح بالرئيس البرازيلي جواو غولارت عام 1964، ومهّد لحقبة من الحكم العسكري استمرت حتى عام 1985، ولم يكن التدخل العسكري الأمريكي المباشر ضرورياً لنجاح الانقلاب، لكن دعم واشنطن له ترك إرثاً دائماً في النقاشات المتعلقة بالسيادة والتدخل الخارجي، وكانت الديكتاتورية حقبة اتسمت بقمع مناهض للشيوعية بلغ حداً من الوحشية دفع الرئيس الأمريكي جيمي كارتر في نهاية المطاف إلى انتقاد النظام بسبب سجله في مجال حقوق الإنسان، ولم تشهد البرازيل انتخابات رئاسية ديمقراطية لمدة 25 عاماً بعد الانقلاب.
لكن الدعم الأمريكي للنظام العسكري البرازيلي المناهض للشيوعية أفضى إلى نتيجة أخرى، إذ أبقى البرازيل خارج حركة عدم الانحياز خلال حقبة الحرب الباردة، حيث شاركت البرازيل في المؤتمر التأسيسي للحركة عام 1961 في بلغراد، لكنها لم تصبح عضواً فيها قط، ومع ذلك، عكست السياسة الخارجية البرازيلية في كثير من الأحيان تقليداً أوسع من الاستقلالية الاستراتيجية، يقوم على الحفاظ على العلاقات مع القوى المتنافسة، مع تجنب الاعتماد المفرط على أي منها، ويعكس تركيز لولا على التعاون بين دول الجنوب، ومجموعة “بريكس”، وتنويع الشراكات، الروح نفسها التي اتسم بها نهج عدم الانحياز.
كما أن العالم المتعدد الأقطاب يتوافق بشكل مباشر مع جوانب مختلفة من الإرث التاريخي للبرازيل، فإرثها الاستعماري البرتغالي يربطها بأوروبا، بينما توفر روابطها الديموغرافية والثقافية والتاريخية العميقة مع أفريقيا أساساً لتعزيز انخراطها مع دول الجنوب العالمي، وفي نظام دولي أقل هيمنة غربية، تمنح هذه الهويات والإرث العالمي المتداخل للبرازيل عدداً أكبر من الشركاء المحتملين ومسارات أوسع يمكنها من خلالها ممارسة نفوذها.
يتمثل التحدي أمام البرازيل في تشجيع الانتقال إلى تعددية أقطاب حقيقية بحذر، من دون استدعاء رد انتقامي مباشر من الولايات المتحدة، وهو ما تمكن لولا من تحقيقه حتى الآن، ورغم أن الانتقال إلى تعددية الأقطاب عملية معقدة، إلا أنه يصب في نهاية المطاف في مصلحة البرازيل، ومن المهم أن يختار البرازيليون لولا ليتولى إدارة هذا الانتقال، وفي نهاية المطاف، ستحدد نتيجة الانتخابات الرئاسية في أكتوبر طبيعة التأثير الذي ستحدثه البرازيل على الساحة الدولية مع اقتراب عقد الثلاثينيات.
إذا تمكنت البرازيل من مواصلة الجمع بين هامش المناورة هذا والمرونة الاقتصادية والدبلوماسية، فقد يكون صعودها مؤشراً إلى تحول أكبر بكثير؛ إذ قد يبرهن على أن النظام الدولي المتعدد الأقطاب الناشئ يتيح لدول الجنوب العالمي مجالاً للمساهمة فعلياً في تشكيل مخرجات النظام الدولي الجديد، بدلاً من الاكتفاء بالتكيف مع القرارات الصادرة عن واشنطن أو بكين، حيث يمثل ذلك اختباراً لمدى قدرة هذه الدول على تحويل حالة التفتت في النظام الدولي إلى قوة استراتيجية حقيقية، وباختصار، قد يتيح ذلك للقوى المتوسطة في الجنوب العالمي التحول إلى قوى كبرى.
قد يكون النظام الدولي المتعدد الأقطاب الناشئ بصدد إتاحة المجال أمام دول الجنوب العالمي للمساهمة في تشكيل مخرجات النظام الجديد بدلاً من التكيف مع قرارات واشنطن أو بكين


