التحوّل التكنولوجي الصناعي لواشنطن

تقرير
موظفون في شركة لتصنيع أشباه الموصلات (أ ف ب)
موظفون في شركة لتصنيع أشباه الموصلات (أ ف ب)
ﺷﺎرك

أصبحت الريادة الأمريكية في العلوم والتكنولوجيا هدفاً استراتيجياً قائماً بذاته ضمن أهداف الأمن القومي للولايات المتحدة، حيث أكدت الاستراتيجية الوطنية للعلوم والتكنولوجيا للأمن القومي، التي نشرها مكتب البيت الأبيض لسياسة العلوم والتكنولوجيا في أغسطس الجاري، هذا التوجه بوضوح، إذ تُعد هذه أول وثيقة تحمل هذا العنوان منذ عام 1995.

اليوم، يمثل التعامل مع الريادة التكنولوجية، باعتبارها هدفاً من أهداف الأمن القومي، انقلاباً على نهج أمريكي راسخ منذ عقود، كانت فيه الميزة الاستراتيجية تأتي بصورة غير مباشرة نتيجة لحيوية القطاع التجاري وديناميكيته، حيث دأبت واشنطن تاريخياً على الجمع بين الاستثمار الحكومي في العلوم والتكنولوجيا وبيئة ابتكار تتولى فيها الشركات والأسواق تحديد التقنيات التي تستقطب رؤوس الأموال وتتمكن من بلوغ نطاق تجاري ذي أهمية استراتيجية، أما الاستراتيجية الوطنية الجديدة للعلوم والتكنولوجيا  (NSST)، فتُحدث تحولاً في هذا التوازن.

مع أن الوثيقة لا تزال تصف منظومة الابتكار بأنها إحدى نقاط القوة الرئيسية للولايات المتحدة التي ينبغي الاستفادة منها وتوظيفها، إلا أن الأدوات التي تقترحها تتجه في مسار مختلف، إذ تنتقل واشنطن من رعاية هذه المنظومة والإشراف عليها إلى تبنّي استراتيجية تكنولوجية-صناعية أكثر وضوحاً، تتولى فيها الدولة ترتيب المجالات ذات الأولوية، واختيار الشركات، وتحديد شروط الوصول إلى التكنولوجيا وتسعيرها، حيث يأتي تحديد الأولويات وترتيب المجالات في مقدمة هذه العملية، لأن كل ما تتضمنه الاستراتيجية لاحقاً يعتمد على القائمة التي تضعها الدولة.

تنتقل واشنطن إلى تبنّي استراتيجية تكنولوجية-صناعية أكثر وضوحاً تتولى فيها الدولة ترتيب الأولويات واختيار الشركات وشروط الوصول إلى التكنولوجيا وتسعيرها

تسلسل أولويات واشنطن

تنظّم الاستراتيجية الجهود الفيدرالية حول أربعة محاور: التركيز، والمرونة، والرشاقة، والأمن، حيث تحدّد ثلاثة مجالات ذات أولوية لتحقيق الهيمنة في ميدان المعركة، وهي: القدرات تحت سطح البحر، والفضاء، والذكاء الاصطناعي مع الأنظمة الذاتية، وتضع التفوق الجوي، والضربات بعيدة المدى، والقيادة والسيطرة والاتصالات والحواسيب والاستخبارات والمراقبة والاستطلاع في مرتبة أدنى.

تأتي بعدها 12 تقنية تمكينية، بينما يحدّث الملحق (أ) القائمة الرسمية للتقنيات الحرجة والناشئة لتشمل 14 مجالاً، إذ ترى الوثيقة أن تحديد الأولويات بشكل مركّز هو ما يجعل هذا النهج ميسور التكلفة وفعّالاً في آنٍ واحد.

وهذا يشير إلى أن هذا الترتيب في حد ذاته يحمل جوهر التغيير، حيث كانت قوائم التقنيات الحرجة السابقة شاملة، وتؤدي وظيفة الإشارة إلى المجالات ذات الأهمية، أما هذه القائمة فتحدّد ترتيباً للأولويات، وتربطه بمذكرة موازنة البحث والتطوير للسنة المالية 2028، حيث يتعين على مكتب سياسة العلوم والتكنولوجيا ومجلس الأمن القومي إعداد خطط خاصة بكل تقنية على مستوى أكثر تفصيلاً في المرحلة التالية، إذ يشكّل الترتيب، وربط الموازنة، والخطط الفرعية المتسلسلة معاً هيكلاً للتخطيط.

ومع ذلك، فإن لهذه الأدوات سوابق، حيث قدّم تقرير للعلوم والتكنولوجيا إلى الرئيس أوباما في يناير2017 تشخيصاً للسياسة الصناعية الصينية في مجال أشباه الموصلات، وأوصى بتسريع وتيرة الابتكار، كما أبقت إدارة بايدن على التشخيص، لكنها غيّرت الاستجابة، حيث خصّصت 52.7 مليار دولار بموجب قانون الرقائق والعلوم، وفرضت قيوداً على صادرات الحوسبة المتقدمة في أكتوبر 2022، وفتحت باب التدقيق في الاستثمارات الخارجية في عام 2023، إذ حدّد كل إجراء قطاعاً بعينه.

في هذا السياق، هناك أمران جديدان، أولاً، يوسّع إضفاء الطابع المنهجي هذا المنطق ليشمل 14 مجالاً تكنولوجياً، ويربطه بمذكرة للموازنة، وثانياً، يغيّر إضفاء الطابع الأمني الأساس الذي تستند إليه هذه السياسة، فالدعم الذي كان يُبرَّر سابقاً بدعم القدرة التنافسية أصبح يُبرَّر الآن باعتبارات الأمن، كما أن 5.7  مليارات دولار من منحة إنتل غير المصروفة بموجب قانون الرقائق أصبحت الآن جزءاً من حصة اتحادية تبلغ 9.9 %.

وعلى النقيض من ذلك، جاء التنفيذ إلى جانب إرساء العقيدة، ففي اليوم نفسه الذي ظهرت فيه الاستراتيجية، أخطرت وزارة الدفاع الأمريكية 30 جامعة بضرورة إجراء تدقيق في تعاوناتها البحثية مع جهات أجنبية، وإلا ستفقد أهليتها للحصول على التمويل الفيدرالي، حيث يُظهر أحد هذه التصنيفات منطق ترتيب الأولويات وتكلفته، إذ أُدرجت التكنولوجيا الحيوية ضمن المجالات التحويلية التي تعتزم الولايات المتحدة تحقيق الريادة فيها، وهي مرتبطة بمواجهة الأسلحة البيولوجية، لكنها غائبة عن قائمة التقنيات التمكينية المحددة لتحقيق التفوق في ميدان المعركة، وهكذا، يجري ترتيب مجال ذي أهمية استراتيجية بالغة أساساً وفقاً لطبيعة التهديد الذي يمثله.

يستند تحديد الأولويات إلى افتراض ضمني مفاده بأن الدولة قادرة على تحديد المجالات التي ستكون ذات أهمية على مدى عقد من الزمن، حيث لا توضّح الوثيقة كيفية مراجعة هذا الترتيب إذا ثبت خطؤه، ولا تحدد الجهة المخوّلة بإجراء هذه المراجعة، كما يفترض التصنيف أن مجموعة واحدة من الأدوات ستكون صالحة للعمل في جميع المجالات الواردة فيه.

أسواق متفاوتة البنية

تطبّق الاستراتيجية منطقاً موحّداً للحوكمة على تقنيات تختلف هياكل أسواقها اختلافاً جوهرياً، حيث يشكّل هذا التوحيد نقطة ضعف تحليلية أساسية، كما يأتي الذكاء الاصطناعي في أحد طرفي هذا الطيف؛ إذ يهيمن رأس المال الخاص، وتحدّد الشركات ذات الميزانيات العمومية التي تفوق قدرات البرامج الفيدرالية المعنية مستوى التطور في هذا المجال، فيما يظل النفوذ الحكومي هامشياً، وبالتالي، فإن التوجيه لا يضيف الكثير، بينما يؤدي التقييد إلى تغيير النتائج.

تطبّق الاستراتيجية منطقاً موحّداً للحوكمة على تقنيات تختلف هياكل أسواقها اختلافاً جوهرياً حيث يشكّل هذا التوحيد نقطة ضعف تحليلية أساسية

تقع القدرات تحت سطح البحر في الطرف الآخر، فهناك مشترٍ واحد، وقاعدة محدودة من المورّدين، ولا يوجد سوق تجاري، حيث تضع الاستراتيجية القدرات تحت سطح البحر في المرتبة الأولى، وتربط هذه الجهود بالتعاون مع أستراليا والمملكة المتحدة بشأن القاعدة الصناعية للغواصات، وهنا تكون الدولة هي السوق، ويصبح الاستثمار الموجّه هو المسار الوحيد المتاح.

أما الفضاء فيعقّد هذه الحجة، ولكن لصالح واشنطن، حيث تقاربت فيه احتياجات القطاعين التجاري والعسكري، وأصبحت وزارة الدفاع تشتري من شركات تموّل أعمالها المدنية أصلاً هذه القدرات، ففي مايو، منح قيادة أنظمة الفضاء شركة سبيس إكس عقداً بقيمة 2.29 مليار دولار لتطوير العمود الفقري لشبكة البيانات الفضائية، ثم منحتها بعد أيام 4.16 مليارات دولار لإنشاء كوكبة لتتبع الأهداف المحمولة جواً، حيث أُبرم كلا العقدين من خلال سلطات المعاملات الأخرى، وهذا هو نموذج التكنولوجيا-الصناعة الذي يقوم بتعاقد سريع، وهياكل تكلفة تجارية، وتحقيق وفورات الحجم.

مبنى البنتاغون، الذي يضم مقر وزارة الدفاع الأمريكية (أ ف ب)
مبنى البنتاغون، الذي يضم مقر وزارة الدفاع الأمريكية (أ ف ب)

ضمن هذا السياق، تكشف الحالة نفسها عن موطِني فشل، الأول هو تركّز المورّدين، حيث ذهبت الجائزتان كلتاهما إلى شركة واحدة، والثاني هو الهشاشة المالية، إذ تعتمد مبادرة القبة الذهبية على إجراء المصالحة؛ إذ يُطلب من خلاله أكثر من 17 مليار دولار للسنة المالية 2027، مقابل 400 مليون دولار من التمويل الأساسي، حيث يقدّر مكتب الميزانية في الكونغرس تكلفة بنية مماثلة بنحو 1.2 تريليون دولار على مدى 20 عاماً.

تقع الحوسبة الكمّية في منطقة وسطى غير مستقرة، حيث تصفها الاستراتيجية بأنها قد تكون ذات أثر تحويلي، في حين يشير ملحقها إلى أن معظم تداعياتها الأمنية لا تزال بعيدة الأفق، حيث تظل الإيرادات التجارية محدودة، كما أن الحكومة استحوذت على حصص في شركات الحوسبة الكمّية قبل نضوج السوق، ومع ذلك، من شأن طلب موازنة السنة المالية 2027 أن يخفض تمويل علوم المعلومات الكمّية في المؤسسة الوطنية للعلوم بنسبة 37%، من 365 مليون دولار إلى 231 مليون دولار.

تُسهم عملية التعاقد في ردم هذه الفوارق، إذ تدفع الوثيقة الوكالات نحو استخدام سلطات المعاملات الأخرى والتعاقدات ذات التكلفة الثابتة القائمة على مراحل الإنجاز، كما تؤيد نشر منصات منخفضة التكلفة، يمكن في بعض الأحيان التضحية بها، بأعداد كبيرة، إلى جانب أعداد أقل من الأنظمة المتطورة عالية الكفاءة، حيث تمنح هذه الأفضلية الشركات الوافدة حديثاً ميزة على الشركات الكبرى القائمة، وقد تعيد تشكيل القاعدة الصناعية الدفاعية بدرجة تفوق تأثير أي بند تمويلي منفرد.

اليوم، يعد قطاع أشباه الموصلات الوحيد الذي تُطبَّق فيه جميع الأدوات في آنٍ واحد، حيث تشمل القائمة الدعم، وحصةً فيدرالية في أكبر منتج محلي، وصادرات خاضعة للترخيص والتسعير، وفحص الاستثمارات الخارجية، والتدقيق في الأبحاث، وقوة عاملة تتسبب السياسات نفسها في تقليصها، حيث لا يوجد مجال آخر يخضع لهذه المنظومة الكاملة من الأدوات، ما يجعل قطاع أشباه الموصلات الاختبار الأفضل لمعرفة ما إذا كانت هذه المنظومة تعمل كـنظام متكامل أم أنها مجرد تراكم لإجراءات منفصلة.

من الدعم الحكومي إلى المساهمة

من بين هذه الأدوات، قطعت الملكية الحكومية مسافة أبعد وبوتيرة أسرع، حيث تأتي الاستراتيجية في ظل تغير جوهري في طبيعة العلاقة بين واشنطن والشركات الأمريكية، فحتى أواخر يوليو، كانت الإدارة قد التزمت بنحو 26.7  مليار دولار عبر 30 صفقة تتضمن مساهمات في رأس المال أو ترتيبات شبيهة بالملكية، وكانت الحصة الأكبر منها في شركة إنتل.

اليوم، تمتلك وزارة الدفاع 400  مليون دولار من الأسهم الممتازة في شركة MP Materials، إلى جانب مذكرة تمنحها الحق في أن تصبح أكبر مساهم في الشركة، إذ لم تُنشر أي قاعدة بيانات موحّدة لحصر هذه المساهمات، فالدعم الحكومي يترك قرارات تخصيص رأس المال بيد الشركة، أما الملكية فتمنح الدولة حقاً مباشراً في التأثير عليها.

الدعم الحكومي يترك قرارات تخصيص رأس المال بيد الشركة أما الملكية فتمنح الدولة حقاً مباشراً في التأثير عليها

يُظهر التصنيع المتقدم كيفية استخدام الأدوات مجتمعة، إذ تسيطر الصين على نحو 90 %  من عمليات تكرير العناصر الأرضية النادرة عالمياً، بينما يتمثل القيد الأساسي في المعالجة وليس في الاكتشاف، وإلى جانب مساهمته في رأس المال، قدّم البنتاغون قرضاً بقيمة 150  مليون دولار لعمليات الفصل والمعالجة الثقيلة، وضمن حداً أدنى للسعر لمدة عشر سنوات يبلغ 110  دولارات للكيلوغرام، أي نحو ضعف السعر السائد وقت إبرام الصفقة.

ضمن هذا الإطار، دعمت واشنطن شركة منافسة، حيث وقّعت خطاب نوايا غير ملزم مع شركة “يو إس إيه رير إيرث” في يناير بقيمة تصل إلى 1.6 مليار دولار، وبحلول مايو، كانت الشركتان في نزاع قضائي في محكمة تكساس بشأن تكنولوجيا المغناطيس، بناءً على ادعاءات لم تثبت صحتها بعد، حيث يتم تحديد الملكية والائتمان والسعر والطلب إدارياً، ويضمن حد أدنى ثابت إزالة مخاطر الطلب التي عادةً ما تُقيّد قرارات الطاقة الإنتاجية.

ومع ذلك، هناك مبررات قوية لزيادة توجيه الدولة، بالنظر إلى الكيفية التي نشأت بها مثل هذه التبعيات، حيث بُنيت هيمنة الصين على عمليات التكرير وفق منطق تجاري اعتيادي، إذ تخلّت الشركات الغربية عن عملية منخفضة الهامش ومرتفعة التكلفة البيئية، وسارت شركة أشباه الموصلات الهولندية نيكسبيريا في المسار نفسه عندما بيعت إلى شركة وينغتك الصينية في عام 2018 مقابل نحو 3.6  مليارات دولار.

وهذا يشير إلى أنه عندما تؤدي الحوافز الخاصة إلى تركّز مدخل استراتيجي في دولة واحدة، تصبح التبعية نتاجاً للسوق، وبالتالي فإن تصحيح هذا الخلل لا يُعد بالضرورة إجراءً مناهضاً للسوق، حيث تحركت ضوابط رأس المال بالتوازي مع ذلك، إذ رسّخ قانون الأمن القومي الشامل للاستثمار الخارجي لعام 2025 برنامج أمن الاستثمارات الخارجية، وتوجّه الوثيقة وزارة الخزانة إلى تعزيز هذا البرنامج وتوسيع نطاقه ليشمل المجالات المرتبطة باستراتيجية الصين للاندماج العسكري-المدني، كما تسعى الاستراتيجية إلى مراقبة بعض الاستثمارات الجديدة من الصفر، وتوسيع صلاحيات لجنة الاستثمار الأجنبي في الولايات المتحدة لتشمل التقنيات الحيوية.

ضوابط التصدير كرسوم عبور

تستكمل سياسة التصدير هذا النهج، حيث وافق الرئيس في ديسمبر 2025 على بيع مُسرّع H200 من شركة إنفيديا إلى الصين، على أن تحصل الحكومة على 25 %  من العائدات، إذ أصدر مكتب الصناعة والأمن قاعدة الترخيص في يناير، حيث تُمرَّر الرقائق المصنّعة في تايوان عبر الولايات المتحدة لإخضاعها للفحص قبل تسليمها، وقد حصلت نحو عشر شركات صينية على الموافقة، من بينها علي بابا وتينسنت وبايت دانس، مع تحديد سقف لكل شركة يبلغ 75  ألف وحدة.

ثم تولّت بكين التحكم في مسار الانفتاح، إذ عطّلت عمليات التسليم لمدة سبعة أشهر، بينما وجّهت المشترين نحو شركة هواوي، حيث حصلت كل من بايت دانس وتينسنت على نحو 10 آلاف وحدة خلال الأسابيع الأخيرة، وهي نسبة ضئيلة من الكميات التي شملتها تراخيصهما، كما يخضع كل طلب إضافي للموافقة على أساس كل حالة على حدة، فيما تُوجَّه معظم الكميات المرخّصة إلى هونغ كونغ بدلاً من البرّ الرئيسي.

يُقال: إن إنفيديا تحتفظ بنحو 500 ألف من الرقائق المصنّعة للعملاء الصينيين، وتتوقع مؤسسة تريند فورس، أن يستحوذ الموردون المحليون على نحو 90% من سوق رقائق الذكاء الاصطناعي المتطورة في الصين هذا العام، إذ تترتب على ذلك نتيجتان، الأولى، انتقال التحكم من الحظر إلى قناة خاضعة للترخيص والضرائب، ما حوّل إجراءً أمنياً إلى مصدر للإيرادات، حيث أصبح المشتري الآن يحدد شروط الصفقة التي سبق أن حدّدت حكومة البائع سعرها، وهكذا، تعمل الدولتان على توجيه النتائج بعيداً عن مؤشرات السوق في القطاع نفسه، وكانت النتيجة تدفق كميات أقل من الرقائق.

أما الثانية، أن الفارق الذي يجري الدفاع عنه آخذ في التقلص، حيث أظهر مؤشر الذكاء الاصطناعي الصادر عن جامعة ستانفورد أن النموذج الأمريكي الرائد كان يتفوق على أفضل نموذج صيني بنسبة 2.7 %  في مارس 2026، مقارنة بفوارق تجاوزت 10% في عام 2023، حيث لا تكون رسوم العبور فعّالة إلا ما دام من الصعب استبدال السلعة الخاضعة لها.

المفاضلة في الحماية

يحكم المنطق نفسه ما يبقى داخل البلاد، ويتناول محور الأمن مسألة الحماية، إذ يقترح تتبّع الجهات المستفيدة، بصورة مباشرة وغير مباشرة، من التمويل الفيدرالي للبحوث، ومنع منح أبحاث العلوم الأساسية للجهات المصنفة عالية الخطورة والمدرجة على قائمة القسم 1260H.  كما يدعو إلى التدقيق الآلي في المقترحات، والمراقبة المستمرة للمشروعات الممولة.

في هذا السياق، تُظهر عمليات التدقيق في الجامعات كيفية تطبيق هذا النهج عملياً، وهي تشمل 130 مؤسسة أجنبية، من بينها 88  مؤسسة في البرّ الرئيسي للصين، إلى جانب جهات مرتبطة بمعاهد كونفوشيوس التي أُعيدت تسميتها، ومن المقرر تقديم نتائج التدقيق بحلول 31  أغسطس.

تتمثل النقطة العملية الحاسمة في المهلة البالغة أسبوعين لإجراء التدقيق ورفع التقرير، فهي تفرض وتيرة امتثال لا تتيح إجراء تقييم لكل حالة على حدة، وتدفع المؤسسات نحو الانسحاب الشامل، حيث تضم القائمة كيانات صينية عدة بارزة، من بينها جامعات مدنية تربطها شراكات بحثية دولية واسعة، ما يعني أن التكلفة ستقع على الأبحاث والأنشطة الاعتيادية إلى جانب القنوات التي تستهدفها السياسة.

تُبرز المواهب والكفاءات المفاضلة نفسها بصورة أكثر وضوحاً، إذ تلتزم الاستراتيجية بجذب أفضل الكفاءات العالمية والاحتفاظ بها في المجالات الحيوية، حيث حذرت الاستراتيجية الوطنية للأمن القومي لعام 2025 من استخدام استقطاب المواهب العالمية ذريعةً لفتح سوق العمل الأمريكي.

 حرم معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا في كامبريدج، ماساتشوستس (أ ف ب)
حرم معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا في كامبريدج، ماساتشوستس (أ ف ب)

وعلى النقيض من ذلك، فإن العرض يسير في الاتجاه المعاكس، حيث انخفضت أعداد الطلاب الدوليين الجدد الملتحقين بالدراسة بنسبة 17 %  في خريف 2025، كما تراجعت تسجيلات برنامج H-1B  للسنة المالية 2027 بنسبة 38.5 %، ومن المرجح أن يتفاقم هذا الاتجاه في ظل رسم H-1B  المقترح حديثاً، والبالغ 100 ألف دولار.

يُدرج مكتب سياسة العلوم والتكنولوجيا القوى العاملة باعتبارها إحدى وسائل تنفيذ الاستراتيجية، من دون أن يمتلك أياً من الأدوات التي تتحكم في العوامل المحدِّدة لها، أما البديل المحلي، المتمثل في توسيع فرص الالتحاق ببرامج التدريب المتقدم وبرامج التلمذة المهنية في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي والإلكترونيات الدقيقة، فيحتاج إلى عقد من الزمن حتى يؤتي ثماره، في حين أن الجداول الزمنية اللازمة لتطوير القدرات، وفقاً للوثيقة نفسها، أقصر من ذلك.

تقع الكلفة على الآلية التي أنتجت هذه الميزة في الأصل، حيث شكّل الانفتاح قناة لجذب الكفاءات بقدر ما شكّل منفذاً لتسرّبها، كما أن إجراءات التأشيرات والالتحاق التي تحدّ من الانكشاف تقلّل في الوقت نفسه من القدرة على الاستقطاب، حيث تضيف المراقبة المستمرة عبئاً إدارياً إلى الجامعات نفسها التي تطالبها الاستراتيجية بتحمّل قدر أكبر من المخاطر التقنية، وهكذا، يعطي محورا الرشاقة والأمن تعليمات متعارضة إلى مديري الأبحاث أنفسهم، حيث لا يوجد تقييم منشور يحدد أيّ التدفقين أكبر.

شكّل الانفتاح قناة لجذب الكفاءات بقدر ما شكّل منفذاً لتسرّبها كما أن إجراءات التأشيرات والالتحاق التي تحدّ من الانكشاف تقلّل من القدرة على الاستقطاب

معيار سيماتك

سبق لواشنطن أن حاولت تبنّي تحوّل تكنولوجي-صناعي، حيث يضع ذلك النهج السابق معياراً لا يرقى إليه النهج الحالي، فقد أسست 14  شركة لصناعة الرقائق اتحاد سيماتك عام 1987 لمواجهة المنافسة اليابانية، وأسهمت وكالة مشاريع البحوث الدفاعية المتقدمة (DARPA) بنحو 100 مليون دولار سنوياً، أي نحو 870  مليون دولار على مدى عقد، وكان يُمنع على الاتحاد تصميم الرقائق أو بيعها، فيما كان الأعضاء يساهمون بما لا يقل عن نصف ميزانيته السنوية.

كما تفسّر ثلاثة عناصر تصميمية سمعته، أولاً، كان نطاق عمله ضيقاً ويركز على الأبحاث السابقة للمنافسة، وثانياً، تحملت الصناعة الجزء الأكبر من التكلفة، ما فرض انضباطاً في عملية الاختيار، وثالثاً، كان له أجل محدد؛ إذ صوّت مجلس الإدارة على مواصلة العمل من دون تمويل فيدرالي بعد الدفعة الأخيرة في السنة المالية 1996.

ومع ذلك، يظل سجل التجربة موضع خلاف، حيث خلص مكتب المساءلة الحكومية في عام 1992 إلى أن “سيماتك” سيحقق التكافؤ مع اليابان من دون أن يتفوق عليها، وأن مدى إسهامه في التعافي كان غير واضح، وفي وقت لاحق، خلص إروين وكلينوف إلى أن أعضاء الاتحاد خفّضوا إنفاقهم الخاص على البحث بنحو 300  مليون دولار سنوياً، أي ثلاثة أضعاف قيمة الدعم الحكومي.

أما الممارسة الحالية، فتعكس كل عنصر من هذه العناصر، إذ يمتد نطاقها ليشمل 14 مجالاً تكنولوجياً، حيث لا يُشترط تقاسم الصناعة للتكاليف مقابل الحصة التي تستحوذ عليها الحكومة، كما لم تُحدَّد لها مدة زمنية تنتهي بانقضائها، وبالتالي، لا توجد آلية مضمّنة للتحقق من صحة قرارات الاختيار أو تصحيحها إذا ثبت خطؤها.

كما أن القاعدة المالية آخذة في الانكماش، إذ يطلب مشروع موازنة السنة المالية 2027 خفض تمويل المؤسسة الوطنية للعلوم (NSF) بنسبة 55%، ليصل إلى 4 مليارات دولار، إذ سينخفض تمويل مكتب العلوم التابع لوزارة الطاقة بنسبة 15%، وتمويل المعاهد الوطنية للصحة (NIH) بنسبة 12 %.

وكان الكونغرس قد رفض تخفيضات مماثلة في السنة المالية 2026، واستقر تمويل المعاهد الوطنية للصحة عند 48.7  مليار دولار، والمؤسسة الوطنية للعلوم عند 8.75  مليارات دولار، حيث رفضت لجنة المخصصات في مجلس النواب بالفعل أعمق مقترحات الخفض للسنة المالية 2027.

حيثما ظهر نشاط جديد، فقد جاء عبر إعادة توجيه الموارد، حيث أُطلقت مبادرة جينيسيس بموجب أمر تنفيذي في نوفمبر 2025، ثم جرى توسيعها في يوليو 2026، مع تخصيص أكثر من 5  مليارات دولار من الالتزامات عبر 15 وكالة فيدرالية، حيث تموّل الشركات نحو ثلاثة أرباع الإنفاق الأمريكي على البحث والتطوير، فيما يقدّم التمويل الفيدرالي الدعم لمعظم الأنشطة البحثية الأكاديمية، ولذلك، فإن تركيز ميزانية ثابتة على مهام محددة سلفاً يضاعف تبعات الخطأ في تحديد الأولويات.

أوروبا داخل نطاق الحماية

يمتد النطاق الحمائي إلى الخارج، إذ ستدفع الاستراتيجية الحلفاء نحو تبنّي ممارسات صارمة مماثلة لأمن الأبحاث، وستتعامل مع اعتماد قيود مماثلة على الاستثمارات الخارجية باعتباره مؤشراً على الابتعاد عن الخصوم، كما تلتزم واشنطن بالمشاركة المتعمدة في هيئات وضع المعايير الدولية.

توجد بالفعل الأطر اللازمة لذلك، حيث وقّعت واشنطن اتفاقيات الازدهار التكنولوجي مع المملكة المتحدة في سبتمبر 2025، ومع اليابان وكوريا الجنوبية في أكتوبر 2025، وهي اتفاقيات غير ملزمة ولا تتضمن أي التزامات تمويلية، حيث أُطلقت مبادرة باكس سيليكا في ديسمبر 2025 بسبعة أطراف موقعة، وارتفع عددها إلى 25 طرفاً بحلول أغسطس، وفقاً لمؤسسة تكنولوجيا المعلومات والابتكار.

بدأ التطبيق غير الرسمي بالفعل، إذ يتناول مشروعٌ لوزارة الخارجية الأمريكية، أوردت تقارير إعلامية تفاصيله في 14 أغسطس، الدول الـ35 الموقعة على بيان فرص الذكاء الاصطناعي الصادر في يونيو، حيث لا يمكن لهذه الدول أن تنضم أيضاً إلى منظمة التعاون العالمي للذكاء الاصطناعي التي أطلقها شي جين بينغ في يوليو، وتنتمي كازاخستان، وهي مورّد مهم للمعادن الحيوية، إلى الإطارين معاً، حيث يتجنب النص ذكر الصين بالاسم، ويحذّر من أن الانتماء إلى كل إطار يعني في نهاية المطاف عدم الانتماء فعلياً إلى أي إطار.

تبني بروكسل نهجاً موازياً، حيث اقترحت المفوضية في 3 يونيو 2026 حزمة السيادة التكنولوجية الأوروبية، إذ يستهدف الإصدار الثاني من قانون الرقائق الأوروبي (Chips Act 2.0) استثمارات بقيمة 140 مليار دولار بحلول عام 2035، مع آليات لتحفيز الطلب تربط المنتجين الأوروبيين بالمشترين الصناعيين، وإعطاء الأولوية لإنشاء مصنع متقدم لأشباه الموصلات داخل الاتحاد، ولا يزال هذا المقترح قيد الدراسة، ولا يُتوقع اعتماده قبل أواخر عام 2027.

هذا الطلب يغيّر بدوره تكلفة الاصطفاف، فاتفاقيات الازدهار وإعلانات باكس سيليكا لا تُلزم أيّاً من الأطراف الموقعة، في حين تمتد ضوابط التصدير الأمريكية وقوائم الكيانات إلى الشركات الأوروبية خارج الحدود الإقليمية، ويُطلب من الأعضاء الآن التخلي عن هامش المناورة أيضاً، مقابل التزامات تظل غير قابلة للإنفاذ في مواجهة واشنطن، حيث يكون الاصطفاف بشأن المنع أسهل سياسياً من الاصطفاف بشأن السياسة الصناعية، إذ تتنافس آليات تحفيز الطلب الأوروبية وحصص الملكية الأمريكية على الشركات نفسها.

أظهرت نيكسبيريا بالفعل تكلفة اتباع منطق نقاط الاختناق من دون توفير قدر مماثل من القدرة على الصمود، حيث فرضت الحكومة الهولندية سيطرة مؤقتة على شركة صناعة الرقائق في أواخر سبتمبر 2025 لأسباب تتعلق بالأمن القومي، مستندةً إلى قانون يعود إلى حقبة الحرب الباردة، وردّت بكين بوقف صادرات الرقائق الجاهزة من مصنع الشركة في دونغوان، كما حذّرت شركات صناعة السيارات الأوروبية من توقف وشيك في الإنتاج، قبل أن تعلّق لاهاي أمرها بعد أسابيع، ومع ذلك، استمر الاضطراب حتى عام 2026.

تحوّل جزئي

النموذج الذي تقترب واشنطن من تبنّيه أصبح ظاهراً بالفعل في بكين، إذ تكرّس الخطة الخمسية الخامسة عشرة، التي تغطي الفترة من 2026 إلى 2030، الاعتماد على الذات تكنولوجياً باعتباره أولوية أساسية، بينما تتبع النفقات الرأسمالية لشركة SMIC  منطق السياسة بدلاً من إشارات الطلب.

ومع ذلك، أثّرت الضوابط بالفعل؛ إذ لا يزال الإنتاج المحلي بعيداً بسنوات عن تحقيق القدرة التنافسية العالمية، مع ضعف معدلات الإنتاجية في العقد المتقدمة، كما دفعت هذه الضوابط إلى إطلاق حملة للاعتماد على الذات بدعم من الدولة حققت نتائج ملموسة، لكنها في الوقت نفسه قلّصت قدرة الشركات الغربية على متابعة تلك الصناعة من داخلها.

يكمن الخطر الذي يواجه واشنطن في الجانب الوظيفي، إذ تميل معايير الاختيار إلى الانحراف نحو الأهمية السياسية عندما لا يقيّدها معيار تشريعي، وهذا الانحراف هو الطريقة التي تُسيء بها الأنظمة الموجّهة تخصيص رأس المال، حيث ستتحمل أجهزة الدولة، التي هي أصغر حجماً وأقل استمرارية من نظيرتها الصينية، تكاليف التوجيه من دون أن تستفيد من الحجم نفسه الذي قد يعوّض تلك التكاليف.

أجهزة الدولة الأصغر حجماً والأقل استمرارية من نظيرتها الصينية ستتحمل تكاليف التوجيه من دون أن تستفيد من الحجم نفسه الذي قد يعوّض تلك التكاليف

لا يزال جزء كبير من الاستراتيجية غير مكتوب، إذ ستحدد الخطط الخاصة بكل تقنية، التي ستنبثق عنها، الشركات والمختبرات والمجالات التي ستحصل على الدعم، ويضع الإطار المنهج، فيما لا تزال التخصيصات التي ستختبر مدى فاعليته قادمة.

في المحصلة، هناك ثلاثة مؤشرات ستحدد اتجاه المسار، وهي، أولاً، ما إذا كانت اعتمادات السنة المالية 2027 التي سيقرّها الكونغرس ستحافظ على الخط الذي رسمته لجنة مجلس النواب؛ وثانياً، ما إذا كانت حصص الملكية ستخضع لقواعد قانونية وسجل منشور؛ وثالثاً، ما إذا كان اصطفاف الحلفاء سيصمد أمام مطلب الحصرية الذي لم تجب عنه الحكومات الأوروبية بعد.

وفق المسار الحالي، ستكون النتيجة المرجحة نموذجاً هجيناً، يختلف عن كلٍّ من نموذج منظومة الابتكار الذي ساد خلال العقود الأربعة الماضية والنظام المخطط، حيث سيجعل هذا النموذج واشنطن مجهزة جيداً لإبطاء المنافسين، لكنها أقل قدرة على تسريع تقدمها هي، كما أن الحلفاء الذين يُطلب منهم تبني الضوابط نفسها سيستوردون معهم هذا الاختلال، وقد يساعد مثل هذا الترتيب أمريكا على الدفاع عن تفوقها التكنولوجي لعدة سنوات، لكنه قد يأتي على حساب النموذج نفسه الذي صنع هذه الميزة في المقام الأول.

توماس فالك - ايجل
توماس فالك

توماس فالك، صحفي ومحلل مقيم في لندن، يركّز على العلاقات عبر الأطلسي، والشؤون الأمريكية، والأمن الأوروبي. وبخبرته الطويلة في التقارير السياسية والتحليل الاستراتيجي، يعتمد على أبحاث معمّقة، ورؤى تاريخية، وتطورات ميدانية لاستكشاف القوى التي تُشكّل المشهد الجيوسياسي الحالي.

اشترك مجاناً في تقارير إيغل إنتيلجنس

رؤى وتقارير حصرية

تمتّع بإمكانية الوصول إلى تحليلات متعمّقة، ومعلومات استخباراتية حصرية، وتقارير خبراء مُصمّمة خصيصاً لتبقى على اطلاع دائم، وفي صدارة المتابعين لأهم التطورات العالمية.

بالاشتراك، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا.

موضوعات أخرى
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير

اشترك مجاناً في تقارير إيغل إنتيلجنس

رؤى وتقارير حصرية

تمتّع بإمكانية الوصول إلى تحليلات متعمّقة، ومعلومات استخباراتية حصرية، وتقارير خبراء مُصمّمة خصيصاً لتبقى على اطلاع دائم، وفي صدارة المتابعين لأهم التطورات العالمية.

بالاشتراك، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا.

ايغل انتيلجنس ريبورتس
Privacy Overview

This website uses cookies so that we can provide you with the best user experience possible. Cookie information is stored in your browser and performs functions such as recognising you when you return to our website and helping our team to understand which sections of the website you find most interesting and useful.