تصطدم مساعي الولايات المتحدة إلى تحقيق الهيمنة العالمية في مجال الذكاء الاصطناعي بواقع سياسي قديم؛ فكل ثورة تكنولوجية لا تلبث أن تطرح السؤال ذاته: من سيتحمّل الفاتورة؟، إذ لن تُحسم الإجابة في أروقة الكونغرس أو البيت الأبيض، بل ستأتي لحظة الحسم في قاعات الاستماع التابعة لهيئات تنظيم المرافق العامة في الولايات؛ حيث سيتولى المنظمون تحديد الجهة التي ستتحمّل تكلفة البنية التحتية الهائلة للطاقة اللازمة لتحقيق طموحات الولايات المتحدة في مجال الذكاء الاصطناعي.
قبل نصف قرن، شهدت تلك القاعات نفسها معارك شرسة حول الطاقة النووية، خلّفت وراءها ندوباً عميقة في القطاع كادت أن تفضي إلى انهياره، وفي وقت مبكر من هذا الخريف، وفي مباني حكومية بولايات مختلفة في أنحاء الولايات المتحدة، سيجد عدد قليل من مفوضي المرافق العامة المعيّنين أنفسهم أمام معضلة شائكة، وهي إلى أي مدى ينبغي تحميل المستهلكين من تكلفة التوسع الباهظ في إنشاء مراكز البيانات عبر فواتير الكهرباء الشهرية؟، ولا سيما أن بعضهم قد تكون رؤيتهم للتكنولوجيا المتقدمة لا تتجاوز هاتفاً محمولاً قديماً.
جلسات الاستماع ستكون علنية، لكنها على الأرجح لن تشهد حضوراً يُذكر، وستكون القضايا المطروحة معقدة؛ إذ سيجادل محامي إحدى الشركات بأن تكلفة رأس المال التي تتحملها شركة المرافق تبرر افتراض عائد بنسبة 11 %، بينما سيرى مدافع عن حقوق المستهلكين أن 9 % هي النسبة العادلة.
وسيتولى كاتب الجلسة تدوين مجريات النقاش، لكن بين سطور هذه المناقشات المحلية الحامية سيختبئ أحد أكثر المتغيرات تأثيراً وحسماً في مساعي الولايات المتحدة للهيمنة على مجال الذكاء الاصطناعي، فقبل نحو خمسة عقود، اضطلعت الهيئات التنظيمية نفسها بدور الحكم في معركة تكنولوجية مختلفة: الطاقة النووية، حيث وعدت شركات المرافق بإنتاج كهرباء وفيرة ورخيصة، وطالبت الجهات التنظيمية بالسماح لها بالبدء في بناء المحطات أولاً، على أن تسترد تكاليفها لاحقاً من المستهلكين، لكن حساباتها لم تكن صائبة.
اكتمل بناء بعض المحطات، ليتحمّل المستهلكون سداد ديونها على مدى عقود، أما محطات أخرى، فقد هُجرت قبل اكتمالها، واضطر أصحاب الفواتير إلى تحمل تكاليف ملايين الدولارات التي أُنفقت على الخرسانة وأبراج التبريد، من دون أن تنتج تلك المنشآت شرارة كهرباء واحدة، إذ لم يكن سوء التقدير هو ما أثبت فشل الطاقة النووية بحد ذاتها، بل إن المشكلة كانت في ضخ رؤوس الأموال قبل أن تتوصل الجهات التنظيمية وشركات المرافق إلى اتفاق واضح بشأن الجهة التي ستتحمل الخسائر إذا ساءت الأمور، وعندما حانت لحظة الحساب، لم يقتصر صداها على صناديق البريد، بل دوّت أيضاً في صناديق الاقتراع.
المشكلة لم تكن في فشل الطاقة النووية بل في ضخ الأموال قبل اتفاق الجهات التنظيمية والشركات بشأن الجهة التي ستتحمل الخسائر
ضغوط متزايدة
تدرك الشخصيات السياسية الوطنية أن المشكلة تلوح في الأفق، وقد استجابوا بحلول تتراوح بين الحظر الصريح وخطط تقاسم الأرباح، بهدف تهدئة المعارضة من خلال إشراك الجمهور في العوائد، وفي الوقت نفسه، اقترحت الجهات التنظيمية الفيدرالية اتفاقيات لاسترداد التكاليف لمنع المستهلكين من دفع تكاليف مراكز البيانات غير المكتملة، وما إذا كانت هذه الحماية كافية يظل سؤالاً منفصلاً بلا إجابة، وما هو مؤكد أن الضغوط للموافقة على أعمال البناء تتصاعد على مستوى الولايات، بوتيرة أسرع وعلى نطاق أكبر، وتحت أنظار منافسين من القوى العظمى يتسابقون على الجائزة نفسها.
تتناول الصحافة هذا الموضوع عموماً باعتباره قصتين منفصلتين، الأولى تكنولوجية: ما حجم الطاقة التي سيحتاج إليها الذكاء الاصطناعي؟، وهل تستطيع شبكة كهرباء متقادمة توفيرها؟، وهل يمكن بناء البنية التحتية في الوقت المناسب؟، أما القصة الأخرى فهي سياسية: ارتفاع فواتير الكهرباء وتحولها إلى قضية في انتخابات التجديد النصفي، مع تعهد المرشحين بتخفيف الأعباء، في وقت تضخ فيه شركات التكنولوجيا أموالاً في السباقات الانتخابية على مستوى الولايات والمستوى المحلي، والتي ستؤثر في سياسات المرافق.
كلتا القصتين حقيقيتان، لكنهما لا تفسّران الآلية التنظيمية التي ستحدد النتيجة، فالآلية الأساسية هي العملية التي يحدد من خلالها المنظمون الأمريكيون أسعار التعرفة التي تفرضها شركات المرافق، وهو نظام يهدف إلى تحقيق التوازن بين مصالح المستهلكين والمستثمرين على حد سواء، حيث يتواجه محامون بارزون يتقاضون أجوراً مرتفعة مع موظفي الجهات التنظيمية المتمرسين في التعقيدات المالية لشركات المرافق، ومع المدافعين عن حقوق المستهلكين، في صراع حول مقدار الإنفاق الذي يمكن للشركات استرداده من العملاء، وعلى مدى أي فترة، وبأي عائد.
هذه العملية تكاد تكون غير مرئية للعامة، ومع ذلك، فهي أيضاً المكان الذي تُوزَّع فيه التكاليف الهائلة لطفرة الذكاء الاصطناعي؛ فإما أن يتحملها المستثمرون وشركات التكنولوجيا، أو تتحول إلى بنود في فواتير الكهرباء قد تصبح قنابل سياسية موقوتة مع اقتراب موعد الانتخابات.

كيف تعمل قضية التعرفة فعلياً؟
آليات هذه العملية معقدة ومبهمة عمداً، فإذا كانت شركة مرافق تعتزم بناء محطة أو خط نقل أو أي بنية تحتية أخرى لازمة لتوفير الطاقة لمركز بيانات، فعليها إقناع الجهات التنظيمية بأن هذا الاستثمار ضروري، ولذلك، تتقدم الشركة بطلب إلى هيئة الولاية التنظيمية للموافقة على ما يُعرف بـ”قاعدة التعرفة”، أي رأس المال الذي ترى الشركة أن المشروع يحتاج إليه، إلى جانب معدل عائد على هذه القاعدة، وهو تكلفة رأس المال.
بعد ذلك، يتجادل محامو شركة المرافق وموظفو الهيئة التنظيمية والمدافعون عن حقوق المستهلكين، الذين يتدخلون نيابة عن المشتركين، لأشهر حول مقدار هذه التكاليف الذي سيُحمّل على فواتير العملاء، ومقدار ما سيتحمله المستثمرون، وتظل هذه المعركة بعيدة عن أنظار الجمهور إلى أن تظهر نتائجها في ارتفاع فاتورة الكهرباء الشهرية أو انخفاض في سعر سهم شركة المرافق.
تظل هذه المعركة بعيدة عن أنظار الجمهور إلى أن تظهر نتائجها في ارتفاع فاتورة الكهرباء الشهرية أو انخفاض في سعر سهم شركة المرافق
تقدم شركة دومينيون إنرجي في ولاية فرجينيا نموذجاً مصغراً لهذه العملية، فمع تزايد الطلب على مراكز البيانات، طلبت دومينيون من لجنة الشركات بولاية فرجينيا اعتماد فئة جديدة للتعرفة لكبار عملائها، أي أولئك الذين يستهلكون 25 ميغاواط أو أكثر، وهو حد لا ينطبق إلا على أقل من واحد في المئة من عملائها البالغ عددهم 2.8 مليون عميل، حيث تمثل هذه الشريحة من قاعدة عملائها عدداً كبيراً من مراكز البيانات، كما تستحوذ على نحو 24 % من إجمالي مبيعات الشركة، وفقاً لدراسة أجرتها الولاية.
في نوفمبر 2025، وافقت اللجنة على طلب الشركة، ولكن بشروط، حيث نص القرار على أن تعتمد دومينيون آلية حماية على غرار نظام “ادفع سواء استخدمت أم لم تستخدم”، حيث لا يتحمل العملاء المساكن دعم مراكز البيانات، إذ وافقت الشركة على عقد مدته 14 عاماً يضمن تغطية ما بين 60 و85 % من تكاليف نقل الكهرباء وتوزيعها وتوليدها، بصرف النظر عما إذا كان كبار العملاء سيستخدمون الطاقة المتاحة أم لا.
كما أدى القرار إلى زيادة متوسط فاتورة الكهرباء للمشتركين لدى دومينيون بنحو 9 %، أي نحو 13.60 دولاراً شهرياً على مدى عامين، وهي زيادة تقل بمقدار الثلث تقريباً عما كانت شركة المرافق قد طلبته في الأصل.
تجري العملية نفسها في أنحاء البلاد، إذ تتقدم شركات المرافق بطلبات لزيادة التعرفات لتغطية التكاليف الناجمة عن الطلب المتزايد بشراهة على مراكز البيانات، وفي جلسات الاستماع، سيقضي المحامون والمفوضون والموظفون المتخصصون والمدافعون عن حقوق المستهلكين أشهراً في مناقشة من سيدفع مقابل ماذا، وعندما تهدأ الأمور، فمن المرجح أن تنتهي النتيجة كما انتهت في فرجينيا: لن يكون بوسع أحد أن يعلن تحقيق انتصار حقيقي.
دافع مجلس بيدمونت البيئي، وهو منظمة إقليمية غير ربحية تُعنى بالمصلحة العامة، وتدخلت في قضية فرجينيا نيابةً عن المشتركين السكنيين، عن عقد مدته 20 عاماً، حيث استعانت المنظمة بشاهد خبير خلص في حساباته إلى أنه حتى في ظل القواعد الجديدة، سيتحمل المشتركون العاديون 61 % من تكلفة تحديثات شبكة الكهرباء المطلوبة، وبعد صدور قرار اللجنة، قال كريس ميلر، رئيس مجلس بيدمونت: إنه لا معنى لأن تطلب لجنة فرجينيا من الأسر التي تكافح لتغطية نفقاتها دعم احتياجات الطاقة لأغنى الشركات في العالم.
حصلت دومينيون على تعرفة أقل، لكنها خاضت معركة أطول مما كانت ترغب فيه، وهذه المعركة، إذا تكررت في الولايات الخمسين، ستكون ساحة المعركة الخفية التي ستدور عليها معركة مراكز البيانات.
أسواق الائتمان تراقب
رغم حدة النقاشات، يتفق الجميع على أمر واحد: المشروعات قيد التنفيذ كثيرة ومتراكمة، وتتوقع شركات المرافق المملوكة للمستثمرين أنها أنفقت رقماً قياسياً بلغ 208 مليارات دولار في عام 2025، وتخطط لإنفاق 239 مليار دولار أخرى في عام 2026، وفقاً لمعهد إديسون للكهرباء، الذي يعزو جزءاً كبيراً من هذا الارتفاع إلى الطلب على مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي.
يتوقع اتحاد القطاع أن يستمر الإنفاق في الارتفاع بمعدلات تتراوح بين أوائل العشرات ومنتصفها سنوياً حتى عام 2030، أي نحو 1.4 تريليون دولار خلال خمس سنوات، مع توسع شركات المرافق في قدرات التوليد ونقل الكهرباء والشبكة.
لفت الحجم الهائل لهذه الاستثمارات انتباه أسواق الائتمان، حيث خفّضت فيتش للتصنيف الائتماني، وهي واحدة من أكبر ثلاث شركات للتصنيف الائتماني، في يونيو 2026 نظرتها المستقبلية لقطاع الطاقة الكهربائية بأكمله في أمريكا الشمالية من مستقرة إلى متدهورة، مشيرةً إلى تزايد المقاومة التنظيمية لزيادات التعرفة التي تحتاج إليها شركات المرافق لاسترداد تكاليفها.
كان متوسط أسعار الكهرباء قد ارتفع بالفعل بنسبة 10.2 % على أساس سنوي، وفقاً للإحصاءات الصادرة عن وزارة الطاقة نفسها، والمخاوف واضحة، بوسع شركات المرافق الاقتراض والبناء، لكن إذا لم تسمح لها الجهات التنظيمية باسترداد التكاليف من العملاء، فإن الشركات نفسها ستواجه مخاطر مالية أكبر.
المخاوف واضحة إذ بوسع شركات المرافق الاقتراض والبناء لكن إذا لم تسمح لها الجهات التنظيمية باسترداد التكاليف من العملاء فإنها ستواجه مخاطر أكبر
بدأت بعض شركات المرافق بالفعل في اتباع نهج دومينيون، من خلال اعتماد تعريفات خاصة ذات طابع دفاعي تُحمّل مراكز البيانات جزءاً أكبر من تكلفة التوسع في الذكاء الاصطناعي، بدلاً من تحميلها على فواتير العملاء السكنيين، وهو ما أشارت إليه فيتش باعتباره خياراً عملياً بالفعل.
في العام الماضي، وافقت لجنة المرافق العامة في ولاية أوهايو على تعرفة خاصة مماثلة لمراكز البيانات لصالح شركة أمريكان إلكتريك باور، وفي أبريل 2026، عدّلت لجنة الخدمة العامة في ولاية ويسكونسن صيغةً مقترحة لتعرفة خاصة بالعملاء ذوي الأحمال الكهربائية المرتفعة، مثل مراكز البيانات، كانت قد تقدمت بها شركة وي إنرجيز، وهو اسم تجاري تستخدمه شركتان تابعتان رئيسيتان لمجموعة WEC Energy Group، المدرجة ضمن قائمة فورتشن 500.
في قرارها، مددت اللجنة الحد الأدنى لمدة الالتزام التعاقدي إلى 15 عاماً بدلاً من السنوات العشر التي طلبتها الشركة، كما خفضت الحد الأدنى للأهلية من 500 ميغاواط إلى 100 ميغاواط، وذلك تحديداً لمنع تحميل العملاء الحاليين هذه التكاليف.
لكن التعرفات المستقبلية ستخضع على الأرجح للطعن من ولاية إلى أخرى، ضمن منظومة اتحادية تضم خمسين لجنة تنظيمية، وهيئة تنظيمية اتحادية، ومشغلي شبكات إقليمية، وعملاء ذوي فواتير كهرباء مرتفعة بالقدر نفسه، حيث لا يوجد طرف واحد يمكن تحميله المسؤولية، ولا مجموعة واحدة من القواعد تحكم الجمي، فقليل من الأمور أكثر حساسية سياسياً من فاتورة تصل إلى صندوق البريد كل شهر، وعندما ترتفع قيمتها، نادراً ما يلوم المستهلكون المعادلة التي حُسبت على أساسها، بل يلومون شركة المرافق، أو شركة التكنولوجيا، أو المسؤول التنفيذي الذي يتخذ القرارات.
قد يتذكر من تجاوزوا الخامسة والخمسين المرة الأخيرة التي حدث فيها ذلك، خلال التوسع في بناء محطات الطاقة النووية، أما المشتركون الأصغر سناً، فغالباً لا يتذكرونها، لأن تلك المعركة دارت داخل ملفات وإجراءات الهيئات التنظيمية، ولم تحظَ بتغطية صحفية تُذك، وهذا تحديداً هو سبب تكرارها الآن.
السؤال العالمي الكامن وراء المحلي
إذا جردنا المسألة من أرقام الملفات والإجراءات، يبقى سؤال حقيقي حول النظام الأمريكي: هل يستطيع تمويل البنية التحتية المادية اللازمة للذكاء الاصطناعي بالسرعة الكافية، من دون أن يتحول النظام التنظيمي المتشعب إلى العائق الأكبر؟، فالصين، المنافس الرئيسي للولايات المتحدة في سباق الهيمنة على الذكاء الاصطناعي، هي المقارنة الطبيعية، حيث يبلغ الطلب على الكهرباء في الصين حالياً نحو 10 تريليونات كيلوواط/ساعة سنوياً، مقابل 4.2 تريليون كيلوواط/ساعة في الولايات المتحدة، وهي فجوة نشأت بالكامل تقريباً منذ عام 1990.
لكن الأهم من حجم هذه الفجوة هو الآلية التي تقف وراءها: إذ يستطيع المخططون في بكين توجيه رؤوس الأموال عبر مختلف المقاطعات، من دون خوض النزاعات القضائية المتعلقة بالتعرفة من ولاية إلى أخرى، والتي تشكل جوهر العملية التنظيمية الأمريكية، فهل تمنح القدرة على تنسيق رؤوس الأموال وبناء قدرات التوليد من دون جلسات استماع محل نزاع الصينَ ميزةً هيكلية في سباق الهيمنة على الذكاء الاصطناعي؟.

يمكن لدولة مثل الولايات المتحدة، التي تتمتع بنظام تنظيمي قوي، بل وينبغي لها، أن تفخر بكونها نموذجاً للشفافية والمساءلة والديمقراطية التمثيلية، ومع ذلك، وبغض النظر عن موقف المنتقدين من أسلوب الحكم في الصين، فإن قدرة هذا البلد على تحريك رؤوس الأموال من دون جلسات استماع مرهقة ونقاشات قانونية مطولة تمنحه بالفعل ميزة على نظام من يدفع؟، القائم على دراسة كل حالة على حدة، والذي يهيمن على العملية الأمريكية.
وعليه، فإن السؤال هو: هل تستطيع الولايات المتحدة الحفاظ على مزاياها التنظيمية، وفي الوقت نفسه تسريع بناء البنية التحتية اللازمة للمنافسة في مجال الذكاء الاصطناعي، من دون التسبب في رد فعل قوي من المشتركين ومقاومة سياسية كبيرة؟، إذ إن ذلك يزيد من أهمية الوصول إلى الإجابة الصحيحة، ويجعل كلفة الخطأ أكبر، حيث وثّقت عناوين الأخبار تبرعات ضخمة قدمها مستثمرون لحملات سياسية، وأطلقت شركات تكنولوجيا كبرى، مثل: ميتا، حملة بقيمة 65 مليون دولار تستهدف السباقات السياسية على مستوى الولايات، وفقاً لتقارير صحفية عديدة.
تثير هذه الالتزامات السؤال الذي حاولت قضية دومينيون الإجابة عنه: إذا لم يتحقق الطلب الذي تقوم عليه هذه المشاريع، فمن سيتحمل التكلفة؟، واجهت شركات السكك الحديدية في القرن التاسع عشر سؤالاً مشابهاً، ولم تنجح في التعامل معه في البداية، لكن البنية التحتية التي شُيدت آنذاك بقيت، وأسهمت في إحداث تحول جذري في الاقتصاد الأمريكي، أما مركز البيانات الذي يُترك مهجوراً، فلا يملك فرصة مماثلة لحياة ثانية.
البنية التحتية للسكك الحديدية التي شُيدت في القرن 19 أسهمت في إحداث تحول اقتصادي جذري أما مركز البيانات المهجور فلا يملك فرصة لحياة ثانية
هذا هو الخطر الذي تهدف متطلبات الضمان وشروط الضمان الممتدة لـ14 عاماً إلى تسعيره: إذ تكافح الجهات التنظيمية، مرة أخرى، لوضع قيمة للمخاطر المرتبطة بالأصول العالقة قبل وقوعها، بدلاً من حساب تكلفتها بعد فوات الأوان.
في الواقع، فإن كل قضية تعرفة تمر حالياً أمام لجنة تنظيمية في إحدى الولايات تمثل رهاناً على ما إذا كانت الأطراف قد قدّرت المخاطر بصورة صحيحة، وإذا أخطأت التقديرات في عدد كافٍ من الولايات، فإن تكرار الحالة نفسها خمسين مرة قد يتحول إما إلى ميزة حقيقية للولايات المتحدة في سباق الذكاء الاصطناعي، أو إلى درس بالغ التكلفة في ثمن استراتيجية “ابنِ أولاً، وتقاضَ لاحقاً” عندما تتكرر التجربة للمرة الثانية.
المخاطر
المخاطر كبيرة بالنسبة إلى جميع الأطراف، فأسعار الكهرباء للمشتركين آخذة في الارتفاع بالفعل، وفقاً لإدارة معلومات الطاقة، حيث يختلف معدل الارتفاع الدقيق باختلاف المصدر والسوق، لكن الاتجاه لا لبس فيه، وهو عامل أشارت إليه فيتش مباشرةً في قرارها خفض تصنيف قطاع الطاقة الكهربائية في أمريكا الشمالية، حيث يتزامن هذا المسار تقريباً مع تصاعد الإنفاق السياسي لقطاع التكنولوجيا على المرشحين والمفوضين الذين سيتخذون هذه القرارات، حيث يشكّل اجتماع ارتفاع فواتير الكهرباء، وغموض العملية التنظيمية، وتدفق الأموال السياسية وصفةً مثالية لرد فعل شعبوي، وقد بدأ هذا الأمر يظهر بالفعل في الحملات الانتخابية النصفية.
لن يبقى هذا الرفض محصوراً في السياسة على مستوى الولايات، فإذا انحازت لجان تنظيمية كافية إلى جانب المشتركين، وقلّصت الإنفاق المخصص لتطوير البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، فسوف تتباطأ وتيرة بناء البنية التحتية الأمريكية للذكاء الاصطناعي، إذ لن تنتظر رؤوس الأموال اللازمة لتمويل هذه المشاريع حتى تتمكن المجالس التشريعية في الولايات من التوصل إلى صيغة عادلة، بل ستتجه إلى حيث تكون المقاومة أقل، أي نحو الولايات القضائية الأكثر قابلية للتنبؤ.
إن نظاماً تنظيمياً مفتتاً لا يستطيع أن يوضح للمستثمرين كيفية استرداد تكاليف التوسع في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، يمثل عائقاً أمام مستوى التوسع الذي تفرضه المنافسة الجيوسياسية، كما أن النتيجة السيئة ستكون ضارة بالمصلحة الوطنية بالقدر نفسه، إذا جاءت في صورة فواتير أعلى وتفاقم أزمة تكاليف المعيشة، إذ إن التحدي الأساسي لا يكمن ببساطة في الاختيار بين المستهلكين والمستثمرين، بل في إيجاد توازن بينهما يتيح للولايات المتحدة بناء البنية التحتية اللازمة لتحقيق الهيمنة في مجال الذكاء الاصطناعي، مع الحفاظ في الوقت نفسه على الدعم الشعبي لهذا المسعى، بدلًا من التنازل عن السباق لصالح الصين.
في المرة الأخيرة التي سمحت فيها أمريكا لشركات المرافق بالبناء أولاً، ثم خوض النزاعات لاحقاً حول كيفية توزيع التكاليف، استغرق الأمر سنوات حتى تظهر لحظة الحساب، وبحلول ذلك الوقت، كان النقاش العام قد انتقل إلى قضايا أخرى، أما هذه المرة، فالمخاطر تتجاوز فواتير الكهرباء في ولاية واحدة، لتصل إلى منافسة مع خصم لا يعقد جلسات استماع عامة، ولا يتلقى ملاحظات من الجمهور، ولا يقلق بشأن الانتخابات المقبلة.
في المحصلة، تواصل وسائل الإعلام تناول قضية مراكز البيانات باعتبارها قصة تكنولوجية وانتخابية، لأن هذين النوعين من السرد يجلبان العناوين الرئيسية ويستقطبان الانتباه على وسائل التواصل الاجتماعي، لكن القرارات التي ستحدد النتيجة، من يدفع، ومن يبني، ستُناقش في القاعات المغلقة، التي نادراً ما يدخلها الصحفيون، وبمصطلحات صُممت لإبعاد الغرباء، ولايةً بعد ولاية، وقضيةً بعد أخرى، حيث ينبغي أن يجلس مزيد من الناس في تلك القاعات، لكن في الوقت الراهن، لا يكاد يوجد فيها أحد.
القرارات التي ستحدد النتيجة من يدفع ومن يبني ستُناقش في القاعات المغلقة التي نادراً ما يدخلها الصحفيون وبمصطلحات صُممت لإبعاد الغرباء


