حساب بريطانيا: الاقتصاد وراء العوائد

تقرير
وزيرة الخزانة البريطانية تلقي بيانها بشأن الميزانية في مجلس العموم بحضور ستارمر (أ ف ب)
وزيرة الخزانة البريطانية تلقي بيانها بشأن الميزانية في مجلس العموم بحضور ستارمر (أ ف ب)
ﺷﺎرك

يتجاوز المأزق الذي تواجهه بريطانيا حالياً هشاشة موقف رئيس الوزراء كير ستارمر في مواجهة تحدي صعود اليمين، فخلف المشهد السياسي المضطرب في وستمنستر تكمن مشكلة هيكلية أعمق؛ إذ إن ارتفاع تكاليف الاقتراض ليس مجرد رد فعل على حالة عدم الاستقرار السياسي، بل يعكس تقييماً من الأسواق على مدى استدامة النموذج الاقتصادي الأساسي للمملكة المتحدة على المدى الطويل، وفي ظل ضعف النمو، وانخفاض الإنتاجية، وتصاعد الضغوط المالية، تعكس أسعار الأسواق المالية توقعاتٍ باستمرار النهج الاقتصادي القائم وما يرافقه من تحديات.

سار العائد على السندات الحكومية البريطانية لأجل عشر سنوات إلى جانب الأزمة السياسية التي تشهدها البلاد؛ إذ ارتفع مع تصاعد الضغوط على كير ستارمر، وتراجع مع هدوء المشهد السياسي، إلا أن هذا التزامن، رغم واقعيته، لا يبرر الاستنتاج بأن الأزمة السياسية هي السبب الجوهري وراء تلك التحركات.

لا تزال عوائد السندات الحكومية البريطانية لأجل عشر سنوات أعلى من نظيراتها في جميع اقتصادات مجموعة السبع، وهو فارق سبق وصول كير ستارمر إلى الساحة السياسية، واستمر خلال عهد أسلافه من حزب المحافظين، ومن المرجح أن يبقى قائماً بغضّ النظر عمّن يتولى القيادة مستقبلاً، فارتفاع تكلفة اقتراض بريطانيا لا يعكس مسؤولية حكومة معينة، بل يمثل تقييماً هيكلياً للنموذج الاقتصادي البريطاني نفسه وقدرته على الاستدامة.

ارتفاع تكلفة اقتراض بريطانيا لا يعكس مسؤولية حكومة معينة بل يمثل تقييماً هيكلياً للنموذج الاقتصادي البريطاني نفسه وقدرته على الاستدامة

علاوة غير مسبوقة

عندما أثار الصراع في الشرق الأوسط إلى موجة بيع عالمية في السندات في أوائل عام 2026، أصبحت الفجوة بين المملكة المتحدة ونظرائها قابلة للقياس بدقة، حيث ارتفع عائد السندات الألمانية لأجل 10 سنوات، وهو المعيار الأوروبي للسندات الآمنة، بمقدار 42 نقطة أساس، كما ارتفعت السندات الفرنسية (OATs) بمقدار 64 نقطة أساس، بينما صعدت سندات الخزانة الأمريكية بمقدار 48 نقطة أساس. أما عوائد السندات البريطانية فقد ارتفعت بوتيرة أكبر بشكل ملموس، ولا تتجاوزها بين الاقتصادات المماثلة سوى أستراليا من حيث مستوى العائد على سندات العشر سنوات، حيث يشير هذا التفاوت غير المتناسب إلى ملف مخاطر مميز، يُسعَّر بشكل متكرر عبر أحداث عدة واضطرابات في الأسواق.

منذ مطلع يونيو الجاري، بلغ عائد السندات الحكومية البريطانية لأجل 10 سنوات نحو 4.95%، بعدما تراجع من 5.13%، وهي الذروة الأعلى منذ عام 2008، مع انحسار التوترات السياسية.

وقد أبقى بنك إنجلترا على سعر الفائدة الأساسي عند 3.75% منذ ديسمبر 2025، بعد ستة تخفيضات متتالية من الذروة التي سجلتها الفترة 2023–2024 عند 5.25%، ومع ذلك، لا تزال عوائد السندات طويلة الأجل مرتفعة رغم دورة التيسير النقدي، لأن الأسواق لا تسعّر السياسة النقدية الحالية فقط، بل تأخذ في الاعتبار أيضاً المسار المالي ونمو الاقتصاد البريطاني على المدى المتوسط.

متسوقون في سوق شارع كامدن هاي ستريت في لندن (أ ف ب)
متسوقون في سوق شارع كامدن هاي ستريت في لندن (أ ف ب)

معضلة بنك إنجلترا

يواجه بنك إنجلترا مأزقاً حقيقياً ومتفاقماً في السياسة النقدية، حيث تراجع التضخم إلى 2.8% في أبريل 2026، بعد أن سجل 3.3% في مارس، مع زوال تأثيرات الأساس المرتبطة بأسعار الطاقة، ومع ذلك، لا يزال التضخم أعلى بشكل ملموس من الهدف البالغ 2%، مدفوعاً بصدمة أسعار الطاقة الناتجة عن الصراع مع إيران.

لكن الخيارات المتاحة محدودة، فخفض أسعار الفائدة بشكل كبير قد يعيد إشعال التضخم، بينما قد يؤدي رفعها إلى تعميق ضعف النمو الاقتصادي الذي يعاني أصلاً من الهشاشة.

وفي أسوأ السيناريوهات، حيث تظل أسعار النفط فوق 130 دولاراً للبرميل، يتوقع بنك إنجلترا أن يبلغ التضخم ذروته عند 6.2% مطلع عام 2027، وقد يدفع ذلك سعر الفائدة الأساسي نحو 5.25% خلال اثني عشر شهراً، وهذا من شأنه أن يزيد من عوائد السندات الحكومية ويفاقم بشكل كبير تكاليف خدمة الدين التي تبلغ حالياً 110 مليارات جنيه إسترليني، كما يؤدي تشديد السياسة النقدية إلى تفاقم مخاطر الركود، بينما يؤكد تخفيفها مخاوف السوق بشأن استمرار التضخم، ولا يخفف أي من المسارين الضغط الهيكلي على السندات الحكومية.

يؤدي تشديد السياسة النقدية إلى تفاقم مخاطر الركود بينما يؤكد تخفيفها مخاوف السوق من استمرار التضخم ولا يخفف أي من المسارين الضغط الهيكلي على السندات الحكومية

يزيد من حدة هذا الوضع عامل ضعف آخر، حيث تمتلك المملكة المتحدة الحصة الأكبر من الديون المرتبطة بالتضخم والمعروفة باسم السندات الحكومية المرتبطة بالمؤشر، مقارنةً بأي اقتصاد متقدم رئيسي آخر، حيث يبلغ حجم ديونها القائمة نحو 620 مليار جنيه إسترليني.

تدفع هذه السندات فوائد مرتبطة بمؤشر أسعار التجزئة، لذا فعندما يرتفع التضخم، ترتفع فاتورة فوائد الحكومة تلقائياً، وهذا يفسر سبب تحول صدمة التضخم في الفترة 2022-2023 بسرعة إلى نحو ثلاثة أضعاف تكاليف فوائد الديون السنوية، من 39 مليار جنيه إسترليني في 2019-2020 إلى 110 مليارات جنيه إسترليني في 2025-2026، وبناءً على ذلك، تتعامل الأسواق مع مخاطر التضخم في المملكة المتحدة على أنها مخاطر مالية مباشرة، وليست مجرد مخاطر نقدية.

معادلة الدين

يُظهر الوضع المالي الذي تقف وراءه هذه العوائد حجم الضغوط التي تواجهها بريطانيا، وفقاً لأي معيار يُعتمد للتقييم، فقد بلغ صافي الدين العام للقطاع العام 2.911 تريليون جنيه إسترليني بنهاية مارس 2026، أي ما يعادل 93.8% من الناتج المحلي الإجمالي، مقارنةً بنحو 35% فقط في عامي 2007–2008.

أما تكلفة خدمة هذا الدين، فقد وصلت إلى 110 مليارات جنيه إسترليني خلال السنة المالية 2025–2026، وهو ما يعادل 3.6% من الناتج المحلي الإجمالي و8.1% من إجمالي الإنفاق العام، لتسجل بذلك أحد أعلى المستويات خلال نصف قرن.

والأكثر دلالة أن مدفوعات فوائد الدين أصبحت اليوم تعادل تقريباً كامل موازنة وزارة التعليم.

اقترضت الحكومة 129 مليار جنيه إسترليني في السنة المالية المنتهية في مارس 2026، وفي أبريل 2026، كان الاقتراض بالفعل أعلى بـ3.4 مليارات جنيه إسترليني من توقعات مكتب مسؤولية الميزانية (OBR) لذلك الشهر، ومن المتوقع أن يستمر الدين كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي في الارتفاع، ليستقر عند نحو 95% في أوائل ثلاثينيات هذا القرن.

وفي مواجهة هذه الضغوط، لجأت وزيرة الخزانة راشيل ريفز إلى توسع ضريبي غير مسبوق، حيث من المتوقع أن يرتفع إجمالي العبء الضريبي إلى 38.5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول السنة المالية 2030–2031، وهو أعلى مستوى يُسجَّل منذ عام 1945.

وتشمل الإجراءات زيادة مساهمات التأمين الوطني التي يتحملها أصحاب العمل، إلى جانب تجميد حدود شرائح ضريبة الدخل لعدة سنوات، إذ يؤدي هذا التجميد إلى انتقال العاملين تدريجياً إلى شرائح ضريبية أعلى مع ارتفاع أجورهم، رغم عدم تغير قوتهم الشرائية بالقدر نفسه، وهي الظاهرة المعروفة اقتصادياً باسم “الزحف الضريبي”.

كما تتضمن الحزمة فرض أعباء إضافية على توزيعات الأرباح والعقارات وأنشطة المراهنات، ما يعزز من اتساع نطاق الزيادة الضريبية.

ورغم أن الهامش المالي المتاح للحكومة يبلغ حالياً 23.6 مليار جنيه إسترليني، وهو تحسن اسمي مقارنة بنوفمبر 2025، إلا أنه يظل محدوداً للغاية وفق المعايير التاريخية، فضلاً عن أنه احتُسب قبل تصاعد الصراع في الشرق الأوسط.

وتعكس هذه المؤشرات مجتمعةً واقعاً مفاده بأن الحكومة استهلكت معظم أدواتها المالية التقليدية؛ إذ تجمع بين الاقتراض عند مستويات تاريخية وفرض ضرائب عند أعلى مستوياتها منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية، دون تحقيق استقرار حقيقي في المسار الأساسي.

الحكومة استهلكت معظم أدواتها المالية التقليدية بمستويات تاريخية وقياسية دون تحقيق استقرار حقيقي في المسار الأساسي

تكلفة المزاحمة

تؤدي كلفة الفوائد السنوية على الدين العام إلى مزاحمة مباشرة للإنفاق الحكومي الآخر، وهي ظاهرة يصفها الاقتصاديون بـ”التزاحم”، ونتيجة لذلك، تُجبر الحكومة سنوياً على خدمة الديون القائمة أولاً، قبل توجيه أي موارد إلى قطاعات الصحة أو الدفاع أو الرعاية الاجتماعية أو الاستثمار الرأس مالي.

ويُجسّد قطاع الدفاع هذا المأزق بأوضح صورة، فقد التزمت الحكومة برفع الإنفاق الدفاعي المتوافق مع معايير حلف شمال الأطلسي “الناتو” من 2.4% من الناتج المحلي الإجمالي حالياً إلى 2.5% بحلول عام 2027، ثم إلى 3.5% بحلول عام 2035.

ويقدّر مكتب مسؤولية الميزانية (OBR) أن الحكومة تحتاج إلى إنفاق نحو 6 مليارات جنيه إسترليني إضافية سنوياً فوق الخطط الحالية لمجرد إبقاء الإنفاق الدفاعي على مسار تصاعدي خطي نحو هذا الهدف.

وتتنافس هذه الزيادة مباشرة مع ارتفاع فاتورة خدمة الدين على موارد مالية محدودة، حيث ربطت وزارة الخزانة بالفعل الطموح طويل الأجل بمدى ملاءمة الظروف الاقتصادية والمالية.

تواجه منظومة الرعاية الاجتماعية المعادلة الحسابية نفسها، ولكن من الاتجاه المعاكس، فقد ارتفعت مدفوعات الإعانات الاجتماعية بمقدار 2.7 مليار جنيه إسترليني في أبريل 2026 وحده، مدفوعة بالزيادات المرتبطة بالتضخم في المعاش التقاعدي الحكومي ونظام الائتمان الشامل، وهي زيادات تلقائية تُطبَّق بغضّ النظر عن الظروف المالية.

وعادةً ما تلجأ الحكومات تاريخياً إلى تأجيل ميزانيات الاستثمار الرأسمالي أولاً عندما يتجاوز الإنفاق الجاري الحدود المخططة، ويظهر هذا النمط بوضوح في سجل البنية التحتية البريطانية خلال العقد الماضي، حيث تم التضحية بالاستثمار الإنتاجي لصالح حماية الالتزامات المحلية.

وتتسم هذه الديناميكية بكونها ذاتية التعزيز، فارتفاع فاتورة فوائد الدين يقلل من الحيز المالي المتاح للاستثمار الداعم للنمو، وضعف النمو بدوره يؤدي إلى تراجع الإيرادات الضريبية المستقبلية، ما يزيد من الحاجة إلى الاقتراض، والذي يرفع بدوره فاتورة الفائدة أكثر، مع بقاء العوائد عند مستويات مرتفعة.

تكمن الآلية التي تجعل تجاوز هذه الحلقة أمراً بالغ الصعوبة فيما يُعرف بالعجز الأولي؛ إذ تقترض المملكة المتحدة أكثر ما تنفقه على الخدمات العامة قبل احتساب فوائد الدين، حيث تشير تقديرات مكتب مسؤولية الميزانية (OBR) إلى أن الفائض الأولي اللازم لتحقيق استقرار الدين يبلغ 1.3% من الناتج المحلي الإجمالي، في حين سجّلت المملكة المتحدة عجزاً أولياً قدره 2.2% من الناتج المحلي الإجمالي في السنة المالية 2024–2025، ومن دون سدّ هذه الفجوة، يستمر تراكم رصيد الدين تلقائياً، بغض النظر عن السياسات المتبعة أو الخيارات الإدارية المتاحة.

فخّ الإنتاجية

تفترض توقعات مكتب مسؤولية الميزانية (OBR) في مارس 2026 نمواً في الإنتاجية على المدى المتوسط بنسبة 1% سنوياً، وهو معدل متواضع وفق المعايير التاريخية، ويعتمد على تحسينات فشلت المملكة المتحدة مراراً في تحقيقها.

وتُعزى هذه النسبة المرتفعة إلى عدة عوامل هيكلية، أبرزها خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (بريكست)، حيث أشارت دراسة استندت إلى بيانات ما بعد الاستفتاء على مدى عقد تقريباً إلى أن نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في المملكة المتحدة بحلول عام 2025 كان أقل بنسبة 6-8% مما كان متوقعاً، كما انخفض الاستثمار بنسبة 12–18%، والعمالة بنسبة 3–4%، والإنتاجية بنسبة 3–4%.

وتراكمت هذه الخسائر تدريجياً مع ارتفاع الحواجز التجارية وإعادة توجيه الشركات لرأس المال بعيداً عن الأنشطة الدولية الأكثر إنتاجية، ويُشير تقرير مكتب مسؤولية الميزانية نفسه إلى انخفاض الإنتاجية على المدى الطويل بنسبة 4% مقارنةً بعضوية الاتحاد الأوروبي كفرضية أساسية.

ما يهم في هذا السياق هو نطاق تغطية اتفاقية التجارة والتعاون ( (TCAفهذه الاتفاقية تنظّم تجارة السلع بدرجة معقولة من الفعالية، لكنها لا توفر أي معادلة مماثلة في قطاع الخدمات المالية، كما أنها تغطي بشكل محدود جداً القطاعات المهنية والقانونية والإبداعية التي تُعد محركاً رئيسياً لنمو الصادرات البريطانية.

وتواجه هذه القطاعات عوائق هيكلية في الوصول إلى أكبر سوق مجاور لها، دون وجود حل داخل التسوية السياسية الحالية على جانبي القناة، حيث يؤدي هذا القيد إلى كبح حوافز الاستثمار والإنتاجية على المدى المتوسط.

وبالنسبة لدولة ذات سيادة تعكس أسواق سنداتها بالفعل تسعيراً لضعفٍ هيكلي، فإن وجود سقف للإنتاجية دون أي حل قريب الأجل يؤدي إلى تعميق مشكلة التمويل الأساسية.

بالنسبة لدولة ذات سيادة تعكس أسواق سنداتها تسعيراً لضعفٍ هيكلي فإن وجود سقف للإنتاجية دون أي حل قريب الأجل يؤدي إلى تعميق مشكلة التمويل

القيد الديموغرافي

تتفاقم مشكلة الإنتاجية بسبب مسار ديموغرافي لم تقم الدولة بتسعيره بشكل موثوق في خططها طويلة الأجل، إذ يُتوقع أن يرتفع عدد سكان إنجلترا الذين تبلغ أعمارهم 65 عاماً فأكثر من 11.5 مليون إلى 14.5 مليون بحلول 2040.

ومن منتصف عام 2026، يُتوقع أن يتجاوز عدد الوفيات عدد المواليد، مع فجوة تُقدَّر بنحو 450 ألفاً بحلول عام 2034، كما سيرتفع معدل الإعالة المرتبط بالشيخوخة، أي عدد المتقاعدين مقارنة بسكان سن العمل، خلال العقدين المقبلين، ما يؤدي إلى ضغط على الإيرادات الضريبية في الوقت الذي تتوسع فيه تلقائياً النفقات المرتبطة بالعمر.

اليوم، تُظهر الأرقام أن الضغوط المالية المُقاسة كبيرة بالفعل، فوفقًا للسياسات الحالية، من المتوقع أن ترتفع تكلفة المعاش التقاعدي الحكومي، وائتمان التقاعد، ومدفوعات دعم فواتير التدفئة بمقدار 1.2% من الدخل القومي بحلول عام 2050، أي ما يعادل نحو 32 مليار جنيه إسترليني سنوياً بأسعار اليوم.

أما ضغوط قطاع الصحة والرعاية الاجتماعية فهي أكبر من ذلك بكثير، إذ يُتوقع أن ترتفع بمقدار 4.1% من الدخل القومي، أي نحو 105 مليارات جنيه إسترليني سنوياً بالقيمة الحالية، خلال الفترة نفسها.

وتعكس هذه الأرقام نتيجةً ميكانيكية لشيخوخة السكان في ظل نظام صحي يواجه ضغوطاً في التكاليف تفوق معدلات التضخم، فالتقدم في التكنولوجيا الطبية، ونمو الأجور، وارتفاع انتشار الأمراض المزمنة، هي العوامل التي تدفع هذه الضغوط، وليس خيارات سياسية مباشرة.

لم تنجح أي حكومة في تقديم استراتيجية طويلة الأجل ذات مصداقية تعالج هذا المزيج من التحديات، ولا يزال نظام الضمان الثلاثي للمعاشات التقاعدية الحكومية، الذي يضمن زيادات سنوية وفق الأعلى من التضخم أو نمو الأجور أو 2.5% خارج نطاق النقاش السياسي عملياً، رغم تكلفته المالية المتراكمة.

كما يواجه إصلاح نظام الرعاية الاجتماعية مقاومة مستمرة، والفجوة بين ما التزمت الدولة بتقديمه وما يستطيع الاقتصاد تمويله لا تتقلص، بل تستمر، حيث تشير الأرقام إلى أنه حتى مع تثبيت جميع أوجه الإنفاق الأخرى، تواجه بريطانيا توسعاً مالياً هيكلياً مدفوعاً بالديموغرافيا وحدها، وهو توسع لا يمكن لقاعدة ضريبية تنمو بالمعدلات الحالية أن تستوعبه.

تواجه بريطانيا توسعاً مالياً هيكلياً مدفوعاً بالديموغرافيا وحدها وهو توسع لا يمكن لقاعدة ضريبية تنمو بالمعدلات الحالية أن تستوعبه

  ما الذي تُسعّره الأسواق؟

يعكس فارق العائد على السندات الحكومية البريطانية (GILT) مقارنةً بالسندات الألمانية (Bunds) والفرنسية (OATs) هذا التقييم المتراكم، حيث تتمتع ألمانيا بمصداقية مؤسسية بفضل آلية دستورية لكبح الدين وقاعدة تصدير صناعية ذات اندماج عالمي عميق.

أما فرنسا، فتعاني هي الأخرى من ضغوط مالية كبيرة، لكنها تعمل ضمن بنية منطقة اليورو التي توفر عمقاً في أسواق رأس المال وإمكانية الوصول إلى آلية المعاملات النقدية المباشرة التابعة للبنك المركزي الأوروبي، وهي الآلية التي ساهمت في إنهاء أزمة الديون السيادية في منطقة اليورو عام 2012 عبر توفير مظلة شراء مشروطة لسندات الدول الأعضاء.

محافظ بنك إنجلترا، أندرو بيلي خلال مؤتمر صحفي لتقرير السياسة النقدية في وسط لندن (أ ف ب)
محافظ بنك إنجلترا، أندرو بيلي خلال مؤتمر صحفي لتقرير السياسة النقدية في وسط لندن (أ ف ب)

وعلى النقيض من ذلك، لا يمتلك بنك إنجلترا أي أداة مماثلة بهذا المستوى من الضمان، كما أن استخدام عمليات شراء الأصول لخفض عوائد السندات في بيئة تضخمية قد يؤدي إلى تفاقم المشكلة نفسها التي يحاول احتواءها، وبالتالي، فإن الهوامش المؤسسية التي تحمي المملكة المتحدة من الضغوط المالية تُعد أضعف بشكل ملموس مقارنة بنظيراتها الأوروبية.

أكدت مجموعة “غولدمان ساكس” في مطلع عام 2026 أن السندات الحكومية البريطانية (GILT) تتعرض لعقوبة مبالغ فيها مقارنة بأساسيات الاقتصاد البريطاني، وهو ما يعكس على الأرجح استمرار ذاكرة الأسواق بشأن أزمة الموازنة المصغّرة في عام 2022.

هناك قدر من الصحة في هذا الطرح؛ إذ إن تجربة تروس-كواورتنغ، التي أدت فيها التخفيضات الضريبية غير الممولة إلى أزمة في سوق السندات تطلّبت تدخلاً طارئاً من بنك إنجلترا، أسست لعلاوة مخاطر سياسية دائمة.

غير أن ما تُقلّل غولدمان ساكس من تقديره هو أن هذه العلاوة ليست تشوّهاً خارجياً يُضاف إلى أساسيات سليمة، بل هي انعكاس لضعف البنية المؤسسية التي جعلت أحداث عام 2022 ممكنة أصلاً.

اليوم، تمثل استقلالية مكتب مسؤولية الميزانية (OBR) وقواعد المالية العامة قيود مفروضة ذاتياً؛ إذ يمكن لأي حكومة تعديلها أو تخفيفها متى شاءت، دون وجود قيود دستورية أو فوق وطنية مماثلة لتلك التي تُثبّت استقرار بقية الدول ذات السيادة.

لا مخرج سهل

تغيير القيادة لا يحل أي مشكلة هيكلية، فالحكومة التالية سترث نفس سقف الإنتاجية، ورصيد الدين ذاته، ونفس المعادلة الديموغرافية، وحساسية السندات الحكومية المرتبطة بالمؤشرات للتضخم نفسها.

لذلك فإن، فاتباع نهج مالي أكثر تساهلاً يؤدي إلى اتساع الفروق في العوائد وزيادة تكاليف خدمة الدين، بينما يؤدي نهج أكثر تشدداً إلى ضغط الطلب في اقتصاد يعاني بالفعل من قيود على الاستهلاك الخاص نتيجة ارتفاع أسعار الرهون العقارية وتراجع نمو الأجور الحقيقية.

يتطلب الخروج من هذا المأزق نمواً مستداماً في الإنتاجية، يكون كافياً لتوسيع القاعدة الضريبية بوتيرة أسرع من نمو الالتزامات الإنفاقية التي يجب تمويلها، ويستلزم ذلك، كحد أدنى، استراتيجية تجارية موثوقة تقلل القيود على صادرات الخدمات، واستثماراً رأسمالياً مستمراً في البنية التحتية والتكنولوجيا، وتسوية طويلة الأجل بشأن الإنفاق المرتبط بالشيخوخة.

لم تُبدِ السياسة البريطانية حتى الآن استعداداً كافياً للتفاوض بشفافية حول هذه التسوية مع الناخبين، إذ تتطلب كل هذه العناصر قدراً كبيراً من الصبر المؤسسي واستمرارية عابرة للحكومات، وهي شروط لم تتمكن المملكة المتحدة من الحفاظ عليها بشكل ثابت عبر تاريخها السياسي الحديث، وإذا استمرت الاتجاهات الحالية، فإن الخيارات ستتقلص بطرق لم تبدأ السياسة البريطانية في مواجهتها بشكل علني بعد، فخدمة الدين بمعدلاتها الحالية أو الأعلى ستفرض مقايضات صريحة بين الالتزامات الدفاعية، ومستحقات الرعاية الاجتماعية، والاستثمار العام، وهو ما لا يمكن للإصلاحات الجزئية تفاديه.

خدمة الدين بمعدلاتها الحالية أو الأعلى ستفرض مقايضات صريحة بين الالتزامات الدفاعية ومستحقات الرعاية والاستثمار وهو ما لا يمكن للإصلاحات الجزئية تفاديه

الدولة التي لا تستطيع تمويل التزاماتها دون استمرار رضا الأسواق المالية ستواجه في نهاية المطاف سوقاً تسحب هذا الرضا، وهو ما أظهرته أزمة 2022 بشكل مؤقت وغير مكتمل.

عندما يحين وقت التعديل، لن يكون حدثاً سياسياً، بل مالياً، وسيكون مدفوعاً بحسابات عجز أولي متراكم، وتكاليف ديموغرافية متزايدة، وقاعدة إنتاجية لم تتوسع بالسرعة الكافية لتغطية أيٍّ منهما، وكلما طالت مدة بقاء الفجوة الهيكلية دون معالجة، قلت الخيارات المتاحة لمن سيُطلب منه في نهاية المطاف سدّها.

في المحصلة، يقيس عائد السندات الحكومية البريطانية الفجوة بين التزامات بريطانيا المالية وقدرتها الإنتاجية، وتقييم السوق لمدى قدرة أي حكومة على سدّ هذه الفجوة، وهذه المسافة، حتى اليوم، لا تزال واسعة ولا تتجه إلى الانحسار.

توماس فالك - ايجل
توماس فالك

توماس فالك، صحفي ومحلل مقيم في لندن، يركّز على العلاقات عبر الأطلسي، والشؤون الأمريكية، والأمن الأوروبي. وبخبرته الطويلة في التقارير السياسية والتحليل الاستراتيجي، يعتمد على أبحاث معمّقة، ورؤى تاريخية، وتطورات ميدانية لاستكشاف القوى التي تُشكّل المشهد الجيوسياسي الحالي.

اشترك مجاناً في تقارير إيغل إنتيلجنس

رؤى وتقارير حصرية

تمتّع بإمكانية الوصول إلى تحليلات متعمّقة، ومعلومات استخباراتية حصرية، وتقارير خبراء مُصمّمة خصيصاً لتبقى على اطلاع دائم، وفي صدارة المتابعين لأهم التطورات العالمية.

بالاشتراك، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا.

موضوعات أخرى
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير ضيف مشارك
تقرير
تقرير

اشترك مجاناً في تقارير إيغل إنتيلجنس

رؤى وتقارير حصرية

تمتّع بإمكانية الوصول إلى تحليلات متعمّقة، ومعلومات استخباراتية حصرية، وتقارير خبراء مُصمّمة خصيصاً لتبقى على اطلاع دائم، وفي صدارة المتابعين لأهم التطورات العالمية.

بالاشتراك، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا.