الدولة الأمنية الأمريكية تستضيف كأس العالم

تقرير
ترامب مع رئيس الفيفا خلال حفل قرعة كأس العالم 2026. (أ ف ب)
ترامب مع رئيس الفيفا خلال حفل قرعة كأس العالم 2026. (أ ف ب)
ﺷﺎرك

تستضيف ثلاث دول في أمريكا الشمالية بطولة كأس العالم 2026، وهي الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، لكن في الولايات المتحدة، ستُقام البطولة في وقتٍ بات فيه مفهوم الاستضافة نفسه موضع جدلٍ واسع، وفي الوقت نفسه، يجري إعداد بنية تحتية أخرى، فجهاز الهجرة والأمن الذي سيُحدد من يُسمح له بدخول الولايات المتحدة ومن يُمنع، حيث ستخوض منتخبات من 48 دولة 104 مباريات في 16 مدينة موزعة بين الدول الثلاث خلال الفترة من 11 يونيو إلى 19 يوليو، سعياً للفوز بكأس الاتحاد الدولي لكرة القدم “فيفا” المصنوعة من الذهب عيار 18 قيراطاً، إلى جانب جائزة مالية تبلغ 50 مليون دولار.

ويكتسب توقيت البطولة أهمية خاصة لأكثر من سبب، فالمباراة النهائية التي ستحدد بطل العالم ستقام بعد أقل من أسبوعين على الاحتفال الرسمي للولايات المتحدة بالذكرى الـ250 لتأسيسها والقيم التي يدافع عنها دستورها، وبالقدر نفسه من الدلالة، ستُحسم البطولة في ملعب ميتلايف، الواقع على الضفة المقابلة مباشرة من مدينة نيويورك، وعلى مسافة تقارب تسعة أميال من مركز ديلاني هول، أكبر سجن لاحتجاز المهاجرين على الساحل الشرقي، حيث تحتجز هناك وكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك الأمريكية ” ICE” نحو 900 شخص أوقفتهم خلال حملات مداهمة، وكثير منهم متهمون بدخول البلاد بصورة غير قانونية، وينحدر عدد منهم من دول تتنافس الآن على الفوز بكأس العالم.

في الواقع، سيتجمّع المشجعون واللاعبون ومسؤولو كرة القدم وكبار الشخصيات لحضور المباريات في بلد لم يعد يقدّم وعده الشهير: “أعطني متعبيك، وفقـراءك، وجموعك المحتشدة المتلهفة إلى التنفّس بحرية”، هذه الكلمات، التي صاغتها الشاعرة إيما لازاروس، منقوشة عند قاعدة تمثال الحرية، الذي يقع على بُعد نحو خمسة أميال في خطٍّ مستقيم من مركز احتجاز تابع لوكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك الأمريكية  ” ICE”.

وتُظهر بيانات راجعتها منظمة “هيومن رايتس ووتش” أن عناصر الوكالة اعتقلوا نحو 167 ألف شخص متهمين بالوجود في البلاد بصورة غير قانونية، وذلك في المدن الأمريكية الإحدى عشرة المستضيفة للبطولة وحدها، خلال الفترة الممتدة من 20 يناير 2025 إلى 10 مارس 2026، ومن المرجح أن يكون هذا العدد قد ارتفع بحلول موعد انطلاق كأس العالم.

المشجعون واللاعبون ومسؤولو كرة القدم والشخصيات الرسمية سيتجمعون لحضور المباريات في بلد لم يعد باستقبال المتعبين والفقراء والمتلهفين للحرية

ما سيجري خلال الأيام الأربعين المقبلة لن يقتصر على مباريات ومنافسات رياضية، فحين تُقام البطولة في أمريكا، حيث يصبح مسار الترحيب واقعاً خلف نقاط تفتيش مسلّحة، تكون الفيفا قد عرّضت للخطر تماسكها التنظيمي الذي تدّعيه: اتحاد يقوم على قيم الوحدة واللعب النظيف، إذ لم تطرح البطولة سؤالاً حول أيّ نوع من أمريكا اختير لاستضافة المباريات؛ بل اكتفت بجدولة هذا الحدث الاستعراضي في وقت الذروة، وعرضه أمام جمهور عالمي يتجاوز المليار مشاهد.

مضيفٌ يعادي المهاجرين

تستضيف الولايات المتحدة حدثاً رياضياً عالمياً ضخماً، في الوقت الذي تعزز فيه أكثر منظومات إنفاذ قوانين الهجرة الداخلية تشدداً في تاريخها الحديث، ولن يسير هذان الاستعراضان للقوة والنفوذ في مسارين منفصلين، بل من المرجح أن يتقاطعا في المدن المستضيفة أمام أنظار جمهور يضم مليارات المتابعين.

المنتخب البلجيكي لدى وصوله إلى مطار سياتل (أ ف ب)
المنتخب البلجيكي لدى وصوله إلى مطار سياتل (أ ف ب)

وعلى مدى نحو عامين، ظل السؤال المطروح بشأن كأس العالم 2026 يتمثل فيما إذا كانت دولة عمدت إلى عسكرة حدودها ومؤسسات الاحتجاز التابعة لها وإجراءات الهجرة فيها قادرة على الاضطلاع بدور المضيف الكريم بصورة مقنعة، حيث كانت البطولة، منذ البداية، مرشحة لأن تكون حدثاً استعراضياً كبيراً، ولكن السؤال كان دائماً: أي نوع من الاستعراض ستكون؟، وهل ستكون فرصة للخروج من صورة الولايات المتحدة بوصفها دولة أمنية، أم امتداداً لسياسات الرئيس دونالد ترامب المتشددة في إنفاذ قوانين الهجرة؟.

تبدو آليات التنظيم مذهلة عن قصد، حيث يحرص جياني إنفانتينو، رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم “فيفا”، على وصف حجم البطولة بأنها تعادل “ثلاث مباريات سوبر بول يومياً” على مدى شهر كامل، كما يتحدث عن عوائد اقتصادية تقدر بعشرات المليارات من الدولارات، مع تنقل أكثر من عشرة ملايين شخص.

تأمل الولايات المتحدة أن تكون نسخة 2026 امتدادًا لبطولة 1994، حين استضافت كأس العالم آخر مرة وخرجت منها وهي أكثر اقتناعاً بأنها تنتمي إلى المشهد الكروي العالمي، أما ترامب، فيسعى إلى جعل نسخة 2026 رمزاً لما يسميه “العصر الذهبي”، وعرضاً للقوة الناعمة تُجسّده أضواء الملاعب، ودليلاً على أن أمريكا ما تزال المضيف الذي لا غنى عنه.

يسعى ترامب إلى جعل نسخة 2026 رمزاً لما يسميه “العصر الذهبي” وعرضاً للقوة الناعمة تُجسّده أضواء الملاعب ودليلاً على أن أمريكا ما تزال المضيف الذي لا غنى عنه

مقعد الصف الأمامي بـ 32,970 دولاراً

تتكاثر التناقضات ويظهر أولها عند بوابة الدخول، حيث فرض إعلان رئاسي صدر في يونيو 2025 قيوداً على دخول مواطني 19 دولة إلى الولايات المتحدة لحضور المباريات، قبل أن يرتفع العدد إلى 39 دولة بحلول 16 ديسمبر، إذ تواجه هايتي، التي لم تتأهل إلى كأس العالم منذ 52 عاماً، قيوداً كاملة على الدخول، ما يعني أن الهايتيين الذين لا يحملون تأشيرات سارية لا يمكنهم حضور المباريات، حتى لو كانوا قادرين على شراء التذاكر التي تتراوح أسعارها في معظمها بين 60 و10,990 دولاراً، أما مقعد في الصف الأمامي للمباراة النهائية فقد بيع هذا الشهر مقابل 32,970 دولاراً.

وتواجه إيران قيوداً كاملة على الدخول، فيما تخضع كل من كوت ديفوار والسنغال لقيود جزئية، وتستثني التفاصيل التنفيذية لهذه القيود الرياضيين وأفراد الطواقم المرافقة لهم، وهكذا سيتمكن اللاعبون من الوصول، بينما لن يتمكن المشجع العادي القادم من دولة خاضعة للحظر ويحمل تأشيرة سياحية من فئة B-2 من ذلك، كما أصدرت الحكومة الأمريكية تحذيرات تتعلق بالسفر من كولومبيا وحتى من المكسيك، الشريك في استضافة البطولة، على خلفية المواجهة التي تخوضها الإدارة الأمريكية مع فنزويلا.

لقد أصبحت مفارقة القوة الناعمة اليوم ملموسة على نحو مباشر، فبطولة تُقدَّم بوصفها حدثاً عالمياً جامعاً ستُقام في ملاعب قد تُقصي مشجعين من دول تأهلت منتخباتها للمشاركة، حيث يصل المنتخب إلى أرض الملعب، بينما يُحرم جمهور البلد الذي يمثله من الحضور، فاليوم، تتحدث حملات الفيفا عن الوحدة والتقارب، فيما تعكس مراسلات وزارة الخارجية منطقاً قائماً على الاستبعاد، وهذان الخطابان يتجاوران ويعملان بكامل زخمهما في الوقت نفسه داخل البلد ذاته.

أصبحت مفارقة القوة الناعمة اليوم ملموسة على نحو مباشر فبطولة تُقدَّم بوصفها حدثاً عالمياً جامعاً ستُقام في ملاعب قد تُقصي مشجعين من دول تأهلت منتخباتها للمشاركة فيها

المضيف الذي لا يتوقف

إذا كانت التأشيرة هي التي تحدد من يصل إلى بوابة الدخول، فإن العناصر الأمنية داخل محيط الحدث هي التي ستحدد من سيتمكن من العبور، حيث صوّر وزير الأمن الداخلي الأمريكي ماركواين مولين البطولة ليس باعتبارها فترة تهدئة أو استثناءً من إجراءات إنفاذ قوانين الهجرة، بل باعتبارها عملية انتشار أمني واسعة النطاق.

وقال في مقطع مصور نشرته وكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك الأمريكية ” ICE” على وسائل التواصل الاجتماعي: إن “عناصر ICE وتحقيقات الأمن الداخلي ” HSI” سيكونون موجودين هناك كل يوم”.

وتهدف هذه الإجراءات، وفقاً للتصريحات الرسمية، إلى مكافحة التذاكر المزورة والاتجار بالبشر وتهريب المخدرات.

وأضاف: إن الوكالة “ليست موجودة لتنفيذ حملات اعتقال جماعية”، لكنها “تبحث دائماً عن أسوأ المجرمين”.

ولا يبدو الوضع بهذه البساطة، فوزارة الأمن الداخلي لا تخطط لتنفيذ عمليات واسعة النطاق داخل الملاعب، لكن قوانين الهجرة لن تُعلَّق خلال البطولة، وعلاوة على ذلك، أفاد مسؤولون لعدد من وسائل الإعلام بأن عناصر وكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك لن يُمنعوا من تنفيذ اعتقالات حتى في المباريات نفسها.

من جانب أخر، لم يتمكن الكونغرس من سد هذه الفجوة، حيث سعى “قانون حماية كأس العالم”، الذي قُدِّم في 19 مارس من قبل النائبة “نيلي بو” عن ولاية نيوجيرسي وثلاثة من زملائها الديمقراطيين، إلى حظر إجراءات إنفاذ قوانين الهجرة خلال البطولة.

وينص المشروع على منع وزارتي الأمن الداخلي والعدل من إنفاق أموال اتحادية على تطبيق قوانين الهجرة المدنية ضمن نطاق ميل واحد من أي مباراة في كأس العالم أو أي فعالية جماهيرية مرتبطة بها، إلا في الظروف الطارئة، حيث أُحيل المشروع إلى اللجنة القضائية في مجلس النواب، لكنه لم يحرز أي تقدم.

ومع تعثر هذا الغطاء التشريعي على المستوى الفيدرالي، تصبح سياسة مولين القائمة على الوجود الأمني كل يوم هي السياسة الفعلية المعتمدة مع انطلاق المنافسات في 11 يونيو.

كما تلقى مولين دعماً على صعيد التمويل، حيث أقر مجلس الشيوخ مشروع قانون يوفر 70 مليار دولار إضافية لإنفاذ قوانين الهجرة، وأحاله إلى مجلس النواب، ما يبرز تناقض آخر في الشوارع المحيطة بالملاعب، إذ تدار 10 من المدن الإحدى عشرة المستضيفة من قبل رؤساء بلديات ديمقراطيين، بينما يحكم 6 منها حكام ديمقراطيون، وعلى مدى عامين، واصلت وكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك الأمريكية تنفيذ عمليات الترحيل المشددة رغم معارضة حكومات المدن والولايات.،وهذا ما يزيد من احتمالية أن تتحول إجراءات إنفاذ قوانين الهجرة خلال كأس العالم إلى مواجهة سياسية تحظى بتغطية إعلامية واسعة، وعلى مرأى من جمهور عالمي.

تتصاعد احتمالية أن تتحول إجراءات إنفاذ القانون التي تتخذها إدارة الهجرة والجمارك الأمريكية خلال البطولة إلى مواجهة سياسية واسعة النطاق يشاهدها العالم أجمع

شيكاغو تحظر مناطق على ” ICE”

تُعد مدينة نيوارك المثال الأوضح على ذلك، إذ تقع على بعد تسعة أميال فقط من المكان الذي سيرفع فيه كأس البطولة، حيث بادر رئيس بلديتها الديمقراطي “راس باراكا” إلى مقاضاة شركة ” GEO Group” المشغلة الخاصة لسجن ديلاني، فور الإعلان تقريباً عن عقد تشغيل المنشأة.

كما مُنع مفتشو الصحة التابعون لحاكمة الولاية الديمقراطية ميكي شيريل من دخول المبنى، وفي مدينة شيكاغو المستضيفة الأخرى، وقّع رئيس البلدية الديمقراطي براندون جونسون أوامر تنص على إنشاء “مناطق خالية من  ” ICE” داخل الممتلكات البلدية، في وقت كانت فيه الوكالة الفيدرالية تنفذ عملية “ميدواي بليتز” في أحياء المدينة، حيث يتكرر المشهد ذاته من سياتل إلى بوسطن، حيث يتفاوض رؤساء البلديات وحكام الولايات مع حكومتهم الفيدرالية حول شروط الضيافة، قبل أسابيع فقط من مطالبتهم باستقبال العالم.

وخلال الأسبوع الماضي فقط، اندلعت مواجهات بين محتجين وموظفين تابعين لشركة ” GEO Group” أمام مركز ديلاني هول في نيوارك، الذي يُعد من أكبر منشآت الاحتجاز من هذا النوع، وقد أصبح نقطة جذب للمعارضين لسياسات إدارة ترامب المتعلقة بتشديد إجراءات الهجرة.

وأفادت تقارير صحفية بأن حشوداً من الأشخاص تبادلت اللكمات وطرحت بعضها البعض أرضاً، بينما غضّت الشرطة المحلية وشرطة الولاية المجاورة الطرف عن الاشتباكات، بخلاف ما جرى في مواجهات سابقة، كما أشار مراسلون إلى أن هذه المواجهات وقعت في وضح النهار، خلافاً لأحداث سابقة جرت ليلاً، وأن عناصر إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك استخدمت رذاذ الفلفل ضد المحتجين.

المناخ الأمني يتعارض مع المهمة

يمكن قياس جزء من الكلفة من خلال المقاعد الشاغرة، فمحامو الهجرة يحذرون من أن المناخ السياسي بحد ذاته سيُثني كثيرين، بغض النظر عمن يحق لهم الحضور من الناحية القانونية، حيث يشير المنتدى الوطني للهجرة إلى أن تجميد منح التأشيرات، إلى جانب إجراءات التدقيق الجديدة في حسابات وسائل التواصل الاجتماعي، قد يدفع مسافرين من الدول المتأثرة إلى العزوف عن الحضور، رغم أن المشجعين مستثنون رسمياً من هذه القيود، أما منظمة العفو الدولية ومجموعات أخرى متحالفة معها، فقد ذهبت إلى أبعد من ذلك بإصدار “تحذير سفر خاص بكأس العالم”، نبهت فيه الزوار المحتملين إلى الأوضاع السائدة في الولايات المتحدة.

وتؤكد بيانات متابعة الطلب هذه المخاوف، إذ تفيد المؤشرات بأن نحو 80% من الفنادق في المدن المستضيفة تسجل حجوزات أقل من التوقعات، في ظل صعوبات الحصول على التأشيرات وارتفاع الأسعار، كما بدأت المدن نفسها في خفض تقديراتها للعوائد المتوقعة، حيث خفّضت مؤسسة “فيزيت سياتل”، المعنية بالترويج السياحي، تقديراتها لإيرادات كأس العالم في المدينة بنحو 100 مليون دولار.

وتشير جهات متخصصة في تتبع حركة السفر إلى أن أعداد الوافدين الدوليين إلى الولايات المتحدة تراجعت بالفعل بنسبة 6.3 % خلال عام 2025، وهو انخفاض يعزو الباحثون جزءاً منه إلى الانطباعات المرتبطة بسياسات الإدارة الأمريكية، فبينما تفسر الأسعار جانباً كبيراً من هذا التراجع، فإن نهج التشدد في إنفاذ قوانين الهجرة يترك أثراً واضحاً أيضاً، وفي جميع الأحوال، يتعارض ذلك مع الفكرة الأساسية التي قامت عليها البطولة، والمتمثلة في تعزيز حسن النية والوحدة بين الأمم المنقسمة.

نهج التشدد في إنفاذ قوانين الهجرة يترك أثراً واضحاً ويتعارض ذلك مع الفكرة الأساسية التي قامت عليها البطولة والمتمثلة في تعزيز حسن النية والوحدة بين الأمم المنقسمة

 لكن التكلفة الأعمق لن تظهر في أرقام الحضور، فمنتخب هايتي، الذي بات قريباً من التأهل إلى كأس العالم للمرة الأولى منذ أكثر من نصف قرن، يمثل بلداً لم يعد قادراً حتى على توفير بيئة آمنة لتدريب لاعبيه، ومع ذلك، سيرفرف علمه فوق الملاعب الأمريكية، بينما يُمنع كثير من مواطنيه من الوصول عبر القنصليات الأمريكية، وحتى بين المشجعين الذين يملكون حق السفر قانونياً، سيفضل كثيرون عدم المجازفة.

كما ستتابع الجاليات المهاجرة في المدن المستضيفة المباريات عبر شاشات التلفزيون في منازلها بدلاً من التوجه إلى الساحات المحاطة بالعناصر الفيدرالية، ولا يظهر أي من ذلك في إحصاءات بيع التذاكر، فالمقعد الشاغر هو المقياس الأكثر دلالة على أثر هذه السياسات، لكنه لا يبدو جيداً في الصور.

كادر المنتخب الإيراني عند نقطة أمنية في مطار أنطاليا قبل مغادرتهم إلى المكسيك (أ ف ب)
كادر المنتخب الإيراني عند نقطة أمنية في مطار أنطاليا قبل مغادرتهم إلى المكسيك (أ ف ب)

الاستثناء الذي لم يُفعّل

لطالما أوحت التفاصيل التنفيذية بأن المشاركين في البطولة، على الأقل، سيتمكنون من العبور، حيث نص الإعلان الرئاسي على استثناء يشمل “أي رياضي أو عضو في فريق رياضي، بما في ذلك المدربون والأشخاص الذين يؤدون أدواراً داعمة ضرورية”، كما كرر الاتحاد الدولي لكرة القدم “فيفا” على مدى عامين تأكيداته بأن مسؤولي المنتخبات والأفراد المعتمدين رسمياً سيتمكنون من تجاوز القيود والدخول إلى الولايات المتحدة، حيث كان هذا الاستثناء بمثابة الدليل الذي استندت إليه الإدارة الأمريكية لإثبات إمكانية التوفيق بين تشديد إجراءات الهجرة ومتطلبات الضيافة الدولية، أي أن الآليات المخصصة للتعامل مع المهاجرين غير النظاميين يمكن تعليقها مؤقتاً بالنسبة للأشخاص الحاصلين على الاعتماد الرسمي عندما تصل عدسات الكاميرات.

لكن هذا الدليل لم يصمد أمام الواقع، فمع بدء وصول المنتخبات في أواخر الربيع، طالت الإجراءات نفسها أشخاصاً كان من المفترض أن يحميهم هذا الاستثناء، حيث وصل المنتخب العراقي، العائد إلى البطولة للمرة الأولى منذ عام 1986، إلى شيكاغو ليواجه استقبالاً لم يكن يتوقعه، واحتُجز أيمن حسين، المهاجم الذي سجل الهدف الحاسم في مرمى بوليفيا وأنهى انتظاراً دام أربعة عقود وقاد بلاده إلى النهائيات، لمدة تقارب سبع ساعات في مطار أوهير الدولي، كما خضع هاتفه للتفتيش قبل أن تسمح له السلطات بالانضمام إلى زملائه في المنتخب، ولم يُعلن أي سبب رسمي للاحتجاز، فيما أشارت بعض التقارير الإعلامية إلى احتمال وقوع خطأ في تحديد الهوية.

أما مصور المنتخب، طلال صلاح، فكانت تجربته أكثر تعقيداً، إذ احتُجز لأكثر من عشر ساعات، وخضع لتفتيش مماثل لهاتفه، قبل أن يُمنع من دخول الولايات المتحدة بشكل نهائي. ونتيجة لذلك، سيخوض المنتخب العراقي مشاركته في كأس العالم من دون المصور الرسمي الخاص به.

ورغم أن الصحفيين ليسوا جزءاً من المنتخبات المشاركة، إلا أن عشرات الصحفيين المعتمدين من إيران وعدد من الدول الأفريقية مُنعوا أيضاً من الحصول على تأشيرات الدخول من قبل السلطات الأمريكية، وعلى إثر ذلك، أصدرت الرابطة الدولية للصحافة، وهي منظمة مهنية تمثل العاملين في المجال الإعلامي، رسالة رسمية إلى الفيفا أدانت فيها ما وصفته بحالات التعطيل الواسعة لمنح التأشيرات، معتبرةً أنها تمثل انتهاكاً غير مقبول للمبادئ العالمية المتعلقة بحرية الصحافة.

 الولايات المتحدة تلغي تأشيرة حكم مونديالي

لم يكن مسؤولو البطولة أنفسهم بمنأى عن الشكوك والتدقيق، فقبل انطلاق المنافسات، وصل عمر أرتان، الحكم الدولي الحائز على جوائز وأول صومالي يُختار لإدارة مباريات في كأس العالم، إلى ميامي حاملاً تأشيرة أمريكية سارية المفعول، ومع ذلك، أُعيد على متن رحلة متجهة إلى إسطنبول، حيث تقع الصومال ضمن قائمة الدول الخاضعة لقيود السفر، ويبدو أن الاستثناء المخصص لحكام المباريات لم يشمل الرجل الذي كان من المفترض أن يقف في وسط الملعب لإدارة المواجهات، وكان الاتحاد الدولي لكرة القدم “فيفا” قد اختار 52 حكماً لإدارة مباريات البطولة، إلا أن أحدهم أُعيد من حيث أتى قبل أن يتمكن حتى من إطلاق صافرة البداية.

ويمتد هذا النمط ليشمل الوفود المشاركة نفسها، حيث كادت جنوب أفريقيا، التي أوقعتها القرعة في المباراة الافتتاحية للبطولة أمام الدولة المضيفة المشاركة المكسيك، أن تفوّت معسكرها التدريبي بعدما رفضت القنصلية الأمريكية في جوهانسبرغ منح تأشيرات دخول، دون تقديم أسباب، لكل من المدرب المساعد ورئيس الأمن في المنتخب، وأدى هذا التعقيد الإداري إلى تعطيل سفر بقية أفراد البعثة لمدة 24 ساعة اتسمت بالارتباك والتوتر.

وفي نهاية المطاف، صدرت التأشيرات المطلوبة، كما أقرت اتحادية كرة القدم في جنوب أفريقيا بتحملها جزءاً من المسؤولية عن الفوضى التي رافقت القضية، لكن بلداً يضطر إلى عقد اجتماع طارئ لضمان دخول أعضاء جهازه الفني إلى الدولة المستضيفة لا يمكن اعتباره بلداً يحظى بترحيب سلس وواضح.

أما إيران، التي تُعد الحالة الأكثر حساسية سياسياً، فقد شهدت مقاطعة اتحادها لكرة القدم لقرعة كأس العالم التي أُجريت في واشنطن خلال شهر ديسمبر، بعدما رفضت السلطات الأمريكية منح تأشيرات لمسؤولي الاتحاد، ولم يحصل المنتخب الإيراني نفسه على الموافقة النهائية للدخول إلا في اللحظات الأخيرة، ما اضطره إلى نقل معسكره التدريبي من أريزونا إلى المكسيك، وعند النظر إلى كل حادثة على حدة، يمكن إيجاد تفسير لها؛ فقد يكون الأمر ناجماً عن خطأ في تحديد الهوية، أو خلل إداري، أو تراكم طلبات التأشيرات في القنصليات، أو إجراء أمني احترازي، لكن عند جمع هذه الوقائع معاً، فإنها ترسم صورة لما كان من المفترض أن يمنعه الاستثناء المعلن منذ البداية: دولة مستضيفة تُخضع كأس العالم لنقطة تفتيش أمنية مسيّسة، بدلاً من أن تقدمه باعتباره احتفالاً بالوحدة والرياضة.

العقدة الإيرانية

تقع كلفة هذه السياسات على سمعتين في آن واحد، فالولايات المتحدة، التي قدمت استضافة كأس العالم بوصفها دليلاً على استمرار قدرتها على أداء دور المضيف العالمي الذي لا غنى عنه، تُقدّم الآن الدليل على أنها تُخضع العالم لرقابة صارمة قبل السماح بدخول لاعبيها ومصوريها وحكامها وطاقمها، أما رئيس الفيفا، إنفانتينو، فقد بنى رؤيته للبطولة على فكرة أن كرة القدم قادرة على تجاوز الحدود وإذابتها، غير أن الحدود تبدو اليوم وكأنها تفرض حضورها بقوة أكبر من أي وقت مضى وترد عليه.

بنى رئيس الفيفا رؤيته للبطولة على فكرة أن كرة القدم قادرة على تجاوز الحدود وإذابتها غير أن الحدود تبدو اليوم وكأنها تفرض حضورها بقوة أكبر من أي وقت مضى وترد عليه

وربما تكون إيران صاحبة الصورة الأكثر مفارقة التي تفرزها هذه البطولة، ففي وقت سابق من هذه الدورة، تسلم الرئيس دونالد ترامب “جائزة السلام” الافتتاحية التي استحدثها الفيفا، ثم انضمت الولايات المتحدة إلى إسرائيل في شن هجوم على إيران.

والآن، من المقرر أن يخوض المنتخب الإيراني مبارياته على الأراضي الأمريكية وسط إجراءات أمنية مشددة فرضتها التطورات الدولية الراهنة، وبذلك تجد إيران نفسها، وفق هذا التصور، ضيفاً في مهرجان رياضي تستضيفه دولة شاركت في قصفها، فيما تتهم طهران التحالف الذي خاض الحرب ضدها بالمسؤولية عن اغتيال قيادتها.

في المحصلة، روّج إنفانتينو لكأس العالم 2026 باعتباره احتفالاً بالوحدة العالمية، غير أن البطولة ستقام في ظل دولة مضيفة مشاركة تخوض حرباً مع أحد المنتخبات المتنافسة فيها، وخلف طوق أمني تعكس إجراءاته هواجسها الخاص،. لقد أرادت الولايات المتحدة أن يشاهد العالم هذه البطولة، وهو سيشاهدها بالفعل، لكن السؤال المطروح: ماذا سيرى؟.

James O’Shea- Eagle Intelligence Reports
جيمس أوشيا

جيمس أوشيا، صحفي ومؤلف أمريكي حائز على عدة جوائز، وشغل سابقاً منصب رئيس التحرير لصحيفة لوس أنجلوس تايمز، ومدير التحرير لصحيفة شيكاغو تريبيون، كما شغل منصب رئيس مجلس إدارة شبكات البث في الشرق الأوسط (MBN). وهو مؤلف لثلاثة كتب، من بينها "الصفقة من الجحيم". يحمل درجة الماجستير في الصحافة من جامعة ميسوري.

اشترك مجاناً في تقارير إيغل إنتيلجنس

رؤى وتقارير حصرية

تمتّع بإمكانية الوصول إلى تحليلات متعمّقة، ومعلومات استخباراتية حصرية، وتقارير خبراء مُصمّمة خصيصاً لتبقى على اطلاع دائم، وفي صدارة المتابعين لأهم التطورات العالمية.

بالاشتراك، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا.

موضوعات أخرى
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير

اشترك مجاناً في تقارير إيغل إنتيلجنس

رؤى وتقارير حصرية

تمتّع بإمكانية الوصول إلى تحليلات متعمّقة، ومعلومات استخباراتية حصرية، وتقارير خبراء مُصمّمة خصيصاً لتبقى على اطلاع دائم، وفي صدارة المتابعين لأهم التطورات العالمية.

بالاشتراك، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا.