هل تُفشل الصين رهان واشنطن في كوبا؟

تقرير
رئيس كوبا، ميغيل دياز كانيل، ووزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو (أ ف ب)
رئيس كوبا، ميغيل دياز كانيل، ووزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو (أ ف ب)
ﺷﺎرك

منذ عام 1959، سعى كل رئيس أمريكي، بطريقة أو بأخرى، إلى تقويض الثورة الشيوعية التي أوصلت فيدل كاسترو إلى السلطة في كوبا، ومع ذلك، وعلى مدى 67 عاماً، تسامح كل منهم بهدوء مع الحكومات التي أعقبت الديكتاتور الكوبي، لكن ذلك تغيّر الآن، فالرئيس دونالد ترامب يحاول اتباع أسلوب جديد وبسيط ومدمّر لكسر النظام الحالي، يتمثل في “قطع الكهرباء” عن هافانا.

ما يحدث على بُعد 90 ميلاً فقط من “كي ويست” يُعد أحد أوسع حملات الضغط التي شنتها واشنطن على الجزيرة الصغيرة، ففي 29 يناير الماضي، أعلن ترامب حالة طوارئ وطنية بشأن كوبا، وهدد بفرض رسوم جمركية على أي دولة تقوم بتصدير النفط إليها، حيث يأتي هذا الإجراء استكمالاً لقرار إعادة تصنيف كوبا دولة راعية للإرهاب، متراجعاً بذلك عن قرار اتخذه الرئيس جو بايدن في اللحظات الأخيرة من ولايته بشطبها من القائمة.

ما يحدث على بُعد 90 ميلاً من “كي ويست” يُعد أحد أوسع حملات الضغط التي شنتها واشنطن على كوبا واستكمالاً لقرار إعادة تصنيفها دولة راعية للإرهاب

إنها الاستراتيجية نفسها التي استخدمها ترامب ضد فنزويلا، لكنها تتجه هذه المرة شمالاً، حيث ألقت القوات الأمريكية القبض على نيكولاس مادورو في كاراكاس ونقلته إلى زنزانة في بروكلين، وبعد أسابيع، أوقفت الإدارة الأمريكية تدفق النفط الفنزويلي الذي كان يغذي شبكة الكهرباء الكوبية، وهي من أكثر الشبكات اعتماداً على النفط في نصف الكرة الغربي، ثم تحركت لاحقاً لعرقلة أي إمدادات يمكن أن تحل محل هذا النفط.

 لا وقود إطلاقاً

بحلول أواخر الربيع، عكست التقارير الميدانية الواردة من هافانا ومن شركة تشغيل شبكة الكهرباء الحكومية الكوبية “يونيون إليكتريكا دي كوبا” أوضاعاً كارثية، تمثلت في انقطاعات للتيار الكهربائي تتراوح بين 20 و22 ساعة يومياً، وفي مايو، قال وزير الطاقة للتلفزيون الرسمي ما كان المواطنون يدركونه بالفعل، وهو أن البلاد “لا تملك أي وقود على الإطلاق”، حيث استُنزفت احتياطيات الديزل وزيت الوقود بالكامل.

وعلى مدى أكثر من أربعة أشهر، لم تصل إلى الجزيرة أي شحنة نفط، باستثناء ناقلة روسية واحدة نُفدت حمولتها بحلول أبريل، ما أدى إلى أزمة إنسانية تتفاقم يوماً بعد يوم، فالمستشفيات تعمل على مولدات وستتوقف تماماً، فيما تتعطل مرافق التبريد والتخزين ثم تفسد محتوياتها، كما تتكدس النفايات في شوارع هافانا بسبب نفاد الوقود من شاحنات جمع القمامة، حيث اضطرت السلطات إلى تأجيل معرض السيجار الفاخر، ما ألحق ضرراً بقطاع السياحة، وهو آخر مصدر للعملة الصعبة في البلاد، والذي شهد بدوره انهياراً كبيراً.

وحذّرت الأمم المتحدة، التي نادراً ما تسارع إلى إطلاق الإنذارات، من أزمات إنسانية تتعلق بالغذاء والدواء والهجرة، حيث تعاني كوبا اليوم أسوأ أزمة بكل المقاييس منذ انهيار الاتحاد السوفييتي، الذي أطلق ما عُرف بـ”الفترة الخاصة”، وهي مرحلة من المعاناة طبعت جيلاً كاملاً من الكوبيين، لكن الفارق هذه المرة أن واشنطن هي التي تصنع هذه الأزمة، ولا تحاول إخفاء ذلك.

وإذا نُظر إلى عملية اعتقال مادورو بمعزل عن سياقها الأوسع، فقد تبدو عملية لمكافحة تهريب المخدرات كما صورتها الإدارة الأمريكية، أما عند النظر إليها كجزء من حملة أشمل نطاقاً، فإنها تبدو بوضوح جزءاً من عقيدة متكاملة، فالإدارة نفسها التي اعتقلت رئيس دولة من عاصمته تصف كوبا بأنها “تهديد غير عادي واستثنائي” للولايات المتحدة.

الإدارة الأمريكية نفسها التي اعتقلت رئيس دولة من عاصمته تصف كوبا بأنها “تهديد غير عادي واستثنائي” للولايات المتحدة

 واشنطن تكشف عن “عقيدة دونرو”

لا ينبغي أن يشكل الموقف الأمريكي تجاه كوبا وفنزويلا مفاجأة لأي شخص اطّلع على استراتيجية الأمن القومي الأمريكية الصادرة في نوفمبر 2025، حيث عرضت الإدارة فيها خططاً لفرض هيمنة الولايات المتحدة على نصف الكرة الغربي من خلال نسخة معدّلة ومعززة من مبدأ مونرو لعام 1823، والذي أُطلق عليه لاحقاً اسم “عقيدة دونرو”.

ويخفي هذا الاسم الساخر خلفه خططاً صارمة تجاه كوبا، ففي يناير، حذّرت الإدارة الأمريكية من أن أي دولة تبيع النفط لكوبا ستواجه رسوماً جمركية، حيث نجح هذا التهديد؛ إذ خفّضت كل من فنزويلا والمكسيك، اللتين تمثلان شريانَي النفط الرئيسيين للجزيرة، إمداداتهما إليه، لكن المحكمة العليا الأمريكية قضت لاحقاً بأن الرئيس لا يملك الصلاحية القانونية لفرض تلك الرسوم، لذلك غيّرت الإدارة نهجها، وأصدرت في الأول من مايو تصعيداً جديداً تمثل في الأمر التنفيذي رقم 14404.

وعند تجاوز الصياغة القانونية الجافة لهذا الأمر، يتضح أنه يمثل تصعيداً كبيراً ضد كوبا، فاستناداً إلى “قانون السلطات الاقتصادية الطارئة الدولية”، يجيز الأمر التنفيذي 14404 فرض عقوبات على أي شخص أجنبي يعمل في قطاعات الطاقة أو الدفاع أو التعدين أو الخدمات المالية أو الأمن في كوب، كما يستهدف أي مصرف أجنبي يثبت أنه يعالج معاملات مالية مؤثرة لصالح هذه الجهات، وبموجب ذلك، فإن أي بنك في أي دولة أجنبية يقوم بتسوية مدفوعات مرتبطة بقطاع الطاقة الكوبي قد يفقد حساباته المراسلة في وول ستريت.

من الناحية العملية، يُجبر هذا الأمر المصارف على الاختيار بين التعامل مع دولة يبلغ عدد سكانها 11 مليون نسمة ويعانون الفقر، أو الحفاظ على إمكانية الوصول إلى النظام المالي القائم على الدولار، وبالنسبة لمعظم المؤسسات المالية، لا يُعد ذلك خياراً حقيقياً.

وفي غضون أسبوع، منحت وزارة الخارجية الأمريكية الشركات الأجنبية مهلة حتى 5 يونيو لإنهاء تعاملاتها مع التكتل الاقتصادي الخاضع لسيطرة الجيش، والذي يدير الجزء الأكبر من الاقتصاد الكوبي، وهكذا، بات المنطق نفسه الذي استُخدم لعزل النفط الإيراني والاحتياطيات الروسية يُطبَّق على دولة كاريبية تعجز عن توليد ما يكفي من الكهرباء لتلبية احتياجاتها، فليس من الضروري قصف دولة عندما يكون بالإمكان إطفاء أنوارها عبر قرار مصرفي يُتخذ في قارة أخرى.

ليس من الضروري قصف دولة عندما يكون بالإمكان إطفاء أنوارها عبر قرار مصرفي يُتخذ في قارة أخرى

وعززت الإدارة الأمريكية ضغوطها الاقتصادية بسلسلة من الزيارات رفيعة المستوى، حملت كل منها دلالات رمزية على جدية الموقف الأمريكي وأضفت مزيداً من الثقل على رسالته، ففي 14 مايو، زار مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية ” CIA”،  جون راتكليف، هافانا، في ثاني زيارة فقط لرئيس الوكالة إلى الجزيرة منذ ثورة عام 1959.

ولم تكن الزيارة بهدف جمع المعلومات الاستخباراتية، بل لنقل إنذار واضح مفاده أن الولايات المتحدة لن تنخرط مع الحكومة الكوبية إلا إذا ضمنت إحداث تغيير جوهري، حيث التقى راتكليف رئيس الاستخبارات الكوبية وحفيد راؤول كاسترو، المعروف باسم “راؤوليتو”، وهو الشخص الذي تفيد تقارير بأن فريق وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو يجري محادثات معه، حيث حمل رئيس الاستخبارات الرسالة السياسية، فيما تولى وزير الدفاع تأكيد الجاهزية لتنفيذها.

وبعد نحو أربعة أسابيع، وصل بيت هيغسيث إلى غوانتانامو، الجيب الأمريكي الواقع على الأراضي الكوبية، وأبلغ نحو ثلاثة آلاف جندي أمريكي هناك بأن الولايات المتحدة “تستعيد نصف الكرة الغربي”، مضيفاً: إن “وزارة الحرب” التي يقودها مستعدة للتعامل مع “أي احتمال طارئ”، إذ حملت هذه الرسائل دلالة واضحة لكل من تابع ما جرى سابقاً في كاراكاس.

رئيس كوبا وعدد من القادة خلال تجمع جماهيري دعماً للرئيس السابق راؤول كاسترو(أ ف ب)
رئيس كوبا وعدد من القادة خلال تجمع جماهيري دعماً للرئيس السابق راؤول كاسترو(أ ف ب)

اتهامات أمريكية لراؤول كاسترو

إذا كانت الزيارات رفيعة المستوى قد وفرت التنسيق، فإن وزارة العدل الأمريكية وفرت الأساس القانوني لها، ففي 20 مايو، وخلال فعالية أقيمت في “برج الحرية” بمدينة ميامي، الذي كان ملاذاً للمهاجرين الكوبيين خلال الحرب الباردة، كشف القائم بأعمال المدعي العام الأمريكي، تود بلانش، عن لائحة اتهام فيدرالية ضد راؤول كاسترو، البالغ من العمر 94 عاماً، تتضمن تهمة التآمر لقتل مواطنين أمريكيين، وأربع تهم بالقتل، وتهمتين بتدمير طائرات.

وتعود هذه الاتهامات إلى 24 فبراير 1996، عندما أسقطت طائرات “ميغ” كوبية طائرتين مدنيتين غير مسلحتين تابعتين لجماعة المنفيين الكوبيين “إخوة الإنقاذ” فوق المياه الدولية، ما أسفر عن مقتل أربعة أشخاص، ثلاثة منهم مواطنون أمريكيون، حيث كان كاسترو يشغل آنذاك منصب وزير الدفاع الكوبي، ويؤكد الادعاء أنه أصدر أمر تنفيذ العملي، وكانت هيئة محلفين كبرى في ميامي قد أقرت لائحة الاتهام قبل أسابيع، إلا أن الإدارة الأمريكية انتظرت حتى 20 مايو للإعلان عنها، وهو التاريخ الذي يحييه الكوبيون المنفيون باعتباره يوم استقلال الجزيرة.

وفي الواقع، تعود القضية نفسها إلى ما قبل الحملة الحالية بسنوات طويلة، حيث أعدّ المدعون الفيدراليون في ميامي أول مسودة للاتهامات ضد كاسترو في تسعينيات القرن الماضي، عقب إدانة الديكتاتور البنمي مانويل نورييغا، ثم بقيت القضية مجمدة طوال ثلاثة عقود.

وما تغيّر اليوم ليس الأدلة، بل الغاية من استخدامها؛ إذ تحولت لائحة الاتهام إلى أداة قانونية تؤدي وظيفة استراتيجية، فهي تفعل براؤول كاسترو على الورق ما فعلته العملية التي استهدفت نيكولاس مادورو في كاراكاس على أرض الواقع، إذ تحوّل رئيس النظام إلى شخص مطلوب يمكن ملاحقته واعتقال، وبذلك، فإن إدارة سبق أن تمكنت من اعتقال زعيم دولة في عاصمته، باتت تمتلك الآن المبرر القانوني الذي يمكن أن تستخدمه للقيام بالأمر نفسه في هافانا.

واشنطن تهيئ المبررات لضرب كوبا

يبرز هنا عدة تساؤلات: هل يشير هذا التسلسل من الأحداث إلى وجود تهديد حقيقي بعمل عسكري؟، وهل سيُضطر النظام الكوبي إلى تقديم تنازلات لاستعادة الكهرباء؟.

ليس بالضرورة، فهناك فجوة بين ما صُممت الاستراتيجية الأمريكية لتحقيقه وبين ما يمكنها إنجازه فعلياً على أرض الواقع، فمن جهة، تبدو احتمالات توجيه ضربة عسكرية إلى الجزيرة أكثر واقعية مما كانت عليه في أي وقت خلال العقود الأخيرة، وقد أبلغ مسؤولون أمريكيون يدرسون مبررات محتملة لأي هجوم وسائل إعلام بأن كوبا حصلت على أكثر من 300 طائرة مسيّرة روسية وإيرانية، كما قالوا إن ضباطاً كوبيين ناقشوا إمكانية استخدامها ضد قاعدة غوانتانامو أو السفن الحربية الأمريكية أو حتى مدينة كي ويست في ولاية فلوريدا.

وعندما تعمد دولة إلى إبلاغ وسائل الإعلام بأن تقييمها للتهديدات قد يبرر عملاً عسكرياً، فإنها لا تطلق مجرد تحذير، بل تهيئ الأساس المنطقي الذي يمكن الاستناد إليه لاحقاً لتبرير ذلك العمل، غير أن السؤال الأعمق يتمثل فيما إذا كان حرمان كوبا من الوقود قادراً فعلاً على تحقيق النتيجة السياسية التي تسعى إليها واشنطن، فنجاح سياسة تغيير النظام يفترض أن يؤدي انقطاع الكهرباء ونقص الطاقة إلى إثارة غضب شعبي واسع يدفع الكوبيين إلى التمرد على حكومتهم، بما يخلق الظروف اللازمة لانهيارها.

عندما تعمد دولة إلى إبلاغ وسائل الإعلام بأن تقييمها للتهديدات قد يبرر عملاً عسكرياً فإنها لا تطلق مجرد تحذير بل تهيئ الأساس المنطقي الذي يمكن الاستناد إليه لاحقاً لتبرير ذلك العمل

لكن هذه الفرضية تمثل، تصوراً أمريكياً متكرراً أثبت فشله مراراً على مدى أكثر من نصف قرن. فقد عانت كوبا من نقص الغذاء والانقطاعات الكهربائية وأزمات أشد قسوة من دون أن تشهد انتفاضة شعبية واسعة، حيث أصبحت الندرة بالنسبة لكثير من الكوبيين واقعاً مألوفاً لا استثناءً، خصوصاً بعد ثلاثة أجيال ترسخت لديها قناعة بأن تحمل المشاق يمثل دليلاً على السيادة الوطنية أكثر من كونه دليلاً على سوء الإدارة.

وخلال ما عُرف بـ”الفترة الخاصة” في تسعينيات القرن الماضي، انهار الدعم السوفيتي لكوبا بصورة شبه مفاجئة، وانكمش الاقتصاد الكوبي بنحو الثلث، ومع ذلك تمكن النظام من البقاء، وعلى مدى عقود، نجحت بنية السلطة في كوبا في حماية الدوائر التي تسعى واشنطن إلى الضغط عليها، فمجموعة إدارة الأعمال “ GAESA “، وهي التكتل الاقتصادي الذي يسيطر على جزء كبير من الاقتصاد الكوبي، ليست وزارة يمكن دفعها إلى الإصلاح عبر العقوبات، بل تمثل العمود الفقري الاقتصادي للمؤسسة العسكرية.

وفي حين يتحمل المواطنون أعباء انقطاع الكهرباء، يحتفظ هذا التكتل بمصادر الطاقة الخاصة به، ولذلك، فإن سياسة الإكراه التي تخطئ أهدافها الأساسية بينما تُلحق الضرر ببقية السكان لا تنتج نفوذاً سياسياً حقيقياً، بل تفضي إلى كارثة إنسانية، وهو ما يبتعد كثيراً عن سيناريو الانتقال السياسي المنظم الذي تتصوره السياسة الأمريكية.

أمريكا ترفض إصلاحات كوبا

في منتصف يونيو، قدمت الحكومة الكوبية ردها على الضغوط المتزايدة، حيث أقرّ برلمانها بالإجماع 176 إصلاحاً اقتصادياً قائماً على اقتصاد السوق، في أكبر عملية إصلاح منذ الثورة الكوبية عام 1959، وذلك في محاولة طارئة لإنهاء الأزمة، حيث تسمح الإجراءات الجديدة للشركات الخاصة بتوظيف أكثر من 100 عامل، كما تتيح لرواد الأعمال امتلاك عدة شركات، وتُلغي إلزام المستثمرين الأجانب بالشراكة مع الدولة، فضلاً عن السماح بإنشاء بنوك خاصة وفتح حسابات بالعملات الأجنبية.

على الصعيد النظري، مثّلت هذه الإصلاحات تحولاً كبيراً بعيداً عن النموذج الاقتصادي الذي أسسه فيدل كاسترو، أما عملياً، فقد عكست محاولة من الحكومة لاستقطاب رؤوس الأموال من أي مصدر متاح، غير أن هذه الانفتاحات اقتصرت على الاقتصاد المدني، فيما بقيت مجموعة GAESA، التكتل الاقتصادي العسكري الذي يشكل محور النظام، بمنأى عن أي تغيير.

لكن واشنطن لم تُبدِ إعجابها بهذه الخطوات، حيث وصفت وزارة الخارجية الأمريكية حزمة الإصلاحات بأنها “مجرد ذريعة سطحية”، فيما اعتبر متحدث باسمها أنها جاءت متأخرة ومحدودة، وأنها مجرد “حيلة من حيل الديكتاتورية”.

وأكدت الإدارة الأمريكية أنها تريد تغييرات سياسية واقتصادية أوسع بكثير قبل أن تعتبر كوبا بيئةً مناسبة للاستثمار، كما جدّد ترامب ووزير خارجيته ماركو روبيو تمسكهما بسياسة “الضغط الأقصى”، من دون تقديم أي مقابل للإصلاحات، حيث كشف هذا التباين بوضوح عن جوهر الحملة الأمريكية؛ ففي حين عرضت كوبا فتح اقتصادها، كانت واشنطن تطالبها، عملياً، بالتخلي عن نظامها الحاكم.

جدّد ترامب ووزير خارجيته ماركو روبيو تمسكهما بسياسة “الضغط الأقصى” من دون تقديم أي مقابل للإصلاحات

ولا يتمثل السؤال الاستراتيجي في كيفية تحقيق النصر، بل فيما قد يحدث إذا فقدت بنية السلطة في كوبا السيطرة؟ ،ولنبدأ بملف الهجرة، حيث اتجه الكوبيون، في كل أزمة كبرى، إلى الهجرة نحو الولايات المتحدة، وكان أحدثها موجة النزوح التي أعقبت عام 2021، والتي أسهمت أزمة الكهرباء المتفاقمة في تأجيجها، وأي انهيار جديد قد يدفع بمزيد من المهاجرين نحو ولاية فلوريدا، التي تضم جالية كوبية أمريكية مؤثرة، وذلك في وقت جعلت فيه إدارة ترامب من وقف الهجرة إحدى أولوياتها الأساسية، وهنا تبرز مفارقة واضحة؛ إذ إن سياسة “الضغط الأقصى” تدفع باتجاه يناقض أهداف تشديد الرقابة على الحدود.

وقد تجد الإدارة الأمريكية نفسها، من دون قصد، أمام دولة فاشلة تبعد نحو 90 ميلاً فقط عن سواحل فلوريدا، قد تتحول إلى ملاذ لمهربي المخدرات والأنظمة الاستبدادية، أي الجهات نفسها التي تسعى واشنطن إلى إقصائها، ويبرز هنا أيضاً النموذج الفنزويلي، فهي لم تشهد انتقالاً ديمقراطياً منذ أن احتجزت الولايات المتحدة الرئيس مادورو، وصحيح أن الجهة الراعية للنظام تغيّرت، وأن قطاع النفط بات أكثر ارتباطاً بالمصالح الأمريكية، إلا أن معظم الشخصيات التي أدارت البلاد في عهد مادورو لا تزال تتولى السلطة بقيادة ديلسي رودريغيز، التي تُعد الحاكم الفعلي للدولة.

ومن خلال إظهار استعدادها للوصول إلى دولة ذات سيادة واعتقال رئيسها، تكون الإدارة الأمريكية قد خفّضت العتبة أمام أي تدخل مشابه في المستقبل، ومن ثم، فإن عدم الاستقرار الإقليمي ليس مجرد أثر جانبي محتمل لانهيار كوبا، بل قد يكون النتيجة الأساسية التي تفضي إليها السياسات التي تنتهجها واشنطن نفسها.

الصين إلى الصدارة

يشير تركيز إدارة ترامب على نصف الكرة الغربي إلى أن الرئيس يفضّل ترسيخ مكانة الولايات المتحدة قوةً إقليمية أكثر من سعيها للحفاظ على دورها كقوة مهيمنة عالمياً، لكن هذا لا يعني أن خصومها الدوليين يقفون مكتوفي الأيدي، ففي الوقت الذي تعمل فيه واشنطن على إطفاء الكهرباء في كوبا، تُنير الصين طريقها إلى الصدارة.

 في الوقت الذي تعمل فيه واشنطن على إطفاء الكهرباء في كوبا تُنير الصين طريقها نحو الصدارة

ولا يستند أوضح دليل على الدور الصيني إلى الرواية الكوبية، التي قد يكون لديها ما يدفعها إلى المبالغة، بل إلى بيانات الجمارك عبر المحيط الهادئ، حيث أظهر مركز “إمبر” المتخصص في أبحاث الطاقة، والذي يتابع صادرات الصين من الألواح الشمسية بحسب وجهاتها، أن بكين صدّرت إلى كوبا ألواحاً شمسية بقيمة تقارب ثلاثة ملايين دولار في عام 2023، قبل أن تقفز القيمة إلى 117 مليون دولار بحلول عام 2025.

وخلال عام واحد، زودت الصين الجزيرة نحو “غيغاواطاً” واحداً من الألواح الكهروضوئية، وهو ما يكفي لوضع كوبا في مرتبة متقدمة على معظم دول العالم، بما فيها الولايات المتحدة، من حيث نسبة الكهرباء المولدة من الطاقة الشمسية.

لكن هذا لا يعني أن الكهرباء أصبحت متوافرة ليلاً في هافانا، فالطاقة الشمسية تغذي الشبكة خلال ساعات الظهيرة، ثم يتراجع إنتاجها مع غروب الشمس، أي نحو الساعة السابعة مساءً، وهو الوقت الذي يبلغ فيه الطلب على الكهرباء ذروته، ولم تتمكن كوبا حتى الآن من إنشاء منظومات تخزين بالبطاريات تكفي لسد هذه الفجوة.

ووفقاً لتقارير وسائل الإعلام الرسمية الكوبية، فإن أربعة فقط من بين عشرات محطات الطاقة الشمسية التي أُنشئت خلال عام 2025 زُوّدت بأنظمة تخزين ضخمة بقدرة 50 ميغاواط، ولهذا السبب، يمكن أن تسجل كوبا أعلى مستويات إنتاج الطاقة الشمسية نهاراً، وفي الوقت نفسه تشهد انقطاعاً للكهرباء يمتد إلى 20 ساعة يومياً، وبذلك، لا تزال الألواح الشمسية، بالنسبة إلى كوبا، عاجزة عن توفير مصدر موثوق ومستقر لإمدادات الكهرباء.

وعليه، فإن ما ينبغي أن يثير قلق واشنطن ليس حجم القدرة الإنتاجية للطاقة الشمسية ولا محدودية قدرات التخزين، بل التاريخ الذي تحملـه تلك البيانات، حيث صُممت حملة الضغط الأمريكية على أساس حرمان كوبا من سلعة محددة هي النفط، وهي سلعة تُنقل عبر ناقلات يمكن تعقبها واعتراضها وفرض العقوبات عليها. لكن أحداً لم يضع هذه الاستراتيجية في الحسبان لعالم تصبح فيه السلعة الحاسمة ألواحاً شمسية كهروضوئية.

هذه الألواح أقل تكلفة بكثير من النفط، ويمكن شحنها بسرعة تفوق قدرة العقوبات على مواكبتها، ما يحول سياسة الخنق الاقتصادي، التي كان يُفترض أن تؤتي ثمارها خلال عام واحد، إلى مسألة تتعلق بتقنيات تخزين الطاقة، وهو المجال الذي تسارع الصين أيضاً إلى تطويره.

وعندما أراد وزير الخارجية الكوبي الظهور إلى جانب دولة كبرى داعمة، لم يلتقِ كبير الدبلوماسيين الصينيين وانغ يي في بكين، بل اجتمع به في نيويورك على هامش اجتماعات الأمم المتحدة، حيث تعهدت الصين بمواصلة الدفاع عن كوبا في مواجهة ما وصفته بـ”التدخلات الخارجية”.

وإذا تمكنت كوبا من تحقيق هدفها المتمثل في تشغيل 92  محطة للطاقة الشمسية بتمويل صيني بحلول عام 2028، فإن الحصار النفطي، الذي يمثل أبرز أدوات الضغط الاقتصادي الأمريكية، سيفقد كثيراً من فعاليته، فالصين تؤدي دوراً محورياً في بناء بديل يلتف على حملة الضغوط الأمريكية، مستفيدة من قدراتها المالية ونفوذها الدولي لتعزيز حضورها في أمريكا اللاتينية.

 إذا تمكنت كوبا من تحقيق هدفها المتمثل في تشغيل 92  محطة للطاقة الشمسية بتمويل صيني بحلول عام 2028 فإن الحصار النفطي سيفقد كثيراً من فعاليته

في المحصلة، تراهن واشنطن على أن سياسة الخنق الاقتصادي ستجبر كوبا على الاستسلام قبل ظهور بدائل فعالة، بينما تراهن بكين على قدرتها على إبقاء شبكة الكهرباء الكوبية تعمل بالحد الأدنى حتى تصبح الطاقة الشمسية قادرة على سد الفجوة، وهكذا، يقوم أحد الرهانين على عامل الزمن، فيما يقوم الآخر على تجاوز القيود.

شارع غارق في الظلام نتيجة انقطاع التيار الكهربائي في كوبا (أ ف ب)
شارع غارق في الظلام نتيجة انقطاع التيار الكهربائي في كوبا (أ ف ب)

روبيو يمهد للمواجهة

من الواضح أن السياسة الأمريكية تجاه كوبا لا تقوم على الحسابات الاستراتيجية البحتة فحسب، بل تتداخل فيها أيضاً اعتبارات شخصية، حيث يقف وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو في صدارة هذه الحملة، إذ يجمع بين منصبي وزير الخارجية ومستشار الأمن القومي بالإنابة، وهو أمر لم تشهده الولايات المتحدة منذ عهد هنري كيسنجر.

ونشأ روبيو في ميامي وسط الجالية الكوبية المعارضة للنظام في هافانا، وهي بيئة تحمل عداءً راسخاً لعائلة كاسترو، وقد روى في مذكراته كيف كان يتخيل، في طفولته، قيادة جيش من المنفيين للإطاحة بفيدل كاسترو واليوم، أصبح الوجه الأبرز لأكثر السياسات الأمريكية تشدداً في نصف الكرة الغربي منذ جيلين، كما يطرح ترامب اسمه علناً بوصفه أحد أبرز المرشحين المحتملين لخلافته في انتخابات عام 2028.

ومع أن الجالية الكوبية في ميامي ليست كتلة واحدة، إلا أن أكثر تياراتها تشدداً تقيس المواقف بمعيار واحد، هو رفض النظام الشيوعي في كوبا، ولذلك، فإن أي تسوية، على غرار النموذج الفنزويلي، تُبقي جزءاً من أركان النظام في السلطة، ولا سيما إذا كان من بينهم أحد أفراد عائلة كاسترو، تُعد خياراً مرفوضاً بالنسبة إلى هذا التيار.

وفي المقابل، باتت السياسة الأمريكية يقودها مسؤول يرى في الملف الكوبي قضية شخصية ومحورية، بينما قد تتوقف طموحاته الرئاسية على الكيفية التي ستنتهي بها هذه المواجهة، ومن شأن هذه الاعتبارات السياسية أن تشجع على اتخاذ خطوات ذات طابع استعراضي أكثر من السعي إلى تسوية مستقرة وطويلة الأمد.

ومع ذلك، تشير تقارير إلى أن روبيو لم يستبعد تماماً التوصل إلى اتفاق يحقق الاستقرار في كوبا من دون تغيير كامل للنظام، حتى وإن انتهى الأمر بانتقال السلطة إلى حفيد راؤول كاسترو، ورغم أن قبول مثل هذا السيناريو سيكون صعباً بالنسبة إلى مهندس السياسة الأمريكية تجاه كوبا، إلا أنه لا يبدو مستحيلاً.

وفي ضوء هذه المعطيات، باتت ملامح المواجهة تكتمل تدريجياً، فقد أُنشئت منظومة الضغط الاقتصادي وجرى توسيع نطاقها عالمياً، فيما وضعت خطة عسكرية، ويجري في الوقت نفسه الترويج إعلامياً لمبررات استخباراتية قد تُستخدم لتبرير تدخل عسكري، كما أن الحوافز السياسية داخل واشنطن تدفع باتجاه التصعيد أكثر من التسوية، وبذلك، تبدو جميع الأدوات التي تحتاج إليها قوة عظمى للضغط على دولة أصغر حجماً جاهزة وموجهة نحو جزيرة لا تبعد سوى 90 ميلاً عن السواحل الأمريكية، غير أن كوبا، التي أمضت 67 عاماً وهي تتكيف مع الأزمات والانقطاعات، وجدت هذه المرة شريكاً مستعداً لتزويدها ببديل للطاقة، هو الصين.

قد تنجح واشنطن في فرض مزيد من انقطاع الكهرباء على الجزيرة، لكنها قد لا تنجح في تحقيق الهدف السياسي المتمثل في إسقاط النظام، بل قد تكتشف أن الحملة التي هدفت إلى استعادة نفوذها في نصف الكرة الغربي فتحت المجال أمام منافسيها لتعزيز حضورهم فيه. في نهاية المطاف، قد يكون الخطأ الأكبر في الاستراتيجية الأمريكية أنها ركزت على إطفاء الأنوار في كوبا، من دون أن تنتبه إلى الجهة التي تمتلك وسائل إعادة تشغيلها.

قد يكون الخطأ الأكبر في الاستراتيجية الأمريكية أنها ركزت على إطفاء الأنوار في كوبا من دون أن تنتبه إلى الجهة التي تمتلك وسائل إعادة تشغيلها

James O’Shea- Eagle Intelligence Reports
جيمس أوشيا

جيمس أوشيا، صحفي ومؤلف أمريكي حائز على عدة جوائز، وشغل سابقاً منصب رئيس التحرير لصحيفة لوس أنجلوس تايمز، ومدير التحرير لصحيفة شيكاغو تريبيون، كما شغل منصب رئيس مجلس إدارة شبكات البث في الشرق الأوسط (MBN). وهو مؤلف لثلاثة كتب، من بينها "الصفقة من الجحيم". يحمل درجة الماجستير في الصحافة من جامعة ميسوري.

اشترك مجاناً في تقارير إيغل إنتيلجنس

رؤى وتقارير حصرية

تمتّع بإمكانية الوصول إلى تحليلات متعمّقة، ومعلومات استخباراتية حصرية، وتقارير خبراء مُصمّمة خصيصاً لتبقى على اطلاع دائم، وفي صدارة المتابعين لأهم التطورات العالمية.

بالاشتراك، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا.

موضوعات أخرى
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير

اشترك مجاناً في تقارير إيغل إنتيلجنس

رؤى وتقارير حصرية

تمتّع بإمكانية الوصول إلى تحليلات متعمّقة، ومعلومات استخباراتية حصرية، وتقارير خبراء مُصمّمة خصيصاً لتبقى على اطلاع دائم، وفي صدارة المتابعين لأهم التطورات العالمية.

بالاشتراك، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا.

ايغل انتيلجنس ريبورتس
Privacy Overview

This website uses cookies so that we can provide you with the best user experience possible. Cookie information is stored in your browser and performs functions such as recognising you when you return to our website and helping our team to understand which sections of the website you find most interesting and useful.