كندا تفتح باباً خارج ظلّ واشنطن

تقرير
ﺷﺎرك

في 14 فبراير الماضي، وخلال مؤتمر ميونيخ للأمن، وقّع وزير الدفاع الكندي ديفيد ماكغينتي وثيقة لم يسبق لأي دولة غير أوروبية أن وقّعتها من قبل. وقد أتاح الاتفاق لكندا بالانضمام إلى برنامج العمل الأمني لأوروبا  “SAFE” التابع للاتحاد الأوروبي، وهو مبادرة للمشتريات الدفاعية بقيمة 175 مليار دولار، تُعدّ محور خطط إعادة التسلّح الأوروبية، حيث جاءت بشروط غير مسبوقة؛ إذ سُمح بأن تصل نسبة المكونات المحلية في المعدات الدفاعية الكندية المُنتجة ضمن إطار البرنامج إلى 80%، وهو ما يتجاوز بكثير السقف البالغ 35% المفروض على جميع الدول الأخرى.

وللوهلة الأولى، يبدو اتفاق “SAFE” ذا أهمية مالية كبيرة، إذ يتيح للمقاولين الكنديين الوصول إلى مليارات الدولارات من عقود الدفاع الأوروبية. غير أن هذه المبالغ، عند مقارنتها بميزانية الدفاع الأمريكية المتوقعة لعام 2027 والبالغة 1.5 تريليون دولار، تبدو محدودة. لكن القيمة الحقيقية للاتفاق لا تكمن في حجمه المالي، بل في السابقة التي يُرسّخها. فلأول مرة، تسعى دولة حليفة للولايات المتحدة منذ عقود إلى بناء شراكة دفاعية موازية مع أوروبا، في إشارة إلى توجه أوسع بين الحلفاء الغربيين نحو تنويع الاعتماد الاستراتيجي. فكانت كندا أول دولة تتبنى برنامج ” SAFE” كبديل عن الاعتماد على الولايات المتحدة. لكن السؤال هو: هل ستكون الأخيرة؟

لا تكمن القيمة الحقيقية لاتفاق “SAFE” بحجمه المالي بل في السابقة التي يرسخها فلأول مرة تسعى دولة حليفة لواشنطن لبناء شراكة دفاعية موازية مع أوروبا

لقد كان من السهل إلقاء اللوم على الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في تدهور العلاقات مع الجار الشمالي للولايات المتحدة، وهو ما دفع كندا إلى الابتعاد عن علاقاتها الدفاعية الوثيقة والدافئة مع واشنطن. فقد أدت حروبه التجارية، والرسوم الجمركية التي فرضها، وتصريحاته بشأن رغبته في أن تصبح كندا الولاية الحادية والخمسين، إلى دفع رئيس الوزراء الكندي مارك كارني إلى وصف نهج ترامب بأنه “قطيعة” وليس مجرد مرحلة انتقالية داخل التحالف الغربي. غير أن هذا التصور المبسّط يتجاهل عاملاً أعمق وأكثر أهمية في تراجع هذه العلاقة، وهو عامل لا يزال كثير من الأمريكيين يقدّرونه.

ما الذي قاله كارني فعلياً؟

في الواقع، أشار كارني، في كلمة ألقاها في دافوس مطلع العام الجاري، إلى قوة واستمرار التحالف الغربي. لكنه حذّر القوى المتوسطة من أن القوى الكبرى باتت تهدد المؤسسات التي اعتمدت عليها لعقود، مثل منظمة التجارة العالمية، والأمم المتحدة. وقد لفت كارني الانتباه عندما قال إن التحالف الغربي يواجه “قطيعة” وليس مجرد انتقال تدريجي. ومع ذلك، لم يذهب إلى الدعوة لبناء مزيد من الحواجز السياسية. بل حذّر من أن “عالماً من الحصون سيكون أفقر، وأكثر هشاشة، وأقل استدامة”. وكان سؤاله لكندا أعمق من ذلك: هل تستطيع القوى المتوسطة مثلها أن تكون أكثر ابتكاراً من مجرد الانكفاء وراء الحواجز لحماية مصالحها؟

قادة كندا وألمانيا والنرويج على هامش مناورة عسكرية للناتو (أ ف ب)
قادة كندا وألمانيا والنرويج على هامش مناورة عسكرية للناتو (أ ف ب)

واستخدم كارني مصطلحاً غير تقليدي في الخطاب الدبلوماسي، وقال إن كندا ستعتمد نهج “الهندسة المتغيرة”، أي بناء شراكات مختلفة لقضايا مختلفة، وفقاً للمصالح والقيم المشتركة. فمثلاً في ملف أوكرانيا تُعامل كشريك أساسي ضمن “مجتمع الراغبين”. وفي الدفاع تتعاون مع الاتحاد الأوروبي. وفي المعادن تعمل مع الاتحاد الأوروبي وأستراليا. وفي الطاقة تطور إطار تعاون جديد مع الصين. أما الولايات المتحدة، فهي ليست الشريك الوحيد، رغم عمق العلاقات التاريخية معها. ووفق هذا التصور، على كندا أن تبني شبكة تحالفات أوسع وأكثر تنوعاً لتلبية مصالحها الاستراتيجية.

يمثل هذا التمييز عنصراً جوهرياً، لكنه غالباً ما يُساء فهمه في تحليلات تصريحات كارني. فهو لا يقترح القطيعة مع الولايات المتحدة، بل يدعو إلى نهج التحوّط الاستراتيجي، أي بناء شراكات بديلة بحيث لا يهيمن أيّ حليف واحد على مصالح كندا. وتشير ملاحظته بأن علاقات كندا مع الصين أصبحت “أكثر قابلية للتنبؤ” من علاقاتها مع واشنطن إلى هذا التوجه؛ إذ يقوم نهجه على التوازن وقابلية التنبؤ، لا على التبعية. ويُعد اتفاق ” SAFE” جزءاً أساسياً من هذه الاستراتيجية الأوسع لإدارة حالة عدم اليقين تجاه الولايات المتحدة.

ما الذي ستجنيه كندا؟

بالنسبة لأوتاوا، يعالج هذا الاتفاق مشكلة مزمنة، إذ إن نحو نصف مشتريات كندا الدفاعية تذهب تقليدياً إلى موردين أجانب، ومعظمهم من الولايات المتحدة. فعندما يشتري سلاح الجو الملكي الكندي مقاتلة أمريكية من طراز ” F-35″، تبقى التصميمات وحقوق الملكية الفكرية وبنية البرمجيات وعمليات الإنتاج داخل الولايات المتحدة. أما الشركات الكندية فعادة ما تحصل فقط على عقود الصيانة وقطع الغيار، أي على الجزء الأقل قيمة. ونتيجة لذلك، فإن معظم الإنفاق الدفاعي الكندي ينتهي إلى دعم القاعدة الصناعية الدفاعية الأمريكية بدلاً من تطوير الصناعة الدفاعية الداخلية.

وقد يساعد اتفاق ” SAFE” على إعادة توازن هذا الوضع. إذ يتيح شرط المدخلات المحلية بنسبة 80% للشركات الكندية المشاركة في العقود الأوروبية وكأنها شركات داخل الاتحاد الأوروبي. كما يمكن لآليات التمويل منخفض الفائدة ضمن البرنامج أن تدعم تحديث القدرات العسكرية الكندية، بما في ذلك مشروع الغواصات الكندية المتأخر منذ سنوات، من خلال توفير تمويل عادة ما يكون متاحاً فقط للشركات الألمانية أو الفرنسية أو الإسبانية.

كما يفتح الاتفاق الباب أمام عقود في مجالات مثل مراقبة الفضاء، وأنظمة الإنذار المبكر، والاتصالات الآمنة، والذكاء الاصطناعي والاستخدامات المزدوجة في الأمن السيبراني. وبالنسبة لكثير من الشركات الكندية الصغيرة، يمنحها الاتفاق فرصة للوصول إلى سوق أوروبي واسع ومتكامل بدلاً من البقاء في سوق محلية محدودة.

ومع ذلك، لا يُعد ” SAFE” مكسباً مضموناً لكندا. فقطاع الدفاع الكندي لا يزال محدود الحجم، إذ بلغت قيمته 17.38 مليار دولار في عام 2024، وهو مجزأ بين نحو 600 شركة، معظمها صغيرة ومتوسطة، وكثير منها تابع لشركات أمريكية. كما أن بعض المسؤولين الأوروبيين لا يزالون حذرين بسبب سجل كندا في إلغاء العقود. بالإضافة إلى ذلك، من المقرر أن ينتهي الاتفاق في عام 2030، في حين أن صفقات التسليح عادة ما تستغرق وقتاً طويلاً، ما يعني أن النتائج الفعلية قد تحتاج سنوات لتظهر. ويمنح البرنامج كندا فرصة نادرة لإثبات قدرتها على تقليل اعتمادها على الولايات المتحدة. وإذا نجح، فقد يُقدّم هذا الترتيب نموذجاً لكيفية تنويع الدول الحليفة لعلاقاتها الدفاعية بعيداً عن الهيمنة الأمريكية، مُلبياً بذلك بعض دعوات الرئيس ترامب لتقاسم الأعباء، ولكن ربما على حساب النفوذ الأمريكي.

إذا نجح برنامج ” SAFE” قد يشكّل نموذجاً لكيفية تنويع الدول الحليفة شراكاتها بعيداً عن الهيمنة الأمريكية بما يلبي دعوات ترامب لتقاسم الأعباء لكنه قد يأتي على حساب نفوذ واشنطن

مكاسب أوروبا

لم تعرض بروكسل امتياز السماح لكندا بنسبة المحتوى المحلي 80% بدافع المجاملة أو الاعتبارات السياسية الرمزية. فالشريك من أمريكا الشمالية يخدم في الأساس أهدافاً استراتيجية أوروبية أوسع، حيث تمتلك كندا خبرات مهمة في مجالات القطب الشمالي والعمليات البحرية. صحيح أن أوروبا ليست بحاجة ماسة إلى هذه القدرات، إذ توفر النرويج وفنلندا والسويد مستويات متقدمة عالمياً في العمليات في البيئات الباردة، والمراقبة، وكسر الجليد، لكن كندا تظل قوة أطلسية مجربة ضمن منظومة ” نوراد” ، تتموضع جغرافياً بين المداخل القطبية وبوابة الممرات البحرية عبر الأطلسي. ومع امتلاكها قدرات في الفضاء والاستخبارات، يصبح من السهل فهم المنطق الاستراتيجي وراء هذا الانفتاح.

غير أن المكسب الأكبر لبروكسل لا يكمن في كندا بحد ذاتها، بل في سابقة هذه الخطوة. ففتح الباب لأول شريك غير أوروبي بشروط سخية يبعث برسالة واضحة إلى الديمقراطيات القادرة مفادها أن أوروبا منفتحة على الشراكات الاستراتيجية. وتستهدف خطة “الجاهزية 2030” الأوروبية، البالغة قيمتها 900 مليار دولار، بناء استقلالية استراتيجية ذات مصداقية، لكن التحدي الحقيقي لا يكمن في التمويل أو الإرادة السياسية، بل في القدرة على الإنتاج والتوسع على نطاق كبير.

 اليوم، يعاني قطاع الدفاع الأوروبي من تجزئة بنيوية، إذ تنتج الشركات المحلية أنظمة غير متوافقة وموجهة لأسواق وطنية محدودة. ومن خلال تجميع الطلب الدفاعي ضمن برامج مثل  ” SAFE”، تسعى أوروبا إلى تحقيق وفورات الحجم وخفض التكاليف عبر إنتاج أوسع نطاقاً.

وتمثل الشراكة الكندية اختباراً حاسماً لهذا النموذج، فهي ستكشف ما إذا كانت أوروبا قادرة على دمج شريك ديمقراطي متقدم من خارج القارة دون التفريط بمعاييرها، أم أنها ستتحول عملياً إلى مسار إضافي يعزز امتداد سلاسل التوريد الأمريكية. وإذا نجحت هذه التجربة، فقد يصبح هذا النموذج قابلاً للتوسيع ليشمل حلفاء ديمقراطيين آخرين ذوي قدرات متقدمة.

ترامب وكارني خلال قرعة كأس العالم 2026 (أ ف ب)
ترامب وكارني خلال قرعة كأس العالم 2026 (أ ف ب)

تناقضات واشنطن

يمكن النظر إلى انضمام كندا لبرنامج ” SAFE” من زاويتين مختلفتين، والمفارقة أن وثائق إدارة ترامب الاستراتيجية تدعم كلتا الزاويتين في الوقت نفسه. فالأولى تتعلق بمبدأ تقاسم الأعباء، وهو ما تؤكد الإدارة الأمريكية باستمرار أنها تريده من حلفائها. فقد نصّت استراتيجية الدفاع الوطني لعام 2026، التي صدرت قبل ثلاثة أسابيع من انضمام كندا للبرنامج، على أن تتحمل أوروبا مسؤولية أكبر في الدفاع عن أمنها. وتقول واشنطن إنها ستواصل دعم أوروبا، لكنها تتوقع من الحلفاء تمويل جزء أكبر من احتياجاتهم الدفاعية. ووفق هذا المنطق، فإن سعي كندا إلى تعزيز قدراتها العسكرية عبر أي قناة متاحة وفعالة يُعد استجابة مباشرة للمطالب الأمريكية.

أما الزاوية الثانية، فترى في هذه الخطوة تحويلاً للاستثمارات والقدرات الصناعية الدفاعية بعيداً عن الولايات المتحدة. فالاستراتيجية نفسها تعتبر القاعدة الصناعية الدفاعية الأمريكية أحد أهم الأصول الاستراتيجية للبلاد، وتدعو إلى توسيعها وتعبئتها على نطاق يقترب من مستوى التعبئة الذي شهدته الولايات المتحدة خلال الحرب العالمية الثانية. كما تنظر إلى القدرة التصنيعية باعتبارها عنصراً أساسياً في قوة الردع الأمريكية. ومن هذا المنظور، فإن توجيه مشتريات الحلفاء إلى الشركات وسلاسل التوريد الأوروبية لا يخدم المصانع الأمريكية ولا يعزز القدرات الإنتاجية التي تسعى واشنطن إلى بنائها، بل قد يكون أكثر إشكالية لأنه يخلق سابقة يمكن أن تحتذي بها دول أخرى.

توجيه مشتريات الحلفاء إلى الشركات الأوروبية لا يخدم المصانع الأمريكية ولا يعزز القدرات الإنتاجية التي تسعى واشنطن إلى بنائها بل قد يخلق سابقة إشكالية يمكن أن تحتذي بها دول أخرى

وكلا التفسيرين يحملان قدراً من الصحة، وهنا تكمن المعضلة الأساسية. فالولايات المتحدة لا تستطيع في الوقت نفسه أن تطالب حلفاءها بزيادة إنفاقهم الدفاعي وتحمل مسؤوليات أكبر، ثم تتوقع أن يذهب هذا الإنفاق حصراً إلى الشركات الأمريكية. وبعبارة أخرى، تسعى استراتيجية عام 2026  المشار إليها إلى تحقيق هدفين متعارضين، يتمثلان في أن يصبح الحلفاء أكثر استقلالية في مجال الدفاع، وأن تبقى الولايات المتحدة المستفيد الرئيسي من إنفاقهم العسكري. لكنها لا تقدم تصوراً واضحاً لكيفية الجمع بين هذين الهدفين. ومن هنا، فإن انضمام كندا إلى البرنامج لا يمثل المشكلة بحد ذاته، بل يكشف تناقضاً قائماً في السياسة الأمريكية.

كندا لا تزال شريكاً رغم تشدد كارني

 ويبرز التناقض بصورة أوضح عند النظر إلى مسألة التوافق والتكامل العسكري بين كندا والولايات المتحدة. فبرنامج ” SAFE” يشجع كندا على تطوير وشراء معدات دفاعية تتوافق مع المعايير التقنية الأوروبية منذ مرحلة التصميم. وعلى مدى أكثر من سبعين عاماً، قامت منظومة الدفاع في أمريكا الشمالية على افتراض أن الأنظمة العسكرية الكندية والأمريكية ستكون قادرة دائماً على العمل معاً بسلاسة تامة. فالعلاقة بين البلدين في إطار قيادة الدفاع الجوي لأمريكا الشمالية ” NORAD” لم تكن مجرد علاقة تعاقدية، بل شراكة دفاعية متكاملة.

وإذا قررت أوتاوا هذا الصيف شراء الغواصات الألمانية من طراز”212CD “، فإن أسطولها الجديد سيُبنى وفق معايير أوروبية تابعة لحلف الناتو، وليس وفق المعايير التقليدية المعتمدة في أمريكا الشمالية. وهذا يعني أن الولايات المتحدة ستضطر إلى بذل جهد أكبر لضمان توافق هذه المنظومات مع عملياتها العسكرية، خصوصاً في منطقة القطب الشمالي. فـ” NORAD” تأسست على أساس أن كندا والولايات المتحدة تستخدمان العقيدة التشغيلية والمعايير العسكرية نفسها.

ومع ذلك، لا يعني هذا أن العلاقة بين البلدين تتجه نحو قطيعة حقيقية. فما تزال كندا عضواً أساسياً في ” NORAD” وحلف الناتو، ومن المرجح أن تظل الشركات الأمريكية المستفيد الأكبر من عقود التسليح الكندية خلال السنوات المقبلة. كما أن الشركات الأوروبية لا تملك القدرة على استبدال حجم التكامل العسكري والصناعي والتقني القائم بين أوتاوا وواشنطن في فترة قصيرة. بل إنه حتى وفق رؤية كارني، التي تهدف إلى رفع حصة الشركات الكندية من عقود الدفاع إلى 70%، بدلاً من الوضع الحالي الذي يذهب فيه نحو ثلاثة أرباع الإنفاق الدفاعي الكندي إلى الولايات المتحدة، فإن واشنطن ستبقى الشريك الدفاعي الأهم لكندا بفارق كبير عن أي شريك آخر.

ولهذا يرى محللون أن ما تقوم به كندا لا يمثل ابتعاداً جذرياً عن الولايات المتحدة، بل محاولة محسوبة لتنويع شراكاتها الدفاعية وتقليل اعتمادها على طرف واحد، مع الحفاظ في الوقت نفسه على العلاقة الأمنية والعسكرية الوثيقة التي تربطها بواشنطن.

ومع ذلك، فإن سياسة التنويع التي تنتهجها كندا تشكل إنذاراً للمؤسسة الدفاعية الأمريكية. فما قامت به أوتاوا لا يمثل انسحاباً من الشراكة مع الولايات المتحدة، بل إنشاء مسار موازٍ لها؛ أي فتح باب ثانٍ لم يكن متاحاً قبل نحو ثمانية عشر شهراً، مع الحرص على إبقائه مفتوحاً كخيار استراتيجي للمستقبل.

ويجعل المشروع الأوسع الذي يتبناه كارني هذا التوجه واضحاً. فهو يشمل إطاراً للتعاون في مجال الطاقة مع الصين، والتزاماً قطرياً بضخ استثمارات استراتيجية كبيرة في كندا، واتفاقاً للمعادن الحيوية مع الاتحاد الأوروبي وأستراليا، فضلاً عن مفاوضات التجارة الحرة مع الهند ودول رابطة جنوب شرق آسيا “آسيان”. ويُعد اتفاق ” SAFE” التعبير الدفاعي والصناعي عن هذه الرؤية الاستراتيجية الأوسع.

وتسعى الدول متوسطة القوة، بشكل متزايد، إلى بناء علاقات أكثر توازناً مع القوى الكبرى. فحين لا يعود بالإمكان الاعتماد على دولة راعية واحدة باعتبارها شريكاً يمكن التنبؤ بسلوكها دائماً، يصبح من المنطقي تقليص مستوى الاعتماد عليها تدريجياً في مجالات الأمن والتجارة والطاقة، وتوزيع المصالح على شبكة أوسع من الشركاء.

لذلك، فإن السؤال الاستراتيجي الحقيقي بالنسبة لواشنطن ليس ما إذا كانت قد خسرت كندا؛ فهي لم تخسرها. بل ما إذا كانت كندا وضعت نموذجاً قد تسعى دول أخرى مثل أستراليا واليابان وكوريا الجنوبية ودول الخليج إلى تقليده. فهذا النموذج يوضح كيف يمكن لدولة ما أن تبقى جزءاً من التحالف الغربي، وفي الوقت نفسه تبني خيارات بديلة تضمن لها حماية مصالحها إذا فقدت يوماً الدعم أو الرضا الأمريكي. وفي النهاية، غالباً ما يكون أول من يفتح الباب هو من يمهد الطريق للآخرين للسير في الاتجاه نفسه.

السؤال الاستراتيجي الحقيقي بالنسبة لواشنطن ليس ما إذا كانت قد خسرت كندا فهي لم تخسرها بل ما إذا كانت كندا وضعت نموذجاً قد تسعى دول أخرى إلى تقليده

James O’Shea- Eagle Intelligence Reports
جيمس أوشيا

جيمس أوشيا، صحفي ومؤلف أمريكي حائز على عدة جوائز، وشغل سابقاً منصب رئيس التحرير لصحيفة لوس أنجلوس تايمز، ومدير التحرير لصحيفة شيكاغو تريبيون، كما شغل منصب رئيس مجلس إدارة شبكات البث في الشرق الأوسط (MBN). وهو مؤلف لثلاثة كتب، من بينها "الصفقة من الجحيم". يحمل درجة الماجستير في الصحافة من جامعة ميسوري.

اشترك مجاناً في تقارير إيغل إنتيلجنس

رؤى وتقارير حصرية

تمتّع بإمكانية الوصول إلى تحليلات متعمّقة، ومعلومات استخباراتية حصرية، وتقارير خبراء مُصمّمة خصيصاً لتبقى على اطلاع دائم، وفي صدارة المتابعين لأهم التطورات العالمية.

بالاشتراك، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا.

موضوعات أخرى
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير ضيف مشارك
تقرير
تقرير

اشترك مجاناً في تقارير إيغل إنتيلجنس

رؤى وتقارير حصرية

تمتّع بإمكانية الوصول إلى تحليلات متعمّقة، ومعلومات استخباراتية حصرية، وتقارير خبراء مُصمّمة خصيصاً لتبقى على اطلاع دائم، وفي صدارة المتابعين لأهم التطورات العالمية.

بالاشتراك، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا.