رهان بريطانيا: الحفاظ على النفوذ وتقليل الانكشاف

تقرير
ﺷﺎرك

تزامنت زيارة الملك تشارلز والملكة كاميلا الرسمية إلى واشنطن، التي استمرت أربعة أيام أواخر أبريل الماضي، مع الذكرى الـ250 لاستقلال الولايات المتحدة. إلا أن الهدف السياسي للزيارة كان أقل وضوحاً من برنامجها الاحتفالي. فقد وجّه ترامب انتقادات علنية لرئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر بسبب رفضه الالتزام بإرسال قوات بريطانية للمشاركة في المجهود الحربي الأمريكي-الإسرائيلي ضد إيران. كما هدّدت واشنطن بفرض رسوم جمركية جديدة على بريطانيا في الأيام التي سبقت الزيارة مباشرة. وفي هذا السياق، وظّفت بريطانيا المؤسسة الملكية كأداة استراتيجية ووسيلة دبلوماسية لإدارة أجواء علاقة بات جوهرها محل خلاف عميق.

وعليه، فإن “العلاقة الخاصة” بين البلدين لا تنهار، لكنها تخضع لإعادة تفاوض وفق شروط لم تخترها بريطانيا ولا تستطيع مقاومتها بالكامل. وتتمثل مهمة لندن في الحفاظ على أهميتها بالنسبة لواشنطن دون أن تصبح معتمدة عليها بصورة كاملة، في وقت تشهد فيه موثوقية الولايات المتحدة تراجعاً هيكلياً. ويتطلب ذلك نهجاً أكثر تعقيداً من سياسة التبعية المخلصة التي ميّزت السياسة الخارجية البريطانية خلال حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية؛ أي تبني مقاربة متعددة التحالفات تحافظ على العلاقة عبر الأطلسي من خلال تعاون انتقائي، بالتوازي مع بناء ركائز بديلة في أوروبا وفي الفضاء الأوسع للصناعات الدفاعية والعسكرية.

العلاقة الخاصة بين لندن وواشنطن لا تنهار لكنها تخضع لإعادة تفاوض وفق شروط لم تخترها بريطانيا ولا تستطيع مقاومتها بالكامل

المراسم وحدودها

بالنظر إلى الزيارة فقد حققت الغاية المرجوة من مثل هذه المناسبات. إذ رفعت مستوى العلاقة الثنائية فوق توتراتها المباشرة، وخلقت مساحة للتواصل في لحظة أصبح فيها الحوار السياسي المباشر بين ستارمر وترامب متوتراً. وقدّمت المؤسسة الملكية وسيطاً لا يخضع لضغوط السياسة الحزبية في وستمنستر ولا لحساسيات الخلافات السياسية في واشنطن.

وكانت حدة التوتر الشخصي بين الحكومتين ملحوظة. إذ سخر ترامب من حاملات الطائرات البريطانية واصفاً إياها بـ”الألعاب”، وأكد أن علاقته بستارمر لن تتحسن إلا إذا تراجع عن سياسات الهجرة. كما طالب لندن بخفض الرسوم الجمركية على السلع الأمريكية قبل إحراز أي تقدم في اتفاق تجاري. وقد أسهم حضور الملك في إعادة تأطير اللقاء مؤقتاً ضمن سياق من الألفة التاريخية، بدلاً من منطق الخلافات التبادلية.

لكن الزيارة لم تحسم أيّاً من الخلافات الجوهرية. فالتباينات بشأن التعاون العسكري في الشرق الأوسط، والرسوم الجمركية، والسياسات الرقمية، وإدارة التحالف على نحو أوسع، بقيت جميعها مفتوحة بعد انتهاء المراسم. فالقوة الرمزية قادرة على الحفاظ على أجواء العلاقة، لكنها عاجزة عن معالجة الحقائق الاستراتيجية التي تضغط عليها.

ترامب لدى استقباله ملك بريطانيا تشارلز الثالث في البيت الأبيض(أ ف ب)
ترامب لدى استقباله ملك بريطانيا تشارلز الثالث في البيت الأبيض(أ ف ب)

إعادة التمركز الهيكلي لواشنطن

إن فهم إعادة تموضع بريطانيا يتطلب فهم التحول في السياسة الخارجية الأمريكية الذي جعل هذا التمركز ضرورياً. فقد أوضح وزير الحرب بيت هيغسِث هذا الاتجاه خلال منتدى ريغان للدفاع الوطني في ديسمبر 2025، حيث رأى أن عقوداً من السياسة الأمريكية حوّلت الحلفاء إلى دول معتمدة، ما دفع واشنطن إلى دعم دفاعاتهم على حساب دافعي الضرائب الأمريكيين. وبناءً على ذلك، ستُربط الالتزامات الأمنية مستقبلاً بمدى تقاسم الحلفاء للأعباء بشكل ملموس.

وقد كرّست استراتيجية الدفاع الوطني لعام 2026 هذا التوجه، إذ دعت حلفاء الناتو، الذين يُنظر إليهم على أنهم أكثر قوة من روسيا إلى تحمل المسؤولية الأساسية عن الدفاع التقليدي لأوروبا، بما يتيح للولايات المتحدة إعادة توجيه قدراتها نحو مسارح عمليات أخرى. وتشير تقديرات الاستخبارات الأمريكية إلى أن الرئيس الصيني شي جين بينغ أصدر أوامر لجيش التحرير الشعبي بتطوير القدرة على غزو تايوان بحلول عام 2027. كما تؤكد إدارة ترامب مراراً أنها تعمل على الحفاظ على التفوق العسكري تجاه الصين، وهو ما يعكس إعادة تموضع واضحة في أولويات واشنطن الاستراتيجية.

أما بالنسبة لبريطانيا، فإن التداعيات مباشرة. فقد بُنيت “العلاقة الخاصة” على افتراض وجود تقارب في الأولويات الاستراتيجية بين الجانبين. لكن عندما تتباين الأولويات وتتركز أولويات واشنطن على منطقة المحيط الهادئ، بينما تظل لندن منشغلة بأمن أوروبا وملف أوكرانيا، تصبح العلاقة مشروطة لا بديهية. وبذلك تجد بريطانيا نفسها مضطرة إلى تبرير موقعها داخل البنية الاستراتيجية الأمريكية بصورة نشطة، بدلاً من اعتباره أمراً مفروغاً منه.

بُنيت “العلاقة الخاصة” على افتراض وجود تقارب في الأولويات لكن عندما تركز واشنطن على منطقة المحيط الهادئ بينما لندن منشغلة بأمن أوروبا وملف أوكرانيا تصبح العلاقة مشروطة لا بديهية

وقد زاد الصراع مع إيران من تعقيد هذا التحول دون أن يعكس مساره. فقد أُعيدت بعض الأصول العسكرية الأمريكية إلى الشرق الأوسط، غير أن المنطق الأساسي لاستراتيجية الدفاع الوطني المتمثل في نقل الأعباء، وترجيح أولوية الصين، والانتقاء في الانخراط لا يزال قائماً، وفي هذا السياق، يُتوقع من أوروبا، بما فيها بريطانيا، أن تتحمل قدراً أكبر بكثير من مسؤولياتها الأمنية الذاتية.

سابقة إيران وغموضها

كشف الصراع مع إيران بوضوح معضلة لندن. فلم تشارك بريطانيا مباشرة في الهجوم الأمريكي-الإسرائيلي الذي نُفّذ في فبراير. وقد صرّح ستارمر بأن المملكة المتحدة لن تدخل حرباً من دون أساس قانوني، وأنها لم تشارك في الضربات الأولى. لكن الحد الفاصل بين عدم المشاركة والدعم اللوجستي الفعّال أثبت صعوبة الحفاظ عليه.

ففي 1 مارس، ومع تصاعد ردود الفعل الداخلية، أجاز رئيس الوزراء للولايات المتحدة استخدام القواعد العسكرية البريطانية لغرض “دفاعي محدد ومحدود” يتمثل في اعتراض الصواريخ الإيرانية وتدميرها في مصدرها. وخلال ثلاثة أسابيع فقط، توسع هذا التفويض. وبحلول 20 مارس، وسّعت الحكومة نطاقه ليشمل عمليات تستهدف مواقع صواريخ إيرانية كانت تهاجم السفن في مضيق هرمز. وبذلك انتقل التفويض من اعتراض المقذوفات إلى استهداف البنية التحتية التي تُنتجها.

وقد كشفت هذه الحادثة عن آلية من المرجح أن تقيد القرار البريطاني حتى بعد انحسار الصراع المباشر. إذ إن مجرد الارتباط، حتى بشكل غير مباشر أو خطابي، بعملية عسكرية أمريكية قد يكون كافياً لتجاوز عتبة معينة في حسابات الخصوم. كما أن التمييز القانوني بين “الدفاعي” و”الهجومي” الذي اعتمدت عليه لندن لا يحمل الوزن نفسه في الحسابات الإيرانية للأهداف. وبالتالي فإن التكاليف التي ترتبت لم تكن مرتبطة بالدور العسكري الفعلي لبريطانيا بقدر ما ارتبطت بمدى انخراطها وتقديمها للدعم اللوجستي.

فالكلفة المادية كانت فورية. فقد استهدفت إيران قواعد بريطانية في قبرص والبحرين وقطر رداً على ذلك. كما تعرّضت قاعدة سلاح الجو الملكي في أكروتيري لهجوم بطائرة مسيّرة إيرانية في مارس 2026. وقد أدى سعي بريطانيا إلى تموضع وسطي يقوم على دعم واشنطن دون تأييد حربها خطابياً إلى تحول منشآتها العسكرية إلى أهداف بغضّ النظر عن مستوى مشاركتها الفعلية.

أما وصف “الدفاعي” فلم يكن حاجزاً واقياً، بل كان عتبة متحركة. فقد لبّت لندن المتطلبات العملياتية لواشنطن، مع الحفاظ في الوقت نفسه على مسافة قانونية معلنة من الخيارات الأمريكية. وكانت النتيجة انخراطاً تدريجياً لم يحقق رضى واشنطن بالكامل، ولم ينجح في تحصين بريطانيا من تبعات التحركات الأمريكية.

لم يحقق انخراط بريطانيا التدريجي في حرب إيران رضى واشنطن بالكامل ولم ينجح في تحصين لندن من تبعات التحركات الأمريكية

التجارة كأداة نفوذ وعبء

يتّخذ البعد الاقتصادي للعلاقة النمط نفسه من تقديم تنازلات انتقائية تحت الضغط الأمريكي. فقد شكّل “اتفاق الازدهار الاقتصادي” الذي أُعلن في مايو 2025 أول ترتيبات ثنائية منذ فرض ترامب رسوماً جمركية شاملة على الشركاء التجاريين للولايات المتحدة. وقد قدّم الاتفاق تخفيفاً محدوداً، إذ ألغى الرسوم الأمريكية على الصلب والألمنيوم البريطانيين وخفّض الرسوم على صادرات السيارات. إلا أن الرسوم الأساسية البالغة 10% على بقية الصادرات البريطانية بقيت قائمة.

وقدّر البيت الأبيض أن الاتفاق سيفتح فرص تصدير بقيمة 5 مليارات دولار أمام الشركات الأمريكية، في حين سيولّد 6 مليارات دولار من الرسوم على الواردات البريطانية. وبذلك، ورغم المكاسب في قطاعي الصلب والسيارات، استمر العبء الجمركي الأوسع في الضغط على باقي الصادرات البريطانية، ما جعل المكاسب محدودة. وقد نجح ستارمر في تحقيق بعض أهدافه، لكن بريطانيا انتهت في المحصلة إلى موقع الدافع الصافي.

أما السياسة الرقمية فقد تحولت إلى نقطة الاحتكاك الأشد لاحقاً. إذ يفرض “رسم الخدمات الرقمية” في بريطانيا بنسبة 2% على إيرادات محركات البحث الكبرى ومنصات التواصل الاجتماعي والأسواق الإلكترونية العاملة في السوق البريطانية، وقد حقق إيرادات بلغت 1.26 مليار دولار في السنة المالية 2025-2026. وقد هدد ترامب بفرض رسوم جديدة رداً على هذه الضريبة في أواخر أبريل 2026، معتبراً أنها تستهدف الشركات الأمريكية. في المقابل، تمسّك مكتب ستارمر بموقفه مؤكداً أن الرسوم عادلة ومتوازنة. وكان اتفاق مايو 2025 قد أحال الملف إلى مزيد من التفاوض، إلا أن هذا الملف لا يزال دون حسم.

تكمن المشكلة الأساسية في طبيعتها البنيوية. فواشنطن تستخدم النفاذ إلى الأسواق كأداة ضغط قسري، وليس مجرد أداة تجارية. وتُعدّ التهديدات الجمركية الآلية التي تضمن من خلالها الولايات المتحدة اصطفاف الحلفاء حول خيارات تنظيمية ومالية واستراتيجية لا يمكن تحقيقها عبر التفاوض المباشر وحده. وبالتالي، فإن التراجع عن ضريبة الخدمات الرقمية تحت الضغط الأمريكي من شأنه أن يرسّخ سابقة تتجاوز بكثير سياسة التكنولوجيا وحدها. في المقابل، فإن الإبقاء عليها يعني استمرار تهديد الرسوم الجمركية بصورة دائمة. وفي كلتا الحالتين، لا تجد بريطانيا نفسها في موقع آمن.

تُعدّ التهديدات الجمركية الآلية التي تضمن من خلالها واشنطن اصطفاف الحلفاء حول خيارات تنظيمية ومالية واستراتيجية لا يمكن تحقيقها عبر التفاوض المباشر وحدة

ويمتد هذا الهيكل القسري إلى ما هو أبعد من التجارة. إذ تستطيع واشنطن توظيف حالات الاعتماد غير المتكافئ عبر عدة مجالات كتبادل المعلومات الاستخباراتية ضمن تحالف “العيون الخمس”، والوصول إلى التكنولوجيا الدفاعية في إطار ضوابط التصدير الأمريكية، ونقل تكنولوجيا الدفع النووي التي تشكّل جوهر اتفاق “أوكوس”. وكل هذه الأدوات تقيد عملية صنع القرار البريطاني بتكلفة سياسية محدودة جداً على واشنطن.

ويضيف تفوق الدولار بعداً إضافياً لهذا النفوذ، إذ تسمح بنية العقوبات الأمريكية وأنظمة تسوية المدفوعات بالدولار بامتداد الضغط المالي الأمريكي إلى الشركات والمؤسسات البريطانية في مختلف أنحاء النظام المالي العالمي. والنتيجة هي إعادة تشكيل ما هو ممكن تجارياً وسياسياً داخل المملكة المتحدة، في كثير من الأحيان من دون أي طلب دبلوماسي صريح. وبعبارة أخرى، تستطيع واشنطن فرض الاصطفاف بشكل بنيوي، دون الاحتكاك الذي تخلقه أدوات الإكراه المباشر.

وهذا ما دفع لندن للرد جزئياً عبر توسيع علاقاتها التجارية خارج السوق الأمريكية. فقد انضمت بريطانيا رسمياً إلى اتفاقية الشراكة الشاملة والتقدمية عبر المحيط الهادئ ” CPTPP” في 2023، حيث توفر هذه المجموعة إطاراً لتعميق العلاقات التجارية مع دول تشمل اليابان وأستراليا وكندا وفيتنام، واستمرت المفاوضات مع الهند إحدى أسرع أسواق الاستهلاك نمواً في العالم بينما أحرزت محادثات التجارة مع دول الخليج تقدماً أيضاً. ولا يلغي هذا التنويع أهمية السوق الأمريكية، التي لا تزال أكبر شريك تجاري ثنائي لبريطانيا. إلا أنه يقلل من درجة قدرة واشنطن على ممارسة الضغط على بريطانيا عبر أداة جمركية واحدة أو من خلال تهديدات النفاذ إلى سوق بعينه.

أوروبا كضمانة استراتيجية

يتمثل التحول الأكثر أهمية في السياسة الخارجية البريطانية الجارية في تعميق العلاقة بشكل مدروس مع الشركاء الأوروبيين. ويعود هذا التوجه إلى حسابات استراتيجية بحتة، وليس إلى إعادة مصالحة ما بعد “بريكست”. فقد جعلت حالة عدم القدرة على التنبؤ في السياسة الأمريكية من التموضع الأوروبي شكلاً من أشكال “إعادة التأمين” الاستراتيجي، وليس خياراً أيديولوجياً.

وشكّلت قمة مايو 2025 بين المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي أول لقاء مشترك منذ خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، حيث أسفرت عن بيان مشترك بشأن الشراكة الاستراتيجية، وتفاهم حول التعاون السياساتي المستقبلي، إضافة إلى شراكة في مجالي الأمن والدفاع أرست إطاراً سياسياً للتعاون الدفاعي بين الجانبين. وكان الهدف، واضحاً وهوإعادة انخراط بريطانيا في البنية الأوروبية الخاصة بالأمن، بعد أن أبقت عليها على مسافة منذ مرحلة الانتقال عقب “بريكست”. كما تم إقرار عقد قمم سنوية وحوارات تقنية منظمة بالتوازي مع هذه الوثائق.

ولم تبلغ هذه الشراكة بعد مستوى إمكاناتها المعلنة. فقد انهارت المفاوضات بشأن مشاركة بريطانيا في برنامج تمويل “إجراءات الأمن لأوروبا” (SAFE)  التابع للاتحاد الأوروبي في نوفمبر 2025، ما أدى فعلياً إلى تعطيل آلية رئيسية كان يمكن من خلالها لصناعة الدفاع البريطانية الوصول إلى شبكات المشتريات الأوروبية. ويحدّ خروج بريطانيا من السوق الموحدة والاتحاد الجمركي من مدى ما يمكن أن يبلغه التعاون بين لندن وبروكسل. كما تختلف مقاربات الجانبين حول طبيعة القيمة التي تقوم عليها العلاقة؛ إذ تركز لندن على النفوذ الاستراتيجي، بينما يركز الاتحاد الأوروبي على التقارب التنظيمي.

ولا يقوم هذا الانخراط على منطق الاصطفاف بقدر ما يقوم على منطق “تعدد الخيارات”. فبإعادة تموضعها مسبقاً داخل الأطر الأمنية الأوروبية، تضمن بريطانيا أنه في حال تراجع الدعم الأمريكي مستقبلاً، لن تجد نفسها من دون شركاء وهياكل قائمة يمكن الاعتماد عليها. وبذلك، فإن الركيزة الأوروبية لا تحل محل العلاقة الأمريكية، بل تؤدي وظيفة التأمين ضد كلفة تدهورها.

بإعادة تموضعها داخل الأطر الأمنية الأوروبية تضمن بريطانيا أنه في حال تراجع الدعم الأمريكي مستقبلاً لن تجد نفسها من دون شركاء وهياكل قائمة يمكن الاعتماد عليها

أوكرانيا والبعد الصناعي الدفاعي

يمثل انخراط بريطانيا في أوكرانيا أبرز تعبير عن ممارستها لتحقيق قدر من الاستقلال الاستراتيجي الفعلي. فقد تأسس “تحالف الراغبين” في مارس 2025 في لندن، بقيادة مشتركة لكل من ستارمر والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، إلى جانب الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي والمستشار الألماني فريدريش ميرتس. ويضم التحالف 35 دولة مشاركة ومنظمتين دوليتين، وقد وضعت بريطانيا نفسها في قلبه، لتشغل مساحة لم تملأها واشنطن إلا جزئياً.

وقد حدّد “إعلان التعاون الأمني والصناعي الدفاعي المعزز” الموقع في لندن مع أوكرانيا في مارس 2026 إطاراً للتصنيع المشترك لقدرات الضربات بعيدة المدى. وهو امتداد وتعميق لـ “اتفاقية الشراكة المئوية” المبرمة في يناير 2025، مع التزامات تشمل الدفاع الجوي، والمدفعية، والتقنيات العسكرية المتقدمة. كما تتولى بريطانيا قيادة “مجموعة الاتصال الدفاعية الخاصة بأوكرانيا”، محافظةً على استمرارية التنسيق في لحظة أصبح فيها الانخراط الأمريكي في دعم أوكرانيا متعدد الأطراف أقل انتظاماً.

ويخدم هذا الانخراط أهدافاً تراكمية. فهو يضع بريطانيا في موقع فاعل أمني من الدرجة الأولى يمتلك قدرة مستقلة على توليد القوة. كما يعزز القاعدة الصناعية الدفاعية البريطانية في وقت التزمت فيه لندن برفع الإنفاق الدفاعي نحو 2.5% من الناتج المحلي الإجمالي. ويبعث أيضاً برسالة إلى واشنطن مفادها أن بريطانيا قادرة على تحمّل وزن استراتيجي من دون توجيه أمريكي مباشر، وهي حقيقة تعيد تشكيل شروط التحالف بدلاً من إضعافها.

ومن خلال قيادة ترتيبات أمنية تضم دولاً أوروبية لكنها لا تتطلب مشاركة واشنطن، تُعزز بريطانيا مكانتها ونفوذها في ساحة تستطيع فيها التحرك بقدر أكبر من الاستقلال النسبي. وقد سعت بالفعل إلى إشراك الولايات المتحدة سياسياً، وجرى تحقيق ذلك جزئياً، إذ شارك ممثلون أمريكيون في بعض اجتماعات “تحالف الراغبين”. ومع ذلك، يمثل هذا التحالف نوعاً من الخيارات في المجال الأمني، عبر تراكم علاقات والتزامات تقلل من الاعتماد على طرف واحد من دون أن تقطع معه العلاقة.

زيلينسكي وماكرون وستارمر خلال توقيع إعلان نشر قوات في أوكرانيا (أ ف ب)
زيلينسكي وماكرون وستارمر خلال توقيع إعلان نشر قوات في أوكرانيا (أ ف ب)

منطق التحالفات المتعددة

يتسم النمط عبر هذه المجالات بقدر من التماسك أكبر مما قد يبدو للوهلة الأولى. فبريطانيا لا تنحرف بعيداً عن الولايات المتحدة، ولا تبني بديلاً تحالفياً يهدف إلى استبدال العلاقة عبر الأطلسي. بل إنها تقوم بتجميع شبكة أكثر كثافة من الالتزامات والمواقع والعلاقات التجارية، تمنح لندن قدراً أكبر من المرونة، والأهم من ذلك، قدراً أكبر من النفوذ التفاوضي.

بريطانيا لا تنحرف بعيداً عن أمريكا ولا تبني بديلاً تحالفياً عبر الأطلسي بل تقوم بتجميع شبكة أكثر كثافة تمنح لندن قدراً أكبر من المرونة والنفوذ التفاوضي

ومع ذلك، فإن الضربات الإيرانية الانتقامية ضد قواعد بريطانية على خلفية دعمها اللوجستي للعملية الأمريكية تكشف بوضوح الكلفة المرتبطة بهذا التموضع. كما أن ضريبة الخدمات الرقمية لا تزال نقطة اشتعال قائمة، في حين لم تُرفع الرسوم الجمركية الأساسية البالغة 10% على الصادرات البريطانية. وتتحول اللامساواة الاقتصادية إلى هشاشة سياسية عندما تستطيع واشنطن تهديد قطاعات كاملة من التجارة البريطانية من دون أن تتحمل مخاطر مماثلة.

ويهدف نهج تعدد التحالفات إلى تعديل هذه المعادلة تدريجياً. إذ يسهم تعميق العلاقات الأمنية مع أوروبا، والشراكة الصناعية الدفاعية مع أوكرانيا، وتوسيع تنويع التجارة عبر اتفاقية ” CPTPP”  واتفاقيات ثنائية أخرى، في تقليص هذا الهامش من الهشاشة. كما تضمن هذه المقاربة ألا يتحول أي بعد منفرد من العلاقة مع الولايات المتحدة إلى نقطة ضغط أحادية الاتجاه من دون أن يترتب على ذلك كلفة سياسية مقابلة على واشنطن.

غير أن هذا التموضع يتطلب ضبطاً مستمراً ودقيقاً. فالتنازل المفرط لواشنطن ينطوي على خطر التبعية، في حين أن الحدّ منه بشكل كبير قد يؤدي إلى فقدان الوصول الاستخباراتي، وشراكة “أوكوس”، وقابلية التشغيل البيني العسكري التي لا تزال العلاقة الخاصة توفرها بشكل فريد. فالتسريع في الاندماج الأوروبي قد يثير اتهامات أمريكية بالانحراف الاستراتيجي، بينما يعني التباطؤ البقاء دون بدائل عند الحاجة إليها.

وما أكدته زيارة الملك تشارلز هو أن العلاقة لا تزال تمتلك أصولاً حقيقية لا يمكن لأي شراكة بديلة أن تحاكيها في المدى القريب. فقد منح العمق التاريخي، والتقارب الاستخباراتي، والألفة الثقافية بريطانيا شكلاً من النفوذ على أجواء واشنطن لا يمكن أن يوفره التفاعل السياسي المباشر بين ستارمر وترامب. وقد أدت المؤسسة الملكية دورها الاستراتيجي في هذا السياق، غير أن الزيارة أكدت أيضاً أن هذا النوع من رأس المال، مهما أُحسن توظيفه، لا يمكن أن يحل محل وزن العلاقات المتراكمة والقدرة المستقلة.

إن موقع بريطانيا على المدى الطويل يعتمد على قدرتها على إثبات أنها فاعل استراتيجي نشط وقادر في مسارح متعددة، لا مجرد قوة متوسطة تعتمد على قرارات أمريكية. وهذا التحول جارٍ بالفعل، بينما تظل وجهته النهائية مفتوحة.

توماس فالك - ايجل
توماس فالك

توماس فالك، صحفي ومحلل مقيم في لندن، يركّز على العلاقات عبر الأطلسي، والشؤون الأمريكية، والأمن الأوروبي. وبخبرته الطويلة في التقارير السياسية والتحليل الاستراتيجي، يعتمد على أبحاث معمّقة، ورؤى تاريخية، وتطورات ميدانية لاستكشاف القوى التي تُشكّل المشهد الجيوسياسي الحالي.

اشترك مجاناً في تقارير إيغل إنتيلجنس

رؤى وتقارير حصرية

تمتّع بإمكانية الوصول إلى تحليلات متعمّقة، ومعلومات استخباراتية حصرية، وتقارير خبراء مُصمّمة خصيصاً لتبقى على اطلاع دائم، وفي صدارة المتابعين لأهم التطورات العالمية.

بالاشتراك، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا.

موضوعات أخرى
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير

اشترك مجاناً في تقارير إيغل إنتيلجنس

رؤى وتقارير حصرية

تمتّع بإمكانية الوصول إلى تحليلات متعمّقة، ومعلومات استخباراتية حصرية، وتقارير خبراء مُصمّمة خصيصاً لتبقى على اطلاع دائم، وفي صدارة المتابعين لأهم التطورات العالمية.

بالاشتراك، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا.