تحدي العمالة في أمريكا يختبر استراتيجية ترامب تجاه الصين

تقرير
الرئيس ترامب خلال شركة لتصنيع السفن (أ ف ب)
الرئيس ترامب خلال شركة لتصنيع السفن (أ ف ب)
ﺷﺎرك

أدت سنوات من الإهمال في إعداد الموازنات داخل الولايات المتحدة، من الحزبين الجمهوري والديمقراطي، إلى إفراغ قاعدة العمالة الماهرة من مضمونها، بشكل أوجد عجزاً كبيراً لا يمكن للمال وحده أن يسدّه، فاليوم الحاجة إلى اللحّامين في أمريكا يساوي قدر حاجتها إلى المحاربين لإعادة بناء ترسانة الديمقراطية، التي تآكلت بفعل عقود من سوء الإدارة الاستراتيجية، فإذا لم تتمكن واشنطن من سد هذه الفجوة، فإن قدرتها على ردع الصين وطموحاتها العالمية ستصبح مهددة بالخطر.

لا شك أن حجم هذا التحدي يثير شكوكاً حقيقية حول تعهدات الرئيس دونالد ترامب بإعادة بناء قطاع التصنيع الأمريكي، إذ لم يوضح بعد كيف سيعالج المشكلة الأساسية، المتمثلة في النقص الحاد في المهندسين والفنيين واللحّامين والكهربائيين وغيرهم من العمال المهرة اللازمين لإنجاز هذه المهمة.

أنفقت الولايات المتحدة على مدار عقود أعقبت الحرب العالمية الثانية، موارد ضخمة لبناء قاعدة صناعية دفاعية بالإضافة إلى تطوير قوى عاملة ماهرة، حيث تولّى أصحاب الحرف والخبرات المتخصصون، بناء السفن والدبابات والأدوات والأسلحة والصواريخ التي حافظت على مكانة أمريكا باعتبارها ركيزة الديمقراطية في العالم.

إلا أن موجة التسريح وإغلاق المصانع وتقليص حجم الأعمال قلبت مسار الأمور، ففي ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، أفرغت الشركات الأمريكية الكبرى مناطق بأكملها من قاعدتها الصناعية، حيث أغلقت المصانع وانتهت الأحلام، بعد أن سعت الشركات وراء الأجور المنخفضة في الخارج، وفقد العمال في الداخل وظائفهم وحرفهم، بالإضافة إلى منظومة التدريب التي كانت تؤهل غيرهم وتجهزهم للمستقبل.

تدهور قاعدة الصناعات الدفاعية  

في هذا السياق، تعكس الأرقام حجم الخسائر، حيث انخفض عدد الوظائف المرتبطة بقطاع الدفاع بمقدار2.1  مليون وظيفة بين عامي 1985 و2021، وذلك وفقاً للتقرير الاقتصادي لعام 2026 الصادر عن البيت الأبيض، حيث شكّل هذا الانخفاض نحو 40 %  من إجمالي الوظائف الصناعية التي فُقدت في الولايات المتحدة، إذ لم يتوقف هذا التراجع عند حدود الماضي؛ فأمريكا لا تزال تكافح تداعياته بعد أربعة عقود.

مؤخراً، أجرت شركة ديلويت الاستشارية ومعهد التصنيع، الذراع المعنية بالقوى العاملة في الرابطة الوطنية للمصنعين الأمريكيين، دراسة مشتركة لهذه المشكلة، حيث تُقدّر المؤسستان أن قطاع التصنيع الأمريكي قد يحتاج إلى شغل نحو 3.8 مليون وظيفة بين عامي 2024 و2033، وإذا استمرت فجوة المهارات، فقد تظل نحو نصف هذه الوظائف، أي تقريباً 1.7 مليون وظيفة، شاغرة.

لاحقاً، تعهد ترامب بمواجهة هذا العجز، واتخذ خطوات فعلية في هذا الاتجاه، حيث أضاف قانون الضرائب والإنفاق الضخم الذي أقرّه 156 مليار دولار إلى الإنفاق العسكري حتى السنة المالية 2029، فيما بلغ إجمالي الاعتمادات والطلبات الدفاعية نحو تريليون دولار للسنة المالية 2026، التي تنتهي هذا الشهر، كما طلب 1.5  تريليون دولار للسنة المالية 2027، وإن كان 350 مليار دولار من هذا المبلغ مشروطاً بإقرار مشروع تسوية مالية ثانٍ.

وهنا تقول الإدارة الامريكية: إن “هذه الأموال ستؤدي إلى خلق آلاف الوظائف في قطاع الصناعات الدفاعية، حيث يعتزم ترامب تمويل جزء من هذه الزيادة عبر خفض الإنفاق على برامج مدنية أخرى مخصّصة للوظائف”، إذ أن الموازنات ضخمة، لكن قوة العمل ليست كذلك، ولن يؤدي ضخ مزيد من الأموال إلى سد فجوات الإنتاج إذا كانت القوى العاملة الماهرة في البلاد قد فقدت قدرتها على مواكبة حجم المطلوب.

لن يؤدي ضخ مزيد من الأموال إلى سد فجوات الإنتاج إذا كانت القوى العاملة الماهرة في البلاد قد فقدت قدرتها على مواكبة حجم المطلوب

 الحزبان ساهما في التراجع

في هذا الإطار، أسهمت آلية إعداد الموازنة في الكونغرس وكذلك فعلت العولمة، وسياسات التوريد والمشتريات الحكومية، وتنامي الطابع المالي للشركات الأمريكية، فضلاً عن سياسات ترامب المتعلقة بالهجرة، في نشوء فجوة المهارات، إذ غالباً ما تتناول الصحافة هذه القضايا باعتبارها ملفات منفصلة، سواء من تعطل عمل الكونغرس أو بناء الجدار الحدودي أو الإنفاق المهدَر أو موجات التسريح الواسعة، لكن الصورة الأوسع لا تحظى بالاهتمام الكافي.

الحكومات الديمقراطية والجمهورية، كل منها على حدة ومن دون قصد، أسهمت في خلق مشكلات هيكلية طويلة الأمد في الاقتصاد الأمريكي، ولا سيما في قطاع الصناعات الدفاعية، ومع مرور الوقت، أدت القوى المتنافسة داخل الحكومة إلى إضعاف قدرتها على إظهار القوة في الخارج، لأن البلاد تفتقر إلى العمال ذوي المهارات المناسبة في الأماكن التي تحتاج إليهم فيها.

يقول كريس باور، مؤسس شركة هادريان المتخصصة في تكنولوجيا التصنيع الدفاعي، خلال منتدى الأمن العالمي في واشنطن: “لا يوجد عدد كافٍ من أصحاب الحرف والمهارات الفنية يمكن توظيفهم، ونحن بحاجة إلى الملايين منهم”، مضيفاً: “أعتقد أن الجميع متفقون على الهدف، لكن الأمر سيستغرق من عامين إلى أربعة أعوام حتى تترسخ هذه الجهود”.

في الوقت الراهن، من يريد تفسير لفجوة المهارات، فعليه أن يبدأ بـقانون موازنة الكونغرس ومراقبة الاعتمادات لعام 1974، الذي صمم لمنح المتعاقدين والعمال والجنود صورة واضحة عن أولويات الإنفاق الفيدرالي، لكنه لم يعمل على النحو المنشود، فمنذ دخوله حيز التنفيذ، أقرّ الكونغرس مشاريع قوانين الاعتمادات المالية السنوية الـ13 جميعها في موعدها أربع مرات فقط: “1977 و1989 و1995 و1997”.

أما في السنوات المالية الـ49 التي تلت ذلك، أقرّ الكونغرس 207  قرارات تمويل مؤقتة، أو ما يُعرف بتدابير الإنفاق المرحلية، حيث تُبقي هذه القرارات مستويات الإنفاق عند حدود العام السابق، بينما تتآكل قيمة الأموال المتبقية بهدوء تحت وطأة التضخم، وبحسب خدمة أبحاث الكونغرس، اضطرت جهة واحدة على الأقل من الحكومة إلى العمل بتمويل مؤقت طوال سنة مالية كاملة في 16 مناسبة منذ السنة المالية 1977، حيث جاءت أربع من هذه الحالات بعد عام 2000، في السنوات المالية 2007  و2011 و2013 و2025.

وعلى النقيض من ذلك، يشير قرار التمويل المؤقت إلى حالة من الجمود في التمويل، الذي يأتي مصحوباً بأفواج من جماعات الضغط ذات النفوذ المالي، حيث يسعى كل منها إلى انتزاع استثناءات لمصلحة عملائه، إلا أنه مع مرور السنوات، حوّل الكونغرس هذه الآلية إلى نظام مؤسسي قائم بذاته، إذ باتت الموازنة الفيدرالية تعمل بصورة شبه آلية، بدلاً من أن تعكس قرارات مدروسة بشأن أولويات الإنفاق.

حوّل الكونغرس آلية التمويل المؤقت إلى نهج مؤسسي راسخ حيث أصبحت الموازنة الفيدرالية تعمل بصورة شبه آلية بدلاً من أن تعكس قرارات مدروسة

شركات تغلق مصانعها  

في مواجهة التهديدات المستمرة للإيرادات، بدأت الشركات التي تعتمد بدرجة كبيرة على الإنفاق الحكومي تبحث عن بدائل، حيث وجدت ضالتها في العولمة، إذ أسهم تحرير التجارة، الذي ترسخ عبر اتفاقيات مثل اتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية “نافتا”، في هذا التحول، كما كان لانضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية في ديسمبر2001 دور مهم في ذلك، إذ جعلت الحاويات البحرية وشبكات الشحن الحديثة من الممكن تجميع المنتجات النهائية عبر قارات متعددة، لكن أكبر حافز للشركات التي توظف عمالاً نقابيين ذوي أجور مرتفعة كان العثور على عمالة أرخص تكلفة في الخارج.

في مايو 2019، قدمت ورقة بحثية صادرة عن المكتب الوطني للبحوث الاقتصادية رقماً دقيقاً لهذه الظاهرة، حيث وجد الاقتصاديون كريستوف بوهم، وآرون فلاين، ونيتيا باندالاي-نايار، أن المصانع المملوكة لشركات متعددة الجنسيات مسؤولة عن 41% من انخفاض فرص العمل في قطاع التصنيع الأمريكي بين عامي 1993 و2011، بعد أن حولت مصادرها إلى الخارج، حيث جاءت أشد الخسائر في الوظائف من الشركات التي أغلقت مصانعها في أمريكا وسرحت عمالة ماهرة.

مهندسون يفحصون ذراعاً ميكانيكية في مجال الروبوتات (أ ف ب)
مهندسون يفحصون ذراعاً ميكانيكية في مجال الروبوتات (أ ف ب)

ضمن هذا الإطار، أدى توجه الشركات الأمريكية نحو القطاع المالي إلى تفاقم نقص المهارات، حيث ربطت الشركات التي تواجه تهديدات في الإيرادات رواتب المديرين التنفيذيين بنتائج نهاية العام من خلال المكافآت وخيارات الأسهم، إذ أصبحت القوى العاملة الماهرة ذات الأجور المرتفعة هدفاً رئيسياً، حيث بدأت العديد من الشركات الأمريكية في التضحية بجزء من مواردها للحفاظ على تقارير الأرباح التي حظيت بإشادة واسعة في وول ستريت.

ومع مرور الوقت، تفاقمت الأضرار وتراكمت آثارها، حيث أدركت كليات المجتمع أن الاستثمار في برامج تدريبية قد تختفي كل بضع سنوات ليس قراراً مستداماً، فتراجعت عن تمويل هذا النوع من التدريب، وعلى سبيل المثال، يتطلب تدريب اللحّامين تجهيزات مكلفة للتهوية، وأكشاكاً مخصصة للحام، ومواد تدريبية، بحسب الجمعية الأمريكية للحام، وهي جمعية مهنية متخصصة، لذلك أصبح هذا النوع من التدريب هدفاً رئيسياً لخفض التكاليف.

كما انحازت السياسة الوطنية بقوة إلى التعليم الجامعي الذي يمتد لأربع سنوات، على حساب التعليم المهني والتقني، في تلك الفترة، حيث أشار معهد هيشنغر في جامعة كولومبيا إلى أن هذا التوجه جعل برامج المدارس والمعاهد المهنية أكثر عرضة لخفض الميزانيات، وأبقاها عالقة في حالة من الركود.

 عقلية تتجاوز الكونغرس

شهد العقد الأخير تراجعاً جزئياً في بعض تلك الاتجاهات، حيث ارتفع الطلب على اللحّامين بصورة حادة، بالتوازي مع زيادة التمويل المخصص لبرامج التدريب، لكن ما إذا كانت المؤسسات التعليمية قادرة على استعادة الزخم الذي فقدته يظل سؤالاً مفتوحاً، حيث تتوقع الجمعية الأمريكية للحام أن تحتاج الولايات المتحدة إلى 320,500  متخصص جديد في مجال اللحام بحلول عام 2029، وما يزيد الوضع تعقيداً معدل التقاعد الحالي، الذي يفاقم النقص في هذه الكوادر.

اليوم، يؤدي نقص خريجي الهندسة وتخصصات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات إلى إضعاف قطاعات أساسية من القاعدة الصناعية التكنولوجية والدفاعية، إذ أنه غالباً ما يتجه الخريجون إلى المجالات التي توفر أعلى العوائد المالية، مثل البرمجيات والقطاع المالي، بدلاً من قطاع التصنيع، كما أن نسبة متزايدة منهم ليست من الأمريكيين أصلاً، ووفقاً لتقرير صادر عن المؤسسة الوطنية للعلوم (NSF) عام 2026، حصل حاملو التأشيرات المؤقتة على 61 % من درجات الدكتوراه الأمريكية في علوم الحاسوب والمعلومات، و54% من درجات الدكتوراه في الهندسة.

أما بالنسبة إلى معظم قطاعات الاقتصاد، يمثل نظام التأشيرات مشكلة يمكن حلها ببساطة، عبر توظيف الخريج ثم كفالة تأشيرته، لكن القواعد نفسها لا تنطبق على القاعدة الصناعية الدفاعية، إذ تقصر ضوابط تصدير التكنولوجيا عدداً من الوظائف الدفاعية الحساسة، مثل: مهندس الصواريخ أو مصمم الغواصات، على المواطنين الأمريكيين، حيث تحول هذه القواعد دون وصول التكنولوجيا الحساسة إلى أيدٍ غير آمنة، لكنها في الوقت نفسه تحرم القطاع الأكثر احتياجاً إلى الكفاءات من الاستفادة من العمالة الأجنبية.

تقصر ضوابط تصدير التكنولوجيا عدداً من الوظائف الدفاعية الحساسة على الأمريكيين وتحول دون وصول التكنولوجيا إلى أيدٍ غير آمنة لكنها تحرم القطاع الأكثر احتياجاً إلى الكفاءات من الاستفادة من العمالة الأجنبية

وتتجلى هذه التناقضات بوضوح في سياسة الرئيس ترامب بشأن الهجرة، حيث فرضت الإدارة رسماً قدره 100 ألف دولار على طلبات تأشيرات H-1B الجديدة، وهو إجراء أوقفت المحاكم الفيدرالية تطبيقه، كما ينتهي العمل به هذا الشهر ما لم يُجدَّد، ولكن من خلال تشديد قواعد تأشيرات الطلاب والعمل، ألغى ترامب صمام الأمان الذي كان يخفف من حدة النقص في العمالة في القطاعات المدنية، وهكذا، اتجه مهندسون أمريكيون كان يمكن أن يعملوا لدى جنرال دايناميكس إلى وظائف أخرى في وادي السيليكون.

شيخوخة القوى العاملة

اليوم، يواجه أصحاب الحرف والمهن الفنية الأرقام نفسها، فالكهربائيون، وغيرهم يتقدمون في السن ويغادرون سوق العمل، حيث يتوقع مكتب إحصاءات العمل الأمريكي أن ينمو عدد العاملين في مهنة الكهرباء بنسبة 9 %  بين عامي 2025 و2035، بما يضيف نحو 75,900  وظيفة، لكن أصحاب العمل سيحتاجون، خلال العقد نفسه، إلى شغل نحو 727  ألف وظيفة شاغرة بعد احتساب المتقاعدين وحركة الموظفين بين الوظائف.

وتشير تقديرات القطاع إلى أن ما بين 20 %  و30% من الكهربائيين يقتربون من سن التقاعد، ومن ثم، فإن الفجوة لا تنشأ أساساً من نمو الطلب، بل من تقدّم القوى العاملة في السن؛ وهذا يعني أن سوق العمل سيحتاج إلى توظيف نحو عشرة عمال مقابل كل عامل واحد تشير إليه أرقام النمو المتوقعة، إذ تعرف أحواض بناء السفن ما الذي يتطلبه إعادة بناء المهارات، فمنذ عام 1919، تعمل مدرسة التدريب المهني التابعة لشركة نيوبورت نيوز لبناء السفن على تأهيل العاملين في صناعة السفن، وتؤكد أن اكتساب هذه المهارات يستغرق سنوات، لا أشهراً، حيث تمتد برامج التدريب المهني في اللحام وغيرها من الحرف إلى أربع أو خمس سنوات، وتتطلب ألف ساعة من الدراسة داخل الفصول.

لكن على مدى جيلين، تعلّم العمال بالطريقة الصعبة أن الوظائف في قطاع الدفاع ليست مضمونة، مهما كانت أهمية المهمة التي يؤدونها، حيث تعاملت وول ستريت مع المصانع والعمال المهرة باعتبارها تكاليف ينبغي خفضها، بدلاً من اعتبارها قدرات إنتاجية ينبغي الحفاظ عليها، وفي الوقت نفسه، وفّرت العولمة عمالة أرخص في الخارج، بينما أضعفت السياسات المحلية مسار تأهيل الكفاءات وتدريبها في الداخل.

البحرية تعكس مشكلات أوسع

واجهت أمريكا مثل هذه التحديات من قبل، فعشية الحرب العالمية الثانية، كان الجيش الأمريكي أصغر من جيوش دول مثل رومانيا والبرتغال، وكانت القاعدة الصناعية الدفاعية قد خرجت لتوّها من عقد كامل من الكساد، ومع ذلك، تمكنت الولايات المتحدة خلال أربع سنوات فقط من إعادة بناء هذه القاعدة وخوض حرب عالمية والانتصار فيها، لكن اختلاف موازين الحجم يجعل التحدي الراهن أكثر صعوبة، ولا سيما في ظل صعود الصين.

تشمل التحديات الراهنة التي تواجه البحرية الأمريكية تحديث صناعة بناء السفن وإحياءها، إذ يُعدّ التفوق البحري عاملاً حاسماً في أي صراع مع الصين، التي تصرّ على أن تايوان، الشريك الأمريكي منذ عقود، جزء من أراضي البرّ الرئيسي، ومع ذلك، تبدو فرص الحفاظ على هذا التفوق ضعيفة.

من جانب أخر، خلص تحليل أجراه مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية  إلى أن الولايات المتحدة بنت خمس سفن تجارية كبيرة عابرة للمحيطات فقط في عام 2024، بينما سلّمت شركة الصين الحكومية لبناء السفن وحدها أكثر من 250 سفينة، إذ يقدّر مركز الأبحاث، ومقره واشنطن، حصة الولايات المتحدة من السوق العالمية بنحو 0.1 %، مقابل 53 %  للصين و42 %  لكوريا الجنوبية واليابان مجتمعتين، وما يدل على ذلك أن الشركة الصينية المملوكة للدولة نفسها بنت في عام 2024 حمولة تجارية تفوق ما بنته صناعة بناء السفن الأمريكية بأكملها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

شركة صينية واحدة مملوكة للدولة بنت في عام 2024 حمولةً تجارية تفوق ما بنته صناعة بناء السفن الأمريكية بأكملها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية

كما خلص مكتب المساءلة الحكومية الأمريكي إلى أن حجم أسطول البحرية لم يزد، رغم أن موازنة بناء السفن كانت تتضاعف خلال العقدين الماضيين، وكذلك تتزايد التأخيرات بوتيرة متسارعة؛ إذ لا يجري إنتاج غواصات فئة فرجينيا إلا بمعدل يساوي نصف الهدف الذي حددته البحرية، وهو غواصتان سنوياً، حيث تفاقمت التأخيرات في مدمّرات (DDG-51 III)  خلال عام واحد، لتتسع من نطاق يتراوح بين ثمانية و33 شهراً إلى نطاق يتراوح بين 22 و58 شهراً.

 العمالة ثم العمالة

خلف كلا الاتجاهين السلبيين تقف المشكلة نفسها: عجز سوق العمالة، إذ يقول السيناتور أنغوس كينغ، المستقل عن ولاية مين: “لو أردت أن أرتب أكبر ثلاث مشكلات تواجهنا الآن في تطوير قدرات أحواض بناء السفن، فستكون الأولى: العمالة، والثانية: العمالة، والثالثة: العمالة”، بالإضافة إلى ذلك يقول وزير البحرية آنذاك، جون فيلان، في يناير: إن “شركات بناء السفن ومورديها بحاجة إلى توظيف نحو 250  ألف عامل ماهر خلال العقد المقبل”، حيث تقدّر البحرية، بشكل منفصل، أن القاعدة الصناعية للغواصات وحدها تحتاج إلى أكثر من 140 ألف عامل خلال الفترة نفسها.

لاحقاً، لجأت إدارة ترامب إلى كوريا الجنوبية لسد هذه الفجوة، حيث يتمثل المحور الرئيسي لهذه الخطوة في حزمة بقيمة 350 مليار دولار مرتبطة باتفاق تجاري أُبرم عام 2025، وتتضمن 150 مليار دولار في صورة تمويل وضمانات لدعم التعاون في مجال بناء السفن، حيث تضخ ثلاث من أكبر الشركات الكورية الجنوبية رؤوس الأموال والخبرات في أحواض بناء السفن الأمريكية، من خلال 15 اتفاقية تعاون تشمل تصميم السفن الحربية، وتكنولوجيا أحواض البناء الذكية، وتدريب القوى العاملة، حيث تقوم الفكرة على الجمع بين خبرة كوريا الجنوبية في بناء السفن، التي لا تتفوق عليها سوى الصين، وبين القدرات الأمريكية.

ومع ذلك فإن استدامة هذا البرنامج تعتمد على علاقة متوترة أصلاً بين البلدين، حيث قلّص ترامب مؤخراً حجم مناورة عسكرية مشتركة، مستشهداً، من بين أسباب أخرى، برفض كوريا الجنوبية مساعدة الولايات المتحدة في الحرب مع إيران.

رهان البحرية على الذكاء الاصطناعي

تراهن البحرية مثل قطاعات كثيرة من الاقتصاد الأمريكي على الذكاء الاصطناعي لتجاوز المشكلة وتقليص الاختناقات، ففي ديسمبر 2025، أعلن فيلان عن استثمار قدره 448  مليون دولار في نظام تشغيل بناء السفن، وهو منصة من شركة بالانتير صُممت لتسريع عمليات التخطيط والهندسة، والكشف المبكر عن أسباب التأخير، إذ تقول البحرية: إن “البرنامج خفّض الوقت اللازم لإعداد جداول بناء الغواصات في شركة جنرال دايناميكس إلكتريك بوت من 160  ساعة من العمل اليدوي إلى أقل من عشر دقائق، كما نجح حوض بورتسموث لبناء السفن في تقليص مدة مراجعة المواد من أسابيع إلى أقل من ساعة”.

يمتد الدفع نحو الذكاء الاصطناعي إلى أرض المصنع نفسها، حيث وقّعت شركة هنتنغتون إنغلز، أكبر شركة لبناء السفن في الولايات المتحدة، اتفاقيات تصل قيمتها إلى 900 مليون دولار مع شركتي غراي ماتر روبوتيكس  وباث روبوتيكس لاستخدام تقنيات اللحام والطحن والفحص الذاتية، كما حصلت شركة جيكو روبوتيكس على عقد تصل قيمته إلى71  مليون دولار لاستخدام روبوتات قادرة على تسلّق الجدران تعمل بالذكاء الاصطناعي، إلى جانب نماذج رقمية، لاكتشاف المشكلات الهيكلية في السفن الحربية.

العلم الأمريكي في مقدمة غواصة أمريكية (أ ف ب)
العلم الأمريكي في مقدمة غواصة أمريكية (أ ف ب)

لكن المشكلات التي حذّر منها مكتب المساءلة الحكومية والسيناتور كينغ قد تمحو جانباً من هذه التحسينات، كما أن منافسين من كوريا الجنوبية، مثل هانوا أوشن واتش دي هيونداي، يمضون في الاتجاه نفسه نحو توظيف الروبوتات، حيث يساعد الذكاء الاصطناعي البحرية على مجاراة حجم الفجوة بدلاً من سدّها، إذ يقول مكتب المساءلة الحكومية: إن “هذه المبادرات تعالج أجزاءً متفرقة من مشكلة متراكمة داخل منظومة تفتقر إلى نهج متكامل ومدروس”.

إعادة بناء الترسانة  

في هذا السياق، يزيد الذكاء الاصطناعي من حدة الضغوط، إذ أن الروبوت لا يستطيع أن يتعلم لحام هيكل غواصة من الصفر، أي لا بد من خبير بشري يعلّمه، ويحدد له المعايير، ويقيّم جودة العمل، ويراقب تنفيذه، فالروبوت لا يحل محل اللحّام؛ بل يغيّر طبيعة عمله من الإمساك بمشعل اللحام إلى تدريب الآلة وتوجيهه، وعندما يتقلص عدد اللحّامين المهرة، تخسر البلاد أكثر من مجرد أيدٍ عاملة؛ فهي تفقد أيضاً الخبرة المتراكمة التي تحتاج إليها برامج اللحام الروبوتي لتدريبها والتحقق من دقتها وموثوقيتها.

الروبوت لا يستطيع أن يتعلم لحام هيكل غواصة من الصفر ولن يحل محل اللحّام بل يغيّر طبيعة عمله من الإمساك بمشعل اللحام إلى تدريب الآلة وتوجيهه

اليوم، يزيد نَهَم وادي السيليكون إلى مراكز البيانات من تفاقم المشكلة، فقطاع التكنولوجيا ينافس الحكومة على العمال المهرة أنفسهم، ووفق تحليل أجرته منصة انديد في يوليو 2026، تعرض وظائف تركيب مراكز البيانات وصيانتها أجوراً بالساعة تزيد بنسبة 42 %  على أجور الوظائف المماثلة في القطاعات الأخرى، حيث تعهدت ميتا وغوغل معاً بتخصيص 165  مليون دولار لتدريب الكهربائيين وعمال البناء، لكن هذه الأموال لا تستهدف إعادة بناء ترسانة الديمقراطية، بل تلبية احتياجات البنية التحتية للذكاء الاصطناعي الخاصة بهما.

في ظل ما سبق، فإن موازنات ترامب الدفاعية تحطم الأرقام القياسية للإنفاق في أوقات السلم، إلا أنها لن تكون كافية فالصين تبني السفن لأنها تستثمر في بناة السفن؛ أما أمريكا فلديها الاعتمادات المالية، والفارق بين البلدين لا يُقاس بالدولارات، بل بعدد اللحّامين والكهربائيين والمهندسين الذين توقفت أمريكا عن تدريبهم عندما أصبحت مصالح الشركات تنظر إلى هذه الوظائف باعتبارها تكاليف ينبغي خفضها.

في المحصلة، يمكن للكونغرس أن يجد المال بين ليلة وضحاها، لكن اللحّام المؤهل للعمل في المنشآت النووية يحتاج إلى سنوات من التدريب، وما يحدّ الآن من القوة العسكرية الأمريكية ليس حجم الموازنة، بل قدرة الدولة والقوى العاملة على تحويل هذه الأموال إلى سفن، حيث بقيت واشنطن تمارس هذه اللعبة طوال خمسة عقود، والآن حان وقت دفع الفاتورة، وقد تكون إعادة بناء الترسانة هي الجزء الأسهل.

James O’Shea- Eagle Intelligence Reports
جيمس أوشيا

جيمس أوشيا، صحفي ومؤلف أمريكي حائز على عدة جوائز، وشغل سابقاً منصب رئيس التحرير لصحيفة لوس أنجلوس تايمز، ومدير التحرير لصحيفة شيكاغو تريبيون، كما شغل منصب رئيس مجلس إدارة شبكات البث في الشرق الأوسط (MBN). وهو مؤلف لثلاثة كتب، من بينها "الصفقة من الجحيم". يحمل درجة الماجستير في الصحافة من جامعة ميسوري.

اشترك مجاناً في تقارير إيغل إنتيلجنس

رؤى وتقارير حصرية

تمتّع بإمكانية الوصول إلى تحليلات متعمّقة، ومعلومات استخباراتية حصرية، وتقارير خبراء مُصمّمة خصيصاً لتبقى على اطلاع دائم، وفي صدارة المتابعين لأهم التطورات العالمية.

بالاشتراك، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا.

موضوعات أخرى
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير

اشترك مجاناً في تقارير إيغل إنتيلجنس

رؤى وتقارير حصرية

تمتّع بإمكانية الوصول إلى تحليلات متعمّقة، ومعلومات استخباراتية حصرية، وتقارير خبراء مُصمّمة خصيصاً لتبقى على اطلاع دائم، وفي صدارة المتابعين لأهم التطورات العالمية.

بالاشتراك، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا.

ايغل انتيلجنس ريبورتس
Privacy Overview

This website uses cookies so that we can provide you with the best user experience possible. Cookie information is stored in your browser and performs functions such as recognising you when you return to our website and helping our team to understand which sections of the website you find most interesting and useful.