مع دخول الحرب الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران شهرها الثامن، تواجه السعودية وتركيا وباكستان تحدياً مشتركاً يتمثل في كيفية كبح جماح الحوثيين في اليمن، دون الانزلاق إلى مواجهة مع إيران، الداعم الرئيسي لهم، حيث اتجهت هذه الدول الثلاث إلى طهران بحثاً عن حلٍّ للمعضلة.
في 26 أكتوبر 2026، عقد وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان، ورئيس أركان الجيش الباكستاني عاصم منير، ورئيس جهاز الاستخبارات التركي إبراهيم قالن، محادثات في طهران، وكان في استقبال الوفود محسن رضائي، رئيس المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، كما التقوا بالرئيس الإيراني مسعود بزشكيان.
ويمثّل المسؤولون الثلاثة أطراف حلف مكة للدفاع المشترك، الموقّع في 7 أغسطس، والذي ينص على أن أي هجوم مسلح على إحدى الدول الأعضاء يُعدّ هجوماً على الدول الثلاث جميعاً.
ويُعدّ هذا الاجتماع أول لقاء رفيع المستوى يجمع إيران بالدول الثلاث في إطار مشترك، منذ تصعيد الحوثيين هجماتهم الصاروخية وهجمات الطائرات المسيّرة على السعودية.
أعلنت وزارة الخارجية السعودية أن الزيارة تهدف إلى احتواء الأزمة ودعم جهود الوساطة بين واشنطن وطهران، التي تقودها قطر وباكستان، حيث انتهت المحادثات من دون التوصل إلى اتفاقات ملموسة، فيما اتفقت الدول الأربع، في بيان مشترك، على مواصلة المشاورات بشأن قضايا السلام والأمن الإقليميين.
وكشفت الزيارة عن الكيفية التي توظّف بها الدول الأعضاء الاتفاق، باعتباره مظلة دفاعية لحماية السعودية وقناةً للتواصل مع إيران، حيث يستند هذا التوجّه إلى حسابات تتعلق بالكلفة والمخاطر؛ إذ إن مساعدة المملكة في الدفاع عن نفسها ضد الحوثيين تنطوي على مخاطر محدودة بالنسبة إلى تركيا وباكستان، في حين أن الدخول في مواجهة مع إيران قد يعرّض أمن حدودهما ومصالحهما التجارية وعلاقاتهما الدبلوماسية للخطر.
تنطوي مساعدة السعودية ضد الحوثيين على مخاطر محدودة لتركيا وباكستان بينما قد تهدد مواجهتهما مع إيران أمنهما ومصالحهما
يعكس هذا الاجتماع مسعى أوسع من جانب ثلاث قوى إقليمية متوسطة الحجم إلى الإسهام في صياغة ترتيبات الأمن الإقليمي، في ظل حالة من عدم اليقين بشأن المرحلة المقبلة من المواجهة الأمريكية الإيرانية.
كانت مخاطر تجدد الحرب تتصاعد مع وصول الوفود إلى طهران، ففي يوم الاجتماع، أعلن التحالف بقيادة السعودية اعتراض صاروخ باليستي أطلقه الحوثيون باتجاه الرياض، وقبل ذلك بيوم، في 25 أكتوبر، قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إنه يدرس التوصل إلى اتفاق مع إيران، بدلاً من اللجوء إلى مزيد من العمل العسكري.
وبحسب تقارير، تستعد واشنطن وطهران لاستئناف الحرب، ربما بعد انتخابات التجديد النصفي الأمريكية المقررة في 3 نوفمبر.
موازنة التهديد الحوثي
تأتي هذه الزيارة في سياق ينسجم مع نظرية موازنة التهديد، التي طرحها الباحث في شؤون التحالفات ستيفن والت، ووفقاً لهذه النظرية، فإن الدول تتحالف في مواجهة الطرف الذي تراه الأكثر خطورة، استناداً إلى عدة معايير، تشمل القوة، والقرب الجغرافي، والقدرات الهجومية، والنوايا.
وعند تقييم الوضع وفقاً لهذه المعايير، يتضح أن الدول الثلاث لا تواجه المستوى نفسه من التهديد، فبالنسبة إلى السعودية، يسجّل الحوثيون مستويات مرتفعة في ثلاثة من المعايير الأربعة: فهم قريبون جغرافياً، ويمتلكون صواريخ بعيدة المدى وطائرات مسيّرة، كما يعلنون عداءهم لها صراحةً.
أما تركيا، التي تربطها علاقات تجارية بإيران وتحظى بحماية حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وباكستان، التي تُعد الهند خصمها الرئيسي، فتنظران إلى إيران باعتبارها دولة مجاورة يتعين التعامل معها وإدارة العلاقة بها.
وبالتالي، فإن هذا الاتفاق يهدف إلى موازنة التهديد المشترك الذي تواجهه أطرافه، والمتمثل في الهجمات الحوثية، وتأتي الزيارة إلى طهران نتيجة لهذا الخيار، ويُنظر على نطاق واسع إلى إيران باعتبارها المصدر الرئيسي لجزء كبير من قدرات الجماعة الصاروخية وقدراتها في مجال الطائرات المسيّرة؛ لذا، يتجه أعضاء الاتفاق إلى العاصمة القادرة على كبح هذا التهديد واحتوائه.
حلف مكة يهدف إلى موازنة التهديد المشترك الذي تواجهه أطرافه والمتمثل في الهجمات الحوثية وتأتي الزيارة إلى طهران نتيجة لهذا الخيار
وكان منير، الذي بادرت بلاده إلى تنظيم هذا الاجتماع، قد دعا إيران في الأسبوع السابق إلى توظيف نفوذها لوقف الهجمات الحوثية، وفقاً لمصادر نقلت عنها وسائل الإعلام التركية الرسمية.
ولا تقتصر موازنة التهديد على نطاق الاتفاق، بل تمتد إلى ما هو أبعد منه، ففي 26 أكتوبر، وافق البرلمان المصري على تقديم دعم عسكري للمساعدة في الدفاع عن المملكة العربية السعودية، في حال طلبت الرياض ذلك.

وكان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قد صرّح بأن هذا الدعم سيقتصر على الأراضي السعودية وحدودها، وهو الخط الدفاعي نفسه الذي رسمته الدول الأعضاء في الاتفاق، حيث لم تنضم مصر إلى الاتفاق حتى الآن، غير أن وزير الخارجية المصري صرّح هذا الشهر بأن مسألة الانضمام لا تزال قيد الدراسة الجادة.
ويفسّر المنطق نفسه سبب عدم تسمية الاتفاق لأي عدو بشكل صريح، حيث أعادت السعودية علاقاتها مع طهران عام 2023، وواصل وزير خارجيتها التواصل مع نظيره الإيراني خلال الحرب.
وإن تسمية إيران عدواً من شأنها أن تثير الانقسام بين الدول الأعضاء، في حين أن التوافق على ضرورة وقف الهجمات الحوثية، والإقرار بقدرة طهران على المساعدة في وقفها، يحافظان على وحدة هذه الدول وتماسكها.
لدى طهران دوافعها الخاصة لاستضافة هذا الاجتماع، ففي ظل احتمال شنّ الولايات المتحدة ضربات جديدة، يُرجَّح أن تكون أولويتها الحيلولة دون انخراط دول الخليج وشركائها في جولة التصعيد المقبلة.
وعقب المحادثات، صرّح رضائي بأن الدول الأربع اتفقت على أن تتولى دول المنطقة مسؤولية توفير الأمن الإقليمي، من دون تدخل أجنبي.
الردع وطمأنة إيران
في حين تفسّر نظرية موازنة التهديد أسباب اصطفاف الدول الثلاث في تحالف واحد، فإن المحادثات في طهران تختبر مدى قدرة هذا الاصطفاف على ردع المزيد من الهجمات من دون التسبب في مواجهة أوسع نطاقًا.
ويعتمد الردع على إقناع الخصم بأن تكلفة شنّ الهجوم ستفوق المكاسب التي يمكن أن يحققها منه، حيث لا يزال الاتفاق في طور بناء قدراته؛ إذ لم تُنشأ بعدُ قيادة عسكرية موحّدة، كما أن المساهمات التي جرى التعهد بها حتى الآن تقتصر على الجانب الدفاعي.
وتعوّض الدول المشاركة هذا النقص بإظهار العزم والإصرار؛ فالمسؤولون الموجودون في طهران سيسهمون في التخطيط لأي ردّ مشترك، الأمر الذي يجعل الالتزام بالتحرك المشترك أكثر جدية، ويصعّب التقليل من شأنه أو تجاهله.
إن عدم تسمية الاتفاق لخصومه صراحة يُبقي الأطراف المعادية في حالة من عدم اليقين بشأن طبيعة الرد الجماعي المحتمل، كما أنه يجعل العوامل التي قد تستدعي مثل هذا الرد أقل وضوحاً، وهو ما قد يغري تلك الأطراف باختبار حدود هذا الاتفاق.
ويتيح اجتماع الدول الأعضاء في طهران لها تحديد خطوطها الحمراء بصورة سرية، بعيداً عن أي مواجهة علنية.
يؤدي الحوار غرضاً إضافياً يتمثل في الحد من المعضلة الأمنية، وهي الحالة التي يرى فيها أحد الأطراف أن الخطوات الدفاعية التي يتخذها الطرف الآخر تشكّل تهديداً له.
يؤدي الحوار غرضاً إضافياً يتمثل في الحد من المعضلة الأمنية وهي الحالة التي يرى فيها أحد الأطراف أن الخطوات الدفاعية التي يتخذها الآخر تشكّل تهديداً له
وفي ظل استعداد إيران لاحتمال تجدد الضربات الأمريكية والإسرائيلية، قد تنظر طهران إلى هذا التحالف باعتباره شكلاً من أشكال التطويق، ما قد يدفعها إلى زيادة دعمها للحوثيين، الأمر الذي قد يؤدي بدوره إلى تعزيز الانتشار العسكري في السعودية، حيث يُظهر رد الفعل على القرار المصري مدى السرعة التي يمكن أن يتشكل بها هذا التصور.
في 27 أكتوبر، اتهم مسؤول حوثي بارز القاهرة بأنها تعلن الحرب فعلياً، بعدما أجازت تقديم دعم عسكري للسعودية، حيث لا يتضمن الاتفاق آلية رسمية للتعامل مع الأزمات التي قد تنشب مع طرف معادٍ، ولذلك تؤدي المحادثات المباشرة دوراً في سد هذه الفجوة.
سياسة التحوّط الاستراتيجي
عند النظر إلى الزيارة من منظور أوسع، يتضح أنها تمثّل خطوة في إطار التحوّط الاستراتيجي، وهو النهج الذي تفضّله القوى المتوسطة في ظل سياسات التحالفات الإقليمية الراهنة، حيث يعني التحوّط الاستراتيجي توزيع الرهانات على شركاء عدة، بما يضمن ألّا ينفرد أي شريك بتحديد مصير الدولة.
ولا تزال السعودية مرتبطة بمنظومات الدفاع الأمريكية، كما أيّد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الاتفاق، ومع ذلك، تعمل الرياض على بناء تحالف إقليمي، وتتحاور مع إيران، وتضغط على واشنطن لتجنّب التصعيد.

ولحذر الرياض دوافع اقتصادية أيضاً، إذ إن الهجمات الصاروخية والمخاطر التي تهدد صادرات الطاقة تشكّل تهديداً لرؤية السعودية 2030، وهي الخطة الرامية إلى تنويع الاقتصاد السعودي.
أما تركيا، فتنتهج سياسة التحوّط الاستراتيجي من خلال الإبقاء على حلف شمال الأطلسي (الناتو) ركيزةً أساسية لأمنها، بالتوازي مع توسيع نطاق حضورها الأمني ليشمل منطقة الخليج.
في المقابل، تنتهج باكستان النهج نفسه عبر التوفيق بين التزاماتها بموجب الاتفاق ودورها وسيطاً بين واشنطن وطهران.
تُسهم سياسة التحوّط الاستراتيجي بدورها في تخفيف المعضلة الاستراتيجية التي يطرحها كل تحالف، إذ يخشى أعضاؤه أن يتخلّى عنهم شركاؤهم، أو أن يُجرّوا إلى حروبهم، إذ تؤكد الزيارة للرياض أن أنقرة وإسلام آباد منخرطتان في هذا المسار على أعلى المستويات.
كما تحصر التزامهما في مهمة دفاعية محدودة المخاطر، تتمثل في حماية السعودية من هجمات الحوثيين، بما يُجنّبهما الانجرار إلى مواجهة عالية المخاطر مع إيران.
بالنسبة إلى واشنطن، يتيح انفتاح الاتفاق على طهران قناةً إقليمية لا تملك الولايات المتحدة السيطرة عليها، حيث تسهم هذه القناة في احتواء اتساع رقعة الحرب، لكنها في الوقت نفسه تُضيّق هامش حرية التحرك الأمريكي، إذ أصبحت السعودية، وهي شريك رئيسي للولايات المتحدة، معنيةً مباشرةً بتجنّب التصعيد مع إيران.
بالنسبة إلى واشنطن يتيح انفتاح حلف مكة على طهران قناةً إقليمية لا تملك الولايات المتحدة السيطرة عليها
السعودية وإيران والأمن الإقليمي
يكشف الاجتماع عن تنافس حول مفهوم الأمن الإقليمي ومعناه، فالمسؤولون الإيرانيون يستخدمون هذا المصطلح لوصف منطقة يتراجع فيها الوجود الأمريكي، أما الرياض وشركاؤها، فيبدو أنهم يرون فيه دوراً إقليمياً أوسع يُكمل القوة الأمريكية، حيث يطال هذا الاختلاف جوهر النظام الأمني الذي سيتشكّل في المنطقة مستقبلاً: هل سيُبنى بالتعاون مع واشنطن أم بمعزل عنها؟.
يميّز خبراء الأمن بين الدفاع الجماعي، الذي تتوحّد فيه الدول لمواجهة تهديد مشترك، والأمن التعاوني، الذي يجلس فيه الخصوم إلى طاولة واحدة لإدارة خلافاتهم، حيث أُسّس حلف مكة لتحقيق الغاية الأولى، لكنه يمارس في طهران الغاية الثانية.
يمتلك كل طرف ما يريده الطرف الآخر، فالرياض تريد وقف هجمات الحوثيين، بينما يبدو أن طهران تسعى إلى إبقاء السعودية وشركائها خارج أي حرب جديدة، وبما أن الاجتماع لم يُفضِ إلا إلى التعهّد بمواصلة الحوار، فإن وتيرة الهجمات الحوثية على السعودية خلال الأسابيع المقبلة ستكشف ما إذا كان من الممكن التوفيق بين مصالح الطرفين، كما ستختبر النتيجة قدرة حلف مكة على تجاوز إطار الدفاع الجماعي والتحوّل إلى آلية لإدارة الأزمات الإقليمية.





