في الأول من يناير، تولى شخص يُعرّف نفسه بأنه اشتراكي ديمقراطي منصب عمدة مدينة نيويورك، أكبر مدن الولايات المتحدة، حيث أدى فوز زهران ممداني في انتخابات رئاسة بلدية نيويورك إلى تسريع وتيرة النقاش حول النفوذ المتزايد للاشتراكية الديمقراطية في السياسة الأمريكية، حيث ساهمت حملة ممداني، التي ركزت على قضايا القدرة على تحمل تكاليف السكن، وضغوط غلاء المعيشة، ودور أكبر للحكومة في الاقتصاد، في تحويل حركة كانت مهمشة سياسياً إلى واحدة من أبرز التيارات السياسية في أمريكا.
ومنذ فوز ممداني، حقق عدد من المرشحين المتحالفين مع الاشتراكية الديمقراطية انتصارات في معاقل الديمقراطيين، ما أدى إلى توسيع حضور الحركة من المنظمات الناشطة إلى المناصب المنتخبة، وفي نيويورك، فاز المرشحون الذين دعمهم ممداني، براد لاندر، وكلير فالديز، ودارياليزا أفيلا شوفالييه، في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي لشغل مقاعد في مجلس النواب.
كما اكتسب مرشحو الاشتراكية الديمقراطية نفوذاً في مناطق أخرى، من بينها فوز كاتي ويلسون في انتخابات رئاسة بلدية سياتل، وفوز جانيز لويس جورج في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي لرئاسة بلدية واشنطن العاصمة، حيث تحظى بفرص قوية للفوز في الانتخابات العامة، وباستثناء ويلسون، فإن جميع هؤلاء المرشحين أعضاء حاليون أو سابقون في منظمة الاشتراكيون الديمقراطيون في أمريكا (DSA)وهي أكبر منظمة ناشطة للاشتراكيين الديمقراطيين في الولايات المتحدة.
منذ فوز ممداني حقق عدد من المرشحين المتحالفين مع الاشتراكية الديمقراطية انتصارات في معاقل الديمقراطين ما أدى إلى توسيع حضور الحركة من المنظمات الناشطة إلى المناصب المنتخبة
ما وراء معاقل المدن التقدمية؟
حتى هذا الأسبوع، ظل صعود الاشتراكيين الديمقراطيين محصوراً في المناطق الحضرية، التي تكون عموماً ذات دخل مرتفع، وتميل فيها الهيئة الناخبة بقوة إلى الحزب الديمقراطي، ما يجعل الانتخابات التمهيدية للحزب بمثابة الانتخابات الحاسمة فعلياً، لكن فوز النائبة عن ولاية فلوريدا، أنجي نيكسون، في فلوريدا يوم الثلاثاء، قد يغير ذلك، حيث فازت نيكسون بترشيح الحزب الديمقراطي لمجلس الشيوخ في مفاجأة كبيرة، متفوقة على المرشح المدعوم من المؤسسة الحزبية أليكس فيندمان.
وركزت حملة نيكسون على العديد من القضايا نفسها، بما في ذلك الوصول إلى الرعاية الصحية، والسكن الميسور، وتوسيع الخدمات العامة، لكن لا يزال يتعين على نيكسون الفوز في انتخابات مجلس الشيوخ في نوفمبر، حيث تتخلف في استطلاعات الرأي بنحو 10 نقاط عن شاغلة المنصب الجمهورية، آشلي مودي.
وستختبر المنافسة ما إذا كانت الرسائل الشعبوية الاقتصادية قادرة على جذب الناخبين خارج المناطق الحضرية ذات التوجه التقدمي القوي، والتي حقق فيها مرشحو الاشتراكية الديمقراطية تقليدياً أفضل نتائجهم، إذ سيحدد نوفمبر ما إذا كانت نيكسون قادرة على إيصال مرشحي الاشتراكية الديمقراطية إلى الساحة الوطنية.

على نطاق أوسع، ستوفر انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر مؤشراً مبكراً على ما إذا كانت التحالفات السياسية التي رسمت ملامح عهد ترامب لدى الجانبين ستظل متماسكة، وفي الوقت الذي يتعين فيه على الحزب الديمقراطي التعامل مع صعود الاشتراكيين الديمقراطيين، يتعين على المرشحين الجمهوريين التعامل مع تنامي الانقسام داخل حركة “ماغا”، إلى جانب التحولات في توجهات ترامب تجاه السياسة الخارجية، ولا سيما تخليه عن الخطاب المناهض للتدخل الذي ساعد في توسيع جاذبيته بين الناخبين المستقلين في عام 2024.
أثارت أولويات ترامب السياسية المتغيرة، ولا سيما الحرب على إيران، حالة من عدم اليقين بشأن ما إذا كان الناخبون المستقلون ذوو التوجه الشعبوي الاقتصادي سيبقون ضمن التحالف الجمهوري، أم سيصبحون أكثر تقبلاً لمرشحين بديلين، سواء كانوا من اليسار التقليدي أو اليمين.
الخطاب الاقتصادي وتحديات الاشتراكية
هناك مسألة مشتركة تجمع بين انتصارات الاشتراكيين الديمقراطيين تتمثل في سياسات القدرة على تحمل تكاليف المعيشة، حيث استفاد مرشحو الاشتراكية الديمقراطية من سياسات استثمار حالة الاستياء والإحباط لدى الناخبين بسبب نقص المساكن، وارتفاع تكاليف المعيشة، والمخاوف من عدم مواكبة الخدمات العامة للضغوط الاقتصادية.
واستقطبت حملاتهم بصورة خاصة الناخبين الشباب الذين يواجهون ارتفاع تكاليف السكن، وثبات الأجور، وارتفاع تكلفة الرعاية الصحية والاحتياجات الأساسية، وبدلاً من التركيز بصورة أساسية على الحجج الأيديولوجية والسياسات الثقافية التي غالباً ما تكون مثاراً للانقسام، قُدمت العديد من الحملات الأخيرة الاشتراكية الديمقراطية باعتبارها استجابة لحالة انعدام الأمان الاقتصادي في الحياة اليومية.
بدلاً من التركيز على الحجج الأيديولوجية والسياسات الثقافية التي غالباً ما تكون مثاراً للانقسام قُدمت الحملات الاشتراكية الديمقراطية الأخيرة باعتبارها استجابة لحالة انعدام الأمان الاقتصادي اليومي
كما تزامن نمو الحركة مع عودة نشاط الحركة العمالية إلى الواجهة في أنحاء الولايات المتحدة، وامتد ذلك أيضاً إلى قطاعات الموظفين والعمال ذوي الياقات البيضاء، ورغم أن نسبة العمال المنضمين إلى النقابات لا تزال عند 10% على مستوى البلاد، إلا أن حملات تنظيم النقابات في قطاعات تشمل التكنولوجيا، والرعاية الصحية، والتعليم، وتجارة التجزئة، أوجدت فرصاً سياسية جديدة للمرشحين الذين يركزون على حقوق العمال وإعادة توزيع الثروة.
وكثيراً ما اصطفّت جماعات الاشتراكيين الديمقراطيين إلى جانب هذه الجهود، بحجة أن النقابات العمالية الأقوى ضرورية لموازنة نفوذ الشركات واستعادة القوة التفاوضية للعمال.
ورغم هذه المكاسب، يواجه الاشتراكيون الديمقراطيون قيوداً كبيرة في محاولتهم التوسع خارج قواعدهم الانتخابية الحضرية التقدمية، فلا تزال الحركة تياراً أقلوياً داخل الحزب الديمقراطي، وواجهت صعوبة في الحصول على دعم واسع بين الناخبين المعتدلين، ولا سيما في الدوائر الانتخابية المتنافسة.
كما أن طبيعة النظام الانتخابي الأمريكي، القائم على حزبين رئيسيين ودوائر انتخابية ذات مقعد واحد، تجعل من الصعب على الحركات الأيديولوجية أو الناشطة تحويل الدعم المحلي المركّز إلى نفوذ على المستوى الوطني.
وتواجه الطموحات السياسية لمرشحي الاشتراكية الديمقراطية أيضاً قيوداً عملية، فتوسيع نطاق السكن الميسور التكلفة يتطلب التغلب على قيود تقسيم المناطق، وارتفاع تكاليف البناء، والمعارضة السياسية من السكان الحاليين، وغالباً ما يكون ذلك في مدن ترتفع فيها قيمة العقارات بشكل كبير.
كما يتطلب زيادة الاستثمار العام تحديد مصادر مستدامة للإيرادات، في حين يمكن أن تواجه المقترحات الرامية إلى زيادة الضرائب على الشركات أو تعزيز أنظمة العمل مقاومة من جانب الشركات التي تخشى ارتفاع التكاليف وتراجع المرونة، وفي نيويورك ومدن كبرى أخرى، لا تزال الفجوة بين أهداف السياسات الطموحة والقدرة الإدارية اللازمة لتنفيذها تمثل تحدياً رئيسياً.
سوابق الاشتراكية الديمقراطية
يبني الصعود الحالي للسياسة الاشتراكية الديمقراطية أيضاً على حركات سابقة داخل الحزب الديمقراطي، بدلاً من أن يحل محلها، فقد طرح شخصيات مثل بيرني ساندرز وألكساندريا أوكاسيو-كورتيز العديد من القضايا الاقتصادية المشابهة في صلب النقاش السياسي العام، لكنهما تحركا غالباً تحت راية التقدمية بدلاً من الاشتراكية الديمقراطية.
وأظهرت حملتا ساندرز الرئاسيتان الناجحتان شعبياً في عامي 2016 و2020 دعماً وطنياً كبيراً لسياسات شملت توسيع تغطية الرعاية الصحية الحكومية، ورفع الضرائب على الثروات، وتعزيز حماية حقوق العمال.

ومع ذلك، ظل كل من ساندرز وأوكاسيو-كورتيز في نهاية المطاف ضمن مؤسسات الحزب الديمقراطي، وأيدا مراراً مرشحين ديمقراطيين من المؤسسة الحزبية، مثل هيلاري كلينتون وجوزيف بايدن، وصوّتا إلى جانب الحزب في معظم القضايا التشريعية الرئيسية، إذ لا يزال من غير الواضح ما إذا كان الحزب الديمقراطي سيتمكن من استيعاب التمرد الاشتراكي الديمقراطي الجديد وتحييده بالطريقة نفسها.
لا يزال من غير الواضح ما إذا كان الحزب الديمقراطي سيتمكن من استيعاب التمرد الاشتراكي الديمقراطي الجديد وتحييده بالطريقة نفسها
تشكل السياسة الخارجية مصدراً محتملاً آخر للتوتر، ولا سيما مع استمرار الأزمة في مضيق هرمز في دفع أسعار السلع الأساسية إلى الارتفاع، فقد تحدى بعض الشخصيات الاشتراكية الديمقراطية المواقف التقليدية للحزب الديمقراطي بشأن الإنفاق الدفاعي، والتدخل العسكري، والالتزامات الأمريكية الخارجية، بما في ذلك العملية في إيران.
وتعكس هذه النقاشات تقليداً مناهضاً للحرب يمتد لفترة طويلة داخل السياسة الاشتراكية الأمريكية، وغالباً ما يستشهد به المرشحون الاشتراكيون الديمقراطيون في الآونة الأخيرة، حيث يشمل هذا التقليد شخصيات مثل يوجين دبس، الزعيم الاشتراكي في أوائل القرن العشرين، الذي عارض مشاركة الولايات المتحدة في الحرب العالمية الأولى، وترشح للرئاسة بينما كان مسجوناً بموجب قانون التجسس.
وتتباين مواقف الاشتراكيين الديمقراطيين المعاصرين بشأن السياسة الخارجية، لكن انتقاد التدخل العسكري والإنفاق الدفاعي لا يزال نقطة خلاف متكررة مع المؤسسة الديمقراطية.
حدود صعود الاشتراكية الديمقراطية
لا تمثل الانتصارات الأخيرة للمرشحين المتحالفين مع الاشتراكية الديمقراطية، حتى الآن، تحولاً وطنياً نحو الاشتراكية، رغم الاهتمام الإعلامي الكبير الذي أعقب انتخاب ممداني رئيساً لبلدية نيويورك.
ولا تزال الحركة تتركز بصورة أساسية في المدن ذات الميل الديمقراطي، كما أن العديد من الشخصيات التي انتُخبت ضمن صفوفها خرجت من دوائر حضرية ذات تعليم مرتفع وطبقة وسطى ومهنية، بدلاً من القاعدة الأوسع للطبقة العاملة التي ارتبطت بها الحركات الاشتراكية تاريخيًا في الولايات المتحدة.
كما واجهت الحركة رد فعل محافظاً ضد السياسات الثقافية الأكثر راديكالية التي سادت في أواخر العقد الثاني وأوائل العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين، والتي بدأ المرشحون الاشتراكيون الديمقراطيون في النأي بأنفسهم عنها. وكانت أوكاسيو-كورتيز نفسها، وهي القائدة الرمزية للحركة والمرشحة المحتملة لمنافسة الرئاسة عن الحزب الديمقراطي في عام 2028، قد أقرت مؤخراً بأن مرحلة “الاستيقاظ الثقافي” السابقة ربما كانت مبالغاً فيها، وأن على الناخبين بدلاً من ذلك “تقييم ما يقوله المرشح الآن”.
ومنذ ذلك الحين، ركز المرشحون التقدميون على مواقف أكثر ارتباطًا بالشعبوية الاقتصادية، بما في ذلك الأجور، وتكاليف الرعاية الصحية، وعدم المساواة، وقد تعتمد الأهمية بعيدة المدى لصعود الاشتراكية الديمقراطية في عام 2026 بدرجة أقل على ما إذا كانت ستنجح في إنشاء قوة سياسية مستقلة، وبدرجة أكبر على كيفية إعادة تشكيلها للحزب الديمقراطي نفسه، فالاشتراكيون الديمقراطيون في أمريكا “ليسوا حزباً سياسياً، بل منظمة ناشطة؛ ولذلك، يتعين على الاشتراكيين الديمقراطيين، بحكم الضرورة، الانضمام إلى أحزاب أخرى والعمل على تغييرها من الداخل.
تعتمد الأهمية بعيدة المدى لصعود الاشتراكية الديمقراطية في 2026 بدرجة أقل على ما إذا كانت ستنجح في إنشاء قوة سياسية مستقلة وبدرجة أكبر على كيفية إعادة تشكيلها للحزب الديمقراطي نفسه
من المرجح أن تظل قضايا عدم المساواة الاقتصادية، والقدرة على تحمل تكاليف السكن، والمخاوف بشأن التحولات التكنولوجية، بما في ذلك التأثير المحتمل للذكاء الاصطناعي على فرص العمل وتوزيع الدخل، في صميم القضايا السياسية.
ومع ازدياد حدة هذه الضغوط، من المرجح أن يستمر المرشحون الاشتراكيون الديمقراطيون في تحقيق تأثير يفوق حجمهم الانتخابي، ما يؤثر على النقاشات الأوسع نطاقاً حول دور الحكومة والعمال والأسواق في الاقتصاد الأمريكي.


