نافذة ما بعد الانتخابات قد تُصعّد الحرب مع إيران

تقرير
نافذة ما بعد الانتخابات قد تُصعّد الحرب مع إيران
ﺷﺎرك

يتركز كثير من النقاش حول الحرب الأمريكية-الإيرانية على ما ستعنيه انتخابات 3 نوفمبر بالنسبة إلى قدرة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على مواصلة الحرب، وخصوصاً إذا جاءت النتائج على غير هوى الجمهوريين، لكن هناك مفارقة أقل حضوراً في هذا النقاش: النتيجة التي قد تقيد ترامب لاحقاً، قد تمنحه أولاً نافذة قصيرة للتحرك قبل أن تبدأ تلك القيود فعلياً.

فالكونغرس الجديد لن يتسلم صلاحياته في اليوم التالي للانتخابات، وإنما في يناير، ما يفتح فترة فاصلة بين 3 نوفمبر إلى 3 يناير قد تكون عتبة الحرب الحقيقية، فإذا جاءت النتائج بصورة تضعف موقع الإدارة داخل الكونغرس المقبل، قد يرى البيت الأبيض في الشهرين الفاصلين فرصة أخيرة لفرض واقع عسكري أو سياسي جديد قبل أن تبدأ جلسات الاستماع والتحقيقات والصراعات على الاعتمادات والضغوط التشريعية التي قد تجعل إدارة الحرب أكثر صعوبة.

فالرهان الإيراني، كما يبدو من مسار المواجهة خلال الأشهر الماضية، لا يقوم على تحقيق تفوق عسكري على الولايات المتحدة، فهذا هدف لا تسمح به موازين القوى، وإنما على الصمود فترة تكفي لكي تنتقل كلفة الحرب من الاقتصاد الإيراني إلى السياسة الأمريكية، وتحديداً الوصول إلى انتخابات التجديد النصفي وهي تحمل معها أسعار الوقود وضغط الرأي العام وتراجع شعبية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

وهنا تكمن المفارقة؛ إذا كانت طهران تراهن على أن نتيجة الانتخابات ستقلص هامش حركة ترامب، فقد تسفر النتيجة نفسها أثراً معاكساً في المدى القصير، وتمنحه حافزاً للتحرك بصورة أسرع قبل يناير، لذلك قد لا تكون أخطر مرحلة في الحرب هي الأسابيع التي تسبق الانتخابات، وإنما الأسابيع التي تليها.

وهذه ليست نتيجة حتمية، لكنها احتمال ينبغي أن يكون في مقدمة حسابات دول المنطقة، فمن الخطأ التعامل مع 3 نوفمبر باعتباره خط النهاية، فقد يكون بداية مرحلة جديدة.

من الخطأ التعامل مع 3 نوفمبر باعتباره خط النهاية فقد يكون بداية مرحلة جديدة

ثلاث نتائج انتخابية.. وثلاث حروب مختلفة

انتخابات 3 نوفمبر نفسها لا تعطي نتيجة واحدة بالنسبة إلى الحرب، بل ثلاثة مسارات سياسية مختلفة يمكن أن تقود إلى ثلاثة حروب مختلفة.

إذا استعاد الديمقراطيون مجلس النواب وبقي مجلس الشيوخ جمهورياً، فسندخل على الأرجح مرحلة استنزاف سياسي وعسكري طويلة، حينها سيصبح البيت الأبيض أكثر حذراً في توسيع الحرب، لأن مجلس النواب الذي يسيطر عليه الديمقراطيون سيملك أدوات رقابية وتشريعية وسياسية تسمح له برفع كلفة القرارات العسكرية، من جلسات الاستماع والتحقيقات إلى الصراع على الاعتمادات والضغط على الإدارة لتبرير استمرار المواجهة.

لكن في المقابل، لن تكون لدى الديمقراطيين القدرة على فرض تحول كامل في السياسة الخارجية ما دام مجلس الشيوخ باقياً في يد الجمهوريين، وما دام الرئيس يحتفظ بصلاحيات تنفيذية واسعة، والنتيجة قد لا تكون سلاماً، وإنما حرباً يصعب توسيعها ويصعب إنهاؤها في الوقت نفسه.

بالنسبة إلى طهران، سيكون مثل هذا السيناريو دليلاً على أن استراتيجية الصمود بدأت تنتج أثراً سياسياً داخل الولايات المتحدة، ومن شأن هذا التصور أن يشجع القادة الإيرانيين على مواصلة تحمل الضغوط، أملاً في أن يصب عامل الوقت بشكل متزايد في صالحهم.

وقد يقود ذلك إلى صراع منخفض أو متوسط الحدة يمتد خلال 2027، بالتوازي مع مفاوضات متقطعة وضغط اقتصادي وعسكري متبادل، من دون أن يمتلك أي طرف الحافز الكافي للانتقال إلى حرب شاملة أو القدرة السياسية على فرض تسوية نهائية.

أما إذا انتقل المجلسان إلى الديمقراطيين، فستصبح الفترة الفاصلة بين الانتخابات وانعقاد الكونغرس الجديد أكثر حساسية، وفي هذه الحالة قد يرى البيت الأبيض أن ما يمكن فعله قبل يناير سيكون أكثر صعوبة بعده، وهنا تصبح نافذة الشهرين بين 3 نوفمبر و3 يناير أخطر.

لن يعني ذلك أن الكونغرس الجديد يستطيع ببساطة إنهاء الحرب، أو أن أدوات الرئيس في السياسة الخارجية ستختفي، لكنه سيجعل البيئة السياسية المحيطة بالحرب أكثر صدامية بالنسبة إلى الإدارة، فكلما بدت القيود السياسية المقبلة أكبر، ارتفعت احتمالات أن يسعى ترامب إلى تثبيت واقع عسكري أو تفاوضي جديد قبل أن تبدأ تلك القيود، وقد يكون ذلك عبر تصعيد محدود لكنه مؤثر، أو عملية عسكرية كبيرة، أو محاولة فرض شروط جديدة على طهران قبل وصول الكونغرس الجديد، وهكذا قد تصبح النتيجة الانتخابية التي تتوقع إيران أنها ستقيد ترامب لاحقاً حافزاً قصير المدى يدفعه إلى التصرف بسرعة أكبر.

كلما بدت القيود السياسية المقبلة أكبر ارتفعت احتمالات أن يسعى ترامب إلى تثبيت واقع عسكري أو تفاوضي جديد قبل أن تبدأ تلك القيود

أما السيناريو الثالث، وهو احتفاظ الجمهوريين بالمجلسين، فقد يكون الأكثر إرباكاً للحسابات الإيرانية، فمثل هذه النتيجة ستوجه ضربة سياسية مهمة إلى الاستراتيجية التي تراهن على أن إطالة الحرب حتى الانتخابات ستؤدي تلقائياً إلى تآكل قدرة ترامب السياسية على مواصلتها.

لن تمنح الانتخابات ترامب تفويضاً مطلقاً في إيران، ولن تلغي الاعتراضات داخل الولايات المتحدة على الحرب أو كلفتها الاقتصادية، لكنها ستضعف الفرضية الأساسية التي يقوم عليها رهان طهران.

إذا تحمل الاقتصاد الإيراني شهوراً إضافية من العقوبات والضربات والضغط على صادرات النفط، وانتظر صانع القرار الإيراني حتى نوفمبر على أمل أن تغير الانتخابات ميزان الحركة السياسية في واشنطن، ثم خرج الجمهوريون من الانتخابات وهم ما يزالون يسيطرون على المجلسين، فسيصبح السؤال في طهران أكثر قسوة: إذا لم يكن نوفمبر هو المخرج، فإلى متى يمكن الاستمرار؟.

هذا السؤال قد يكون أخطر من أي ضربة عسكرية، لأنه يعني أن إيران ستحتاج إلى إعادة تقييم ليس فقط قدرتها على الاحتمال، وإنما الافتراض السياسي الذي بُني عليه جزء من استراتيجية الصمود، وحينها قد تصبح تكلفة الانتظار أكبر من فائدته، وهنا تظهر مفارقة أخرى.

إذا لم تعد الانتخابات الأمريكية توفر مساراً واقعياً وقريب الأمد لتحسين الأوضاع السياسية، فقد تصبح المفاوضات وسيلةً لإنهاء عملية استنزافٍ باتت نهايتها محفوفةً بقدرٍ متزايدٍ من عدم اليقين. ومن هذا المنظور، قد يؤدي فوز الجمهوريين إلى تعزيز موقف واشنطن، مع خلق حوافز جديدة للدبلوماسية في آنٍ واحد.

فالنتيجة التي تبدو ظاهرياً الأكثر ملاءمة لترامب لمواصلة الضغط على إيران قد تكون، في الوقت نفسه، النتيجة التي تدفع طهران بصورة أسرع إلى البحث عن تسوية، فإذا لم تعد الانتخابات الأمريكية توفر مخرجاً قريباً، فقد يصبح التفاوض وسيلة لوقف استنزاف لم يعد من الواضح متى سينتهي، ومن هذا المنظور، قد يؤدي فوز الجمهوريين إلى تعزيز موقف واشنطن، مع خلق حوافز جديدة للدبلوماسية في آنٍ واحد.

3 نوفمبر قد يكون بداية السؤال

لهذا ينبغي لدول الخليج والدول العربية الأخرى المتأثرة بالمواجهة ألا تنظر إلى الانتخابات الأمريكية باعتبارها نقطة تحول ستؤدي تلقائياً إلى خفض التصعيد، فقد يحدث العكس.

إذا جاءت الانتخابات بنتيجة تضعف ترامب داخل الكونغرس المقبل، فقد تبدأ مرحلة يسعى فيها البيت الأبيض إلى تثبيت نتائج عسكرية أو سياسية قبل يناير، وإذا أبقت الانتخابات الجمهوريين في موقع قوي، فقد تضطر إيران إلى إعادة النظر في رهانها على الزمن نفسه.

تُضيف الحسابات الإسرائيلية مصدراً آخر لعدم اليقين، لا سيما إذا خلص رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إلى أن تطورات الصراع تخلق فرصة لتغيير ميزان القوى الاستراتيجي مع إيران، ولعل الأكثر غرابة في هذه الحرب أن الجميع يقف على رؤوس الأصابع، فإذا وقع حادث كبير، قد تختفي كل هذه الحسابات دفعة واحدة.

 تُضيف الحسابات الإسرائيلية مصدراً آخر لعدم اليقين لا سيما إذا خلص نتنياهو إلى أن تطورات الصراع تخلق فرصة لتغيير ميزان القوى الاستراتيجي مع إيران

فقبل أيام وقف الجميع على رؤوس أصابعهم مع بدء انتشار المعلومات عن محاولة إسقاط طائرة “فلاي دبي” المتجهة إلى تل أبيب، وعلى متنها أكثر من 170 إسرائيلياً، فلو نجحت المحاولة وسقطت الطائرة، لكان من الصعب تصور بقاء المواجهة ضمن حدودها الحالية، إذ كان الحادث مرشحاً لأن يتحول إلى الشرارة التي تشعل الحرب بكامل قوتها، وربما لم يكن قرار التدخل الإسرائيلي المباشر ليحتاج من بنيامين نتنياهو إلى كثير من الوقت، ففي مثل هذه اللحظات تكون الأيدي بالفعل أقرب إلى الزناد من أي حسابات سياسية بعيدة المدى.

يكمن الخطر الجوهري للمرحلة الراهنة في أن الأطراف الفاعلة استراتيجياً قد تعتقد أنها تدير مسار التصعيد، بينما تظل عرضة لحدث واحد قادر على تغيير المشهد السياسي بين عشية وضحاها.

لهذا فإن ما ينبغي مراقبته خلال الأسابيع المقبلة لا يقتصر على حاملات الطائرات، والقواعد الأمريكية، ومنصات الصواريخ الإيرانية، وأسعار النفط، واستطلاعات الرأي، فهناك أيضاً أربع لحظات ينبغي النظر إليها باعتبارها مصادر محتملة لتغيير مسار الحرب: النتيجة الدقيقة لانتخابات الكونغرس، الفترة بين 3 نوفمبر و3 يناير، الحسابات الانتخابية الإسرائيلية، والحادث غير المتوقع الذي يمكن أن يفرض على الجميع حرباً لم يكونوا يخططون لخوضها بهذه الصورة.

التركيز على 3 نوفمبر وحده قد يقود إلى قراءة مضللة للمشهد، فالانتخابات قد تغير البيئة السياسية، لكنها لا تنهي الحرب، وقد يكون السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت الانتخابات ستقيد ترامب أم لا، وإنما أي نوع من الحرب ستنتجه في اليوم التالي، هل سنصل إلى مجلس منقسم قد يطيل حرب الاستنزاف، أو ديمقراطي بالكامل قد يجعل ترامب وإدارته أكثر تقييداً بعد يناير، أو سيطرة جمهورية قد تدفع طهران إلى اكتشاف أن الساعة التي انتظرتها طويلاً لم تمنحها المخرج الذي كانت تراهن عليه.

وعندها لن يكون السؤال: من استطاع الصمود حتى 3 نوفمبر؟، بل: ماذا سيفعل كل طرف عندما يكتشف أن نتيجة 3 نوفمبر أنتجت حرباً مختلفة عن تلك التي كان يستعد لها؟.

عندها لن يكون السؤال: من استطاع الصمود حتى 3 نوفمبر؟ بل: ماذا سيفعل كل طرف عندما يكتشف أن نتيجة 3 نوفمبر أنتجت حرباً مختلفة عن تلك التي كان يستعد لها؟

عمر القاسم

المؤسس ورئيس تحرير منصة إيغل إنتيلجنس ريبورتس، المتخصصة في التحليل السياسي والاستراتيجي المعمّق. يمتلك خبرة طويلة في العمل الإعلامي، ويقدّم قراءات تحليلية تغطي قضايا الجغرافيا السياسية، الصراعات الدولية، والتحولات في موازين القوى العالمية.

اشترك مجاناً في تقارير إيغل إنتيلجنس

رؤى وتقارير حصرية

تمتّع بإمكانية الوصول إلى تحليلات متعمّقة، ومعلومات استخباراتية حصرية، وتقارير خبراء مُصمّمة خصيصاً لتبقى على اطلاع دائم، وفي صدارة المتابعين لأهم التطورات العالمية.

بالاشتراك، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا.

موضوعات أخرى
تجمع سابق لأنصار الرئيس البرازيلي السابق جايير بولسونارو (أ ف ب)
تقرير
دونالد ترامب ووزير الدفاع بيت هيغسيث يؤديان التحية العسكرية أثناء مرور قتلى الجيش الأمريكي (أ ف ب)
تقرير
لقطة من فيديو نشره الجيش الأمريكي تظهر لحظة ضرب سفينة إيرانية قرب هرمز (أ ف ب)
تقرير
القيادة المركزية الأمريكية خلال فرض الحصار البحري على إيران (أ ف ب)
تقرير
اجتماع لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بشأن السودان في مقر الأمم المتحدة (أ ف ب)
تقرير ضيف مشارك
صائغ مجوهرات يحمل قطعة من الذهب في الخرطوم (أ ف ب)
تقرير ضيف مشارك
أردوغان لدى استقباله ترامب في أنقرة (أ ف ب)
تقرير
تقرير

اشترك مجاناً في تقارير إيغل إنتيلجنس

رؤى وتقارير حصرية

تمتّع بإمكانية الوصول إلى تحليلات متعمّقة، ومعلومات استخباراتية حصرية، وتقارير خبراء مُصمّمة خصيصاً لتبقى على اطلاع دائم، وفي صدارة المتابعين لأهم التطورات العالمية.

بالاشتراك، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا.

ايغل انتيلجنس ريبورتس
Privacy Overview

This website uses cookies so that we can provide you with the best user experience possible. Cookie information is stored in your browser and performs functions such as recognising you when you return to our website and helping our team to understand which sections of the website you find most interesting and useful.