حذّر بيل غيتس مؤخراً من أن التحول المتسارع نحو الذكاء الاصطناعي قد يقود العالم إلى واحدة من أكثر الفترات اضطراباً في تاريخ البشرية، فمن المتوقع أن تشهد الإنتاجية في قطاعات عدة، من بينها الخدمات القانونية والقطاع المالي والطب والبرمجيات، قفزة كبيرة بفضل الذكاء الاصطناعي، مع احتمال أن يحل محل جزء من القوى العاملة بصورة دائمة، إذ يرى غيتس أن معظم الحكومات لا تزال غير مهيأة، من الناحية الهيكلية، لمواجهة التحولات والاضطرابات الاقتصادية والاجتماعية الكبرى التي قد تترتب على هذا التحول.
يقول غيتس: إن “الذكاء الاصطناعي قد يكون أعظم أداة لتحقيق المساواة على الإطلاق، أو أسوأ مصدر للظلم”، مؤكداً أن المسار الذي ستتخذه هذه التكنولوجيا سيتوقف إلى حد كبير على قدرة القادة على إدارة الخيارات والقرارات التي يتخذونها في المرحلة الراهنة.
يثير هذا التحذير تساؤلاً أساسياً حول الجهة التي ستؤول إليها الثروة الجديدة من الذكاء الاصطناعي، وهنا يبرز سؤال آخر: إذا جعل الذكاء الاصطناعي دولة ما أكثر ثراء بصورة كبيرة، فهل سيجعلها أيضاً أقوى عسكرياً؟، فالمقاييس التقليدية للقوة الوطنية تدفع إلى إجابة بديهية: نعم، فالثروة تتيح شراء التكنولوجيا، والتكنولوجيا تمنح التفوق، والاقتصاد الأكثر ثراء يحسم في نهاية المطاف الحروب الطويلة، غير أن هذا الافتراض يتجاوز حلقة أساسية في هذه السلسلة، فبين الموارد الاقتصادية والقوة العسكرية القابلة للاستخدام، توجد حلقة وسيطة لا تعكسها أي ميزانية أو قائمة مالية، ألا وهي: “القابلية للتحويل”.
قبل الحرب العالمية الثانية، كانت الولايات المتحدة تمتلك قوة عسكرية كامنة هائلة؛ إذ فاق ناتجها المحلي الإجمالي نظيره لدى منافسيها بمراحل، كما أن جزءاً كبيراً من اقتصادها الصناعي كان يقع فعلياً على مقربة من مرافق الإنتاج العسكري، حيث كان بالإمكان إعادة توظيف خطوط تجميع السيارات، وورش تصنيع الآلات، ومصاهر المعادن، والمصانع الكيميائية، وأحواض بناء السفن، والبنية التحتية للطاقة، والعمالة الصناعية الماهرة، لتلبية احتياجات الحرب.
تتمثل “القابلية للتحويل العسكري” في السرعة والعمق والسلاسة الهيكلية التي تتيح لدولة ما تحويل قاعدتها الاقتصادية وقواها العاملة الماهرة ورؤوس أموالها وتقنياتها إلى قوة قتالية فعلية جاهزة للاستخدام ضمن أطر زمنية حاسمة، أما القوة العسكرية القابلة للتعبئة، فهي ما تستطيع الحكومة حشده وتوليده عند وقوع أزمة، حيث يكتسب هذا التمييز أهمية بالغة في عصر الذكاء الاصطناعي؛ إذ يمكن للثروة الخوارزمية والمالية أن تنمو بمعدلات متسارعة في القوائم المالية، بينما تظل الأدوات الصناعية، وصناعات التعدين والمعالجة المعدنية، وخطوط إنتاج المواد الدافعة اللازمة لخوض الحرب، رهينة الجداول الزمنية البطيئة للصناعات الثقيلة.
يمكن للثروة الخوارزمية والمالية أن تنمو بمعدلات متسارعة في القوائم المالية بينما تظل معدات التصنيع والصناعات المعدنية وخطوط إنتاج المواد الدافعة اللازمة للعمليات العسكرية خاضعة للإيقاع البطيء للصناعات الثقيلة
بدلاً من تقليص الجدوى الاستراتيجية للمزايا الناجمة عن الحجم الاقتصادي، يرتقي الذكاء الاصطناعي بالركيزة المادية والصناعية الكامنة وراء ذلك ليجعلها المحدِّد الحاسم للقوة العسكرية، وهذا بدوره يكشف عن المفارقة الجوهرية للعصر الرقمي؛ إذ يمكن للذكاء الاصطناعي أن يجعل الدول أكثر ثراء بشكل هائل، وفي الوقت نفسه يجعل من إجمالي الناتج المحلي مؤشراً أقل موثوقية بكثير لقياس القوة العسكرية التي يمكن لتلك الدول حشدها عند الحاجة.

تحول الناتج المحلي إلى ترسانة
في ديسمبر 1940، قال الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت للأمريكيين: إن على الولايات المتحدة أن تصبح ترسانة الديمقراطية الكبرى، حيث لم تكن تلك الترسانة مجرد موارد ورؤوس أموال، بل كانت نتاج قابلية هيكلية عالية لتحويل الصناعة الأمريكية نحو المجهود الحربي، حيث كانت خطوط تجميع السيارات تستخدم بالفعل كميات هائلة من الفولاذ والمطاط والزجاج وأدوات التصنيع الدقيقة، ومع الانتقال إلى اقتصاد الحرب، تحولت هذه الخطوط لإنتاج الدبابات وهياكل الطائرات والذخائر ومنظومات الأسلحة، حيث تسارع إنتاج أدوات الآلات، وتوسعت المسابك، وأُعيد تجهيز المصانع المدنية بسرعة، فيما جرى توجيه سلاسل الإمداد لتلبية متطلبات الحرب.
بحلول عام 1945، كانت الصناعة الأمريكية قد أنتجت أكثر من 300 ألف طائرة، وعشرات الآلاف من المركبات المدرعة، وآلاف السفن القتالية وسفن الشحن، فضلًا عن كميات هائلة من الذخائر.
ومع ذلك، فإن هذا الحشد التاريخي استغرق سنوات لا أشهراً؛ فقد كانت عملية إعادة التسلح الأمريكية جارية بالفعل قبل وقت طويل من الهجوم على “بيرل هاربور”، وذلك من خلال تشريعات مبكرة لتوسيع الأسطول البحري، وطلبات الشراء التي قدمتها دول الحلفاء، والاستثمارات المبكرة في قطاع الآلات والمعدات الصناعية، وبرامج الدعم الموجهة.
حتى في ظل ظروف هيكلية مواتية للغاية، لم تكن عملية التحول الصناعي تحدث تلقائياً؛ فالقدرات الاقتصادية الكامنة تتطلب فترة زمنية طويلة نسبياً قبل أن تتحول إلى قوة قتالية فعلية وجاهزة للاستخدام، مثل وجود منشآت التصنيع المدني على مقربة من مراكز تلبية الاحتياجات الدفاعية.
تستند هذه الحقيقة إلى أسس راسخة في اقتصاديات الدفاع، كما صاغها كلاوس كنور عام 1956، حيث لاحظ أن القدرة على خوض الحرب تعتمد بدرجة أكبر بكثير على الهيكل الصناعي والقدرة الإدارية، وليس على حجم الناتج الإجمالي وحده، وبالمثل، بيّن بول كينيدي أن نتائج التنافس بين القوى الكبرى تعتمد على مدى قدرة الدول على توظيف مواردها الإنتاجية الملموسة بفاعلية لتحقيق أهداف استراتيجية، ومؤخراً أظهرت أبحاث مايكل بيكلي حول الموارد الصافية كيف يمكن للمؤشرات الاقتصادية الإجمالية أن تحجب التكاليف الإدارية والإنتاجية التي يتعين على الدول تحملها قبل أن تتحول ثرواتها إلى قوة قابلة للاستخدام الاستراتيجي.
يمكن للمؤشرات الاقتصادية الإجمالية أن تحجب التكاليف الإدارية والإنتاجية التي يتعين على الدول تحملها قبل أن تتحول ثرواتها إلى قوة قابلة للاستخدام الاستراتيجي
منذ ذلك الحين، تغيرت تركيبة الناتج الاقتصادي الحديث بصورة كبيرة، فرأس المال قابل لإعادة التوظيف، لكن البنية التحتية الصناعية المتخصصة ليست كذلك، إذ لا تستطيع الدولة تحويل الائتمان السيادي أو تقييمات أسواق الأسهم بسرعة إلى قدرات صناعية دفاعية.
حتى الآن، ظهرت أبرز مكاسب الإنتاجية الناجمة عن الذكاء الاصطناعي التوليدي في القطاعات كثيفة المعرفة، مثل تحليل البيانات والبرمجيات والقطاع المالي والعمل القانوني والخدمات المهنية، حيث تسهم هذه القطاعات في زيادة الناتج المحلي الإجمالي، لكن مسارات تحويل هذا النمو إلى قدرات عسكرية مادية أطول بكثير وأقل مباشرة من تلك المرتبطة بأدوات التصنيع، والصناعات المعدنية، والكيماويات، أو التصنيع المتقدم.
في مفارقة لافتة في اقتصاديات الدفاع، أدى الطلب المتزايد على العتاد الذي يفرضه الذكاء الاصطناعي إلى طفرة صناعية محدودة النطاق؛ إذ تُعبَّأ رؤوس الأموال على نطاق واسع لإنشاء مزارع الخوادم وإنتاج أشباه الموصلات، في حين تتراجع الكتلة الصناعية المادية اللازمة لصناعة أدوات الحرب.
فجوة قابلية تحويل الذكاء الاصطناعي
يؤثر الذكاء الاصطناعي في القوة العسكرية عبر ثلاث آليات متنافسة ومتداخلة، أولاً، يهدد أثر تغير التركيبة الاقتصادية بتوسيع فجوة قابلية التحويل إلى قوة عسكرية، فعندما تتزايد حصة القيمة الاقتصادية المتراكمة في القطاعات غير الملموسة والآلية والرقمية، يصبح الناتج المحلي الإجمالي مؤشراً أقل فائدة لقياس الإمكانات القتالية التي يمكن للدولة تعبئتها.
توفر الثروة غير الملموسة موارد مالية للدولة، لكن تحويل هذه الموارد إلى منظومات أسلحة وذخائر يتطلب اجتياز سلاسل طويلة ومعقدة من عمليات التصنيع الدفاعي، كما أن وصول الحكومات إلى الثروة غير الملموسة أكثر صعوبة؛ فالنماذج والبرمجيات المرخّصة والقدرات الحاسوبية تتركز لدى عدد محدود من الشركات الخاصة، ما يجعل من الصعب على الدول الاستحواذ عليها أو تسخيرها بالطريقة التي كانت تصادر بها المسابك والمنشآت الصناعية في السابق.
النماذج والبرمجيات المرخّصة والقدرات الحاسوبية تتركز لدى عدد محدود من الشركات الخاصة ما يجعل من الصعب على الدول الاستحواذ عليها أو تسخيرها بالطريقة التي كانت تصادر بها المسابك والمنشآت الصناعية
ثانياً، يمكن لأثر زيادة الإنتاجية أن يضيّق فجوة قابلية التحويل إلى قوة عسكرية، فعندما يُطبَّق الذكاء الاصطناعي على العمليات الهندسية والإنتاجية المادية، فإنه يرفع كفاءة القدرات الصناعية القائمة بصورة كبيرة، حيث تتيح تقنيات التصميم التوليدي، والتوائم الرقمية، والصيانة التنبؤية، ومراقبة الجودة باستخدام الرؤية الحاسوبية، والروبوتات ذاتية التشغيل، لقوى عاملة أصغر إنتاج كميات مادية أكبر بكثير، كما يمكن اختصار دورات تطوير النماذج الأولية من سنوات إلى أسابيع، في حين تستطيع خطوط الإنتاج المعتمدة على البرمجيات التكيف لحظياً مع متطلبات الإنتاج.
ثالثاً، يضيف أثر الموارد المادية المتنامي تعقيداً جديداً إلى الحدود الفاصلة بين الاقتصاد الرقمي والاقتصاد المادي، فرغم أن الذكاء الاصطناعي ينتج مخرجات غير ملموسة، إلا أن بصمته التحتية أصبحت مادية بصورة هائلة، إذ يستهلك كميات ضخمة من الكهرباء، وأشباه الموصلات المتقدمة، والمحولات عالية الجهد، وأنظمة التبريد، والمواد النادرة، والكوادر الفنية المتخصصة، وهذا التحول يحمل وجهين متناقضين؛ فمن جهة، يمكن أن يدفع نحو تحديث أوسع للبنية التحتية الوطنية للطاقة والصناعة، ومن جهة أخرى، قد يزاحم بصورة مباشرة القاعدة الصناعية الدفاعية على المدخلات النادرة والكفاءات الهندسية.
وقد تتطلب التعبئة في عصر الذكاء الاصطناعي، بصورة متزايدة، من الحكومات اتخاذ قرارات صعبة سياسياً بشأن توزيع الموارد بين البنية التحتية المدنية للذكاء الاصطناعي والإنتاج الدفاعي.
عموماً، يعتمد تأثير هذه الآليات على القاعدة الاقتصادية والمادية التي يُطبَّق عليها الذكاء الاصطناعي، حيث تُظهر الصين مدى قوة دمج الذكاء الاصطناعي في قاعدة صناعية ومادية كثيفة، إذ تستحوذ على نحو 30% من الإنتاج الصناعي العالمي، كما تتصدر بكين العالم في تركيب الروبوتات الصناعية، وبناء السفن التجارية، وتقنيات كيمياء البطاريات، ومعالجة المعادن الحيوية، ومنذ إطلاق مبادرة “صنع في الصين 2025” عام 2015، انتهجت السياسة الصناعية الصينية نهجاً يربط بصورة متعمدة بين الذكاء الاصطناعي والأتمتة من جهة، والإنتاج الصناعي الثقيل من جهة أخرى.
لكن الحجم الصناعي وحده لا يكفي لتجاوز مواطن الضعف؛ إذ لا تزال بكين تواجه تحديات مستمرة في تقنيات الطباعة الحجرية لأشباه الموصلات المتقدمة، واعتماد محركات التوربينات المروحية ذات نسبة الالتفافية العالية، والصناعات المعدنية المتقدمة، فضلاً عن هياكل القيادة التنظيمية الجامدة.
وفي المقابل، يحتفظ الاقتصاد الأمريكي، الذي يغلب عليه قطاع الخدمات، بمزايا كبيرة في ابتكار النماذج الأساسية، وهندسة الحوسبة المتقدمة، وتخصيص رأس المال، وهندسة الطيران والفضاء، إلى جانب شبكات تكنولوجية متينة مع الحلفاء، وعليه، فإن الزيادات المتطابقة في النمو الاقتصادي المدفوعة بالذكاء الاصطناعي قد تفضي إلى نتائج استراتيجية متباينة بصورة كبيرة، تبعاً لقاعدة التصنيع المادية التي تستند إليها.
الزيادات المتطابقة في النمو الاقتصادي المدفوعة بالذكاء الاصطناعي قد تفضي إلى نتائج استراتيجية متباينة بصورة كبيرة تبعاً لقاعدة التصنيع المادية التي تستند إليها
تُظهر الحرب الروسية-الأوكرانية وحرب إيران 2026 أن الحكومات قادرة على إقرار مليارات الدولارات للإنفاق الدفاعي في غضون وقت قصير للغاية، غير أن تحويل هذه القدرة المالية إلى منشآت إنتاج جديدة قد يستغرق سنوات، فحتى بعد إبرام عقد بقيمة 58.6 مليار دولار مع شركة لوكهيد مارتن في يوليو 2026، استمرت الجهود الأميركية لزيادة إنتاج صواريخ باتريوت الاعتراضية، إذ لا تقتصر هذه الصعوبات في تحويل الموارد المالية إلى قدرات إنتاجية على معدلات استهلاك الذخائر فحسب؛ فالمال والطاقة الإنتاجية الصناعية يعملان وفق جداول زمنية مختلفة.
يبدو أن أوكرانيا تقدم تجربة مغايرة، إذ يُظهر إنتاج الطائرات المسيّرة أن بالإمكان بناء قوة قتالية من المكونات الإلكترونية التجارية، بدلاً من الاعتماد على الصناعات الثقيلة، لكن هذه الطائرات تعمل بمحركات وبطاريات وخلايا بصرية صينية، ما يعني أن قابلية التحويل إلى قوة عسكرية هنا مستعارة عبر سلسلة إمداد يمكن قطعها، حيث لم تختفِ العمقُ المادي للصناعة، بل انتقل إلى الدولة التي تنتج هذه المكونات، وسيكون التوازن بين البعدين الرقمي والمادي عاملاً أساسياً في تحديد قدرة الدول على تحويل تطور الذكاء الاصطناعي إلى قدرات قتالية قابلة للاستخدام.

قياس القوة في عصر الذكاء الاصطناعي
لا يزال الناتج المحلي الإجمالي مقياساً مهماً لحجم الموارد المتاحة للدولة، لأنه يعكس قدرتها على زيادة الإيرادات، والاقتراض بتكلفة منخفضة، وتمويل الأبحاث، وتحمل أعباء الحرب، غير أن حجم الثروة الإجمالي لا يكشف سوى القليل عن سرعة تحويل الموارد إلى قوة عسكرية؛ أي عن حجم القدرات العسكرية الإضافية التي تستطيع الدولة توليدها من تلك الموارد خلال الإطار الزمني المتاح.
تكتسب هذه التفرقة أهمية خاصة لأن الجداول الزمنية لتحويل القدرات الصناعية إلى إنتاج عسكري، وتلك التي تتصاعد خلالها الأزمات العسكرية، تتحرك بوتيرة مختلفة على نحو متزايد، فتوسعة المصانع وأحواض بناء السفن وتأهيل القوى العاملة الماهرة تستغرق سنوات، فعندما تتحول أزمة ما إلى حرب مفتوحة خلال أسابيع، تصبح الإمكانات الاقتصادية التي لا تتوافر إلا بعد فوات الأوان محدودة القيمة بالنسبة إلى صانعي السياسات والقيادات العسكرية الذين يحتاجون إلى الموارد بصورة فورية.
عندما تتحول أزمة ما إلى حرب مفتوحة خلال أسابيع تصبح الإمكانات الاقتصادية التي لا تتوافر إلا بعد فوات الأوان محدودة القيمة بالنسبة إلى صانعي السياسات والقيادات العسكرية الذين يحتاجون إلى الموارد بصورة فورية
يتطلب تقييم القوة الوطنية في عصر الذكاء الاصطناعي النظر إلى ما وراء الناتج الاقتصادي الإجمالي، فحجم الإنتاج الصناعي، والقدرة على زيادة الإنتاج بسرعة، وتوافر العمالة الماهرة والطاقة، وإمكانية الوصول إلى المواد الحيوية، وعمق سلاسل الإمداد، كلها مؤشرات تساعد على قياس القوة التي يمكن للدولة تعبئته، إذ يضيف الذكاء الاصطناعي متغيراً آخر: مدى بقاء مكاسب الإنتاجية متركزة في الأنشطة الاقتصادية غير الملموسة، أو امتدادها إلى المنظومات المادية المسؤولة عن إنتاج القدرات العسكرية.
على المدى الطويل، قد تؤدي الاختراقات التكنولوجية إلى تغيير هذه المعادلة بصورة كبيرة، فإذا أسهم الذكاء الاصطناعي في تسريع التقدم في مجال الاندماج النووي التجاري وهندسة أنظمة الطاقة من الجيل المقبل، فقد تتيح وفرة الطاقة في نهاية المطاف دعم كل من الحوسبة فائقة النطاق والتصنيع كثيف استهلاك الطاقة.
ولهذا، لا يمكن أن يقتصر النقاش حول الذكاء الاصطناعي على سباق تطوير أفضل النماذج أو تأثيرها الاقتصادي، فغيتس يطرح سؤالاً حول كيفية ضمان الحكومات استفادة الجميع من الازدهار الذي يولده الذكاء الاصطناعي، لكن يتعين على صانعي السياسات وخبراء الأمن القومي طرح سؤال آخر متصل بذلك: ما حجم هذا الازدهار الذي يمكن تحويله إلى قوة وطنية عندما تحتاج الدولة إليه فعلياً؟
في المحصلة، تتحول المنافسة بين القوى الكبرى تدريجياً بعيداً عن سؤال من يراكم أكبر قدر من الثروة الرقمية، ليركز على سؤال أكثر حسماً: من يستطيع تحويل هذه الثروة إلى قوة في الوقت المناسب؟، حيث ستكون الأفضلية من نصيب الدول القادرة على تحويل السيليكون إلى فولاذ، والخوارزميات والبرمجيات إلى وفرة في الطاقة وقدرات مادية، والإمكانات الاقتصادية الكامنة إلى قوة قتالية قابلة للتعبئة، عندما تفشل جهود الردع.


